الطعن رقم 767 لسنة 11 ق – جلسة 05 /07 /1969
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الرابعة عشرة – العدد الثاني (من منتصف فبراير سنة 1969 إلى آخر سبتمبر سنة 1969)
– صـ 932
جلسة 5 من يوليه سنة 1969
برئاسة السيد الأستاذ مصطفى كامل إسماعيل – رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة محمد مختار العزبي ومحمد طاهر عبد الحميد وأحمد علي البحراوي وعلي لبيب حسن – المستشارين.
القضية رقم 767 لسنة 11 القضائية
عقد إداري "تنفيذه".
لا يسوغ للمتعاقد مع الإدارة أن يمتنع عن الوفاء بالتزاماته حيال المرفق العام بحجة
أن ثمة إجراءات إدارية قد أدت إلى إخلال الإدارة بالوفاء بأحد التزاماتها قبله – يتعين
عليه أن يستمر في التنفيذ ثم يطالب جهة الإدارة بالتعويض إن كان لذلك مقتض – أساس ذلك.
من المبادئ المقررة أن العقود الإدارية تتميز بطابع خاص، مناطه احتياجات المرفق الذي
يستهدف العقد تسييره وتغليب وجه المصلحة العامة على مصلحة الأفراد الخاصة، ولما كان
العقد الإداري يتعلق بمرفق عام فلا يسوغ للمتعاقد مع الإدارة أن يمتنع عن الوفاء بالتزاماته
حيال المرفق، بحجة أن ثمة إجراءات إدارية قد أدت إلى الإخلال بالوفاء بأحد التزاماتها
قبله، بل يتعين عليه إزاء هذه الاعتبارات أن يستمر في التنفيذ ما دام ذلك في استطاعته،
ثم يطالب جهة الإدارة بالتعويض عن إخلالها بالتزامها إن كان لذلك مقتض وكان له فيه
وجه حق فلا يسوغ له الامتناع عن تنفيذ العقد بإرادته المنفردة وإلا حقت مساءلته عن
تبعة فعله السلبي.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعنين المضمومين قد استوفيا أوضاعهما الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن المدعيين
أقاما الدعوى رقم 256 لسنة 15 القضائية ضد محافظة القاهرة والإدارة العامة للتنظيم
أمام محكمة القضاء الإداري وطلبا فيها الحكم، أولاً: باعتبار العقد المؤرخ 13 من مايو
سنة 1958 مفسوخاً بسبب تقصير المدعى عليهما وإخلالهما بالوفاء بالتزاماتهما. ثانياً:
بإلزام المدعى عليهما بأن يدفعا لهما مبلغ 7000 ج مع المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وتوجز أسانيد دعواهما في أنهما منحا ترخيصاً بإدارة مقصف الإدارة العامة للتنظيم وملحقه
بشارع الشيخ بركات رقم 5 مقابل إيجار شهري قدره 41 جنيهاً لمدة ثلاث سنوات تبدأ من
12 من يوليه سنة 1958 وتنتهي في 11 من يوليه سنة 1961، وأن عدد الموظفين والزوار كان
أمراً جوهرياً في إبرام العقد حسبما نص عليه في البند السادس منه، إلا أنه في 12 من
يوليه سنة 1958 وقبل تسلم المقصف، أخل المدعى عليهما بالتزامها إذ انقصا عدد الموظفين،
وذلك بنقل أقلام تضم عدداً من هؤلاء الموظفين إلى جهات أخرى فمل يبق سوى 482 موظفاً،
فقدما شكوى طلبا فيها تخفيض الإيجار إلى الحد الذي يناسب والعدد الباقي من الموظفين،
وقد خفضت البلدية الإيجار على إثر هذه الشكوى في 15 من نوفمبر سنة 1958 إلى 30 جنيهاً
وهو تخفيض لا يناسب مع نقص عدد الموظفين، إذ كان يجب أن يخفض الإيجار إلى 21 جنيهاً،
ومن ثم يكونان قد دفعا مبلغ 164 جنيهاً أكثر من الأجر المستحق يضاف إليه مبلغ 54 جنيهاً
و630 مليماً مقابل فروق إيجار بيانها كالآتي: خلال المدة من 15 من يونيه سنة 1959 إلى
14 من أغسطس سنة 1959 قدرت المحافظة الإيجار بمبلغ 21 جنيهاً في الشهر في حين أنه كان
يتعين تقديره بواقع 13 جنيهاً و860 مليماً، وخلال المدة من 15 من أغسطس سنة 1959 إلى
16 من يناير سنة 1960 قدر الإيجار بمبلغ 24 جنيهاً في حين أنه كان يتعين تقديره بمبلغ
16 جنيهاً و400 مليم، وفي المدة من 17 من يناير سنة 1960 حتى 26 من فبراير سنة 1960
قدر الإيجار بمبلغ 22 جنيهاً، مع أنه كان يتعين أن يكون 14 جنيهاً و880 مليماً، وأضاف
المدعيان أنهما إزاء نقل عدد من الإدارات إلى مبنى البلدية الجديد قدما طلباً لنقل
المقصف إلى ذلك المبنى، وقد تم نقله بناءً على كتاب مجلس الدولة في 20 من يوليه سنة
1959 وتسلما المقصف بالدور الثامن بالمبنى الجديد المخصص لموظفي الإدارات العامة للتنظيم
بالأدوار السابع والثامن والتاسع، إلا أن جهة الإدارة رتبت نظاماً من شأنه اتخاذ السعاة
والفراشين بالدورين السابع والتاسع ليقوموا بالخدمة فيهما، وتقديم المشروبات إلى الموظفين
والزائرين، ومن ثم اقتصر عدد الموظفين الذين يقدمان إليهم الطلبات على 217 موظفاً الأمر
الذي خفض معه الإيجار الشهري إلى 15 ج في حين أنه كان يتعين تخفيضه إلى 8 جنيهات، وبالتالي
تكون الإدارة قد حصلت منهما على مبلغ 52 جنيهاً زيادة عما هو مستحق لها في سبعة أشهر
ونصف، وعلى ذلك تكون جملة المبالغ المستحقة لهما 270 جنيهاً و630 مليماً – وقد قدر
المدعيان ما فاتهما من ربح من بدء التعاقد حتى تاريخ الفسخ في 16 من أكتوبر سنة 1960،
وأضافا إليه مبلغ 350 جنيهاً مقدار خسارتهما بعد الفسخ، وخلصا من ذلك إلى أن جملة المبالغ
المطلوبة لهما هي 3942 جنيهاً و595 مليماً، وإلى جانب هذا المبلغ طالب المدعيان بمبلغ
200 جنيه قيمة الأضرار المادية التي لحقت بهما نتيجة لإنقاص العدد وذكرا أنهما قد أصابتهما
خسائر نتيجة للفسخ التعسفي مقدارها 75 جنيهاً علاوة على التعويضات التي دفعاها للعمال
عن المدة المتعاقد عليها معهم ومقدارها 495 جنيهاً كما استحق لهما مقابل إنذار قدره
164 جنيهاً و405 مليم لأن هؤلاء العمال فصلوا بغتة، هذا علاوة على مبلغ 123 جنيهاً
قيمة التأمين المدفوع منهما، وبذلك تصبح الجملة 1057 جنيهاً و405 مليم، وبالإضافة إلى
الأضرار المادية سالفة الذكر، فإنهما يطالبان بالتعويض عن الأضرار الأدبية التي لحقتهما
ويقدرانها بمبلغ 2000 جنيه، ومن ثم تكون الجملة هي مبلغ سبعة آلاف جنيه.
وقد عقبت الجهة الإدارية على الدعوى بمذكرة قدمتها بجلسة 8 من نوفمبر سنة 1961 أمام
محكمة القضاء الإداري، ضمنتها طلبات عارضة ضد المدعيين تتلخص في رفض الدعوى الأصلية
وإلزام المدعيين بمبلغ 230 جنيهاً مع الفوائد القانونية بواقع 4% وهذا المبلغ يمثل
إيجار شهري سبتمبر وأكتوبر بواقع 15 جنيهاً لكل شهر، ومائتي جنيه تعويضاً مقابل امتناعهما
عن تنفيذ العقد – وردت جهة الإدارة على الدعوى الأصلية بأنه ليس صحيحاً أن الأساس العددي
الذي اتفق عليه والذي أشير إليه في العقد، هو أن يكون عدد الموظفين ألف موظف خلاف الزائرين،
وأن كل ما يؤخذ من البند السادس من العقد، هو التزام المرخص لهما باستحضار أدوات كافية
للمقصف، إذ أن العدد قدر جزافاً، أما العدد الذي يتعين أن يؤخذ أساساً للترخيص، فهو
الموجود فعلاً بالمبنى وقت منح الترخيص، وقد كان هذا العدد 666 موظفاً نقل منهم حتى
15 من نوفمبر سنة 1958 عدد قدره 184 موظفاً وبقي 482 موظفاً، ومما يؤكد ذلك أن المدعيين
قدما شكوى في 31 من أغسطس سنة 1958 طلبا فيها تخفيض الإيجار إلى 25 جنيهاً بسبب نقص
الموظفين وللأسباب الأخرى التي ضمنوها شكواهم، فطلب التخفيض الذي تضمنته الشكوى لم
يجاوز 40%، فإذا استبعدت الأسباب الأخرى للتخفيض لظهر أن نقص الموظفين لا يترتب عليه
إلا إنقاص الإيجار بنسبة 25%، وهو ما فعلته البلدية حين أنقصت الإيجار إلى 30 جنيهاً
ابتداء من 15 من نوفمبر سنة 1958 حتى 11 من يوليه سنة 1959 وهو بدء نقل بعض أقسام التنظيم
إلى مبنى البلدية، وقد خفض الإيجار من جديد وكلما نقص عدد الموظفين خفض الإيجار تبعاً
لذلك حتى أصبح 15 جنيهاً اعتباراً من فبراير سنة 1960 والثابت من الترخيص أن المقصف
المؤجر للمدعيين هو الخاص بالديوان العام للتنظيم وملحقه بشارع بركات ومن ثم فإن انتقالهما
إلى مبنى البلدية الجديد يعتبر غصباً مادياً لا يكسبهما حقاً، ومن أجل هذا قامت الإدارة
بإنذارهما بالإخلاء، وخلصت الجهة الإدارية إلى أنها قد اتبعت الإجراءات السليمة في
خفض الإيجار.. وأن المدعيين قد أخطئا، إذ اغتصبا جزءاً من المال العام في مبنى البلدية
الجديد ومن ثم يعتبر العقد مفسوخاً من تلقاء ذاته.
وبجلسة 30 من مايو سنة 1965 قضت المحكمة على الوجه السالف بيانه، وأقامت قضاءها على
أن الإشارة إلى عدد الموظفين في البند السادس من العقد بأنه ألف موظف على الأقل، يتعين
أخذه أساساً لمعرفة نسبة تخفيض الإيجار، على أن يعتد بالتخفيض اعتباراً من 12 من يوليه
سنة 1958 وهو تاريخ نفاذ العقد، وفصلت المحكمة المبالغ التي كان يتعين على المدعيين
أداؤها مقابل خفض عدد الموظفين، وخلصت من ذلك إلى أن المستحق لهما هو مبلغ 144 جنيهاً
و444 مليماً يخصم منه مبلغ 25 جنيهاً قيمة إيجار شهري سبتمبر وأكتوبر سنة 1960 وفقاً
للأساس الذي استظهرته المحكمة، ومن ثم يستحق لهما مبلغ 119 جنيهاً و444 مليماً يضاف
إليه مبلغ 100 جنيه كتعويض عما فاتهما من كسب – أما عن الطلبات العارضة فقد رأت المحكمة
أن الإدارة قد عجزت عن بيان ما أصابهما من ضرر ومن ثم لم تر محلاً لإجابة طلب التعويض.
ومن حيث إن مبنى الطعن رقم 767 لسنة 11 القضائية المقام من محافظة القاهرة أن الحكم
المطعون فيه قد أخطأ في تطبيق القانون حين ذهب في تفسير البند السادس من العقد مثار
هذه المنازعة، إلى أن من مقتضاه إلزام جهة الإدارة بإيجاد عدد الموظفين المنصوص عليهم
في هذا البند، وهم ألف موظف، ذلك أن النص المشار إليه إنما يلزم المتعاقدين باستحضار
الأدوات الكافية للمقصف، وقد حدد عدد الألف موظف تحديداً جزافياً على سبيل الاحتياط
لمواجهة ما يمكن أن ينشأ من زيادة في عدد الموظفين، وآية ذلك أن عدد الموظفين عند إبرام
العقد كان 666 موظفاً وليس ألف موظف، وقد كان المطعون عليهما يعلمان ذلك، ولم تنصرف
نية المتعاقدين إلى تحديد عدد المستفيدين بالخدمة بما يخالف الواقع عند التعاقد – وأن
جهة الإدارة قامت بتخفيض إيجار المقصف في 15 من نوفمبر سنة 1958 عندما نقل بعض الموظفين
من المبنى الموجود به المقصف، ثم استمرت في إجراء التخفيض عند نقل أي عدد آخر من الموظفين
حتى أصبح إيجار المقصف في أول فبراير سنة 1960 مبلغ 15 جنيهاً بدلاً من 41 جنيهاً عند
بداية التعاقد – وإذ قام المطعون عليهما بفسخ العقد من جانبهما في شهر سبتمبر سنة 1960،
وتوقفا عن التنفيذ، فإنهما يكونون قد أخطئا، وقد ترتب على هذا الخطأ ضرر يتمثل فيما
فات المحافظة من مقابل استغلال المقصف في الفترة التالية للتوقف عن تنفيذ العقد حتى
نهاية مدته، ولما كان الإيجار الشهري بحسب تقدير جهة الإدارة هو 15 جنيهاً خلال المدة
المذكورة، وكانت مدة التوقف قد بلغت زهاء سنة، فإن تقدير التعويض بمبلغ 200 جنيه يكون
تقديراً مناسباً، وكان يتعين على الحكم المطعون فيه أن يقضي به.
ومن حيث إن الطعن رقم 966 لسنة 11 القضائية المرفوع من المدعيين الأصليين، يقوم على
الحكم المطعون فيه، وإن كان قد اتخذ عدد الموظفين المنصوص عليه في العقد أساساً لإجراء
التخفيض في الإيجار، إلا أنه لم يقض بخفض الإيجار طبقاً للأساس الذي وضعه، كما أنه
لم يقض برد التأمين النهائي وقدره 123 جنيهاً، هذا إلى أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ،
إذ قضى بمبلغ مائة جنيه تعويضاً عما فات الطاعنين من كسب، مع أنهما قد لحقت بهما خسارة
مادية قدرها 934 جنيهاً و405 مليماً ممثلة في تعويض العمال وبدل الإنذار وما فقد منهما
من نقود وسجائر ودمغة بسبب الطرد، فضلاً عما أصابهما من خسارة بسبب الأشياء والأدوات
التي تم شراؤها لألف موظف، كما أخطأ الحكم المطعون فيه، إذ لم يقض لهما بتعويض عن الأضرار
الأدبية التي لحقت بهما من جراء الفسخ التعسفي للعقد وطردهما من المقصف موضوع هذا العقد.
ومن حيث إن مناط الفصل في هذه المنازعة، هو ما إذا كان من مقتضى تفسير البند السادس
من العقد المبرم بين الإدارة والمدعيين إلزام جهة الإدارة بإيجاد ألف موظف ليقوم المتعاقدان
بتقديم المشروبات لهذا العدد من الموظفين، أم أن نيتها كانت قد اتجهت إلى مجرد إلزامهما
بتوفير الأدوات الكافية للمقصف على أساس جزافي قدر على سبيل الاحتياط، وما إذا كان
النص في العقد على عدد ألف موظف هو تحديداً من هذا القبيل لمواجهة ما عساه أن يطرأ
من زيادة في عدد الموظفين أم تكفل بضمان وجود هذا العدد كما تدور المنازعة موضوع الطعنين
المعروضين أيضاً حول مدى أحقية كل من المحافظة والمدعيين في التعويض الذي يطالب به
كل من الطرفين.
ومن حيث إنه يبين من استقراء شروط ترخيص استغلال المقصف المذكور أنه قد نص في البند
السادس منها على أن:
"على المرخص إليه استحضار جميع الأدوات الخاصة بالبوفيهات من صوان وبكارج وفناجين قهوة..
بما يلزم عادة لتقديم ما يطلبه حضرات الموظفين – وأن تكون الأدوات من نوع جيد ونظيفة
وأن تكفي لعدد لا يقل عن ألف موظف خلاف الزائرين علاوة على ضرورة وجود دستة من كل صنف
من الأدوات…. إلخ".
ويؤخذ من ذلك أن عبارة البند السادس المشار إليه لا تحمل في ذاتها إلزاماً مقابلاً
على جهة الإدارة بإيجاد هذا العدد من الموظفين، إذ لم يقصد بهذا النص تحديد عدد الموظفين
الواجب تواجدهم في المكان الذي به المقصف، وإنما قصد به التزام المرخص لهما باستحضار
أدوات كافية للمقصف، ولا شبهة في أن الرقم المشار إليه في البند السادس سالف الذكر
إنما ذكرته جهة الإدارة على سبيل الاحتياط، لمواجهة ما عساه أن يطرأ من زيادة على عدد
الموظفين، ومما يؤكد هذا النظر أن النص المذكور قد ورد في نموذج مطبوع خاص بشروط الترخيص
في استغلال مقصف الديوان العام لمصلحة التنظيم وملحقاته، بتفتيش النظافة ببولاق وبالتفتيش
الميكانيكي بالجيزة، وقد عدلت هذه الأماكن على النموذج المذكور بحيث أصبح يشمل فقط
الديوان العام وملحق التنظيم بشارع الشيخ بركات، الأمر الذي يبين منه أن جهة الإدارة
لم تقصد أن ينتفع بخدمة هذا المقصف وحده ألف موظف، ومتى كان الأمر على هذا النحو فإن
التفسير الذي ذهب إليه الحكم المطعون فيه يكون تفسيراً لا يحتمله النص، ولا يتفق والنية
المشتركة للمتعاقدين، فضلاً عن تعارضه مع ما نص عليه في البند الخامس من شروط الترخيص
من أنه "يقر الطرف الثاني أنه عاين الأماكن المشار إليها، ويقرر أنه قبل استغلالها
بحالتها الراهنة".
ومن حيث إنه ترتيباً على ما تقدم، فإنه لما كان يبين من الأوراق أن عدد الموظفين الذين
كانوا موجودين في المبنيين المشار إليهما هو 666 موظفاً وقت طرح مزايدة استغلال المقصف
المذكور فإن هذا الرقم هو الذي يتعين اتخاذه أساساً للتخفيض الواجب إجراؤه في مقابل
الانتفاع، بحسبانه العدد الفعلي للموظفين، الذي تقدم المتعاقدان على أساسه في المزايدة
– وقد قامت جهة الإدارة فعلاً بتخفيض الجعل المستحق على المتعاقدين تبعاً لخفض عدد
الموظفين على أساس العدد الذي كان موجوداً بالفعل وقت طرح استغلال المقصف في المزايدة…
فخفضت هذا الجعل إلى 30 جنيهاً عندما نقص عدد الموظفين إلى 482 موظفاً اعتباراً من
15 من نوفمبر سنة 1958 وهو بدء نقل بعض أقسام التنظيم إلى مبنى البلدية الجديد، كما
أن جهة الإدارة المتعاقدة قد قامت بخفض الجعل الشهري المستحق في التواريخ اللاحقة تبعاً
لخفض عدد الموظفين على الأساس السابق، فخفضته إلى 21 جنيهاً عن المدة من 15 من يوليه
سنة 1959 إلى 14 من أغسطس سنة 1959 عندما أصبح عدد الموظفين 338 موظفاً، كذلك رفعته
إلى 24 جنيهاً في الفترة من 15 من أغسطس سنة 1959 إلى 16 من يناير سنة 1960 عندما ارتفع
عدد الموظفين إلى 392 موظفاً، ثم أنزلته إلى 22 جنيهاً في المدة من 17 من يناير سنة
1960 إلى 26 من فبراير سنة 1960 عندما أصبح عدد الموظفين 363 موظفاً، وخفضته إلى 15
جنيهاً شهرياً اعتباراً من 27 من فبراير سنة 1960 عندما نقص عدد الموظفين إلى 238 موظفاً.
ومن حيث إنه متى كان الأمر على ما سلف تفصيله، فإن جهة الإدارة تكون قد قدمت يد المعونة
للملتزمين على أساس من العدالة، بأن خفضت قيمة إيجار المقصف المذكور بنسبة عدد الموظفين
المتفق عليه، كلما نقص عددهم، بمراعاة أن عدد الموظفين عند بدء التعاقد كان 666 موظفاً،
ومن ثم فإنه لا يسوغ للمدعيين بعد ذلك المطالبة بتخفيض الجعل إلى الحد الذي يطالبان
به على أساس آخر، وعلى هذا يكون الحكم المطعون فيه إذ ذهب غير هذا المذهب في هذا الشق
من الدعوى الأصلية مجانباً الصواب، وغير قائم على أساس سليم من القانون.
ومن حيث إنه عن التعويض الذي يطالب به المدعيان، فإنه لما كان مناط تقدير التعويض عنصرين
قوامهما ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب، فإنه في خصوصية هذه المنازعة يبين
أن المدعيين قد طالبا بمبلغ 934 جنيهاً و405 مليم كتعويض عن الخسارة المادية التي لحقت
بهما، وذلك على الوجه المفصل في تقرير الطعن المقام منهما، إلا أنه لا دليل في الأوراق
على صحة هذا الادعاء لانتفاء ثبوته، مما يتعين معه الحكم بعدم أحقيتهما في اقتضاء هذا
المبلغ – أما عن الكسب الذي فاتهما فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى لهما بمبلغ مائة جنيه
يكون قد جانب الصواب أيضاً في هذا الشق منه، ذلك أن نقل الموظفين من مكان إلى آخر أو
من جهة إلى أخرى إنما مرده إلى السياسة العامة للدولة في توفير الأماكن للعاملين بها،
ولما كان من المسلم أنه لا يمكن مساءلة جهة الإدارة إلا عن الخطأ الذي يقع منها ويؤدي
إلى الإخلال بالتزاماتها العقدية فإنه ليس ثمة خطأ من جانب الإدارة قد تسبب في نقص
عدد الموظفين المنتفعين بالمقصف، الأمر الذي تنتفي معه مسئوليتها، بل على العكس من
ذلك فإن تخفيض الإدارة لقيمة الإيجار على النحو السالف إيضاحه على أساس من العدالة
المجردة، فيه التعويض الكافي لما وقع من نقص في عدد الموظفين – أما عن الأضرار المادية
التي يطالب المدعيان بالتعويض عنها بسبب طردهما من الدور الثامن من مبنى البلدية الجديد،
فإن شغلهما المقصف الدور الثامن في مبنى البلدية إنما كان غصباً دون وجه حق، لأنه يبين
من الأوراق أن البلدية لم تؤجر لهما سوى المقصف الواقع بمبنى الديوان العام للتنظيم
بشارع القصر العيني وملحقاته بشارع بركات، فلم يكن ثمة عقد أو اتفاق مبرم يسمح لهما
باستغلال مقصف الدور الثامن بمبنى البلدية الجديد وعلى هذا يعتبر وجودهما فيه بغير
سند، وقد كان يتعين عليهما، عندما طلب إليهما، مغادرة هذا المقصف بالطريق الودي أن
يمتثلا، ولكنهما رفضا ذلك مما اضطر جهة الإدارة إلى إنذارهما ثم طردهما بالطريق الإداري،
هذا فضلاً عن أن طردهما وفقاً للغصب الواقع من جانبهما، واستناداً إلى حكم القانون،
لا يحمل معنى الإيذاء المعنوي الموجب للتعويض الأدبي، ومن ثم تكون مطالبتهما بالتعويض
عن هذا النوع من الضرر لا سند لها من القانون.
ومن حيث إنه عن مبلغ التأمين وقدره 127 جنيهاً الذي يطالب المدعيان برده إليهما، فإنه
ليس مثار منازعة جدية.
ومن حيث إنه عن طلب المحافظة العارض، الخاص بإلزام المدعيين بأن يدفعا لها مبلغ ثلاثين
جنيهاً، مقابل إيجار المقصف في شهري سبتمبر وأكتوبر سنة 1960 بواقع 15 جنيهاً عن الشهر
الواحد بالإضافة إلى مبلغ 200 جنيه مقابل امتناعهما عن الاستمرار في تنفيذ العقد إلى
نهاية مدته دون مسوغ قانوني، فإنه يبين من الأوراق أن المدعيين قد أقرا بعدم وفائهما
بالجعل عن الشهرين سالفي الذكر قبل توقفهما عن تنفيذ العقد، ومن ثم فإنه يتعين الحكم
بإلزامهما به – أما بالنسبة إلى المبلغ الذي تطالب به المحافظة وقدره 200 جنيه مقابل
ما لحقها من جراء عدم استمرار المستغلين في تنفيذ التزاماتهما الناشئة عن العقد تنفيذاً
كاملاً مما ترتب عليه عدم استغلال المقصف المذكور حتى نهاية مدة الترخيص، وضياع قيمة
الإيجار عليها عن تلك المدة، فإنه من المبادئ المقررة أن العقود الإدارية تتميز بطابع
خاص، مناطه احتياجات المرفق الذي يستهدف العقد تسييره وتغليب وجه المصلحة العامة على
مصلحة الأفراد الخاصة، ولما كان العقد الإداري يتعلق بمرفق عام فلا يسوغ للمتعاقد مع
الإدارة أن يمتنع عن الوفاء بالتزاماته حيال المرفق، بحجة أن ثمة إجراءات إدارية قد
أدت إلى الإخلال بالوفاء بأحد التزاماتها قبله، بل يتعين عليه إزاء هذه الاعتبارات
أن يستمر في التنفيذ ما دام ذلك في استطاعته، ثم يطالب جهة الإدارة بالتعويض عن إخلالها
بالتزامها إن كان لذلك مقتض وكان له فيه وجه حق فلا يسوغ له الامتناع عن تنفيذ العقد
بإرادته المنفردة وإلا حقت مساءلته عن تبعة فعله السلبي – ومتى كان الثابت من الأوراق
أن المتعاقدين المذكورين قد توقفا من تلقاء نفسهما، عن تنفيذ العقد قبل نهاية مدته
بما يقرب من سنة دون مسوغ أو سند من القانون، فإنه يتعين إزاء هذا إجابة جهة الإدارة
إلى طلبها العارض، وتقدر المحكمة على الأساس المقدم مبلغ 150 جنيهاً مقابل امتناع المدعيين
عن سداد الجعل عن شهري سبتمبر وأكتوبر سنة1960 وكذا عن عدم الاستمرار في تنفيذ العقد
بعد ذلك، حتى نهاية مدته، وهو ما يتعين معه فيما يتعلق بالطعن رقم 767 لسنة 11 القضائية
إلغاء الحكم المطعون فيه في كلا شقيه ورفض الدعوى الأصلية مع إلزام المدعيين بالمصروفات،
والحكم بإلزام المدعيين بأداء هذا المبلغ لمحافظة القاهرة مع فوائده القانونية بواقع
4% سنوياً من تاريخ المطالبة القضائية الحاصلة في 8 من نوفمبر سنة 1961 حتى تمام الوفاء
مع المصروفات المناسبة لهذا الطلب، وفيما يتعلق بالطعن رقم 966 لسنة 11 القضائية برفضه
مع إلزام الطاعنين بمصروفاته.
"فلهذه الأسباب"
حكمت المحكمة بقبول الطعنين المضمومين شكلاً، وفي موضوعهما: أولاً – بالنسبة إلى الطعن رقم 767 لسنة 11 القضائية، بإلغاء الحكم المطعون فيه في كلا شقيه، وفي الدعوى الأصلية برفضها، وبإلزام المدعيين بالمصروفات، وفي الطلب العارض المقدم من محافظة القاهرة، بإلزام المدعيين بأن يدفعا للمحافظة المذكورة مبلغ 150 جنيهاً "مائة وخمسين جنيهاً" وفوائده القانونية بواقع 4% "أربعة في المائة" سنوياً من تاريخ المطالبة القضائية الحاصلة في 8 من نوفمبر سنة 1961 حتى تمام الوفاء، مع المصروفات المناسبة لهذا الطلب. وثانياً – بالنسبة إلى الطعن رقم 966 لسنة 11 القضائية برفضه، وبإلزام الطاعنين بمصروفاته.
