الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 983 لسنة 9 ق – جلسة 19 /05 /1969 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الرابعة عشرة – العدد الثاني (من منتصف فبراير سنة 1969 إلى آخر سبتمبر سنة 1969) – صـ 713


جلسة 19 من مايو سنة 1969

برئاسة السيد الأستاذ محمد شلبي يوسف – وكيل مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة حسنين رفعت ومحمد فتح الله بركات ومحمد بهجت عتيبة وأبو بكر محمد عطية – المستشارين.

القضية رقم 983 لسنة 9 القضائية

( أ ) – موظف. كاتب بقسم الأوقاف الأهلية.
الموظف العام. المقومات الأساسية التي تقوم عليها فكرة الموظف العام – هي أن يكون التعيين بأداة قانونية لأداء عمل دائم في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام – توافر هذه المقومات فيمن يعين في وظيفة كاتب بقسم الأوقاف الأهلية بقرار من وزير الأوقاف.
(ب) – مؤهل دراسي "شهادة إتمام الدراسة بالمدرسة الفاروقية".
قرار مجلس الوزراء الصادر بتاريخ أول فبراير سنة 1948 في شأن تسوية حالة حملة شهادة إتمام الدراسة بالمدرسة الفاروقية – توافر الشروط التي تطلبها منوط بأن يكون حامل هذه الشهادة شاغلاً لوظيفة مدرجة بالميزانية ومقرر لها الدرجة التاسعة.
1 – إن المقومات الأساسية التي تقوم عليها فكرة الموظف العام تخلص في أن يكون تعيين الموظف بأداة قانونية لأداء عمل دائم في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام متوافرة جميعها لدى المدعي، فقد عين بقرار من وزير الأوقاف، لأداء عمل دائم وهو عمل كاتب بقسم الأوقاف الأهلية، وفي خدمة مرفق عام تديره الدولة وهو مرفق الأوقاف الذي تديره وزارة الأوقاف، ولم يتعين أجيراً لدى وقف ماهيتاب الأهلي – كما تردد بغير حق – كما لم يثبت من الأوراق أنه عمل يوماً واحداً لدى هذا الوقف، بل أن عمله بالوزارة لم يكن قاصراً على قسم الأوقاف الأهلية وهو القسم الذي يشرف على إدارة هذه الأوقاف ومنها وقف ماهيتاب، وإنما تنقل بين الأقسام المختلفة للوزارة ومنها أقسام لا يتصل نشاطها من قريب أو بعيد بإدارة الأوقاف الأهلية، وليس أدل على صفة المدعي كموظف عام وأن وزارة الأوقاف ذاتها لم تكن تنكر عليه هذه الصفة من أنها عرضت أمره على لجنة التطهير وفصل الموظفين بغير الطريق التأديبي في عام 1952 وقد رأت اللجنة فصله ولكن قرارها لم يعتمد ولم يوضع موضع التنفيذ، ولو لم يكن المدعي موظفاً عاماً في نظر الوزارة لما عرضت أمره على هذه اللجنة.
إن كل ما تثيره الوزارة حول صفة المدعي إنما تستمده من أنه عندما صدر قرار تعيينه ذكر فيه أنه عين على حساب وقف ماهيتاب قادن الأهلي وهذا الذي ذكر في قرار التعيين لا يعدو أن يكون بياناً للمصرف المالي لراتب المدعي ولا يؤثر على صفته كموظف عام طالما توافرت لديه المقومات الأساسية التي يقوم عليها تعريف الموظف العام على نحو ما أوضحناه فيما تقدم، وهو لا يعني أكثر من بيان أنه سيتقاضى مرتبه مما يؤول إلى ميزانية الوزارة من إيرادات وقف ماهيتاب قادن في مقابل قيام الوزارة بإدارة هذا الوقف طبقاً لما تقضي به القوانين واللوائح الصادرة في هذا الشأن.
ولما كانت صفة الموظف العام لا تتأثر – متى توافرت لدى شخص معين بتوافر مقوماتها – بما إذا كان يمنح مرتباً أو لا يمنح، وإذا كان يمنح مرتباً فلا فرق بين أن يمنحه من الميزانية العامة للدولة أو إحدى الميزانيات المستقلة أو الملحقة أو من المبالغ التي قد تخصص في ميزانية شخص أو أكثر من أشخاص القانون الخاص لتمويل بعض الوظائف في الحكومة أو الهيئات العامة وتدخل تبعاً لذلك ضمن إيرادات الدولة في مقابل الخدمات العامة التي يؤديها شاغلو هذه الوظائف لهؤلاء الأشخاص مباشرة وبالذات.
2 – ما تذهب إليه الوزارة من عدم توافر الشروط التي تطلبها قرار مجلس الوزراء لدى المدعي بمقولة أنه لم يكن معيناً وقت صدوره على وظيفة في الميزانية مقرراً لها الدرجة التاسعة، فالواقع أننا إذا قلنا بوجوب توافر هذه الشروط لدى المدعي أو غيره من الحاصلين على شهادة إتمام الدراسة بالمدرسة الفاروقية على نحو ما ترمي إليه الجهة الإدارية – وهو أن يكون معيناً فعلاً لا على وظيفة مدرجة في الميزانية وإنما على درجة في الميزانية (وهذه الدرجة لن تكون بطبيعة الحال إلا الدرجة التاسعة المقررة للوظيفة) – لكان معنى ذلك المصادرة على المطلوب وهو إجراء التسويات التي هدف قرار مجلس الوزراء إلى إجرائها لحملة هذه الشهادة، أما إذا نظرنا إلى أن توفر الشروط التي تطلبها قرار مجلس الوزراء منوط بأن يكون حامل الشهادة الفاروقية يشغل وظيفة مدرجة في الميزانية ومقرر لها الدرجة التاسعة – كما تجري عبارات قرارات مجلس الوزراء – فإن شروط هذا القرار تكون متوفرة لدى المدعي، لأنه كان يشغل وظيفة كاتب بالوزارة، وهي وظيفة مدرجة في الميزانية ومقرر لها الدرجة التاسعة، بل إن المدعي كان يتقاضى مرتباً يزيد على بداية مربوط الدرجة التاسعة فعلاً وقت صدور قرار مجلس الوزراء.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من الأوراق – تتحصل في أن المطعون ضده أقام الدعوى رقم 1007 لسنة 8 القضائية أمام المحكمة الإدارية لوزارة الأوقاف بموجب صحيفة أودعها سكرتيرية المحكمة في 3/ 6/ 1961، وقال شرحاً لدعواه أنه حصل على شهادة إتمام الدراسة بالمدرسة الفاروقية البحرية بالإسكندرية دفعة 1942 والتحق بخدمة وزارة الأوقاف بالديوان العام اعتباراً من 27/ 4/ 1943 بوظيفة كاتب خارج الهيئة براتب شهري قدره أربعة جنيهات تدرج بالعلاوات حتى وصل إلى عشرة جنيهات وذلك بخلاف إعانة غلاء المعيشة، وفي 1/ 2/ 1948 أصدر مجلس الوزراء قراراً بالموافقة على منح حملة شهادة المدرسة الفاروقية الدرجة التاسعة براتب شهري قدره خمسة جنيهات لمن لا يحملون شهادة الابتدائية وخمسة جنيهات ونصف لمن يحملون هذه الشهادة، وقد تقدم المدعي بالتماسات عديدة لتطبيق القرار المذكور في شأنه كان آخرها الطلب المقدم منه في سنة 1960 وقد أحالته الوزارة إلى ديوان الموظفين لإبداء الرأي في منحه الدرجة التاسعة براتب شهري قدره خمسة جنيهات اعتباراً من 1/ 2/ 1948 تاريخ نفاذ قرار مجلس الوزراء سالف الذكر ولكن الديوان لم يوافق استناداً إلى أن (هذا القرار اشترط وجود درجات خالية بالميزانية لتسوية حالة هؤلاء الخريجين عليها وهو قرار معلق على شرط لتنفيذه وما نفذ منه انتهى وما لم ينفذ فإنه لم يعد هناك مكان لتنفيذه بعد صدور القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة). وقد عقب المدعي على ذلك بقوله إن ما ذهب إليه الديوان لا سند له من القانون أو الواقع ذلك أنه قد وجدت فعلاً مئات من الدرجات التاسعة الخالية بالوزارة خلال الفترة من 1/ 2/ 1948 حتى 1/ 7/ 1952 وبذلك يكون قد تحقق شرط إعمال قرار مجلس الوزراء المنوه عنه في حقه، ولا يمكن أن يسلبه حقه في الاستفادة من ذلك القرار مجرد تراخي الوزارة في تسوية حالته لأنه يستمد حقه مباشرة من القرار المذكور في تاريخ سابق على 1/ 7/ 1952 ولو أنه لا تأثير للقانون رقم 210 لسنة 1951 على الحقوق المكتسبة التي تقررت قبل صدوره والعمل به، وطلب المدعي في ختام صحيفة دعواه الحكم بأحقيته في تسوية حالته وفقاً لقرار مجلس الوزراء الصادر في 1/ 2/ 1948 وذلك بمنحه الدرجة التاسعة براتب شهري قدره خمسة جنيهات اعتباراً من ذلك التاريخ وكافة ما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية مع إلزام الوزارة المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وقد ردت الجهة الإدارية على الدعوى بقولها أن المدعي التحق بخدمة الوزارة بوظيفة كاتب خارج الهيئة وبلا درجة وبراتب قدره أربعة جنيهات شهرياً على حساب وقف ماهيتاب الأهلي وذلك اعتباراً من 27/ 4/ 1943 وتدرج راتبه حتى بلغ 9 جنيه و250 مليم في 1/ 5/ 1959 ثم منح علاوة 750 مليم لإبلاغ راتبه عشرة جنيهات وذلك اعتباراً من 8/ 5/ 1961، أما عن تسوية حالته على أساس منحه الدرجة التاسعة براتب شهري قدره خمسة جنيهات اعتباراً من 1/ 2/ 1948 لحصوله على شهادة المدرسة الفاروقية البحرية في يوليه سنة 1942 وذلك استناداً إلى قرار مجلس الوزراء الصادر في 1/ 2/ 1948، فقد استطلعت الوزارة رأي ديوان الموظفين في هذا الشأن فقرر بكتابه رقم 210 – 1/ 2 المؤرخ في فبراير سنة 1961 بأن (قرار مجلس الوزراء الصادر في 1/ 2/ 1948 قد ساوى خريجي هذه المدرسة بالحاصلين على الشهادة الابتدائية ومنحهم الدرجة التاسعة براتب خمسة جنيهات مع عدم جواز منح الدرجة والمرتب المقترحين إلا على وظائف تكون مدرجة فعلاً في ميزانية الوزارة أو المصلحة التي يكون فيها خريجو هذه المدرسة، وتكون هذه الوظائف مقرراً لها الدرجة التاسعة، أي أن هذا القرار اشترط وجود درجات خالية بالميزانية لتسوية حالة هؤلاء الخريجين عليها، فهو قرار معلق على شرط لتنفيذه وما نفذ منه انتهى وما لم ينفذ فإنه لم يعد هناك محل لتنفيذه بعد صدور القانون رقم 210 لسنة 1951 في شأن نظام موظفي الدولة) ونظراً لأنه لم تدرج درجات تاسعة بميزانية وقف ماهيتاب الأهلي فإن قرار مجلس الوزراء لا ينطبق على حالة المدعي ومن ثم لم تسو حالته.
وقد دفعت إدارة قضايا الحكومة بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى استناداً إلى أن الثابت في الأوراق أن المدعي يتقاضى راتبه من ريع وقف أهلي، وأنه بهذه المثابة من الإجراء لحساب هذا الوقف الذي تديره الوزارة باعتبارها شخصاً من أشخاص القانون الخاص وليست سلطة عامة، ومن ثم فإن المدعي لا يعتبر موظفاً عاماً وبالتالي لا يكون مجلس الدولة مختصاً بنظر دعواه.
وقد أيد مفوض الدولة لدى المحكمة الإدارية هذا الدفع.
وبجلسة 22 من إبريل سنة 1963 قضت المحكمة برفض الدفع بعدم الاختصاص وبأحقية المدعي في الدرجة التاسعة اعتباراً من 1/ 2/ 1948 وما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية مع إعمال حكم التقادم الخمسي وألزمت المدعى عليها المصروفات ومبلغ جنيهين مقابل أتعاب المحاماة مستندة في رفض الدفع بعدم الاختصاص إلى أن المدعي عين كاتباً بالوزارة وليس بوقف ماهيتاب الأهلي وأنه تنقل بين أقسام الوزارة ويصرف راتبه من ميزانيتها – بعد أن لم يعد الوقف يتحمل هذا الراتب – ومن ثم فهو موظف عام، ومؤسسة قضاءها بالنسبة إلى موضوع الدعوى على أن قرار مجلس الوزراء الصادر في 1/ 2/ 1948 قد نص في المادة الأولى والثانية منه على منح خريجي المدرسة البحرية راتباً قدره خمسة جنيهات في الدرجة التاسعة على أن تكون وظائفهم مدرجة فعلاً في ميزانية الوزارة أو المصلحة التي يكون فيها خريجو هذه المدرسة وتكون هذه الوظائف مقرراً لها الدرجة التاسعة، كما نص في المادة 3 منه على أن تكون التسوية بدون أثر رجعي أي من تاريخ موافقة مجلس الوزراء، وأن المدعي كما يبين من ملف خدمته كان يشغل وظيفة كاتب براتب وصل إلى ستة جنيهات ابتداء من 1/ 7/ 1947 – أي بزيادة قدرها جنيه على أول مربوط الدرجة التاسعة وبالتالي فقد تحقق فيه الشرطان المنصوص عليهما في المادة 2 من قرار مجلس الوزراء وهما أن تكون وظيفته التي يشغلها مدرجة فعلاً في ميزانية الوزارة أو المصلحة التي يعمل بها وأن تكون هذه الوظيفة مقرراً لها الدرجة التاسعة، وأنه يبين من مراجعة ميزانيات الوزارة المتوالية منذ السنة المالية 1947 – 1948 إلى سنة 1951 – 1952 أنه كان يوجد عدد كبير من الدرجات التاسعة الكتابية بهذه الميزانيات، أما كونها درجات خالية فهذا شرط مستحدث في كتاب ديواني الموظفين وقيد لم يرد في قرار مجلس الوزراء المشار إليه، فإذا كانت الوزارة قد شغلت هذه الدرجات بغير المدعي أو تراخت في تسوية حالته فإنه لا يضار بهذا التراخي، أما ادعاء الوزارة بأن حق المدعي المكتسب قد زال بصدور القانون رقم 210 لسنة 1951 فادعاء في غير محله، ذلك أنه لا يجوز أن يمس صدور هذا القانون بأثر رجعي المراكز القانونية الذاتية التي اكتسبها الموظف العام قبل صدوره.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن الحكم المطعون عليه قد خالف القانون وأخطأ في تأويل نصوصه وخالف الثابت في الأوراق حين قضى برفض الدفع بعدم الاختصاص في حين أن المطعون ضده عين أصلاً على ميزانية وقف ماهيتاب الأهلي، وهذه حقيقة ثابتة في الأوراق، ولم يحدث أن تغير وضعه أو أدرجت درجته ضمن الميزانية العامة للوزارة، ومن ثم فهو ليس موظفاً عاماً، أما استناد الحكم إلى أن هناك تأشيرة بأن الوقف أصبح لا يتحمل مرتب المطعون ضده فلا يكفي لاعتبار المطعون ضده معيناً على ميزانية الوزارة ولا بد لتغيير صفته من صدور قرار تعيين جديد من السلطة التي تملك التعيين وهي الوزير، ولم يثبت أن هناك قراراً وزارياً قد صدر بتغيير وضع المطعون ضده، كذلك فإن تنقل المطعون ضده بين عدة أقسام في الوزارة لا يعني في ذاته – خلافاً لما ذهب إليه الحكم – أن درجته قد نقلت إلى الميزانية العامة للوزارة، هذا من ناحية الدفع بعدم اختصاص المحكمة، أما من ناحية الموضوع فإن شرطي تطبيق قرار مجلس الوزراء بمنح المدعي وزملائه من حملة شهادة إتمام الدراسة بالمدرسة الفاروقية الدرجة التاسعة غير متوافرين في حقه، ذلك أنه لم يعين على إحدى درجات الميزانية العامة للوزارة، ولم يكن بميزانية الوقف الذي عين عليه أي درجة خالية من الدرجات التي يجوز أن يشغلها المطعون ضده طبقاً لقرار مجلس الوزراء المشار إليه.
ومن حيث إنه يبين من مراجعة ملف خدمة المدعي أنه في 17 من مارس سنة 1943 أصدر السيد وزير الأوقاف قراراً بتعيينه كاتباً بقسم الأوقاف الأهلية بلا درجة براتب شهري قدره أربعة جنيهات تصرف على حساب وقف ماهيتاب قادن الأهلي، وقد ألحق بالعمل فعلاً اعتباراً من 27/ 4/ 1943 ندباً بقسم المستخدمين، وفي 31/ 5/ 1943 وافق السيد الوزير على رفع راتبه إلى خمسة جنيهات اعتباراً من أول مايو سنة 1943، وقد تأشر على هامش الكتاب الذي أرسل إلى قسم المستخدمين في شهر يونيه سنة 1943 بمضمون هذا التعديل في راتب المدعي أنه لا يمكن تحميل الوقف الأهلي براتبه، إلا أنه لا يوجد في الأوراق ما يفيد أن إجراء معيناً اتخذ بعد هذه التأشيرة، وقد تنقل المدعي بعد ذلك بين عدد من أقسام الوزارة المختلفة، وتدرج راتبه بالزيادة إلى أن وصل في 8/ 5/ 1961 إلى عشرة جنيهات، وقد كانت – في كل مرة يزاد فيها راتبه – تعد مذكرة ببيان حالته واقتراح الزيادة أو العلاوة المطلوب منحها إياه يوافق عليها من السيد الوزير، ويؤشر بهذا التعديل في حالة المدعي في سجلات الوزارة، وقد كانت إحدى هذه العلاوات وهي التي منحها في 1/ 5/ 1959 وزيد بها راتبه من 8.5 جنيه إلى 9.250 جنيه من اعتماد أدرج في ميزانية الوزارة لتحسين حال الموظفين المعينين على حساب بعض الأوقاف الأهلية القديمة من أمثال المدعي، وفي ملف خدمة المدعي ما يفيد أنه في عام 1952 عرضت حالته على لجنة التطهير وفصل الموظفين بغير الطريق التأديبي للنظر في أمره، وقد رأت اللجنة فصله ولكن قرارها لم يعتمد ولم يوضع موضع التنفيذ، وقد قدمت وزارة الأوقاف أمام هذه المحكمة بجلسة 17 من فبراير سنة 1969 كتاباً ذكرت فيه أن المدعي كان يصرف مرتبه على وقف ماهيتاب قادن الأهلي منذ تعيينه حتى 30/ 6/ 1963 ثم على ميزانية الوزارة (الديوان العام) من 1/ 7/ 1963 حتى الآن.
ومن حيث إنه عن الدفع بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى، وهو الدفع الذي تبديه وزارة الأوقاف وتؤسسه على أن المدعي ليس موظفاً عاماً وإنما هو أجير لدى وقف ماهيتاب قادن الأهلي الذي عين على حسابه، وأن مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري إنما يختص بنظر المنازعات الخاصة برواتب الموظفين العموميين دون سواهم، فإنه يتعين للفصل فيه بحث مدى انطباق المقومات الأساسية التي تقوم عليها فكرة الموظف العام كما استقرت في القانون الإداري المصري على حالة المدعي كما استظهرتها المحكمة من واقع ملف خدمته ومن الأوراق.
ومن حيث إن هذه المقومات الأساسية وهي تخلص في أن يكون تعيين الموظف بأداة قانونية لأداء عمل دائم في خدمة مرفق عام تديره الدولة أو أحد أشخاص القانون العام متوافرة جميعها لدى المدعي، فقد عين بقرار من وزير الأوقاف، لأداء عمل دائم وهو عمل كاتب بقسم الأوقاف الأهلية، وفي خدمة مرفق عام تديره الدولة وهو مرفق الأوقاف الذي تديره وزارة الأوقاف، ولم يعين أجيراً لدى وقف ماهيتاب الأهلي – كما تردد بغير حق – كما لم يثبت من الأوراق أنه عمل يوماً واحداً لدى هذا الوقف، بل أن عمله بالوزارة لم يكن قاصراً على قسم الأوقاف الأهلية وهو القسم الذي يشرف على إدارة هذه الأوقاف ومنها وقف ماهيتاب، وإنما تنقل بين الأقسام المختلفة للوزارة ومنها أقسام لا يتصل نشاطها من قريب أو بعيد بإدارة الأوقاف الأهلية، وليس أدل على صفة المدعي كموظف عام وأن وزارة الأوقاف ذاتها لم تكن تنكر عليه هذه الصفة من أنها عرضت أمره على لجنة التطهير وفصل الموظفين بغير الطريق التأديبي في عام 1952، وقد رأت اللجنة فصله ولكن قرارها لم يعتمد ولم يوضع موضع التنفيذ، ولو لم يكن المدعي موظفاً عاماً في نظر الوزارة لما عرضت أمره على هذه اللجنة.
ومن حيث إن كل ما تثيره الوزارة حول صفة المدعي إنما تستمده من أنه عندما صدر قرار تعيينه ذكر فيه أنه عين على حساب وقف ماهيتاب قادن الأهلي.
ومن حيث إن هذا الذي ذكر في قرار التعيين لا يعدو أن يكون بياناً للمصرف المالي لراتب المدعي ولا يؤثر على صفته كموظف عام طالما توافرت لديه المقومات الأساسية التي يقوم عليها تعريف الموظف العام على نحو ما أوضحناه فيما تقدم، وهو لا يعني أكثر من بيان أنه سيتقاضى مرتبه مما يؤول إلى ميزانية الوزارة من إيرادات وقف ماهيتاب قادن في مقابل قيام الوزارة بإدارة هذا الوقف طبقاً لما تقضي به القوانين واللوائح الصادرة في هذا الشأن.
ومن حيث إن صفة الموظف العام لا تتأثر – متى توافرت لدى شخص معين بتوافر مقوماتها – بما إذا كان يمنح مرتباً أو لا يمنح، وإذا كان يمنح مرتباً فلا فرق بين أن يمنحه من الميزانية العامة للدولة أو إحدى الميزانيات المستقلة أو الملحقة أو من المبالغ التي قد تخصص في ميزانية شخص أو أكثر من أشخاص القانون الخاص لتمويل بعض الوظائف في الحكومة أو الهيئات العامة وتدخل تبعاً لذلك ضمن إيرادات الدولة في مقابل الخدمات العامة التي يؤديها شاغلو هذه الوظائف لهؤلاء الأشخاص مباشرة وبالذات، وليس أدل على ذلك بما ورد في الكتاب الذي قدمته وزارة الأوقاف أمام هذه المحكمة وذكرت فيه أن المدعي كان يصرف راتبه على وقف ماهيتاب قادن الأهلي منذ تعيينه حتى 30/ 6/ 1963 حيث بدأ يصرف راتبه على ميزانية الوزارة (الديوان العام) حتى الآن، ولو أن المدعي لم يكن معتبراً موظفاً عاماً منذ تعيينه لما أمكن أن يصرف راتبه على ميزانية وزارة الأوقاف اعتباراً من 1/ 7/ 1963 دون أن يصدر قرار بتعيينه تعييناً جديداً بالوزارة وإضفاء صفة الموظف العام عليه، ولما أمكن كذلك منحه العلاوة التي منحها في 1959 من الاعتماد الذي أدرج في ميزانية الوزارة لتحسين حال الموظفين المعينين على حساب بعض الأوقاف القديمة من أمثال المدعي على نحو ما أوضحنا فيما تقدم، وليس أدل على ذلك أيضاً من أنه عندما تأشر على كتاب تعديل راتب المدعي من أربعة جنيهات إلى خمسة بأن ميزانية الوقف الأهلي لا يمكن أن تتحمل راتبه – من أن هذه التأشيرة – وسواء كانت قد نفذت في ذلك الوقت بتحمل الوزارة راتبه من ميزانيتها أم لم تنفذ – لم تحل دون استمراره في شغل وظيفته، ولو أن المدعي كان معيناً بالوقف ويتقاضى مرتبه منه لكان الأمر قد عرض على أساس الاستغناء عنه لا على أساس تدبير مورد آخر يصرف منه راتبه.
ومن حيث إن حاصل ما تقدم أن المدعي يعتبر موظفاً عاماً ممن يختص القضاء الإداري بنظر المنازعات الخاصة برواتبهم ومن ثم يكون الدفع بعدم اختصاص القضاء الإداري بنظر هذه الدعوى لا يستند إلى أساس من القانون خليقاً بالرفض.
ومن حيث إنه عن الموضوع فإنه يبين من مطالعة المذكرة التي صدر بناءً عليها قرار مجلس الوزراء بتاريخ أول فبراير سنة 1948 – الذي يطالب المدعي بتطبيقه عليه وتسوية حالته وفق أحكامه – أنه نص فيها على أن مدة الدراسة بالمدرسة الفاروقية البحرية التي أنشئت بالإسكندرية في سنة 1925 – والتي تخرج فيها المدعي – ثلاث سنوات يسبقها عامان في الدراسة الأولية أو ما في مستواها لمن لا يحملون الابتدائية، أما الحاصلون على شهادة الدراسة الابتدائية فيقضون عاماً دراسياً واحداً بها، وأن مستوى الدراسة في الفرقة النهائية بالمدرسة أرقى من مستوى الدراسة بالنسبة الرابعة الابتدائية، ولذلك فقد تقرر: أولاً: المساواة بين خريجي هذه المدرسة غير الحاصلين على الشهادة الابتدائية وبين الحاصلين على هذه الشهادة بمنحهم الدرجة التاسعة بماهية قدرها خمسة جنيهات شهرياً، أما خريجو المدرسة الحاصلون على الشهادة الابتدائية فيمنحون ماهية قدرها 5.5 جنيه، على أن يراعى معاملة الخريجين القدماء معاملة من سيتخرجون بعد اعتماد الشهادة. ثانياً: لا يجوز منح الدرجة والماهية المقترحة لها إلا على وظائف تكون مدرجة فعلاً في ميزانية الوزارة أو المصلحة التي يكون فيها خريجو هذه المدرسة، وتكون هذه الوظائف مقرراً لها الدرجة التاسعة.
ثالثاً: تكون التسوية المتقدمة بدون أثر رجعي أي تمنح الماهية والدرجة المقترحتين من تاريخ موافقة مجلس الوزراء.
ومن حيث إن الجهة الإدارية تستند في رفض إجراء التسوية التي يطالب بها المدعي إلى عدة أسباب يتسق بعضها مع الآخر ويمكن إجمالها في الآتي:
أولاً: عدم توافر الشروط التي تطلبها قرار مجلس الوزراء لدى المدعي بمقولة أنه لم يكن عند صدور القرار معيناً على وظيفة في الميزانية مقرراً لها الدرجة التاسعة، هذا فضلاً عن عدم وجود درجات تاسعة خالية في ميزانية الوزارة.
ثانياً: إنه لم يكن يوجد بميزانية الوقف الذي عين عليه المدعي أي درجة تاسعة خالية.
ثالثاً: أنه بصدور القانون رقم 210 لسنة 1951 لم يعد هناك مجال لتسوية حالة المدعي طبقاً لأحكام قرار مجلس الوزراء المشار إليه.
ومن حيث إنه يتعين بادئ ذي بدء أن تستبعد من مجال المناقشة ما ذهبت إليه الجهة الإدارية من أنه لم يكن يوجد بميزانية الوقف الذي عين عليه المدعي أي درجة تاسعة خالية، بعد أن انتهينا إلى أن المدعي لم يكن معيناً بالوقف وإنما كان معيناً بالوزارة.
ومن حيث إنه بالنسبة إلى ما تذهب إليه الوزارة من عدم توافر الشروط التي تطلبها قرار مجلس الوزراء لدى المدعي بمقولة أنه لم يكن معيناً وقت صدوره على وظيفة في الميزانية مقرراً لها الدرجة التاسعة، فالواقع أننا إذا قلنا بوجوب توافر هذه الشروط لدى المدعي أو غيره من الحاصلين على شهادة إتمام الدراسة بالمدرسة الفاروقية على نحو ما ترمي إليه الجهة الإدارية – وهو أن يكون معيناً فعلاً (لا على وظيفة مدرجة في الميزانية) وإنما على درجة في الميزانية (وهذه الدرجة لن تكون بطبيعة الحال إلا الدرجة التاسعة المقررة للوظيفة) – لكان معنى ذلك المصادرة على المطلوب وهو إجراء التسويات التي هدف قرار مجلس الوزراء إلى إجرائها لحملة هذه الشهادة، أما إذا نظرنا إلى أن توفر الشروط التي تطلبها قرار مجلس الوزراء منوط بأن يكون حامل الشهادة الفاروقية يشغل وظيفة مدرجة في الميزانية ومقرراً لها الدرجة التاسعة – كما تجرى عبارات قرارات مجلس الوزراء – فإن شروط هذا القرار تكون متوفرة لدى المدعي، لأنه كان يشغل وظيفة كاتب بالوزارة، وهي وظيفة مدرجة في الميزانية ومقرر لها الدرجة التاسعة، بل إن المدعي كان يتقاضى مرتباً يزيد على بداية مربوط الدرجة التاسعة فعلاً وقت صدور قرار مجلس الوزراء.
أما القول بعدم وجود درجات تاسعة خالية بميزانية الوزارة عند صدور القرار أو في الميزانيات التالية فقول ثبت عدم صحته، إذ تبين من مراجعة ميزانيات الوزارة المتعاقبة منذ سنة 1948 إلى سنة 1952 أنه كانت توجد بها أعداد كبيرة من الدرجات التاسعة الكتابية في أقسام الوزارة المختلفة تزاد من سنة إلى أخرى وقد رؤى حذف عدد كبير منها في ميزانية عام 1951، والمدعي كما سبق أن أوضحنا وإن كان قد تعين بقسم الأوقاف الأهلية إلا أنه ندب فور تعيينه بقسم المستخدمين بالوزارة ثم تنقل بعد ذلك بين أقسامها المختلفة.
ومن حيث إنه لا مقنع فيما ذهبت إليه الجهة الإدارية – مرددة قول ديوان الموظفين – من أنه لم يعد هناك مجال لتسوية حالة المدعي طبقاً لقرار مجلس الوزراء المشار إليه بعد صدور القانون رقم 210 لسنة 1951، ذلك أن المدعي كان قد اكتسب مركزاً ذاتياً في تسوية حالته طبقاً لأحكام هذا القرار بتوافر شروط تطبيقه لديه قبل صدور القانون رقم 210 لسنة 1951.
ومن حيث إنه لما تقدم يكون الحكم المطعون عليه قد طبق القانون تطبيقاً سليماً حين قضى بأحقية المدعي في تسوية حالته – تطبيقاً لأحكام قرار مجلس الوزراء الصادر في شأن حملة شهادة إتمام الدراسة بالمدرسة الفاروقية بالإسكندرية – بمنحه الدرجة التاسعة اعتباراً من 1/ 2/ 1948 وما يترتب على ذلك من آثار وفروق مالية مع إعمال حكم التقادم الخمسي، ويكون الطعن غير قائم على سند صحيح من القانون ويتعين لذلك رفضه مع إلزام الحكومة بالمصروفات.

"فلهذه الأسباب"

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً وألزمت الطاعنة بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات