قاعدة رقم الطعن رقم 64 لسنة 17 ق “دستورية”لم يتم التعرف على تاريخ الجلسة
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الثامن
من أول يوليو 1996 حتى آخر يونيو 1998 – صـ 1108
جلسة 7 فبراير 1998
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: حمدي محمد علي والدكتور عبد المجيد فياض وماهر البحيري ومحمد سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 64 لسنة 17 ق "دستورية"
1 – دعوى دستورية: "المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها".
مناط هذه المصلحة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – هو اتصالها برابطة منطقية بالمصلحة
التي يقوم بها النزاع الموضوعي – وذلك بأن يكون الفصل في المسائل الدستورية لازماً
للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها.
2 – حق التقاضي "عدم التمايز".
الناس لا يتمايزون فيما بينهم في مجال حقهم في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي – عدم تمايزهم
في نطاق القواعد الموضوعية والإجرائية التي تحكم الخصومة القضائية – ولا في طرق الطعن
التي تنتظمها.
3 – أحكام "طرق الطعن"
طرق الطعن في الأحكام أوثق اتصالاً بالحقوق التي تتناولها سواء في مجال إثباتها أو
نفيها.
4 – نصوص عقابية – شرعية دستورية.
لا يجوز إسباغ الشرعية الدستورية على نصوص عقابية لا تتكافأ معها وسائل الدفاع التي
أتاحتها لكل من سلطة الاتهام ومتهمها.
5 – دستور – حق الدفاع "محامون".
ضمان حق الدفاع الذي كفله الدستور يفترض أن يكون دور المحامين فاعلاً فلا يعاق.
6 – دستور – حرية شخصية.
كفالة الدستور الحرية الشخصية باعتبار أنها من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز الإخلال
بها.
7 – قانون جنائي "قواعد إجرائية"
دستورية هذه القواعد تفترض ألا يقيم المشرع بين المخاطبين بها تمييزاً غير مبرر وألا
تحول الفوارق بينها دون تساويهم في الانتفاع بضماناتهم.
8 – دستور – افتراض البراءة – حق الدفاع.
افتراض براءة المتهم – وفقاً للدستور – مؤداه ألا يدان عن الجريمة المتهم بارتكابها
إلا وفق قواعد منصفة لا تخل بحقه في الدفاع.
9 – حق الدفاع "محامون" – دعوى جنائية
حق الدفاع وثيق الصلة بالدعوى الجنائية – عدم جواز عزل المتهم عن الاتصال بمحاميه سواء
كان ذلك في مرحلة الفصل قضائياً في الاتهام أو قبلها، أو عند الطعن في محصلتها النهائية.
10- الحق في محاكمة منصفة "بطء"
الحق في محاكمة منصفة يتضمن بين ما يشتمل عليه الحق في محاكمة لا يكتنفها بطء ملحوظ
– اعتبار ذلك من الحقوق الجوهرية التي لا يجوز أن يكون الاتهام معها متراخياً دون مسوغ.
11 – تشريع "نص المادة 21 من القانون رقم 453 لسنة 1954 في شأن المحال الصناعية والتجارية:
تفويت الحق في التقاضي".
ما قرره هذا النص من إغلاق طريق الطعن بالمعارضة في الأحكام الغيابية الصادرة في الجرائم
التي تقع بالمخالفة لأحكام القانون المشار إليه: تفويت للحق في التقاضي في المرحلة
التي صدر فيها الحكم الغيابي – الأصل أن يعاد عرض الدعوى على القاضي من خلال المعارضة
التي يتيحها المشرع في الحكم الصادر غيابياً فيها.
12 – حق التقاضي "درجة واحدة".
قصر حق التقاضي في المسائل التي فصل فيها على درجة واحدة يدخل في إطار السلطة التقديرية
التي يملكها المشرع وبالقدر وفي الحدود التي تقتضيها مصلحة عامة لها ثقلها.
13 – خصومة قضائية "مرحلتيها" – حق الدفاع.
الخصومة القضائية لا تبلغ نهايتها إلا بعد استغراقها لمرحلتيها بالفصل استئنافياً فيها.
انسحاب حق الدفاع إليهما معاً.
14- أحكام "طعن".
انفتاح طرق الطعن في الأحكام أو انغلاقها إنما يتحدد وفق أسس موضوعية ليس من بينها
مجرد سرعة الفصل في القضايا بما يناقض طبيعتها.
15 – نصوص قانونية "دستوريتها".
تتحدد دستورية النصوص القانونية من خلال ربطها بأغراضها – بافتراض مشروعيتها – واتصالها
عقلاً بها.
16 – تشريع "نص المادة 21 من القانون رقم 453 لسنة 1954 في شأن المحال الصناعية والتجارية
"عوار".
انطواء حظر النص المشار إليه الطعن بالمعارضة على تمييز دون مسوغ بين المحال التي شملها
بالتنظيم وغيرها من المحال المتماثلة ظروفها معها – إخلاله بالحرية الشخصية للمتهمين
– مناقضته ضمانة الدفاع – إخلاله بحق التقاضي.
1 – إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن تتوافر
ثمة رابطة منطقية يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الفصل في المسائل الدستورية
التي تدعى هذه المحكمة للفصل فيها، لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها.
متى كان ذلك وكانت المادة 21 المطعون عليها هي التي تحول بذاتها دون المدعيين واستعمال
حقهما في المعارضة في الحكم الغيابي الصادر ضد كل منهما، وكان الحكم بإبطالها مؤداه
زوال وجودها والرجوع إلى القواعد العامة التي يتضمنها قانون الإجراءات الجنائية في
هذا الشأن، فإن طلبهما الحكم بعدم دستوريتها، يكون كافلاً مصلحتهما الشخصية المباشرة.
2 – الناس لا يتمايزون فيما بينهم في مجال حقهم في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي، ولا
في نطاق القواعد الإجرائية والموضوعية التي تحكم الخصومة القضائية عينها، ولا في فعالية
ضمانة الدفاع التي يكفلها الدستور أو المشرع للحقوق التي يدعونها، ولا في اقتضائها
وفق مقاييس موحدة عند توافر شروطها طلبها، ولا في طرق الطعن التي تنظمها، بل يجب أن
يكون للحقوق عينها، قواعد موحدة سواء في مجال التداعي بشأنها، أو الدفاع عنها، أو استئدائها،
أو الطعن في الأحكام التي تتعلق بها.
3 – إن طرق الطعن في الأحكام لا تعتبر مجرد وسائل إجرائية ينشئها المشرع ليوفر من خلالها
سبل تقويم اعوجاجها، بل هي في واقعها أوثق اتصالاً بالحقوق التي تتناولها سواء في مجال
إثباتها أو نفيها، ليكون مصيرها عائداً أصلاً إلى انغلاق هذه الطرق أو انفتاحها، وكذلك
إلى التمييز بين المواطنين الذين تتماثل مراكزهم القانونية في مجال النفاذ إلى فرصها.
4 – الوسائل الإجرائية التي تملكها سلطة الاتهام في مجال إثباتها للجريمة، تدعمها موارد
ضخمة يقصر المتهم عنها، ولا يوازنها إلا افتراض البراءة مقروناً بدفاع مقتدر لضمان
ألا يدان عن الجريمة، ما لم يكن الدليل عليها مبرءاً من كل شبهة لها أساسها.
ولا يجوز بالتالي إسباغ الشرعية الدستورية على نصوص عقابية لا تتكافأ معها وسائل الدفاع
التي أتاحتها لكل من سلطة الاتهام ومتهمها، فلا تتعادل أسلحتهم بشأن إثباتها ونفيها.
5 – الدستور بما نص عليه في المادة 68، من ضمان حق الدفاع – سواء من خلال الأصلاء فيه،
أو عن طريق موكليهم – يفترض ألا يكون دور المحامين شكلياً أو رمزياً، بل فاعلاً فلاً
يعاق، وعلى الأخص من خلال نصوص قانونية يتدخل بها المشرع لإهداره في مرحلة بعينها من
التقاضي.
6، 7 – إن الدستور كفل الحرية الشخصية بنص المادة 41، واعتبرها من الحقوق الطبيعية
التي لا يجوز الإخلال بها من خلال تنظيمها، وكانت القوانين الجزائية هي التي تفرض على
هذه الحرية أخطر القيود وأبعدها أثراً، وكانت القواعد الإجرائية التي يقررها المشرع
في المجال الجنائي، وإن كان تباينها فيما بينها متصوراً بالنظر إلى تغاير وقائعها والمراكز
التي تواجهها والأشخاص المخاطبين بها، إلا أن دستورية هذه القواعد تفترض ألا يقيم المشرع
بينهم تمييزاً غير مبرر، وألا تحول الفوارق بينها دون تساويهم الانتفاع بضماناتهم،
وعلى الأخص ما يتصل منها بحقوق الدفاع.
Le lègislateur, competent pour fixer les régles de la procédure pénale en vertu
de l’article 34 de la Constitution, peut prévoir des régles de procédure différentes
selon les faits, les situations et les personnes auxquelles elles s’appliquent,
pourvu que ces différences ne procédent pas des de discriminations injustifiées
et que soient assurées aux justiciables des garanties égales. notamment quant au
respect du principe des droits de la défense.
(86 – 213 DC, 3 septembre 1986, cons. 12 et 23 Rec. p 122)
(cf. 86-215 DC, 3 septembre 1986, Rec. p. 130)
8، 9 – ما تنص عليه المادة 67 من الدستور، من افتراض براءة المتهم إلى أن يدان عن الجريمة
المتهم بارتكابها وفق قواعد منصفة لا تخل بحقه في الدفاع، مؤداه أن القواعد الإجرائية
التي ينظم بها المشرع الفصل في هذا الاتهام، ينبغي أن تؤمن لكل متهم ما يتصل بها من
الحقوق الموضوعية، فلا تنال منها أو تؤثر في جريانها، أو تقيد من تكاملها، باعتبار
أن غايتها ضمان أن يتحرر الفرد من طغيان السلطة أو إساءة استعمالها في إطار من الحرية
المنظمة. وليس ثمة قاعدة أكثر ثباتاً وأعمق نفاذاً من ضرورة أن يكون الاتهام متضمناً
تعريفاً كافياً بالتهمة، محدداً لأدلتها، ومقروناً بفرصة كافية يمكن على ضوئها أن يعرض
المتهم وجهة نظره بشأنها. وإذا كان من غير المقبول أن يدان شخص عن جريمة لم يتهم بارتكابها،
فإن هذا المبدأ يعمل بالقوة ذاتها في شأن كل اتهام بلادفاع.
