الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 339 لسنة 11 ق – جلسة 05 /07 /1969 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الرابعة عشرة – العدد الثاني (من منتصف فبراير سنة 1969 إلى آخر سبتمبر سنة 1969) – صـ 941


جلسة 5 من يوليه سنة 1969

برئاسة السيد الأستاذ مصطفى كامل إسماعيل – رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة محمد مختار العزبي ومحمد طاهر عبد الحميد وأحمد علي البحراوي ومحمد صلاح الدين السعيد – المستشارين.

القضية رقم 339 لسنة 11 القضائية

تعليمات المالية رقم 26 لسنة 1922 الصادرة في أول يوليه سنة 1922 – اعتبار العامل في حكم المستقيل في حالة غيابه لمدة أكثر من عشرة أيام دون إذن سابق من رئيسه المباشر يجوز له أن يستأنف عمله بعد الانقطاع إذا أثبت القوة القاهرة وتقدير ذلك وتبريره للغياب رهين باقتناع رئيسه بلا معقب عليه متى تجرد من إساءة استعمال السلطة – أساس ذلك.
إن الأصل هو أنه لا يجوز للعامل أن يتغيب عن عمله بدون إذن سابق عن رئيسه، وإذا تغيب بدون إذن فلا يجوز غيابه أكثر من عشرة أيام، فإذا زاد الغياب على ذلك فلا يسوغ له استئناف عمله بعد الانقطاع إلا بإثبات القوة القاهرة، وتقدير قيام هذا العذر ومدى تبريره لغياب العامل رهين باقتناع رئيسه بما لا هيمنة لغيره عليه ولا معقب عليه فيه متى تجرد من إساءة استعمال السلطة. وليس من شك أن القاعدة التنظيمية العامة سالفة الذكر إنما قامت على أمر افتراضي بحت هو اعتبار العامل في حكم المستقيل في حالة غيابه استعاضة بذلك من الاستقالة الصريحة كما أنه ليس ثمة بد من تقرير هذا الأمر الحكمي إذ أن دوام نشاط المرفق هدف تجب رعايته وهذا يقتضي قبول استقالة العامل الضمنية، إلا أنه من ناحية أخرى قد تعرض للعامل أمور تستوجب غيابه دون إذن فإذا ما ثبت الأمر على هذا النحو انتفت قرينة الاستقالة الضمنية وجاز لرئيس الإدارة إعادة النظر في قرار فصل العامل.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى رقم 423 لسنة 9 القضائية ضد محافظة القاهرة بصحيفة أودعت قلم كتاب المحكمة الإدارية لوزارات الصحة والإسكان والمرافق والإدارة المحلية والأوقاف وشئون الأزهر في أول إبريل سنة 1963 بناءً على قرار صادر لصالحه من لجنة المساعدة القضائية بالمحكمة المذكورة في 4 من مارس سنة 1963 بقبول طلب الإعفاء من الرسوم المقدم منه في 3 من أغسطس سنة 1961 والمقيد بجدول اللجنة تحت رقم 3084 لسنة 8 القضائية، وطلب الحكم: "بإلغاء قرار فصله من الخدمة مع ما يترتب على ذلك من آثار وإلزام المدعى عليها المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة". وقال شرحاً لدعواه أنه عين في 18 من إبريل سنة 1956 في وظيفة سائق سيارة بلدية القاهرة، وبسبب مرضه انقطع عن العمل في 2 من فبراير سنة 1961 وظل مريضاً حتى 2 من إبريل سنة 1961، وعند عودته إلى عمله اتضح له أن الإدارة سبق أن فصلته لانقطاعه عن العمل أكثر من المدة القانونية، فقدم شهادة من طبيبه المعالج تضمنت أنه كان