الطعن رقم 698 لسنة 12 ق – جلسة 05 /04 /1969
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الرابعة عشرة – العدد الثاني (من منتصف فبراير سنة 1969 إلى آخر سبتمبر سنة 1969)
– صـ 563
جلسة 5 من إبريل سنة 1969
برئاسة السيد الأستاذ الدكتور أحمد موسى – وكيل مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة محمد طاهر عبد الحميد ويوسف إبراهيم الشناوي ومحمد صلاح السعيد وعلي لبيب حسن – المستشارين.
القضية رقم 698 لسنة 12 القضائية
بطريركية الأقباط الأرثوذكس "تكييفها القانوني" الكهنة "تكييفهم
القانوني". هي شخص من أشخاص القانون العام يتولى إدارة مرفق عام مستعينة بذلك بقسط
من اختصاصات السلطة العامة – الكهنة يعتبرون من الموظفين العموميين، أثر ذلك.
إن بطريركية الأقباط الأرثوذكس هي شخص من أشخاص القانون العام يتولى إدارة مرفق عام
من مرافق الدولة مستعينة في ذلك بقسط من اختصاصات السلطة العامة، ويقوم الكهنة بها
– والمدعي واحد منهم – بخدمة عامة أساسية تتمثل في أداء الشعائر الدينية وتعميق التربية
الدينية في نفوس أفراد الطائفة، وتربطهم بالبطريركية بالإضافة إلى الروابط الدينية
روابط تدخل في نطاق القانون العام تنظمها القوانين الصادرة في هذا الشأن وهم بهذه المثابة
يعتبرون من الموظفين العموميين. ولما كان الأمر كذلك فإنه لا يؤثر في طبيعتهم هذه أن
البطريركية تخضعهم لأحكام قانون العمل بجانب التنظيم القانوني الذي ارتآه المشرع.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل حسبما يبين من الأوراق في أن السيد القمص…….
أقام في 25 من مايو سنة 1963 الدعوى رقم 1438 لسنة 17 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري
طالباً الحكم بإلغاء القرار الصادر من المجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس بتاريخ
4 من يوليه سنة 1962 بالاستغناء عن خدمته لمرضه ولبلوغه السابعة والستين من عمره مع
ما يترتب على ذلك من آثار وإلزام المدعى عليه بصفته المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وقال شرحاً لدعوه أنه رسم في شهر يوليه سنة 1917 كاهناً على كنيسة دير الملاك البحري
بحدائق القبة ومنذ هذا التاريخ وهو يشغل رتبته الكهنوتية ويقوم بتأدية الشعائر الدينية
في كنيسته باستمرار وبانتظام إلى أن أبلغ في 22 من ديسمبر سنة 1962 بالقرار المطعون
فيه بإنهاء خدمته في 31 من ديسمبر سنة 1962. وقد تظلم من هذا القرار إلى غبطة البطريرك
ورئيس المجلس الملي العام في 26 من يناير سنة 1963 ولما لم يتلق أي رد أقام دعواه.
وينعى المدعي على القرار المطعون فيه اتسامه بالخطأ في تطبيقه القانون والانحراف بالسلطة
فضلاً عن صدوره من غير مختص. وفي بيان ذلك قال أنه يتمتع بصحة جيدة وليس مريضاً بأي
مرض يقعده عن القيام بواجباته الكهنوتية أما التقوس البسيطة الموجودة بظهره فهي علة
طبيعية مستديمة لازمته منذ الصغر ولم تعقه عن مباشرة واجباته الدينية على أحسن وجه،
كما أن القوانين الكنسية الواجبة الاتباع لا تبيح القطع بسبب المرض – وبذلك بفرض وجوده
– أو ببلوغ سن معينة فالكاهن متى رسم كاهناً فإنه يظل مرتسماً حتى وفاته ما دام لم
يأت ما يوجب قطعه أو فرزه من رتبته الكهنوتية. وأشار المدعي إلى أنه يوجد الكثير من
زملائه يقومون بالخدمة بالرغم من أنهم يكبرونه بعشرات السنين ومنهم من انفرد بالكنيسة
بعده مما يدل على أن القرار المطعون فيه صدر مشوباً بالانحراف لمجرد خدمة نفر من المحظوظين
المقربين. وأضاف المدعي أن المجلس الملي العام للأقباط الأرثوذكس لا يملك طبقاً لأحكام
قانونه فرز القسس وبالتالي إصدار القرار المطعون فيه، وإنما يختص بذلك رؤساءهم في الكهنوت
مجتمعين فيما يعرف بالمجمع المقدس وانتهى المدعي إلى طلب إلغاء القرار المطعون فيه
باعتباره قراراً إدارياً صادراً من هيئة عامة تخضع قراراتها لرقابة القضاء الإداري.
ودفع المجلس الملي العام أصلياً بعدم ولاية مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الدعوى
استناداً إلى أن القرار المطعون فيه صدر من المجلس الملي العام الذي يرأسه غبطة البطريرك
في حدود اختصاصه العام فيما يتعلق بالكنائس والمحافظة على تنفيذ قوانين الكنيسة المتعلقة
بقبول الرهبان بالأديرة ورسامه القسس وترقيتهم للرتب الكنسية ومراقبة سيرهم وهو اختصاص
ديني بحت يباشره المجلس الملي للأقباط الأرثوذكس بوصفه هيئة دينية طائفية وليس شخصاً
اعتبارياً عاماً يقوم على خدمة عامة – وبذلك يكون القرار المطعون فيه قد فقد مقومات
القرار الإداري ويعتبر صادراً في غير المجال الإداري ويخرج طلب إلغائه عن ولاية مجلس
الدولة بهيئة قضاء إداري. وطلب المجلس الملي العام احتياطياً رفض الدعوى وقال في هذا
الشأن أن المدعي وقد أقعده المرض عن العمل علاوة على تجاوزه سن الستين وكان المرتب
الذي يتقاضاه الكاهن إنما يحصل عليه مقابل عمله فإن قرار إنهاء خدمة المدعي وصرف مكافأة
نهاية الخدمة المستحقة له طبقاً للقانون رقم 94 لسنة 1962 يكون سليماً من الناحية القانونية
والموضوعية.
وبجلسة أول فبراير سنة 1966 قضت المحكمة أولاً: برفض الدفع بعدم اختصاص مجلس الدولة
بهيئة قضاء إداري بنظر الدعوى وباختصاصه وثانياً: بإلغاء قرار المجلس الملي العام للأقباط
الأرثوذكس الصادر في 4 من يوليه سنة 1962 بالاستغناء عن خدمة المدعي لبلوغه السابعة
والستين من عمره ولمرضه وعجزه عن العمل وما ترتب على ذلك من آثار وألزمت المدعى عليه
بصفته المصروفات.
وأقامت المحكمة قضاءها في شقه الخاص برفض الدفع المثار بعدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة
قضاء إداري بنظر الدعوى وباختصاصه على ما استقر عليه قضاء محكمة القضاء الإداري من
أن بطركخانة الأقباط الأرثوذكس شخص من أشخاص القانون العام وأن المجلس الملي العام
وهو هيئة متفرعة منها هيئة إدارية. وأشارت المحكمة إلى أن القرار المطعون فيه لم يصدر
من المجلس الإكليريكي المنصوص عليه في المادة 17 من القانون رقم 19 لسنة 1927 بتعديل
وترتيب اختصاص مجلس الأقباط الأرثوذكس العمومي وهو المجلس المختص بإصدار القرارات الدينية،
واستطردت إلى أن المدعي يتبع هيئة عامة هي هيئة الأقباط الأرثوذكس والمجلس الملي العام
وبالتالي يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بنظر الدعوى. وأقام الحكم المطعون فيه
قضاءه بالنسبة للشق الموضوعي إلى أن المدعى عليه لم يقدم ما يثبت أن المدعي عجز عن
القيام بالواجبات والطقوس الدينية المكلف بها نتيجة لمرضه على حين قدم المدعي شهادة
من أحد الأطباء بأنه في صحة جيدة وليس به مرض يمنعه من مزاولة عمله من إقامة الشعائر
الدينية، وأن القوانين الكنسية لم تنص على سن معينة لإنهاء خدمة القسيس وقد قدم المدعي
كشفاً بأسماء الكثير من القسس منهم من جاوز السبعين من العمر ولم يتقدم المدعى عليه
بما يدحض هذه البيانات ومن ثم يتضح عدم صحة كل من السببين اللذين أسس عليهما القرار
المطعون فيه مما يتعين معه الحكم بإلغائه.
ومن حيث أن الطعن يقوم أولاً على أن القضاء الإداري غير مختص بنظر الدعوى تأسيساً على
أن القرار المطعون ليس من القرارات الإدارية التي يختص المجلس الملي العام بإصدارها
وإنما هو قرار ديني بحث أصدره في حدود اختصاصاته الدينية المنصوص عليها في الفقرة الرابعة
من المادة الرابعة عشرة من الأمر العالي الصادر في 14 من مايو سنة 1883 والمعدل بالقانون
رقم 19 لسنة 1927 وذلك لارتباطه بإقامة الشعائر الدينية والواجبات الرعوية وقد ألقى
القانون على عاتق المجلس الملي العام برئاسة غبطة البطريرك واجب المحافظة على قوانين
الكنيسة ومن ثم فإن القرار الصادر بعدم صلاحية الكاهن للقيام بواجباته لا تخضع لرقابة
القضاء الإداري. وأضاف الطعن أن الكاهن لا يتقاضى مرتباً بالمعنى الصحيح وإنما هو يقبل
من الشعب ما يقدم إليه مقابل الخدمات التي يؤديها وبجانب ذلك يصرف له المجلس الملي
العام مبلغاً متواضعاً كإعانة بلغت 9.990 مليمجـ شهرياً، ولم يترتب على القرار المطعون
فيه سوى قطع هذه الإعانة الشهرية. أما عن موضوع النزاع فقد استند الطعن إلى أن الاستغناء
عن المدعي لم يكن بسبب السن وحدها وإنما كان بسبب عجزه الناشئ عن حالته المرضية مع
كبر سنه فقد ازداد تقوس ظهره إلى درجة أقعدته تماماً عن إقامة الشعائر الدينية وواجباته
الدينية الأخرى مما لم يعد معه بد من الاستغناء عنه مع صرف المكافأة التي يستحقها عن
مدة خدمته. وعقب المدعي بمذكرة صمم فيها على طلباته.
ومن حيث إن نظر هذه الدعوى يثير ابتداء بحث مدى اختصاص محكمة القضاء الإداري، بالفصل
في هذا النزاع وهذا البحث يستدعي تناول التكييف القانوني لبطريركية الأقباط الأرثوذكس
وماهيتها وما إذا كانت شخصاً من أشخاص القانون العام، ثم بيان حكم العاملين فيها وهل
يعتبرون من الموظفين العامين، فإذا كان الأمر كذلك فهل يدخل المدعي ضمن طائفة العاملين
الذين تختص محكمة القضاء الإداري بالفصل في الطلبات الخاصة بإلغاء القرارات الإدارية
الصادرة بإنهاء خدمتهم، أم من غير هذه الطائفة فيخضع لاختصاص المحكمة الإدارية ذات
الشأن.
ومن حيث إنه يبين من استقراء المبادئ التي قام عليها الفرمان العالي الصادر في 18 من
فبراير سنة 1856 بتنظيم أمور الطوائف غير الإسلامية العلية، والأحكام التي نص عليها
الأمر العالي رقم 3 الصادر في 14 من مايو سنة 1883 بالتصديق على لائحة ترتيب واختصاصات
مجلس الأقباط الأرثوذكس العمومي المعدل بالقانون رقم 19 لسنة 1927 والقانون رقم 48
لسنة 1950 وقواعد ترشيح وانتخاب بطريرك الأقباط الأرثوذكس الصادر بها الأمر الملكي
في 9 من نوفمبر سنة 1942، إن وظيفة البطريركية بهيئاتها المتفرعة عنها هي رعاية مرافق
الأقباط الأرثوذكس، وهذه المهمة أصلاً من اختصاصات الحكومة وكان يقع على عاتقها القيام
بها، لو لم توكل إلى البطركخانة، باعتبار أنها من فروع الخدمات التي تؤديها السلطة
العامة. وفي سبيل نهوض البطركخانة بهذه المرافق والخدمات وحسن توجيهها، خولها المشرع
نصيباً من السلطة ووضع القواعد المنظمة لها وبيان الهيئات التي تتفرع عنها وكيفية تكوين
كل هيئة ومجال نشاطها ومدى اختصاصها ونظم الطريقة التي تمارس بها هذه الهيئات وظائفها
وبين كيفية محاكمة الأكليروس وجعل الرئاسة للبطريرك على البطركخانة وفروعها المختلفة
ورسم طريق ترشيحه وانتخابه. وبناءً على ذلك يكون قد توافرت لبطريركية الأقباط الأرثوذكس
مقومات أشخاص القانون العام.
ومن حيث إن الرسالة الدينية المنوطة بالبطريركية، وهي تمثل النشاط الأساسي والهام للمرفق
الذي تقوم على رعايته والنهوض به يقع عبء أدائها على عاتق الكهنة، ولما كانت طبيعة
هذه الأعمال تتميز بالأهمية والدقة لما لها من أثر بالغ في تعميق التعاليم الدينية
وآدابها، فإنها تتطلب في شاغليها شروطاً خاصة ليستقيم معها حسن أدار هذه الخدمة العامة.
وتحقيقاً لذلك عني القانون بوضع القواعد التي تكفل تنظيم شئون الكهنة في تعيينهم وترقيتهم
ومراقبة سيرهم ومحاكمتهم، فنص في الفقرة الرابعة من المادة 14 من الأمر العالي رقم
3 الصادر في 14 من مايو سنة 1883 سالف الذكر على أن يختص المجلس الملي العام للأقباط
الأرثوذكس "بالمحافظة على تنفيذ قوانين الكنيسة المتعلقة بقبول الرهبان بالأديرة ورسامة
القسس وترقيتهم للمراتب الكنائسية ومراقبة سيرهم" كما بين القانون كيفية محاكمتهم فنص
في المادة 17 منه على أن يختص المجلس الإكليريكي بالنظر في الأمور الدينية والفصل في
الدعوى التي تقام على الإكليروس بحسب قانون الكنيسة.
ومن حيث إنه يبين من جماع ما تقدم أن بطريركية الأقباط الأرثوذكس هي شخص من أشخاص القانون
العام يتولى إدارة مرفق عام من مرافق الدولة مستعينة من ذلك بقسط من اختصاصات السلطة
العامة، ويقوم الكهنة فيها – والمدعي واحد منهم – بخدمة عامة أساسية تتمثل في أداء
الشعائر الدينية وتعميق التربية الدينية في نفوس أفراد الطائفة، وتربطهم بالبطريركية
بالإضافة إلى الروابط الدينية روابط تدخل في نطاق القانون العام تنظمها القوانين الصادرة
في هذا الشأن. وهم بهذه المثابة يعتبرون من الموظفين العموميين. ولما كان الأمر كذلك
فإنه لا يؤثر في طبيعتهم هذه أن البطريركية تخضعهم لأحكام قانون العمل بجانب التنظيم
القانوني الذي ارتآه المشرع.
ومن حيث إن القرار المطعون فيه الذي أخطر المدعي به بكتاب وكيل عام بطريركية الأقباط
الأرثوذكس المؤرخ في 19 من ديسمبر سنة 1962 قد قضى بإنهاء خدمة المدعي في 31 من ديسمبر
سنة 1962 نظراً لطول فترة مرضه التي جاوزت ستة أشهر وبلوغه السابعة والستين من عمره
مستنداً في ذلك إلى القرار الصادر من المجلس الملي العام في 4 من يوليه سنة 1962، والقرار
بهذه المثابة قرار إداري صادر من هيئة إدارية كما أنه ذو طبيعة إدارية من حيث موضوعه
سواء بالنظر إلى أسبابه أو محله ومن ثم يختص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري بالفصل في
طلب إلغائه بالتطبيق لنص الفقرة الخامسة من المادة الثامنة من قانون مجلس الدولة الصادر
به القانون رقم 55 لسنة 1959 بما ينهار معه النعي بأن القرار المطعون فيه ديني يخرج
عن دائرة اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري.
ومن حيث إن المدعي وهو من الموظفين العامين على ما سلف بيانه ليس من العاملين المدنيين
بالدولة من الدرجة السادسة فما فوقها ولا ما يعادلها حيث إنه كان معيناً بمرتب شهري
شامل لإعانة غلاء المعيشة وقد بلغ عند إنهاء خدمته تسعة جنيهات وتسعمائة وتسعين مليماً
فقط، فإن الاختصاص بالفصل في القرار المطعون فيه الصادر بإنهاء خدمته ينعقد والحالة
هذه للمحاكم الإدارية دون محكمة القضاء الإداري وفقاً لحكم المادة 13 من قانون مجلس
الدولة آنف الذكر معدلاً بالقانون رقم 144 لسنة 1964، وإذ ذهب الحكم المطعون فيه غير
هذا المذهب فإنه يكون قد جانب الصواب، ويتعين القضاء بإلغائه والحكم بعدم اختصاص محكمة
القضاء الإداري بنظر الدعوى لكونها من اختصاص المحاكم الإدارية وإحالتها إلى المحكمة
الإدارية لوزارة الداخلية للفصل فيها.
"فلهذه الأسباب"
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وبعدم اختصاص محكمة القضاء الإداري بنظر الدعوى وبإحالتها إلى المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية للفصل فيها.