ولا يتصور أن يكون الدفاع فعالاً بغير مهلة معقولة لإعداده، ولا بغير إنباء المتهم
بالشهود الذين أعدتهم سلطة الاتهام إثباتاً لدعواها، لإمكان مواجهتهم وتجريحهم، ولا
بحرمانه من الوسائل الإلزامية التي يؤمن بها مثول شهود لمصلحته ينتقيهم وفق اختياره
ودون قيد، أياً كان موقعهم من الجهة التي يرأسونها أو يقومون بعمل فيها، ولا أن يكون
فقره سبباً لإنكار هذا الحق عليه، ولا أن يرد عن الاطلاع على الوثائق التي قدمتها سلطة
الاتهام ومناقشتها، ولا أن يعزل عن الاتصال بمحاميه بطريق مباشر أو غير مباشر، وسواء
كان ذلك في مرحلة الفصل قضائياً في الاتهام، أو قبلها، أو عند الطعن في محصلتها النهائية،
وإلا صار حق الدفاع محدود القيمة. Of little worth
إن حق الدفاع وثيق الصلة بالدعوى الجنائية من زاوية تجلية جوانبها، وتصحيح إجراءاتها
ومتابعتها، وعرض المسائل الواقعية والقانونية التي تؤيد مركز المتهم بما يكفل ترابطها،
والرد على ما يناهضها، وبيان وجه الحق فيما يكون هاماً من نقاطها، وعلى الأخص من خلال
المفاضلة بين بدائل متعددة ترجيحاً لأعمقها اتصالاً بها، وأقواها احتمالاً في مجال
كسبها، مع دعمها بما يكون لازماً من الأوراق التي توثقها. ولن يكون بلوغ العدل ميسراً
أو يصل إلى منتهاه، في إطار اتهام جنائي يتسم بالتعقيد، أو بتداخل العناصر التي يقوم
عليها، إذا كان الحق في الدفاع غائباً، أو مقصوراً على مرحلة الاتهام أو كيفية الفصل
فيه، دون مراحل التحقيق التي يكون التركيز فيها – لا على جريمة لا زال أمر وقائعها
وبواعثها مشوباً بالغموض – وإنما على شخص محدد مشتبه فيه بارتكابها، محاطاً من الجهة
التي تتولاه بأسئلتها، وتحفظها عليه.
10 – الحق في محاكمة منصفة يتضمن – بين ما يشتمل عليه – الحق في محاكمة لا يكتنفها
بطء ملحوظ A speedy trial باعتباره من الحقوق الجوهرية التي لا يجوز أن يكون الاتهام
معها متراخياً دون مسوغ، معلقاً أمداً طويلاً بما يثير قلق المتهم، ويعوق بالضرورة
مباشرته للحقوق والحريات التي كفلها الدستور، وعلى الأخص ما تعلق منها بحرية التعبير
وحق الاجتماع، والإسهام في مظاهر الحياة العامة، وقد يلحق به احتقاراً فيما بين مواطنيه
أو يفقده عمله.
كذلك فإن محاكمته بطريقة متأنية تمتد إجراءاتها زمناً مديداً، يعرقل خطاه، ويقترن بمخاطر
تتهدد بها فرص الاتصال بشهوده، ويرجح معها كذلك احتمال اختفائهم، ووهن معلوماتهم في
شأن الجريمة حتى مع وجودهم، وهو كذلك يثير داخل كل متهم اضطراباً نفسياً عميقاً ومتصلاً،
إذ يظل ملاحقاً بجريمة لا تبدو لدائرة شرورها من نهاية، وقد يكون سببها أن الاتهام
ضده كان متسرعاً مفتقراً إلى دليل.
إن الحق في محاكمة لا تتقاعس إجراءاتها، من الحقوق النسبية التي ينظر في تحديد وقتها
المعقول إلى ظروفها وملابساتها، وعلى الأخص من جهة تعقد الجريمة وخطورتها، وتنوع أدلتها
وتعدد شهودها، وبمراعاة أن الأضرار الناجمة عن تأخر الفصل في الاتهام تفترض، فلا يكون
إثباتها مطلوباً، وبوجه خاص كلما كان التأخير متعمداً أو جسيماً لا عرضياً أو محدود
الأثر، إلا أن الحق في محاكمة لا يكون تسويفها معطلاً لها، لا يعني تقويض بنيانها من
خلال اختصارها واختزال إجراءاتها، بما يفقدها ضماناتها، ويحيل الحكم الصادر فيها إلى
قضاء مبتسر. A summary Trial
11 – المشرع أغلق بنص المادة 21 المطعون عليها، طريق الطعن بالمعارضة في الأحكام الغيابية
الصادرة في الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام القانون رقم 453 لسنة 1954 المشار إليه،
أو لقراراته التنفيذية، مستنداً في ذلك – وعلى ما جاء بالمذكرة الإيضاحية – إلى أن
أصحاب المحال التي يشملها هذا القانون، يعمدون إلى إطالة إجراءات محاكمتهم من خلال
تخلفهم عن حضور جلساتها.
وقد عبّر المشرع بالنص المطعون فيه، عن اتجاه انفرد به قانون المحال التجارية والصناعية،
دون غيرها من المحال العامة التي نظمها القانون رقم 371 سنة 1956. كذلك خلا كل من قرار
رئيس الجمهورية بالقانون رقم 372 سنة 1956 في شأن الملاهي، وكذلك القانون رقم 1 سنة
1973 في شأن المنشآت الفندقية والسياحية، من نص مماثل للنص المطعون فيه. ومن ثم ظل
غير مغلق طريق الطعن بالمعارضة في الأحكام الصادرة في الجرائم المنصوص عليها في هذه
القوانين جمعيها. بل إن النص المطعون فيه خرج كذلك على حكم الفقرة الأولى من المادة
398 من قانون الإجراءات الجنائية التي تقبل الطعن بالمعارضة في الأحكام الغيابية الصادرة
في أية مخالفة أو جنحة، وذلك من المتهم أو من المسئول عن الحقوق المدنية.
مؤدى نص المادة 21 المطعون عليها – وقد صار طريق الطعن بالمعارضة بموجبها منغلقاً –
أن كل حكم يصدر في شأن الجرائم المنصوص عليها في قانون المحال التجارية والصناعية وغيرها
من المحال المقلقة للراحة والمضرة بالصحة والخطرة، يعامل باعتباره حكماً حضورياً يستنفد
به المتهمون مرحلة التقاضي التي صدر فيها، سواء أكان هذا الحكم ابتدائياً أو استئنافياً.
وما تتذرع به المذكرة الإيضاحية للنص المطعون فيه، من أن المتهمين يعمدون إلى تمديد
إجراءات محاكمتهم من خلال تخلفهم عن حضور جلساتها مردود، أولاً: بأن المتهم حتى بعد
أن يعلن إعلاناً صحيحاً، قد يقوم به عذر يحول دون حضوره، فلا يكون حرمانه من أوجه الدفاع
التي يدحض بها الاتهام، موافقاً للدستور. وينبغي كذلك أن يكون الفصل في الدعوى الجنائية
محيطاً بوقائعها، وأن يكون قاضيها مدركاً لأبعادها عن بصر وبصيرة. ولا كذلك أن يكون
الحكم الصادر فيها غيابياً، إذ يكون بعده عن الحق مظنوناً، وسعيه للحقيقة متكلفاً،
ورجحان عناصرها فيما فصل فيه متوهماً، ومن ثم كان الأصل هو أن يعاد عرض الدعوى عليه
من خلال المعارضة التي يتيحها المشرع في الحكم الصادر غيابياً فيها.
12 – قصر التقاضي في المسائل التي فصل فيها على درجة واحدة، وإن كان يدخل في إطار السلطة
التقديرية التي يملكها المشرع، وبالقدر وفي الحدود الضيقة التي تقتضيها مصلحة عامة
لها ثقلها، إلا أن المشرع إذا اختار التقاضي على درجتين، فإن كلاً منها ينبغي أن تستكمل
ملامحها، وأن يكون استنفادها بعد الانتفاع من ضماناتها دون نقصان، ذلك أن التقاضي على
درجتين – وكلما كان مقرراً بنصوص آمرة – يعتبر أصلاً في اقتضاء الحقوق المتنازع عليها،
ومؤداه أن الخصومة القضائية لا تبلغ نهايتها إلا بعد استغراقها لمرحلتيها بالفصل استئنافياً
فيها. ويقتضي ذلك بالضرورة أن يكون حق الدفاع منسحباً إليهما معاً، وأن يكون بصره بهما
حديداً، إذ هما حلقتان متكاملتان، ومحددتان معاً للخصومة القضائية محصلتها النهائية،
فلا يكون لحقائق العدل من سواء إذا انغلق طريق إحداهما.
14 – إن انفتاح طرق الطعن في الأحكام أو انغلاقها، إنما يتحدد وفق أسس موضوعية لا يندرج
تحتها مجرد سرعة الفصل في القضايا بما يناقض طبيعتها، وعلى الأخص في مجال إعمال قوانين
جزائية تنال بعقوباتها من الحق في الحياة أو الحرية أو الملكية.
15، 16 – إن النصوص القانونية – وأياً كان مضمونها – تعتبر مجرد وسائل تدخل بها المشرع
لتنظيم موضوع محدد. ومن خلال ربطها بأغراضها – وبافتراض مشروعيتها – واتصالها عقلاً
بها، تتحدد دستوريتها، وكانت المادة 21 المطعون عليها، تفيد بالضرورة معاملتها حكماً
قضائياً صدر بلا دفاع، باعتباره سوياً منتجاً لآثاره، وكان لكل حق دائرة يعمل فيها
تمثل مجالاً حيوياً لوجوده، فلا يجوز اقتحامها، شأن حق الدفاع في ذلك شأن غيره من الحقوق،
وكانت هذه الدائرة هي التي تفصل بين ما يعد تنظيماً للحق لا ينال من مضمونه، وما يعتبر
إهداراً لمقاصده بما يعطل جدواه، وكان النص المطعون فيه – وفي مجال حظره الطعن بالمعارضة
– قد مايز دون مسوغ بين المحال التي شملها بالتنظيم وغيرها من المحال التي تتماثل ظروفها
معها، وأخل كذلك بالحرية الشخصية للمتهمين، وبتساويهم أمام القانون، وبضمانة الدفاع
التي لا ينفصل حق التقاضي عنها في إطار من محاكمتهم إنصافاً.
الإجراءات
بتاريخ 25/ 10/ 1995، أودع المدعيان صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب
المحكمة، طالبين الحكم بعدم دستورية نص المادة 21 من القانون رقم 453 لسنة 1954 في
شأن المحال الصناعية والتجارية وغيرها من المحال المقلقة للراحة والمضرة بالصحة والخطرة،
وذلك فيما تضمنته من عدم جواز الطعن على الأحكام الصادرة في الجرائم التي تقع بالمخالفة
لأحكام هذا القانون أو القرارات المنفذة له بطريق المعارضة…
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى واحتياطياً
برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن النيابة
العامة قد قدمت المدعية الأولى للمحاكمة الجنائية في القضية رقم 5449 لسنة 1993 جنح
شبرا، والمدعى الثاني في القضية رقم 4023 لسنة 1993 جنح شبرا متهمة كلاً منهما بأنه
أدار محلاً سبق غلقه، وطلبت عقابهما بمقتضى المادتين 10 و20 من القانون رقم 453 لسنة
1954 في شأن المحال الصناعية والتجارية وغيرها من المحال المقلقة للراحة والمضرة بالصحة
والخطرة.
وإذا قضت المحكمة غيابياً بحبس المدعية الأولى شهراً مع الشغل وإعادة الغلق. وبحبس
المدعي الثاني ستة أشهر مع الشغل وكفالة مائة جنيه والغلق، فقد طعنت المدعية الأولى
على الحكم الصادر ضدها بالاستئناف رقم 5895 لسنة 1994 جنح مستأنف شمال القاهرة، كما
طعن المدعي الثاني أمام ذات المحكمة بالاستئناف رقم 7582 لسنة 1994، ودفع كل منهما
أثناء نظر استئنافه بعدم دستورية نص المادة 21 من القانون رقم 453 لسنة 1954 المشار
إليه، وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية دفعهما فقد صرحت لهما برفع الدعوى الدستورية، فأقاما
الدعوى الماثلة.
وحيث إن المادة 21 من القانون رقم 453 لسنة 1954 في شأن المحال الصناعية والتجارية
وغيرها من المحال المقلقة للراحة والمضرة بالصحة والخطرة تنص على ما يأتي "لا يجوز
الطعن في الأحكام الصادرة في الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام هذا القانون أو القرارات
المنفذة له بطريق المعارضة".
وحيث إن المدعيين ينعيان على النص المطعون فيه مخالفته للدستور، مستندين في ذلك إلى
عدة وجوه:
أولها: أنه أقام تفرقة لا أساس لها بين المحال الصناعية والتجارية وغيرها من المحال
التي تتماثل ظروفها والقوانين التي تحكمها.
ثانيها: أن الأصل في المتهم – وعملاً بنص المادة 67 من الدستور – أن يكون بريئاً حتى
تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه. ولا كذلك النص
المطعون فيه إذ جعل أصحاب المحال التجارية والصناعية في مركز أسوأ من غيرهم من خلال
تجريدهم من ضمانة الدفاع التي كفلتها المادة 69 من الدستور.
ثالثها: أن النص المطعون عليه جاء مخالفاً لنص المادة الثانية من الدستور بخروجه على
أصل شرعي مؤداه أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة وأولى بالاعتبار.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن تتوافر
ثمة رابطة منطقية يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الفصل في المسائل الدستورية
التي تدعى هذه المحكمة للفصل فيها، لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها.
متى كان ذلك وكانت المادة 21 المطعون عليها هي التي تحول بذاتها دون المدعيين واستعمال
حقهما في المعارضة في الحكم الغيابي الصادر ضد كل منهما، وكان الحكم بإبطالها مؤداه
زوال وجودها والرجوع إلى القواعد العامة التي يتضمنها قانون الإجراءات الجنائية في
هذا الشأن، فإن طلبهما الحكم بعدم دستوريتها، يكون كافلاً مصلحتهما الشخصية المباشرة.
وحيث إن مؤدى النص المطعون فيه امتناع الطعن بالمعارضة في الأحكام الغيابية سواء في
ذلك تلك التي أصدرتها المحكمة الابتدائية أو الاستئنافية.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن الناس لا يتمايزون فيما بينهم في مجال حقهم
في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي، ولا في نطاق القواعد الإجرائية والموضوعية التي تحكم
الخصومة القضائية عينها، ولا في فعالية ضمانة الدفاع التي يكفلها الدستور أو المشرع
للحقوق التي يدعونها، ولا في اقتضائها وفق مقاييس موحدة عند توافر شروط طلبها، ولا
في طرق الطعن التي تنظمها، بل يجب أن يكون للحقوق عينها، قواعد موحدة سواء في مجال
التداعي بشأنها، أو الدفاع عنها، أو استئدائها أو الطعن في الأحكام التي تتعلق بها.
وحيث إن من المقرر كذلك، أن طرق الطعن في الأحكام لا تعتبر مجرد وسائل إجرائية ينشئها
المشرع ليوفر من خلالها سبل تقويم اعوجاجها، بل هي في واقعها أوثق اتصالاً بالحقوق
التي تتناولها سواء في مجال إثباتها أو نفيها، ليكون مصيرها عائداً أصلاً إلى انغلاق
هذه الطرق أو انفتاحها، وكذلك إلى التمييز بين المواطنين الذي تتماثل مراكزهم القانونية
في مجال النفاذ إلى فرصها.
وحيث إن الوسائل الإجرائية التي تملكها سلطة الاتهام في مجال إثباتها للجريمة، تدعمها
موارد ضخمة يقصر المتهم عنها، ولا يوازنها إلا افتراض البراءة مقروناً بدفاع مقتدر
لضمان ألا يدان عن الجريمة ما لم يكن الدليل عليها مبرءاً من كل شبهة لها أساسها.
ولا يجوز بالتالي إسباغ الشرعية الدستورية على نصوص عقابية لا تتكافأ معها وسائل الدفاع
التي أتاحتها لكل من سلطة الاتهام ومتهمها، فلا تتعادل أسلحتهم بشأن إثباتها ونفيها.
وحيث إن الدستور بما نص عليه في المادة 68، من ضمان حق الدفاع – سواء من خلال الأصلاء
فيه، أو عن طريق موكليهم – يفترض ألا يكون دور المحامين شكلياً أو رمزياً، بل فاعلاً
فلا يعاق، وعلى الأخص من خلال نصوص قانونية يتدخل بها المشرع لإهداره في مرحلة بعينها
من التقاضي.
وحيث إن الدستور كفل الحرية الشخصية بنص المادة 41، واعتبرها من الحقوق الطبيعية التي
لا يجوز الإخلال بها من خلال تنظيمها، وكانت القوانين الجزائية هي التي تفرض على هذه
الحرية أخطر القيود وأبعدها أثراً، وكانت القواعد الإجرائية التي يقررها المشرع في
المجال الجنائي، وإن كان تباينها فيما بينها متصوراً بالنظر إلى تغاير وقائعها والمراكز
التي تواجهها والأشخاص المخاطبين بها، إلا أن دستورية هذه القواعد تفترض ألا يقيم المشرع
بينهم تمييزاً غير مبرر، وألا تحول الفوارق بينها دون تساويهم في الانتفاع بضماناتهم،
وعلى الأخص ما يتصل منها بحقوق الدفاع.
Le législateur, competent pour fixer les régles de la procédure pénale en vertu
de l’article 34 de la Constitution, peut prévoir des régles de procédure différentes
selon les faits, les situations et les personnes auxquelles elles s’appliquent,
pourvu que ces différences ne procédent pas des de discriminations injustifiées
et que soient assurées aux justiciables des garanties égales. notamment quant au
respect du principe des droits de la défense.
(86 – 213 DC, 3 septembre 1986, cons. 12 et 23 Rec. p 122)
(cf. 86-215 DC, 3 septembre 1986, Rec. p. 130)
وحيث إن ما تنص عليه المادة 67 من الدستور، من افتراض براءة المتهم إلى أن يدان عن
الجريمة المتهم بارتكابها وفق قواعد منصفة لا تخل بحقه في الدفاع، مؤداه أن القواعد
الإجرائية التي ينظم بها المشرع الفصل في هذا الاتهام، ينبغي أن تؤمن لكل متهم ما يتصل
بها من الحقوق الموضوعية، فلا تنال منها أو تؤثر في جريانها، أو تقيد من تكاملها، باعتبار
أن غايتها ضمان أن يتحرر الفرد من طغيان السلطة أو إساءة استعمالها في إطار من الحرية
المنظمة. وليس ثمة قاعدة أكثر ثباتاً وأعمق نفاذاً من ضرورة أن يكون الاتهام متضمناً
تعريفاً كافياً بالتهمة، محدداً لأدلتها، ومقروناً بفرصة كافية يمكن على ضوئها أن يعرض
المتهم وجهة نظره بشأنها. وإذا كان من غير المقبول أن يدان شخص عن جريمة لم يتهم بارتكابها،
فإن هذا المبدأ يعمل بالقوة ذاتها في شأن كل اتهام بلا دفاع.
ولا يتصور أن يكون الدفاع فعالاً بغير مهلة معقولة لإعداده، ولا بغير إنباء المتهم
بالشهود الذين أعدتهم سلطة الاتهام إثباتاً لدعواها، لإمكان مواجهتهم وتجريحهم، ولا
بحرمانه من الوسائل الإلزامية التي يؤمن بها مثول شهود لمصلحته ينتقيهم وفق اختياره
ودون قيد، أياً كان موقعهم من الجهة التي يرأسونها أو يقومون بعمل فيها، ولا أن يكون
فقره سبباً لإنكار هذا الحق عليه، ولا أن يرد عن الاطلاع على الوثائق التي قدمتها سلطة
الاتهام ومناقشتها، ولا أن يعزل عن الاتصال بمحاميه بطريق مباشر أو غير مباشر، وسواء
كان ذلك في مرحلة الفصل قضائياً في الاتهام، أو قبلها، أو عند الطعن في محصلتها النهائية،
وإلا صار حق الدفاع محدود القيمة. Of little worth
وحيث إن حق الدفاع وثيق الصلة بالدعوى الجنائية من زاوية تجلية جوانبها، وتصحيح إجراءاتها
ومتابعتها، وعرض المسائل الواقعية والقانونية التي تؤيد مركز المتهم بما يكفل ترابطها،
والرد على ما يناهضها، وبيان وجه الحق فيما يكون هاماً من نقاطها، وعلى الأخص من خلال
المفاضلة بين بدائل متعددة ترجيحاً لأعمقها اتصالاً بها، وأقواها احتمالاً في مجال
كسبها، مع دعمها بما يكون لازماً من الأوراق التي توثقها. ولن يكون بلوغ العدل ميسراً
أو يصل إلى منتهاه، في إطار اتهام جنائي يتسم بالتعقيد أو بتداخل العناصر التي يقوم
عليها إذا كان الحق في الدفاع غائباً، أو مقصوراً على مرحلة الاتهام أو كيفية الفصل
فيه، دون مراحل التحقيق التي يكون التركيز فيها – لا على جريمة لا زال أمر وقائعها
وبواعثها مشوباً بالغموض – وإنما على شخص محدد مشتبه فيه بارتكابها، محاطاً من الجهة
التي تتولاه بأسئلتها، وتحفظها عليه.
وحيث إن الحق في محاكمة منصفة يتضمن – بين ما يشتمل عليه – الحق في محاكمة لا يكتنفها
بطء ملحوظ A speedy trial باعتباره من الحقوق الجوهرية التي لا يجوز أن يكون الاتهام
معها متراخياً دون مسوغ، معلقاً أمداً طويلاً بما يثير قلق المتهم، ويعوق بالضرورة
مباشرته للحقوق والحريات التي كفلها الدستور، وعلى الأخص ما تعلق منها بحرية التعبير
وحق الاجتماع، والإسهام في مظاهر الحياة العامة، وقد يلحق به احتقاراً فيما بين مواطنيه
أو يفقده عمله.
كذلك فإن محاكمته بطريقة متأنية تمتد إجراءاتها زمناً مديداً، يعرقل خطاه، ويقترن بمخاطر
تتهدد بها فرص الاتصال بشهوده، ويرجح معها كذلك احتمال اختفائهم، ووهن معلوماتهم في
شأن الجريمة حتى مع وجودهم، وهو كذلك يثير داخل كل متهم اضطراباً نفسياً عميقاً ومتصلاً،
إذ يظل ملاحقاً بجريمة لا تبدو لدائرة شرورها من نهاية، وقد يكون سببها أن الاتهام
ضده كان متسرعاً مفتقراً إلى دليل.
فضلاً عن أن الحق في محاكمة لا تتقاعس إجراءاتها، من الحقوق النسبية التي ينظر في تحديد
وقتها المعقول إلى ظروفها وملابساتها، وعلى الأخص من جهة تعقد الجريمة وخطورتها، وتنوع
أدلتها وتعدد شهودها، وبمراعاة أن الأضرار الناجمة عن تأخر الفصل في الاتهام تفترض،
فلا يكون إثباتها مطلوباً، وبوجه خاص كلما كان التأخير متعمداً أو جسيماً، لا عرضياً
أو محدود الأثر، إلا أن الحق في محاكمة لا يكون تسويفها معطلاً لها، لا يعني تقويض
بنيانها من خلال اختصارها واختزال إجراءاتها، بما يفقدها ضماناتها، ويحيل الحكم الصادر
فيها إلى قضاء مبتسر.A summary Trial
وحيث إن المشرع أغلق بنص المادة 21 المطعون عليها، طريق الطعن بالمعارضة في الأحكام
الغيابية الصادرة في الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام القانون رقم 453 لسنة 1954
المشار إليه، أو لقراراته التنفيذية، مستنداً في ذلك – وعلى ما جاء بالمذكرة الإيضاحية
– إلى أن أصحاب المحال التي يشملها هذا القانون، يعمدون إلى إطالة إجراءات محاكمتهم
من خلال تخلفهم عن حضور جلساتها.
وحيث إن المشرع عبر بالنص المطعون فيه، عن اتجاه انفرد به قانون المحال التجارية والصناعية،
دون غيرها من المحال العامة التي نظمها القانون رقم 371 سنة 1956. كذلك خلا كل من قرار
رئيس الجمهورية بالقانون رقم 372 سنة 1956 في شأن الملاهي، وكذلك القانون رقم 1 سنة
1973 في شأن المنشآت الفندقية والسياحية، من نص مماثل للنص المطعون فيه. ومن ثم ظل
غير مغلق طريق الطعن بالمعارضة في الأحكام الصادرة في الجرائم المنصوص عليها في هذه
القوانين جمعيها. بل إن النص المطعون فيه خرج كذلك على حكم الفقرة الأولى من المادة
398 من قانون الإجراءات الجنائية التي تقبل الطعن بالمعارضة في الأحكام الغيابية الصادرة
في أية مخالفة أو جنحة، وذلك من المتهم أو من المسئول عن الحقوق المدنية.
وحيث إن مؤدى نص المادة 21 المطعون عليها – وقد صار طريق الطعن بالمعارضة بموجبها منغلقاً
– أن كل حكم يصدر في شأن الجرائم المنصوص عليها في قانون المحال التجارية والصناعية
وغيرها من المحال المقلقة للراحة والمضرة بالصحة والخطرة، يعامل باعتباره حكماً حضورياً
يستنفد به المتهمون مرحلة التقاضي التي صدر فيها، سواء أكان هذا الحكم ابتدائياً أو
استئنافياً. وما تتذرع به المذكرة الإيضاحية للنص المطعون فيه، من أن المتهمين يعمدون
إلى تمديد إجراءات محاكمتهم من خلال تخلفهم عن حضور جلساتها مردود، أولاً: بأن المتهم
حتى بعد أن يعلن إعلاناً صحيحاً، قد يقوم به عذر يحول دون حضوره، فلا يكون حرمانه من
أوجه الدفاع التي يدحض بها الاتهام، موافقاً للدستور. وينبغي كذلك أن يكون الفصل في
الدعوى الجنائية محيطاً بوقائعها، وأن يكون قاضيها مدركاً لأبعادها عن بصر وبصيرة.
ولا كذلك أن يكون الحكم الصادر فيها غيابياً، إذ يكون بعده عن الحق مظنوناً، وسعيه
للحقيقة متكلفاً، ورجحان عناصرها فيما فصل فيه متوهماً، ومن ثم كان الأصل هو أن يعاد
عرض الدعوى عليه من خلال المعارضة التي يتيحها المشرع في الحكم الصادر غيابياً فيها.
ومردود ثانياً: بأن الأحكام الجنائية تقارنها مخاطر تتعاظم وطأتها لاتصالها بالحق في
الحياة والحرية والملكية، وقد تنال منها جميعاً أو من بعضها في آن واحد، فإذا كان الطعن
بالمعارضة فيها غير مقبول، كان ذلك تفويتاً للحق في التقاضي في المرحلة التي صدر فيها
الحكم الغيابي.
ومردود ثالثاً: بأن قصر التقاضي في المسائل التي فصل فيها على درجة واحدة، وإن كان
يدخل في إطار السلطة التقديرية التي يملكها المشرع، وبالقدر وفي الحدود الضيقة التي
تقتضيها مصلحة عامة لها ثقلها، إلا أن المشرع إذا اختار التقاضي على درجتين، فإن كلاً
منها ينبغي أن تستكمل ملامحها، وأن يكون استنفادها بعد الانتفاع من ضماناتها دون نقصان،
ذلك أن التقاضي على درجتين – وكلما كان مقرراً بنصوص آمرة – يعتبر أصلاً في اقتضاء
الحقوق المتنازع عليها، ومؤداه أن الخصومة القضائية لا تبلغ نهايتها إلا بعد استغراقها
لمرحلتيها بالفصل استئنافياً فيها. ويقتضي ذلك بالضرورة أن يكون حق الدفاع منسحباً
إليهما معاً، وأن يكون بصره بهما حديداً، إذ هما حلقتان متكاملتان، ومحددتان معاً للخصومة
القضائية محصلتها النهائية، فلا يكون لحقائق العدل من سواء إذا انغلق طريق إحداهما.
وحيث إن انفتاح طرق الطعن في الأحكام أو انغلاقها، إنما يتحدد وفق أسس موضوعية لا يندرج
تحتها مجرد سرعة الفصل في القضايا بما يناقض طبيعتها، وعلى الأخص في مجال إعمال قوانين
جزائية تنال بعقوباتها من الحق في الحياة أو الحرية أو الملكية.
وحيث إن من المقرر أن النصوص القانونية – وأياً كان مضمونها – تعتبر مجرد وسائل تدخل
بها المشرع لتنظيم موضوع محدد. ومن خلال ربطها بأغراضها – وبافتراض مشروعيتها – واتصالها
عقلاً بها، تتحدد دستوريتها، وكانت المادة 21 المطعون عليها، تفيد بالضرورة معاملتها
حكماً قضائياً صدر بلا دفاع، باعتباره سوياً منتجاً لآثاره، وكان لكل حق دائرة يعمل
فيها تمثل مجالاً حيوياً لوجوده، فلا يجوز اقتحامها، شأن حق الدفاع في ذلك شأن غيره
من الحقوق، وكانت هذه الدائرة هي التي تفصل بين ما يعد تنظيماً للحق لا ينال من مضمونه،
وما يعتبر إهداراً لمقاصده بما يعطل جدواه، وكان النص المطعون فيه – وفي مجال حظره
الطعن بالمعارضة – قد مايز دون مسوغ بين المحال التي شملها بالتنظيم وغيرها من المحال
التي تتماثل ظروفها معها، وأخل كذلك بالحرية الشخصية للمتهمين، وبتساويهم أمام القانون،
وبضمانة الدفاع التي لا ينفصل حق التقاضي عنها في إطار من محاكمتهم إنصافاً، فإنه يكون
بذلك مخالفاً لأحكام المواد 40 و41 و67 و68 و69 من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية نص المادة 21 من القانون رقم 453 لسنة 1954 في شأن المحال الصناعية والتجارية وغيرها من المحال المقلقة للراحة والمضرة بالصحة والخطرة، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.[(1)]
[(1)] استناداً إلى الحجية المطلقة لهذا الحكم قضت المحكمة – خلال الفترة التي صدر عنها هذا الجزء من أحكامها – باعتبار الخصومة منتهية في الدعوى المماثلة رقم 69 لسنة 17 ق دستورية، جلسة 4/ 4/ 1998.