تحت العلاج وأن حالته كانت لا تمكنه من مغادرة الفراش طوال مدة انقطاعه وطلب إعادته إلى العمل فتأشر على طلبه بما يعتبر قبولاً لعذر المرض وسارت الإدارة في إجراءات إعادته إلى العمل غير أن لجنة شئون العمال لم توافق على عودته. ولما كان انقطاعه عن العمل قد تم بعذر قبلته الإدارة فإن هذا يكون بمثابة إعادة وسحب قرار الفصل ولا لمحل لعرض أمر عودته على لجنة شئون العمال إذ لا دور لها في حالته، وقد أجابت الجهة الإدارية عن الدعوى بمذكرة دفعت فيها بعدم قبول الدعوى شكلاً لرفعها بعد الميعاد، وأيدت في الموضوع أن المدعي فصل من الخدمة استناداً إلى التعليمات المالية رقم 5 لسنة 1926 لتغيبه عن العمل أكثر من عشرة أيام وعدم استطاعته إثبات القوة القاهرة التي تبرر غيابه، وعدم اقتناع الإدارة من ناحية أخرى بالشهادة الطبية المقدمة منه. وانتهت من ذلك إلى طلب الحكم أصلياً: بعدم قبول الدعوى شكلاً، واحتياطياً: برفض الدعوى وإلزام المدعي بالمصروفات. وبجلسة 14 من يونيه سنة 1965 قضت المحكمة الإدارية: "برفض الدفع بعدم قبول الدعوى شكلاً، وبقبولها من هذا الوجه، وفي الموضوع بإلغاء القرار الصادر بفصل المدعي من الخدمة، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام المحافظة المصروفات." وأقامت قضاءها برفض الدفع بعدم قبول الدعوى على أن المدعي قد علم بالقرار الصادر بفصله في 2 من إبريل سنة 1961 فتظلم منه في 8 من إبريل سنة 1961، ثم قدم طلباً لإعفائه من رسوم الدعوى إلى لجنة المساعدة القضائية بالمحكمة في 3 من أغسطس سنة 1961، إذ صدر قرار اللجنة بقبول طلبه في 4 من مارس سنة 1962، وأقام دعواه، بإيداع صحيفتها قلم كتاب المحكمة في أول إبريل سنة 1962، فإن الدعوى تكون قد استوفت أوضاعها الشكلية. أما بالنسبة إلى الموضوع فإن المدعي قدم عذراً مبرراً لانقطاعه عن العمل يتمثل في مرضه الذي تأيد بشهادتين من طبيبين، وقد قبل كل من رئيسه المباشر ومدير عام الميكانيكا والكهرباء هذا العذر ومن ثم فإن قرار الفصل يصبح والحالة هذه غير ذي موضوع وكان واجباً على الجهة الإدارية إعادته إلى العمل دون الرجوع إلى لجنة شئون العمال التي لا اختصاص لها في هذا المجال.
ومن حيث إنه لا خلاف بين طرفي المنازعة في أن المدعي عين ببلدية القاهرة في مهنة سائق سيارة، بصفة ظهورات اعتباراً من 8 من إبريل سنة 1956، وأنه في 2 من فبراير سنة 1961 انقطع عن العمل بدون إذن فعرض أمره على لجنة شئون العمال بمحافظة القاهرة التي رأت في 14 من مارس سنة 1961 فصله من الخدمة اعتباراً من تاريخ انقطاعه عن العمل، وأن السيد محافظ القاهرة اعتمد هذا الرأي في 23 من مارس سنة 1961. وتنفيذاً لذلك أصدر وكيل الوزارة للشئون البلدية بالمحافظة القرار رقم 35 لسنة 1961 في 27 من مارس سنة 1961 بفصل المدعي اعتباراً من 2 من فبراير سنة 1961 وبرفع اسمه من سجلات عمال اليومية بالبلدية من هذا التاريخ، وفي 8 من إبريل سنة 1961 قدم المدعي طلباً إلى مدير أعمال جراج الطرق أبدى فيه أنه كان مريضاً خلال مدة غيابه من 5 من فبراير