الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 21 لسنة 10 ق – جلسة 24 /05 /1969 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الرابعة عشرة – العدد الثاني (من منتصف فبراير سنة 1969 إلى آخر سبتمبر سنة 1969) – صـ 723


جلسة 24 من مايو سنة 1969

برئاسة السيد الأستاذ المستشار مصطفى كامل إسماعيل – رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة محمد مختار العزبي ومحمد طاهر عبد الحميد وأحمد علي البحراوي، ومحمد صلاح الدين السعيد – المستشارين.

القضية رقم 21 لسنة 10 القضائية

( أ ) – موظف "تأديب. المخالفات التأديبية".
على الموظف العام أن يلتزم في شكواه الحدود القانونية التي تقتضيها ضرورة الدفاع الشرعي دون أن يجاوز ذلك إلى ما فيه تحد لرؤسائه أو تطاول عليهم أو مساس أو تشهير بهم – المجاوزة تنطوي على إخلال بواجبات الوظيفة يستحق الجزاء المناسب.
(ب) – "موظف تأديب. المخالفات التأديبية".
عدم قيام الموظف بالإخطار عن تغيير حالته الاجتماعية اعتقاداً منه أن إعانة الغلاء التي يتقاضاها تقل عن النصاب القانوني وإثبات التحقيق أنه لم يكن بحال مسئولاً عما تم صرفه إليه خطأ من إعانة غلاء المعيشة – فإن مجازاته عن تقصيره في الإخطار عن تغيير حالته الاجتماعية تكون لا سند لها من القانون.
(جـ) – موظف "إعانة غلاء المعيشة".
القاعدة في استحقاق الموظف إعانة غلاء المعيشة عن أولاده حتى 10 من نوفمبر سنة 1954 هي إعالته لهؤلاء الأولاد سواء جاوز الابن الحادية والعشرين من عمره أو لم يجاوزها – هذه القاعدة عدلت بقرار مجلس الوزراء الصادر في 10 من نوفمبر سنة 1954 بحيث أصبح الموظف منذ هذا التاريخ غير مستحق للإعانة متى بلغ ابنه الحادية والعشرين سواء تكسب هذا الابن أو كان عاطلاً من الكسب ما لم يكن في مرحلة التعليم العالي غير متجاوز الخامسة والعشرين من عمره – هذا القرار الأخير لا يسري إلا من تاريخ العمل به وإلا ينسحب أثره على الماضي.
(د) – قرار إداري. "القرار التأديبي" سببه.
إذا قام القرار الإداري على أكثر من سبب واحد فإن استبعاد أي سبب فيه لا يبطل القرار ولا يجعله غير قائم على سببه طالما كان السبب الآخر يؤدي إلى النتيجة ذاتها فضلاً عن تناسب الجزاء مع الذنب الإداري.
1 – ولئن كان من حق المطعون عليه بوصفه موظفاً عاماً أن يشكو من ظلم يعتقد أنه وقع عليه إلا أنه ليس له أن يجاوز في إبدائه لشكواه حدود الدفاع الشرعي، ومن ذلك تطاوله على رؤسائه والمساس بهم، كما أنه وإن كان من حقه أن يطعن في التصرف الإداري بأوجه الطعن القانونية التي من بينها سوء استعمال السلطة أو الانحراف بها إلا أنه يجب عليه أن يلتزم في هذا الشأن الحدود القانونية التي تقتضيها ضرورة الدفاع دون أن يجاوز ذلك إلى ما فيه تحد لرؤسائه، أو التطاول أو التمرد عليهم، أو إلى المساس أو التشهير بهم وامتهانهم، وإلا فإنه عند المجاوزة يكون قد أخل بواجبات وظيفته بما تقتضيه من توقير لرؤسائه، وبما تفرضه عليه من واجب إطاعتهم، فليس يسوغ للموظف أن يتخذ من شكواه ذريعة للتطاول على رئيسه بما لا يليق، أو لتحديه والتمرد عليه أو التشهير به، وإلا فإنه يستحق الجزاء المناسب إذا هو وجه إلى رئيسه عبارات تحمل هذا المعنى، حتى لو ثبتت صحة ما تضمنته مثل هذه العبارات – وإذ كان الظاهر من الشكاوى التي قدمها المطعون عليه لكل من النيابة الإدارية وهيئة البريد، أنه قد جاوز فيها حدود الدفاع الشرعي عن نفسه بتطاوله على رئيسه وذلك باتهامه إياه بتهم ثبت كذبها وعدم صحتها، فإن قرار الجزاء الذي بني على اعتبار المذكور قد خرج في شكواه على مقتضى أعمال وظيفته، يكون قد أصاب صحيح حكم القانون.
2 – مخالفة المطعون عليه للتعليمات والأحكام المالية لعدم قيامه بالإخطار عن تغيير حالته الاجتماعية في المدة من 10 من نوفمبر سنة 1954 حتى 7 من فبراير سنة 1955، فإن الثابت أن المذكور قد قدم إقرار الحالة الاجتماعية في 7 من فبراير سنة 1955 في وقت معقول، ولم يذكر فيه اسم ابنه رفعت تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء الصادر في 10 من نوفمبر سنة 1954 كما أنه أرفق بهذا الإقرار مذكرة قال فيها أنه لم يذكره طبقاً لقرار مجلس الوزراء المشار إليه وأنه يعتقد أن إعانة غلاء المعيشة التي يتقاضاها تقل عن النصاب القانوني الذي يستحقه ومن ثم فإنه لا ينبغي تخفيضها بحال، مما يشفع في حسن نيته، ومن ثم فلا وجه لمؤاخذته باعتباره مقصراً في الإخطار عن تغيير حالته الاجتماعية في المدة من 10 من نوفمبر سنة 1954 إلى 7 من فبراير سنة 1955 لأنه قدم الإقرار المطابق للقانون في ميعاد معقول ولم يثبت أنه كان قد علم بقرار مجلس الوزراء المشار إليه في ميعاد معين – كما أنه ولئن كانت هيئة البريد قد استمرت على الرغم من ذلك في أن تصرف إليه إعانة غلاء المعيشة عدة سنوات باعتباره من ذوي الأولاد الثلاثة حتى تبينت خطأها، حيث عدلت الإعانة المستحقة له اعتباراً من أول يوليه سنة 1958 باعتباره من ذوي الولدين، إلا أن التحقيق قد أثبت أنه لم يكن بحال مسئولاً عن شيء من ذلك، ومن ثم فإن مجازاته عن تقصيره في الإخطار عن تغيير حالته الاجتماعية، تكون لا سند لها من القانون.
3 – يبين من استعراض القواعد التي كانت تحكم إعانة غلاء المعيشة حتى 10 من نوفمبر سنة 1954، أنها لم تكن تشترط لاستحقاق الموظف هذه الإعانة عن أولاده إلا شرطاً واحداً هو إعالته لهؤلاء الأولاد سواء جاوز الابن الحادية والعشرين من عمره، أو لم يجاوزها، إلا أن هذه القاعدة قد عدلت بصدور قرار مجلس الوزراء سالف الذكر في 10 من نوفمبر سنة 1954، حيث أصبح الموظف منذ هذا التاريخ غير مستحق للإعانة، متى بلغ ابنه الحادية والعشرين من عمره، سواء تكسب هذا الابن أو كان عاطلاً عن الكسب، ما لم يكن هذا الابن في مرحلة التعليم العالي غير متجاوز الخامسة والعشرين من عمره – وقرار مجلس الوزراء المشار إليه صريح في هذا المعنى وقاطع فيه، وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن قرار مجلس الوزراء الصادر في 10 من نوفمبر سنة 1954 لا يسري إلا من تاريخ العمل به، ولا ينسحب أثره على الماضي بحجة أنه قرار تفسيري.
4 – وقد تبين أن القرار التأديبي المطعون فيه قد بني على سببين، فإنه وإن كان قد ثبت للمحكمة عدم صحة السبب الثاني الذي قام عليه الجزاء محل هذه المنازعة وهو الخاص بمخالفة المطعون ضده التعليمات المالية، إلا أن هذا القرار يظل على الرغم من ذلك محمولاً على سببه الأول الخاص بخروجه على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته، بتطاوله على رؤسائه بدون وجه حق، وبذلك تكون النتيجة، التي انتهى إليها القرار التأديبي في هذا الشق منه، مستخلصة استخلاصاً سائغاً من أصول تنتجها مادياً وقانوناً، ومن ثم يكون القرار المطعون فيه قد قام على سببه الصحيح المبرر له، وصدر مطابقاً للقانون، ولا يغير من هذه النتيجة كون القرار المذكور غير صحيح في الشق الآخر منه إذ جرى قضاء هذه المحكمة على أنه إذا قام القرار الإداري على أكثر من سبب واحد، فإن استبعاد أي سبب منه لا يبطل القرار، ولا يجعله غير قائم على سببه، طالما كان السبب الآخر يؤدي إلى النتيجة ذاتها فضلاً عن تناسب الجزاء في الطعن الراهن مع الذنب الإداري الذي ثبت في حق المطعون عليه.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى رقم 196 لسنة 9 القضائية ضد هيئة البريد بصحيفة أودعت قلم كتاب المحكمة الإدارية الإسكندرية في 25 من أكتوبر سنة 1961 طلب فيها الحكم: "بإلغاء القرار الإداري رقم 140 الصادر في 4 من يوليه سنة 1961 مع ما يترتب على ذلك من آثار ومنها رد ما خصم من الطالب، مع إلزام هيئة البريد بمصاريف الدعوى ومقابل أتعاب المحاماة". وتوجز أسانيد دعواه في أنه منذ تعيين السيد/…… وكيلاً عاماً لهيئة البريد في سنة 1954 وهو جار على اضطهاده بسبب نزاع قديم بينهما عندما كانا تابعين لوزارة المواصلات منذ سنة 1946، وقد اشترك في تأييد هذا الاضطهاد مدير منطقة بريد غرب الدلتا، تقرباً من وكيل عام البريد، الذي لفق له الاتهامات التي قررت النيابة الإدارية حفظها، وكان المدعي قد اتهم في 8 من يوليه سنة 1958 بأنه استولى على مبالغ طائلة بصفة إعانة غلاء المعيشة بدون وجه حق عن ثلاثة أولاد، بينما هو يعول ولدين اثنين فقط طبقاً للإقرار المقدم منه عن سنة 1958، وقد قرر مدير المنطقة نتيجة لذلك تخفيض هذه الإعانة بمقدار 2 جنيه و500 مليم من ماهية شهر يوليه سنة 1958 – وقد تظلم المدعي من هذا التصرف إلى السيد مفوض الدولة في 12 من أغسطس سنة 1958 الذي أبلغه بعد سنة بضياع التظلم في هيئة البريد، وقد أعلنه مدير المنطقة بصورة من كتابه المرسل إلى هيئة البريد في 29 من سبتمبر سنة 1958 الذي جاء فيه أن ابن المدعي الثالث (علي) والرابع (رفعت) لم يسبق إلحاقهما بالجامعات كما أن ابنه الرابع بلغ سن الرشد في 7 من مايو سنة 1950 وأنه بذلك يكون قد استولى بدون وجه حق على مبلغ 349 جنيه و596 مليم عن المدة من أول يونيه سنة 1950 إلى 30 من يونيه سنة 1958 حيث عدلت بعد ذلك إعانة غلاء المعيشة على أساس أنه من ذوي الولدين، وأنه على ذلك يكون مدير المنطقة قد جزم بأن المدعي ارتكب جريمتي التزوير في أوراق رسمية واختلاس أموال الدولة مما يوقعه تحت طائلة قانون العقوبات. وقد قام المدعي بإبلاغ كل من النيابة العامة والنيابة الإدارية في 22 من أكتوبر سنة 1958 عن هذه الوقائع، بيد أن النيابة العامة انتهت إلى الاكتفاء بالتحقيق الذي تجريه النيابة الإدارية في القضية رقم 789 لسنة 1958 لعدم وجود الجريمة، إلا أن النيابة الإدارية خلصت إلى أنه ارتكب مخالفتين هما: أولاً – أنه خالف الأحكام المالية بأن لم يقم بالإخطار عن حالته الاجتماعية في المدة من 10 من نوفمبر سنة 1954 إلى 7 من فبراير سنة 1955. ثانياً: أنه خرج على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته بأن نسب كذباً إلى مدير المنطقة التي يعمل فيها، بأنه يضطهده تقرباً من الوكيل العام للهيئة.
وقد عقب المدعي على المخالفة الأولى بأنه عقب صدور قرار مجلس الوزراء في 10 من نوفمبر سنة 1954 قدم إقرار الحالة الاجتماعية في 7 من فبراير سنة 1955 غير متضمن اسم ولده رفعت، وكان لا يزال طالباً بالجامعة، وأنه ما كان يمكنه أن يبلغ في 7 من مايو سنة 1954 تاريخ بلوغ ولده المذكور سن 25 سنة قبل صدور قرار مجلس الوزراء المشار إليه، الذي حظر صرف إعانة غلاء عن الأولاد الطلبة بالمعاهد العالية متى بلغوا سن 25 سنة. كما عقب على الاتهام الثاني، بأن من حقه انتقاد تصرفات رؤسائه في الحدود التي رسمها القانون – وبناءً على تحقيقات النيابة الإدارية أصدر مدير عام هيئة البريد القرار رقم 140 في 4 من يوليه سنة 1961 بمجازاته بخصم خمسة أيام من مرتبه مع خصم المبالغ التي صرفت إليه بدون وجه حق، وطلب المدعي الحكم بإلغاء القرار المذكور وما يترتب على ذلك من آثار ورد ما خصم منه مع إلزام الإدارة بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وقد ردت هيئة البريد على الدعوى بأن النيابة الإدارية أجرت تحقيقاً مع المدعي في القضية رقم 789 لسنة 1958 في الشكوى التي تقدم بها ضد مدير المنطقة، وأنه ثبت من التحقيقات عدم صحة ما جاء بهذه الشكوى من ادعاءات، كما ثبت أن المدعي حصل على إعانة غلاء معيشة بدون وجه حق، ومن ثم صدر القرار المطعون فيه الذي تظلم منه المذكور ورفض تظلمه.
وبجلسة 3 من سبتمبر سنة 1963 قضت المحكمة الإدارية بالإسكندرية "برفض الدفع بعدم قبول الدعوى شكلاً وبقبولها، وفي الموضوع بإلغاء القرار الصادر من مدير عام هيئة البريد برقم 140 في 4 من يوليه سنة 1961 بمجازاة المدعي بخصم خمسة أيام من راتبه، وإبطال الخصم من مرتبه فيما يزيد على قيمة الفروق المالية المستحقة عليه نتيجة تسوية إعانة غلاء المعيشة المقررة له باعتباره من ذوي الولدين فقط اعتباراً من أول ديسمبر سنة 1954، وما يترتب على ذلك من آثار، وألزمت الإدارة المصروفات ومبلغ ثلاثمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة". وأقامت قضاءها على أنه ثابت من الأوراق أن المدعي قدم إقرار الحالة الاجتماعية في 29 من إبريل سنة 1954 عن عام 1954، وذكر فيه أنه يعول ثلاثة أبناء وهم ولده "رفعت" وسنه 24 سنة، وابنتاه نادية ونوال" – ثم قدم في 7 من فبراير سنة 1955 إقرار الحالة الاجتماعية عن سنة 1955 وذكر فيه أنه يعول فقط ابنتيه المذكورتين، وأنه أرفق بهذا الإقرار مذكرة بين فيها أنه لم يذكر ابنه "رفعت" تطبيقاً لقرار مجلس الوزراء الصادر في 10 من نوفمبر سنة 1954 وأنه يعتقد أن ما يتقاضاه هو النصاب القانوني المقرر، واستطردت المحكمة قائلة أنه لا يمكن التسليم بأن المدعي قصر في الإبلاغ عن تغيير حالته الاجتماعية لأنه لا يتأتى له ولا لغيره العلم اليقيني الشامل بمحتويات قرار مجلس الوزراء الصادر في 10 من نوفمبر سنة 1954 إذ لم يثبت أنه علم به في وقت معين لأنه لم ينشر كما لم يبلغ إليه حتى يمكن محاسبته على ما ورد به، أما ما جاء بشكواه إلى النيابة الإدارية من عبارات في حق رئيسه فهي عبارات لا تعدو أن تكون ترديداً لوهم قام في نفسه بأن رؤساءه سعوا إلى اضطهاده وإيقاع الضرر به دون أن تتضمن أي تجريح ينتقص من قدرهم، وأن مؤاخذته على مجاوزته حق الشكوى بسبب ما نسب إلى مدير المنطقة تنطوي على مغالاة في التأثيم وتوسع في تقنين الخطأ الوظيفي إذ لم تنطو شكاواه على أي طعن في شخص مدير المنطقة.
وفي 2 من نوفمبر سنة 1963 طعنت إدارة قضايا الحكومة نائبة عن هيئة البريد في الحكم المذكور، طالبة إلغاءه والقضاء برفض الدعوى، لأن ما ورد في شكاوى المدعي ضد رئيسه يعد خروجاً على مقتضى الواجب. هذا إلى أنه لا يكفي القول بأن المدعي قد أبلغ عقب صدور قرار مجلس الوزراء في 10 من نوفمبر سنة 1954 بأنه من ذوي الولدين لأن هذا البيان لا يحول دون سوء نيته التي أظهرها استيلاؤه على إعانة غلاء المعيشة المقررة للأولاد الثلاثة حتى عام 1958.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه وتأويله، وأنه مشوب بالقصور لأن ما ذهب إليه من أن شكوى المدعي لا تتضمن تعريضاً برؤسائه، فضلاً عن تناقضه، فإنه يمسخ واقعة لا يمكن الخلاف فيها وهي أن وصف المطعون عليه رئيسه بأنه يتعمد اضطهاده تقرباً من وكيل عام الهيئة لا يعني إلا أن الأهواء تتدخل في عمله، وقد تعجل في هذا الاتهام دون أن يتحقق من الأمر، وإذ اكتفى الحكم المطعون فيه لنفي هذه التهمة عنه بالقول بأن العبارات التي تضمنتها شكواه لا تحمل تجريحاً في حق رئيسه، دون أن يبين مصداق ذلك فإنه يكون مشوباً بالقصور – كما يقوم الطعن على أن ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من أن المطعون عليه قد أدى واجبه بتقديمه إقرار الحالة الاجتماعية في 7 من فبراير سنة 1955 بأنه من ذوي الولدين بمقولة أنه لا يمكن افتراض علمه بقرار مجلس الوزراء الصادر في 10 من نوفمبر سنة 1954 إلا من التاريخ الذي تقدم فيه بالإقرار، وهو تاريخ مناسب، هذا الذي ذهب إليه الحكم المطعون فيه، بفرض صحته مردود بأن ثمة واقعة أخرى تشكل في ذمة المذكور أو على الأقل تدمغه بسوء النية، وهي أنه ظل يقبض إعانة غلاء المعيشة باعتباره من ذوي الأولاد الثلاثة حتى سنة 1958، وأنه كان يتحتم عليه أن ينبه الجهة التي يعمل بها بأنه يتقاضى أكثر مما يستحق قانوناً، وأن خطأ الموظف المختص في عدم تسجيله للإقرار المقدم منه في 7 من فبراير سنة 1955 لا يرفع عنه المسئولية، ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه يكون قد صدر على غير أساس من القانون – وخلص تقرير الطعن من هذا إلى أنه مع التسليم جدلاً بعدم ثبوت هذه الواقعة الأخيرة، فإن القرار المطعون فيه يظل محمولاً على سببه الصحيح لمجرد ثبوت الواقعة الأولى باعتبارها السبب المباشر والوحيد للقرار، ولا سيما أن لائحة الجزاءات الخاصة بالهيئة الطاعنة قد نصت على عقوبة محددة هي الخصم خمسة أيام من المرتب على واقعة تقديم شكوى ضد الرؤساء لم يثبت صحتها – وأن هذا الجزاء قد وقع على المطعون عليه لثبوت مثل هذه الواقعة في حقه.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بالسبب الأول الذي قام عليه القرار التأديبي المطعون فيه، ومبناه خروج المطعون ضده على مقتضى أعمال وظيفته، بأن نسب كذباً إلى مدير المنطقة التي يعمل بها بأنه يضطهد، تقرباً من الوكيل العام لهيئة البريد، فإنه يبين من الاطلاع على الشكاوى التي قدمها المذكور، تبريراً لواقعة حصوله على إعانة غلاء المعيشة بدون وجه حق، وعلى تظلمه من الأمر الإداري الذي كان قد أصدره رئيسه المشكو في حقه في 30 من يوليه سنة 1957 بنقله من طرود الجمرك إلى قسم التوزيع، أنها تحوي عبارات جارحة تعتبر تطاولاً منه على رئيسه، إذ ذكر في شكواه المؤرخة 22 من أكتوبر سنة 1958 التي أرسلها إلى النيابة الإدارية، أن المشكو في حقه "استغل نفوذه وسلطاته للقضاء على حياته بطرق إجرامية لا يقرها القانون… ولا تتفق مع سمعة الحكم ونزاهته"، وأنه يطالب بالتحقيق "الذي سيسفر عن أن منطقة غرب الدلتا مسرح للفوضى والفساد بفضل السياسة التي يتبعها رئيسه…" – كما جاء في شكواه المرسلة إلى مدير عام البريد في 5 من أكتوبر سنة 1958 أن مدير المنطقة "أخذ في محاربته بطرق لا تتفق مع نزاهة الحكم وسمعته، ولا تتفق مع مسئولية المنصب الذي أسند إليه"، وقد ردد تلك العبارات في صحيفة افتتاح دعواه أمام المحكمة الإدارية.
ومن حيث إنه ولئن كان من حق المطعون عليه بوصفه موظفاً عاماً أن يشكو من ظلم يعتقد أنه وقع عليه إلا أنه ليس له أن يجاوز في إبدائه لشكواه حدود الدفاع الشرعي، ومن ذلك تطاوله على رؤسائه والمساس بهم، كما أنه وإن كان من حقه أن يطعن في التصرف الإداري بأوجه الطعن القانونية التي من بينها سوء استعمال السلطة أو الانحراف بها، إلا أنه يجب عليه أن يلتزم في هذا الشأن الحدود القانونية التي تقتضيها ضرورة الدفاع دون أن يجاوز ذلك إلى ما فيه تحد لرؤسائه، أو التطاول أو التمرد عليهم، أو إلى المساس أو التشهير بهم وامتهانهم، وإلا فإنه عند المجاوزة يكون قد أخل بواجبات وظيفته بما تقتضيه من توقير لرؤسائه، وبما تفرضه عليه من واجب إطاعتهم، فليس يسوغ للموظف أن يتخذ من شكواه ذريعة للتطاول على رئيسه بما لا يليق، أو لتحديه والتمرد عليه أو التشهير به، وإلا فإنه يستحق الجزاء المناسب إذا هو وجه إلى رئيسه عبارات تحمل هذا المعنى، حتى لو ثبتت صحة ما تضمنته مثل هذه العبارات – وإذ كان الظاهر من الشكاوى التي قدمها المطعون عليه لكل من النيابة الإدارية وهيئة البريد، أنه قد جاوز فيها حدود الدفاع الشرعي عن نفسه بتطاوله على رئيسه وذلك باتهامه إياه بتهم ثبت كذبها وعدم صحتها، فإن قرار الجزاء الذي بني على اعتبار المذكور قد خرج في شكواه على مقتضى أعمال وظيفته، يكون قد أصاب صحيح حكم القانون.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بالسبب الثاني من أسباب الجزاء المطعون فيه، وهو مخالفة المطعون عليه للتعليمات والأحكام المالية لعدم قيامه بالإخطار عن تغيير حالته الاجتماعية في المدة من 10 من نوفمبر سنة 1954 حتى 7 من فبراير سنة 1955، فإن الثابت إن المذكور قد قدم إقرار الحالة الاجتماعية في 7 من فبراير سنة 1955 في وقت معقول، ولم يذكر فيه اسم ابنه رفعت تنفيذاً لقرار مجلس الوزراء الصادر في 10 من نوفمبر سنة 1954، كما أنه أرفق بهذا الإقرار مذكرة قال فيها أنه لم يذكره طبقاً لقرار مجلس الوزراء المشار إليه وأنه يعتقد أن إعانة غلاء المعيشة التي يتقاضاها تقل عن النصاب القانوني الذي يستحقه ومن ثم فإنه لا ينبغي تخفيضها بحال، مما يشفع في حسن نيته، ومن ثم فلا وجه لمؤاخذته باعتباره مقصراً في الإخطار عن تغيير حالته الاجتماعية في المدة من 10 من نوفمبر سنة 1954 إلى 7 من فبراير سنة 1955 لأنه قدم الإقرار المطابق للقانون في ميعاد معقول ولم يثبت أنه كان قد علم بقرار مجلس الوزراء المشار إليه في ميعاد معين – كما أنه ولئن كانت هيئة البريد قد استمرت على الرغم من ذلك في أن تصرف إليه إعانة غلاء المعيشة عدة سنوات باعتباره من ذوي الأولاد الثلاثة حتى تبينت خطأها، حيث عدلت الإعانة المستحقة له اعتباراً من أول يوليه سنة 1958 باعتباره من ذوي الولدين، إلا أن التحقيق قد أثبت أنه لم يكن بحال مسئولاً عن شيء من ذلك، ومن ثم فإن مجازاته عن تقصيره في الإخطار عن تغيير حالته الاجتماعية، تكون لا سند لها من القانون، كما أن هيئة البريد غير محقة حين عمدت إلى الخصم من مرتبه على أساس تسوية هذا الإعانة باعتباره من ذوي الولدين اعتباراً من أول يونيه سنة 1950 أول الشهر التالي لبلوغ ابنه رفعت سن الرشد وهو 21 سنة في 7 من مايو سنة 1950 – ذلك أن المطعون عليه يستحق عن ابنه المذكور إعانة غلاء المعيشة بسبب إعالته إياه حتى نهاية شهر نوفمبر سنة 1954 طبقاً للقواعد المعمول بها في هذا الشأن قبل صدور قرار مجلس الوزراء في 10 من نوفمبر سنة 1954، إذ يبين من استعراض القواعد التي كانت تحكم إعانة غلاء المعيشة حتى ذلك التاريخ، أنها لم تكن تشترط لاستحقاق الموظف هذه الإعانة عن أولاده إلا شرطاً واحداً هو إعالته لهؤلاء الأولاد سواء جاوز الابن الحادية والعشرين من عمره أو لم يجاوزها، إلا أن هذه القاعدة قد عدلت بصدور قرار مجلس الوزراء سالف الذكر في 10 من نوفمبر سنة 1954، حيث أصبح الموظف منذ هذا التاريخ غير مستحق للإعانة، متى بلغ ابنه الحادية والعشرين من عمره، سواء تكسب هذا الابن أو كان عاطلاً عن الكسب، ما لم يكن هذا الابن في مرحلة التعليم العالي غير متجاوز الخامسة والعشرين من عمره – وقرار مجلس الوزراء المشار إليه صريح في هذا المعنى وقاطع فيه، وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن قرار مجلس الوزراء الصادر في 10 من نوفمبر سنة 1954 لا يسري إلا من تاريخ العمل به، ولا ينسحب أثره على الماضي بحجة أنه قرار تفسيري – وعلى مقتضى ذلك فإن المطعون عليه يستحق إعانة غلاء المعيشة عن ابنه المذكور بسبب إعالته إياه حتى نهاية شهر نوفمبر سنة 1954 ومن ثم يتعين أن يقتصر الخصم من مرتبه نظير مقدار إعانة غلاء المعيشة التي صرفت له بدون وجه حق على أساس تسوية هذه الإعانة باعتباره من ذوي الولدين اعتباراً من أول ديسمبر سنة 1954 وليس من أول يونيه سنة 1950 وإبطاله فيما عدا ذلك، وهذا ما انتهى إليه بحق الحكم المطعون فيه في هذا الخصوص.
ومن حيث إنه متى كان الأمر على النحو السالف إيضاحه، وقد تبين أن القرار التأديبي المطعون فيه قد بني على سببين فإنه وإن كان قد ثبت للمحكمة عدم صحة السبب الثاني الذي قام عليه الجزاء، محل هذه المنازعة، وهو الخاص بمخالفة المطعون ضده التعليمات المالية إلا أن هذا القرار يظل على الرغم من ذلك محمولاً على سببه الأول الخاص بخروجه على مقتضى الواجب في أعمال وظيفته، بتطاوله على رؤسائه بدون وجه حق، وبذلك تكون النتيجة، التي انتهى إليها القرار التأديبي في هذا الشق منه، مستخلصة استخلاصاً سائغاً من أصول تنتجها مادياً وقانوناً، ومن ثم يكون القرار المطعون فيه قد قام على سببه الصحيح المبرر له، وصدر مطابقاً للقانون، ولا يغير من هذه النتيجة كون القرار المذكور غير صحيح في الشق الآخر منه إذ جرى قضاء هذه المحكمة على أنه إذا قام القرار الإداري على أكثر من سبب واحد، فإن استبعاد أي سبب منه، لا يبطل القرار، ولا يجعله غير قائم على سببه، طالما كان السبب الآخر يؤدي إلى النتيجة ذاتها فضلاً عن تناسب الجزاء في الطعن الراهن مع الذنب الإداري الذي ثبت في حق المطعون عليه.
ومن حيث إنه ترتيباً على ما تقدم، فإن الحكم المطعون فيه، يكون قد أخطأ في تأويل القانون وفي تطبيقه فيما قضى به، في الشق الخاص بإلغاء القرار الصادر بمجازاة المطعون عليه بخصم خمسة أيام من راتبه، وبإلزام الإدارة بالمصروفات وبمقابل أتعاب المحاماة. ويتعين – والحالة هذه، القضاء بإلغائه في هذا الشق منه، وبرفض هذا الطلب، وبتأييد الحكم فيما عدا ذلك، مع إلزام المدعي بالمصروفات المناسبة.

"فلهذه الأسباب"

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من إلغاء القرار الصادر من مدير عام هيئة البريد برقم 140 في 4 من يوليه سنة 1961 بمجازاة المدعي بخصم خمسة أيام من راتبه وفيما قضى به من إلزام الإدارة المصروفات ومبلغ ثلاثمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة وبرفض هذا الطلب، وبتأييد الحكم فيما عدا ذلك وألزمت المدعي بالمصروفات المناسبة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات