الطعن رقم 311 لسنة 11 ق – جلسة 14 /06 /1969
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الرابعة عشرة – العدد الثاني (من منتصف فبراير سنة 1969 إلى آخر سبتمبر سنة 1969)
– صـ 778
جلسة 14 من يونيه سنة 1969
برئاسة السيد الأستاذ مصطفى كامل إسماعيل – رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة محمد مختار العزبي ومحمد طاهر عبد الحميد وأحمد علي البحراوي ومحمد صلاح الدين السعيد – المستشارين.
القضية رقم 311 لسنة 11 القضائية
( أ ) – عقد إداري "تنفيذه".
مسئولية المقاول الكاملة، وفقاً للشروط العامة للعقد، عن جميع الصعوبات المادية التي
تصادفه سواء كانت متوقعة أو غير متوقعة لا تخوله حق مطالبة الجهة الإدارية المتعاقدة
معه بزيادة فئات الأسعار مشاركة منها في الخسائر التي تكون قد لحقته بسبب الصعوبات
المادية غير المتوقعة مهما ترتب عليها من إرهاق للمقاول – أساس ذلك.
(ب) – عقد إداري "تنفيذه".
مسئولية المقاول في حالة تأخره في تنفيذ التزاماته إذا كان مرد ذلك إلى أسباب لم يكن
في الإمكان توقعها وقت تقديم العطاء وكانت خارجة عن إرادته – سلطة الجهة الإدارية المتعاقدة
في تقدير هذه الأسباب – انقضاء غرامات التأخير منوط بتقدير الجهة الإدارية – أساس ذلك.
1 – إذا كان مفاد النصوص الواردة في الشروط العامة أن المقاول مسئول مسئولية كاملة
عن جميع الصعوبات المادية التي تصادفه سواء كانت متوقعة أم غير متوقعة، وليس من شأن
الصعوبات المادية غير المتوقعة مهما ترتب عليها من إرهاق للمقاول أن تخوله حق مطالبة
الجهة الإدارية المتعاقدة معه بزيادة فئات الأسعار مشاركة منها في الخسارة التي تكون
قد لحقته، إذ أن الصعوبات سالفة الذكر – أياً كان شأنها – لا ترقى إلى مستوى الحوادث
الطارئة الموجبة لإلزام الإدارة بتحمل نصيب في الخسارة الفادحة التي تختل بها اقتصاديات
العقد اختلالاً جسيماً، وذلك ضماناً لتنفيذ العقد الإداري واستدامة سير المرفق العام
الذي يخدمه.
2 – ولئن كانت الشروط العامة قد جعلت المقاول – كقاعدة عامة – مسئولاً عن الصعوبات
المادية المتوقعة وغير المتوقعة، إلا أنها استثناء من هذه القاعدة العامة أعفت في البند
40 منها المقاول من المسئولية في حالة تأخره في تنفيذ التزاماته إذا كان مرد ذلك إلى
أسباب لم يكن في الإمكان توقعها وقت تقديم العطاء وكانت خارجة عن إرادته، وناطت بمدير
عام الهيئة سلطة تقدير هذه الأسباب شريطة أن يقوم المقاول بإبلاغه عنها فوراً عند حصول
أي حادث يرى أنه سيكون سبباً في تأخير إنهاء الأعمال. وغني عن البيان أن اقتضاء غرامات
التأخير منوط – وفقاً لما هو مقرر في فقه القانون الإداري – بتقدير الجهة الإدارية
بحسبانها القوامة على حسن سير المرافق العامة والقائمة تبعاً لذلك على تنفيذ شروط العقد.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من الأوراق – تتحصل في أن المدعي أقام
الدعوى رقم 185 لسنة 13 القضائية ضد وزارة المواصلات والهيئة العامة للمواصلات السلكية
واللاسلكية بصحيفة أودعت قلم كتاب محكمة القضاء الإداري في 28 من مايو سنة 1959 طلب
فيها الحكم: "بإعفاء الطالب من غرامة التأخير البالغ قيمتها 1558 جنيهاً و132 مليماً،
والحكم بإلزام المدعى عليهما بدفع المبلغ المذكور وقدره 1558 جنيهاً و132 مليماً، وإلزامهما
بأن يدفعا له مبلغ 89 جنيهاً و710 مليم قيمة أعمال طوارئ قام بها مع إلزامهما بالفوائد
القانونية عن المبلغين من تاريخ رفع هذه الدعوى حتى تمام السداد والمصاريف ومقابل أتعاب
المحاماة". وتوجز أسانيد دعواه في أنه بمقتضى عقد أشغال عامة مبرم بينه وبين الهيئة
العامة للمواصلات السلكية واللاسلكية في 13 من يناير سنة 1957 عهد إليه بعملية حفر
وردم الخنادق ورمي البرابخ وبناء حجرات التفتيش الخاصة بمشروع منطقة سنترال العباسية.
وعلى الرغم من الصعوبات المنظورة وغير المنظورة التي اعترضت طريق العمل فقد استمر في
تنفيذ كافة ما أسند إليه من أعمال إلا أن هذه الصعوبات قد ترتب عليها التأخير في إنهاء
العمل في الميعاد المقرر طبقاً للعقد، وتبعاً لذلك فقد طلب من الهيئة رفع غرامة التأخير
التي وقعت عليه مشيراً إلى أنه سبق أن نبه المسئولين إلى وجود هذه العوائق منذ ظهورها
في 3 من فبراير سنة 1957، وقد أثبت مهندس الهيئة وجود هذه الصعوبات في مذكرته المؤرخة
22 من يونيه سنة 1957، وأخيراً اقتنعت الهيئة فعلاً بصحة شكوى المدعي في هذا الخصوص
ورأت أحقيته في زيادة مدة تنفيذ العملية ثلاثة أشهر وفي محاسبته عن أعمال الطوارئ وفقاً
لآخر الأسعار السائدة إلا أنه بعرض الأمر على إدارة الفتوى والتشريع المختصة بمجلس
الدولة رأت عدم إجابته إلى طلباته، ثم عدد المدعي العقبات التي صادفته في أثناء التنفيذ
موضحاً أنه كان ملحوظاً عند طرح المناقصة أن الأعمال ستتم في أرصفة الطريق أو الجزء
الملاصق للأرصفة غير أن العمل في شارع بور سعيد اختلف عن ذلك، إذ كانت أعمال توسيع
هذا الشارع جارية ولم تنته بعد وكان التعارض بين أعمال مقاولي مصلحة التنظيم ومقاولي
الهيئة سائداً، كما أن أعمال التوسيع ترتب عليها نقل خط التنظيم فأصبحت الأرصفة المقترحة
تقوم في مكان المنازل التي أزيلت وواجه المدعي مخلفات هذه المنازل من أساسات خرسانية
وآبار وخزانات الأمر الذي اضطر معه إلى العمل في مواقع تخالف تلك التي تم على أساسها
التعاقد هذا بالإضافة إلى الصعوبات التي صادفته نتيجة الفيضان غير العادي وقتذاك.
وقد أجابت الجهة الإدارية عن الدعوى بمذكرة أبدت فيها أن المدعي لم ينفذ الالتزامات
الموكولة إليه بمقتضى العقد في المدة المحددة به، والتي تنتهي في 10 من أغسطس سنة 1957،
ومن ثم فإنه يكون مسئولاً عن التأخير وبالتالي تستحق عليه غرامات التأخير بالفئات المقررة
بالشروط العامة للعقد، وليس ثمة وجه لإعفائه من هذه الغرامات بحجة وجود صعوبات غير
متوقعة صادفته في أثناء التنفيذ ذلك أنه كان يتعين عليه طبقاً للبند 40 من شروط العقد
أن يبلغ الجهة الإدارية بما يصادفه من عقبات تؤدي إلى التأخير في إنهاء الأعمال فور
ظهور هذه العقبات لإمكان النظر في إعفائه من غرامة التأخير، أما وأن المقاول لم يبلغ
عن الصعوبات التي صادفته إلا في 21 من سبتمبر سنة 1957 أي بعد انتهاء مدة العقد بشهر
ونصف فإن شرط الإعفاء من الغرامة يكون قد تخلف في شأنه، ولا عبرة بما ذهب إليه بعض
مهندسي الهيئة من أن ثمة صعوبات اعترضت المقاول في أثناء العمل لأن الأمر عرض على إدارة
الفتوى والتشريع بمجلس الدولة التي رأت عدم أحقية المذكور في أي طلب من طلباته سواء
بالنسبة إلى مد ميعاد إنهاء الأعمال أو بالنسبة إلى زيادة فئات العقد، وانتهت الجهة
الإدارية في مذكرتها إلى طلب الحكم برفض الدعوى. وبجلسة 27 من ديسمبر سنة 1964 قضت
محكمة القضاء الإداري "هيئة المنازعات الخاصة بالعقود الإدارية وطلبات التعويض" بإلزام
المدعى عليهما، بأن يدفعا للمدعي مبلغ 1170 جنيهاً و397 مليماً والفوائد القانونية
عن هذا المبلغ بواقع 4% سنوياً من تاريخ المطالبة القضائية به الحاصلة في 28 من مايو
سنة 1959 حتى تمام الوفاء والمصاريف المناسبة ومبلغ ثلاثة جنيهات مقابل أتعاب المحاماة
ورفضت ما عدا ذلك من طلبات "وأقامت قضاءها على أنه قد تبين، بعد إبرام العقد موضوع
المنازعة وفي أثناء تنفيذه، وجود عقبات مادية ومعارضات من جهات إدارية أخرى وعوامل
أخرى مختلفة لا بد وأن تؤدي إلى تعطيل تنفيذ الأعمال المتفق عليها في العقد، وأن المدعي
كان يخطر الهيئة المدعى عليها بمجرد ظهور العقبات المادية أو الإدارية، وأن الهيئة
المذكورة رأت أن هذه العقبات ترجع إلى أسباب لم يكن في الإمكان توقعها وقت تقديم العطاء،
ومن ثم فقد توفرت شروط إعفاء المقاول من مسئولية التأخير المنصوص عليها في البند 40
من الشروط العامة. وقد قدرت الهيئة أن الأمر يقتضي مد مدة التنفيذ ثلاثة أشهر فحسب
وبذلك تكون غرامة التأخير المستحقة هي مبلغ 477 جنيهاً و251 مليماً بدلاً من 1558 جنيهاً
و136 مليماً. أما بالنسبة إلى طلب المدعي زيادة فئة أعمال الطوارئ فإن الهيئة قد قطعت
بأنه لم يحدث أن صادفت في أعمال الحفر للبرابخ مثل العقبات التي ظهرت للمقاول، وذلك
فإن عناصر الصعوبات المادية غير المتوقعة تكون قد توفرت في هذه الحالة الأمر الذي يستوجب
تعويض المتعاقد عما تكلفه من أعباء تجاوز ما هو مقدر عند التعاقد.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون، ذلك أنه اعتبر العقبات
التي صادفت المدعي في أثناء تنفيذ العقد من قبيل الظروف الطارئة على حين أن جميع العوائق
التي أشار إليها الحكم المذكور هي من الأمور التي كان في استطاعته توقعها وقت التعاقد،
إذ أن عملية توسيع شارع الخليج بدأت سنة 1956 أي قبل العقد، كما أن الفيضان وما يترتب
عليه يحدث دورياً في كل عام مما ينفي عنه صفة الظرف الاستثنائي العام. أما ما يطالب
به المدعي من زيادة فئات أعمال الطوارئ فإن هذا الطلب لا أساس له من الواقع أو من القانون
لأن العقد ينص صراحة في المادة 49 منه على أن المقاول عند تقديره للفئات يدخل في اعتباره
كافة الاحتمالات والمخاطر.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق أن هيئة المواصلات السلكية واللاسلكية أجرت في 7 من يناير
سنة 1957 ممارسة عن عملية بناء حجرات التفتيش وحفر وردم الخنادق ورمي البرابخ اللازمة
لإعمال جزء من مشروعات سنترال القاهرة. وقد رست هذه العملية على المدعي وأبلغ بقبول
عطائه في 12 من يناير سنة 1957 عن الجزئين الثاني والثالث من العملية بمبلغ إجمالي
قدره 36348 جنيهاً على أن يتم التسليم خلال ستة أشهر من تاريخ إبلاغه بالبدء في العمل،
وفي 5 من فبراير سنة 1957 أرسل المدعي إلى مدير عام الهيئة كتاباً أشار فيه إلى أنه
بدأ العمل بصفة استثنائية قبل توقيع العقد في 26 من يناير سنة 1957، إلا أنه تبين له
في أثناء التنفيذ أن المنطقة الواقع بها العمل وهي شارع الخليج المصري تختلف في طبيعة
أرضها عن مواصفات العقد فالأرض الواقع فيها الخندق المتعاقد عليه، مكونة من تشوينات
ومرتفعات من الأتربة والأنقاض المتخلفة عن توسيع الشارع المذكور، كما تبين في أثناء
عملية حفر الخندق في الأرصفة والشارع أن الأرض بها مبان من الأحجار والطوب ومتخلفات
من مواسير صرف مجاري للمنازل التي أزيلت، وخلص المدعي من ذلك إلى أنه يتعين النظر في
الموضوع وتحقيق العدالة التي تمكنه من الاستمرار في العمل بدون خسائر، ثم في 11 من
إبريل سنة 1957 عاد المدعي إلى الشكوى فشكلت الهيئة لجنة فنية انتهت في هذا الخصوص
إلى اقتراح: أولاً – تقدير فئة جديدة لتكسير المباني والخراسانات التي تصادف الحفر
تحت الأرض لمحاسبة المقاول بمقتضاها إذ أنه لم يحدث من قبل في أعمال الحفر للبرابخ
أن تصادف وجود مثل هذه العقبات التي ظهرت في شارع الخليج المصري نتيجة إزالة المباني
الموجودة فوق الشارع وترك أساسات وعقود خزانات المياه كما هي. ثانياً – مد ميعاد انتهاء
العملية لمدة شهرين إذ أن الأعمال المسندة للمقاول من الأعمال التي تنفذ لأول مرة.
وقد أبدت اللجنة أن امتداد العقد للمدة المقترحة لن يؤثر في برنامج العمل في الشبكة
الخارجية لمشروع السنترال نظراً لعدم ورود الكوابل وعدم إتمام التعاقد على شراء الأجهزة،
وبعرض هذه الاقتراحات على لجنة الممارسة وافقت عليها في جلستها المنعقدة في 22 من يونيه
سنة 1957، إلا أن المراقب المالي لوزارة المواصلات، بناءً على ما أشارت به الإدارة
العامة لحسابات ومشتريات الحكومة بوزارة الخزانة، طلب استطلاع رأي إدارة الفتوى والتشريع
بمجلس الدولة في الموضوع في ضوء البند 49 من المادة 43 من لائحة المناقصات والمزايدات،
وفي 16 من نوفمبر سنة 1957 أيدت الإدارة المذكورة أن طلب المدعي زيادة فئة تكسير المباني
والخراسانات لا يقوم على أساس وليس هناك ما يبرره، وأن طلبه الخاص بمد مدة تنفيذ العقد
لا محل له لعدم انطباق البند 40 من الشروط العامة في شأنه. وقد أبلغ المدعي بما انتهى
إليه رأي إدارة الفتوى والتشريع بمجلس الدولة وذلك بكتاب الهيئة المؤرخ 6 من يناير
سنة 1958 وتم خصم غرامات التأخير من مستحقاته على أساس هذا الرأي، إلا أنه تقدم في
29 من إبريل سنة 1958 بشكوى شرح فيها الصعوبات المادية والعقبات المختلفة التي واجهها
في أثناء التنفيذ وترتب عليها تعطيل العمل وطلب إعفاءه من غرامة التأخير ورد ما استقطع
من مستحقاته، فأعادت الهيئة عرض الموضوع على إدارة الفتوى والتشريع بمجلس الدولة في
7 من نوفمبر سنة 1958 موضحة الظروف والملابسات التي أحاطت بالعملية وكانت سبباً في
تأخير تنفيذها والتي تتحصل في استغراق إزالة المعارضات والمنافع العامة وقتاً طويلاً
وحلول موسم الفيضان وما ترتب عليه من منع المقاول من سحب المياه الجوفية آلياً خشية
التأثير على سلامة المباني وكذلك زيادة نسب أعمال الطوارئ عما هو مقرر بالعقد، وأضافت
الهيئة إنه إزاء هذه الظروف غير المتوقعة فقد رؤى زيادة مدة تنفيذ العملية ثلاثة أشهر
بالتطبيق للبند 40 فقرة ب وجـ من الشروط العامة ومحاسبة المقاول على أعمال الطوارئ
الخارجة عن إرادته وفقاً لآخر سعر وقدره 220 مليماً استرشاداً بقائمة مصلحة المباني،
وتبعاً لذلك تصبح غرامة التأخير المستحقة للهيئة 477 جنيهاً و251 مليماً بدلاً من 1558
جنيهاً و132 مليماً وتبلغ فروق الأسعار المستحقة للمقاول 89 جنيهاً و516 مليماً. وطلبت
الهيئة إبداء الرأي في ضوء ما استجد من الظروف والملابسات السالف بيانها. وقد أجابت
إدارة الفتوى والتشريع بمجلس الدولة على هذا الطلب بأن العملية سلمت للمقاول في 10
من فبراير سنة 1957، وكان يتعين عليه الانتهاء منها في 10 من أغسطس سنة 1957، ومن ثم
فما كان الفيضان ليدرك إلا نهايتها، وما كان ليؤثر على تنفيذ العملية في ميعادها، وأضافت
إدارة الفتوى بكتابها المؤرخ 20 من مارس سنة 1959 أن الظروف التي أوردتها الهيئة يمكن
ردها إلى سببين رئيسيين: إجراء تعديلات بلغت 28% من الأعمال بينما النسبة المسموح بها
10%، وقيام صعوبات مادية جعلت تنفيذ العقد مرهقاً ويحتاج إلى وقت أطول. وأن كلا السببين
لا يبرران إعادة النظر في طلبات المقاول لعدم توفر شروط البنود 40 و45 و46 من الشروط
العامة في حالته، وانتهت الإدارة المذكورة إلى عدم أحقية المقاول في طلب مد مدة العقد
أو تعديل الفئات الواردة به.
ومن حيث إن البادي مما سلف بيانه أنه بعد إبرام العقد وفي أثناء تنفيذه ظهرت صعوبات
مادية كان من شأنها – بغير خلاف بين طرفي المنازعة – تعطيل الأعمال وتأخير المقاول
في الوفاء بالتزاماته في مواعيدها مما استوجب توقيع غرامات التأخير المنصوص عليها في
العقد، وإنما يدور النزاع حول ما إذا كانت هذه الصعوبات المادية من الأمور غير المتوقعة
التي تبيح للمقاول المطالبة بزيادة فئات الأسعار وبإعفائه من توقيع غرامات التأخير
عليه أم إنها ليست كذلك.
ومن حيث إن البند الثالث عشر من الشروط العامة قد حرص على تبيان واجبات مقدمي العطاءات
قبل تقديم عطاءاتهم وتحديد فئات الأسعار بأن ألزمهم بإجراء تحريات بأنفسهم في سبيل
التحقيق من طبيعة التزاماتهم ومداها وترتب على ذلك مسئولية المقاول وحده عن مواجهة
كل الصعوبات التي تصادفه مهما كان نوعها سواء كانت منظورة أو غير منظورة، وسواء كانت
متعلقة بطبيعة الأرض أو المواد التي سيجري حفرها أو كانت مما يعترضه في أثناء العمل
وحظر على المقاول المطالبة بفئات أزيد مما هو مدون بعطائه أو بأية مبالغ إضافية أو
بتعويض نظير الصعوبات التي تطرأ أو الظروف التي لم تكن منتظرة أو بسبب تكبده مصاريف
زائدة أو خسارة أو تأخير يمكن أن ينشأ من طبيعة الطبقات أو الماء الذي يوجد بالأساسات
والطبقات السفلية، أو عدم التحقق من الالتزامات أو بسبب أي خطأ أو سهو مهما كان نوعه
حاصلاً في مستندات العقد أو في أي معلومات أخرى معطاة للمقاول.
ومن حيث إن مفاد هذه النصوص أن المقاول مسئول مسئولية كاملة عن جميع الصعوبات المادية
التي تصادفه سواء أكانت متوقعة أم غير متوقعة، وليس من شأن الصعوبات المادية غير المتوقعة
مهما ترتب عليها من إرهاق للمقاول أن تخوله حق مطالبة الجهة الإدارية المتعاقدة معه
بزيادة فئات الأسعار مشاركة منها في الخسارة التي تكون قد لحقته، إذ أن الصعوبات سالفة
الذكر – أياً كان شأنها – لا ترقى إلى مستوى الحوادث الطارئة الموجبة لإلزام الإدارة
بتحمل نصيب في الخسارة الفادحة، التي تختل معها اقتصاديات العقد اختلالاً جسيماً، وذلك
ضماناً لتنفيذ العقد الإداري واستدامة سير المرفق العام الذي يخدمه.
ومن حيث إنه ولئن كانت الشروط العامة على النحو السالف بيانه قد جعلت المقاول – كقاعدة
عامة مسئولاً عن الصعوبات المادية المتوقعة وغير المتوقعة، إلا أنها استثناء من هذه
القاعدة العامة أعفت في البند 40 منها المقاول من المسئولية في حالة تأخره في تنفيذ
التزاماته إذا كان مرد ذلك إلى أسباب لم يكن في الإمكان توقعها وقت تقديم العطاء وكانت
خارجة عن إرادته، وناطت بمدير عام الهيئة سلطة تقدير هذه الأسباب شريطة أن يقوم المقاول
بإبلاغه عنها فوراً عند حصول أي حادث يرى أنه سيكون سبباً في تأخير إنهاء الأعمال.
وغني عن البيان أن اقتضاء غرامات التأخير المنوط – وفقاً لما هو مقرر في فقه القانون
الإداري – بتقدير الجهة الإدارية بحسبانها القوامة على حسن سير المرافق العامة والقائمة
تبعاً لذلك على تنفيذ شروط العقد.
ومن حيث إن الثابت في المنازعة الراهنة أن المدعي أبلغ الهيئة المدعى عليها في 5 من
فبراير سنة 1957 وفي 11 من إبريل سنة 1957 بالصعوبات المادية التي صادفته عند التنفيذ،
وطلب إليها مد المدة المقررة لإنهاء الأعمال. وقد رأى بعض الفنيين بالهيئة أن الصعوبات
التي ساقها المدعي لم يكن في الوسع توقعها إلا أن المدير العام استطلع رأي إدارة الفتوى
والتشريع المختصة بمجلس الدولة والتي رأت على النقيض من ذلك أن شروط البند 40 سالف
الذكر غير متحققة في حالة المدعي للأسباب التي أوردتها تفصيلاً، وقد تبنى المدير العام
المذكور هذا الرأي الاستشاري وكون منه عقيدته واقتناعه وعلى أساسه أبلغ المدعي في 6
من يناير سنة 1958 برفض طلباته، ومن ثم فإنه يكون غير صحيح ما زعمه المدعي وسايره فيه
الحكم المطعون فيه من أن مدير عام الهيئة قد أقر أن الصعوبات المادية التي اعترضت المقاول
في التنفيذ كانت غير متوقعة وذلك أثر على سير الأعمال من الناحية الفنية، إذ الثابت
على العكس من ذلك أن المدير العام نحي آراء الفنيين في هذا الخصوص وطرحها جانباً، وانتهى
إلى تقدير أن الصعوبات المادية التي ساقها المدعي لا تعتبر من الأمور التي لم يكن في
الوسع توقعها واستمد تقديره هذا من رأي إدارة الفتوى والتشريع المختصة بمجلس الدولة
الذي قام على أصول صحيحة تنتجه مادياً وقانوناً ولا يغير من الأمر شيئاً أن مدير عام
الهيئة أعاد عرض الأمر على إدارة الفتوى والتشريع المذكورة بناءً على شكوى المدعي طالما
أن هذه الإدارة لم تر في الأسباب التي أوردها بعض الفنيين بالهيئة للمرة الثانية جديداً
يدعو إلى العدول عن الرأي السابق.
ومن حيث إنه متى تبين على هذا النحو أن الصعوبات المادية التي استند إليها المدعي لتبرير
إخلاله بالتزامه في تنفيذ العقد في الميعاد المقرر، لم يثبت لمدير عام الهيئة بما له
من سلطة تقديرية في هذا الخصوص، أنها ظروف غير متوقعة، وهو استخلاص سليم في ذاته، فإن
الهيئة إذ خصمت من مستحقات المدعي الغرامات المنصوص عليها في البند 40 من الشروط العامة،
ولم تستجب إلى طلبه الخاص باسترداد هذه الغرامات وبزيادة فئات الأسعار عن أعمال الطوارئ،
تكون قد طبقت القانون ونصوص العقد تطبيقاً صحيحاً في حقه وتكون دعواه غير قائمة على
أساس سليم من الواقع أو القانون.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه، إذ أخذ بغير هذا النظر، يكون قد أخطأ في تأويل القانون
وتطبيقه، ويتعين – والحالة هذه – القضاء بإلغائه، وبرفض الدعوى، مع إلزام المدعي بالمصروفات.
"فلهذه الأسباب"
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الدعوى وألزمت المدعي بالمصروفات