إلى 3 من إبريل سنة 1961، وأنه لم يقم بالإبلاغ عن الغياب لهذا السبب ولجهله بالتعليمات وأرفق بطلبه شهادة مرضية صادرة من الدكتور ألبرت مرقص تثبت أنه كان خلال الفترة المذكورة ملازماً الفراش لعلاجه من روماتيزم بالمفاصل ولمباجو بالظهر والتمس الأمر بإعادته إلى العمل، فقامت إدارة شئون العمال بعرض هذه الشهادة الطبية على القومسيون الطبي الذي رفض في 26 من إبريل سنة 1961 اعتمادها استناداً إلى أنه كان يتعين على العامل المذكور إبلاغ المصلحة التابع لها بمرضه لتوقيع الكشف الطبي عليه في الوقت المناسب ما لم تكن هناك أسباب خارجة عن إرادته حالت دون ذلك وترى المصلحة الأخذ بها وبناءً على إقرار صادر من المدعي في 21 من مايو سنة 1961، تنص أنه كان مريضاً خلال فترة انقطاعه عن العمل وأنه كان يعالج لدى الطبيبين ألبرت مرقص وجورج ينى وهو طبيب أسنان – وأنه لم يتمكن من الإبلاغ عن مرضه بسب وحدته وجهله بالتعليمات، أعد مراقب عام النقل والورش مذكرة مؤرخة في 17 من يونيه سنة 1961 أشار فيها إلى الوقائع السالف بيانها وإلى أن العمل يحتاج إلى سائقين، وطلب عرض الموضوع على لجنة شئون العمال لإعادة النظر في قرار فصل المدعي وإعادته إلى العمل مع حساب مدة غيابه إجازة استثنائية بدون أجر. وفي 28 من يونيه سنة 1961 قررت لجنة شئون العمال عدم الموافقة على هذا الاقتراح.
ومن حيث إن البادي مما ذكر أن المدعي وهو من العمال المؤقتين قد فصل من الخدمة بناءً على سبب معين انحصر في انقطاعه عن العمل بدون إبداء أي عذر مقبول اعتباراً من 2 من فبراير سنة 1961، ومن ثم فإن فصله يكون قد وقع بغير الطريق التأديبي مما تحتمه القاعدة التنظيمية العامة الواردة في الفقرة 14 من التعليمات المالية رقم 26 لسنة 1922 الصادرة في أول يونيه سنة 1922 م التي نصت على أن "كل عامل من عمال اليومية يتغيب بدون إذن أكثر من عشرة أيام ولا يثبت فيما بعد ما يقنع رئيسه بأن غيابه كان بسبب قوة قاهرة، ينقطع بمجرد ذلك قيده في الدفاتر بصفته أحد عمال اليومية الدائمين". ومفاد هذا النص أن الأصل هو أنه لا يجوز للعامل أن يتغيب عن عمله بدون إذن سابق من رئيسه، وإذا تغيب بدون إذن فلا يجوز غيابه أكثر من عشرة أيام، فإذا زاد الغياب على ذلك فلا يسوغ له استئناف عمله بعد الانقطاع، إلا بإثبات القوة القاهرة، وتقدير قيام هذا العذر ومدى تبريره لغياب العامل رهين باقتناع رئيسه بما لا هيمنة لغيره عليه ولا معقب عليه فيه متى تجرد من إساءة استعمال السلطة. وليس من شك أن القاعدة التنظيمية العامة سالفة الذكر إنما قامت على أمر افتراضي بحت هو اعتبار العامل في حكم المستقيل في حالة غيابه استعاضة بذلك من الاستقالة الصريحة كما أنه ليس ثمة بد من تقرير هذا الأمر الحكمي إذ أن دوام نشاط المرفق هدف تجب رعايته وهذا يقتضي قبول استقالة العامل الضمنية، إلا أنه من ناحية أخرى قد تعرض للعامل أمور تستوجب غيابه دون إذن فإذا ما ثبت الأمر على هذا النحو انتفت قرينة الاستقالة الضمنية وجاز لرئيس الإدارة إعادة النظر في قرار فصل العامل.
ومن حيث إنه متى كان الأمر كذلك وكان العذر الذي قدمه المدعي لتبرير غيابه يتمثل في مرضه وملازمته الفراش طوال مدة الانقطاع وجهله بالتعليمات، وهي جميعاً أمور لا يستحيل معها أو يتعذر عليه إزاءها الإبلاغ عن مرضه بوسيلة أو بأخرى خاصة وأن الشهادة الطبية المقدمة منه لم تذكر سوى حاجته إلى العلاج والراحة دون أن تتضمن عجزه عن الانتقال والحركة، ولم يثبت من الأوراق أن السلطة المختصة قد قبلت هذا العذر وقدرت أنه كان لتبرير انقطاعه عن العمل، ومن ثم فإن القرار الصادر من وكيل الوزارة للشئون البلدية بمحافظة القاهرة في 27 من مارس سنة 1961 بفصل المدعي من الخدمة لانقطاعه عن العمل مدة تزيد على الحد المسموح به دون إذن أو عذر مقبول يكون قد صدر تنفيذاً للقانون وطبقاً لأحكامه وقام على وقائع صحيحة ثابتة في الأوراق ومؤدية إلى النتيجة التي انتهى إليها، وقد تحدد به المركز القانوني للمدعي واستقر نهائياً على أساسه على نحو لا يجوز المساس به أو إهدار الآثار المترتبة عليه، ولا ينال من مشروعية قرار فصل المدعي أنه صدر بناءً على ما قررته في هذا الشأن لجنة شئون العمال التي لا يلزم الرجوع إليها إلا في حالات الفصل التأديبي، لأنه ولئن صح أن القاعدة التنظيمية العامة التي تضمنتها الفقرة 14 من التعليمات المالية رقم 26 لسنة 1922 المشار إليها فيما تقدم قد ناطت بالرئيس الإداري وحده سلطة تقدير قيام العذر ومدى تبريره لغياب العامل مما يعني انفراده بهذا التقدير بغير معقب عليه فيه، إلا أنه ليس ثمة ما يحول قانوناً دون قيام الرئيس المذكور بالالتجاء إلى المشورة وتبادل الرأي في سبيل تكوين عقيدته واقتناعه، ما دام أن مرد الأمر في النهاية إليه بوصفه مصدر القرار النهائي في هذا المجال، وهو ما تم فعلاً في الخصوصية المعروضة إذ اعتمد قرار لجنة شئون العمال من المحافظة، وأصدر وكيل الوزارة للشئون البلدية بالمحافظة القرار رقم 35 لسنة 1961 بفصل المدعي اعتباراً من تاريخ انقطاعه عن العمل في 2 من فبراير سنة 1961، ولم يثبت أن هذا القرار قد ألغي أو سحب صراحة أو ضمناً، ولا اعتداد بما أثاره المدعي مؤيداً بالحكم المطعون فيه من أن قبول رؤسائه المباشرين لعذر المرض الذي أبداه سبباً لانقطاعه عن العمل وموافقتهم على عودته إليه يبنى عليه أن يصبح القرار موضوع المنازعة الراهنة غير ذي موضوع لا اعتداد بذلك كله لأنه فضلاً عن عدم ثبوت وجود إرادة صريحة أو ضمنية لمصدر القرار المذكور بسحبه أو العدول عنه، فإن الخطوات التي اتخذتها الإدارة في خصوص العذر المبدى من المدعي كسبب لانقطاعه عن العمل لم تتعد مرحلة الإجراءات التحضيرية بل أنها تبلورت في النهاية إلى قرار صريح برفض إعادة المذكور إلى العمل وهو الرفض الذي تبنته الجهة الإدارية بإصرارها على موقفها منه.
ومن حيث إنه بناءً على ما تقدم تكون الدعوى غير قائمة على أساس سليم من القانون، ويكون الحكم المطعون فيه، إذ أخذ بغير هذا النظر، قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه، ويتعين – والحالة هذه القضاء بإلغائه وبرفض الدعوى مع إلزام المدعي بالمصروفات.

"فلهذه الأسباب"

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى، وألزمت المدعي بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات