قاعدة رقم الطعن رقم 108 لسنة 18 قضائية “دستورية” – جلسة 01 /09 /1997
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الثامن
من أول يوليو 1996 حتى آخر يونيو 1998 – صـ 824
جلسة 1 سبتمبر سنة 1997
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: عبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 108 لسنة 18 قضائية "دستورية"
1 – دعوى دستورية "المصلحة الشخصية المباشرة: مناطها".
مناط المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – أن تتوافر ثمة علاقة
منطقية بينها وبين المصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي – ذلك بأن يكون الفصل في
المسائل الدستورية لازماً للفصل فيما يرتبط بها من الطلبات الموضوعية.
2 – ملكية خاصة "صونها".
مؤدى صون الدستور للملكية الخاصة عدم جواز الانتقاص منها أو إعاقة مباشرة الحقوق المتفرعة
عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية.
3 – دستور – مبدأ الدولة القانونية.
الدولة القانونية – على ضوء أحكام الدستور – هي التي تتقيد في كل تصرفاتها وأعمالها
بقواعد قانونية تعلو عليها.
4 – استيلاء – مبدأ الدولة القانونية
مقتضى خضوع الدولة للقانون ألا يكون الاستيلاء على أموال بذواتها مؤبداً.
5 – تشريع "المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين: استيلاء" – نزع الملكية.
الاستيلاء وفقاً لأحكام هذا المرسوم بقانون يعادل في أثره نزع ملكية الأموال المستولى
عليها – ولكن في غير الأحوال التي نص عليها القانون وعلى غير الأسس المحددة فيه.
6 – ملكية خاصة "تنظيمها: أخذ الملكية".
الملكية وإن كان يجوز تنظميها، إلا أن هذه السلطة التنظيمية لا يجوز أن تجاوز الحدود
اللازمة لضبطها أخذاً للملكية من أصحابها.
7 – دستور – مبدأ المساواة "حظر التمييز".
كفالة الدساتير المصرية على تعاقبها للمواطنين جميعهم تساويهم أمام القانون – النص
في الدستور على صور بذاتها يكون التمييز فيها محظوراً لا يشي البتة باستناده إليها
دون غيرها.
8 – استيلاء "تأبيد".
الاستيلاء على أموال بذواتها إذا صار مؤبداً كان تقريره منطوياً على حرمان أصحابها
منها، دون غيرهم من المواطنين الذين يملكون وفقاً للدستور فرص استعمال أموالهم واستغلالها
والتصرف فيها.
9 – عمل "إرادة: تكليف".
الأصل في العمل أن يكون إرادياً – تكليف المواطن بالعمل لا يكون إلا تدبيراً استثنائياً
مقرراً بقانون ومستنداً إلى دواعي المصلحة العامة وبمقابل عادل.
10 – تشريع "نص البند هـ من المادة الأولى من المرسوم بالقانون رقم 97 لسنة 1945، الفقرة
الثانية من المادة 12 من قرار وزير التموين رقم 250 لسنة 1986 – مخالفة الدستور".
إخلال أحكام هذين النصين بالمبادئ المشار إليها – مخالفتهما من ثم للدستور.
1 – المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن تتوافر
ثمة علاقة منطقية بينها وبين المصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون
الفصل في المسائل الدستورية التي تُدعى هذه المحكمة لنظرها، لازماً للفصل فيما يرتبط
بها من الطلبات الموضوعية؛ وكان البند هـ من المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص
بشئون التموين، وكذلك الفقرة الثانية من قرار وزير التموين والتجارة الداخلية المطعون
عليهما، قد أضر تطبيقهما في شأن المدعين بمصالحهم الشخصية المباشرة التي أثير النزع
الموضوعي لضمانها، فإن مصلحتهم في الطعن الماثل تحدد على ضوء الفصل في دستورية هذا
البند وتلك الفقرة دون غيرهما.
2 – صون الدستور للملكية الخاصة، مؤداه أن المشرع لا يجوز أن يجردها من لوازمها، ولا
أن يفصل عنها أجزاءها، ولا أن ينتقص من أصلها أو يعدل من طبيعتها أو يزيلها، ولا أن
يقيد من مباشرة الحقوق المتفرعة عنها في غير ضرورة تقتضيها وظيفتها الاجتماعية؛ وكان
ضمان وظيفتها هذه، يفترض ألا ترهق القيود التي يفرضها المشرع عليها جوهر بنيانها، ولا
أن يكون من شأنها حرمان أصحابها من تقرير صور الانتفاع بها؛ وكان الاستيلاء نهائياً
على أموال بذواتها لا يصون حرمتها، ولو ظل سند ملكيتها بيد أصحابها؛ وكان المشرع قد
أطلق – بالنصوص المطعون عليها – زمن الاستيلاء من كل قيد، وصار بالتالي ممتداً في الزمان
دون حد؛ وكان صون الملكية وإعاقتها لا يجتمعان، فإن هدمها من خلال قيود ترهقها مع استمرارها
أبداً، ينحل عصفاً بها، منافياً للحق فيها.
3، 4 – الدولة القانونية – على ضوء أحكام المواد 1 و3 و4 و65 من الدستور – هي التي
تتقيد في كل تصرفاتها وأعمالها بقواعد قانونية تعلو عليها، فلا يستقيم نشاطها بمجاوزتها؛
وكان خضوعها للقانون على هذا النحو، يقتضيها ألا يكون الاستيلاء على أموال بذواتها
منتهياً إلى رصدها "نهائياً" على أغراض محددة ربطها المشرع بها ولا تزايلها، فلا تعود
لأصحابها أبداً، ولا يكون اختيارهم لفرص استغلالها ممكناً، مما يقوض دعائمها؛ وكان
تأبيد الاستيلاء على الأموال التي تعلق بها، ينتزعها عملاً ويفقدها مقوماتها؛ وكانت
سلطة الاستيلاء هذه – حتى مع قيام الضرورة الملجئة التي سوغ مباشرتها ابتداء – لا يجوز
أن يستطيل زمنها بما يجعلها قيداً دائماً على الملكية مُحوَّراً بنيانها، فإن القول
بأن لمباشرتها أسباباً تقتضيها الوظيفة الاجتماعية للملكية، لا يكون صائباً.
5 – الاستيلاء وفقاً للنصوص المطعون عليها ليس موقوتاً، بل متراخياً إلى غير حد، ولا
يجوز إنهاؤه: ومؤداه أن تخرج الأموال التي تعلق بها من يد أصحابها، فلا يباشرون سلطتهم
عليها بل يصدون عنها ويجردون من الانتفاع بعناصرها، بما يعطل خياراتهم التي يرتضونها
لاستغلالها، ويجعل الاستيلاء عليها معادلاً في أثره لنزع ملكيتها في غير الأحوال التي
نص عليها القانون، وعلى غير الأسس التي حددها، وبعيداً عن القواعد الإجرائية التي رسمها،
ودون تعويض يقابل قيمتها الحقيقية في تاريخ نزع ملكيتها؛ وكان اغتيالها على هذا النحو
يحيل أصلها عدماً ويبلور كذلك أسوأ صور العدوان عليها، لاتخاذه الشرعية ثوباً وإطاراً،
وانحرافه عنها قصداً ومعنى؛ فإن الملكية التي تكفل الدستور بصونها لا تكون في إطار
النصوص المطعون عليها، إلا سراباً.
إن الاستيلاء وفق أحكام النصوص المطعون عليها، وإن توخي أصلاً تحقيق أغراض يقتضيها
ضمان إمداد البلاد باحتياجاتها من المواد التموينية مع توزيعها عدلاً بين مستحقيها،
إلا أن هذه الضرورة ينبغي أن تقدر بقدرها، فلا يقوم قرار الاستيلاء على أموال بذاتها
صحيحاً إذا ظل نفاذه متراخياً دون ضابط، بل كان انحيازاً من الجهة الإدارية لعسفها،
أو خياراً غير مبرر من جانبها. ذلك أن حرية التعاقد هي الأصل في الإجارة وغيرها من
العقود، فلا تنشئها إلا الإرادة الواعية، وهي كذلك تقضيها، ولا يتصور أن تخلي هذه الحرية
مكانها لإجراء ينال منها أو يقوضها، ما لم يكن كافلاً لمصلحة مشروعة تربو عليها.
6 – نزع ملكية بعض الأموال، وإن كان يفترض تعطيل وظائفها بإخراجها من حوزة أصحابها؛
وكان من المقرر أنه لا يجوز لجهة الإدارة أن تعيد تنظيم نطاق المصالح التي يحميها حق
الملكية إلا وفقاً للأحكام المنصوص عليها في الدستور؛ وكان ثابتاً كذلك أن الملكية
في ذاتها لا يجوز أن يؤول أمرها هزواً تبعاً لثقل القيود التي تفرض عليها، وتتابعها
وامتدادها زمناً مجاوزاً حد الاعتدال، فلا يبقى من منافعها شيء ذو قيمة، فقد غدا لازماً
توكيد أن الملكية وإن كان يجوز تنظميها، إلا أن هذه السلطة التنظيمية "لا يجوز أن تجاوز
بمداها الحدود اللازمة لضبطها، وإلا اعتبر إطلاقها من عقالها، وتجردها من كوابحها،
أخذاً للمكية من أصحابها". ولئن كان هذا المعيار العام مرناً لا يتضمن حصراً لصور تطبيقه،
إلا أن من البديهي أن ما يعتبر اقتحاماً مادياً ودائماً للملكية، لا يخرج عن أن يكون
اعتصاراً لمحتواها. وكذلك الأمر كلما كان التنظيم التشريعي لحق الملكية، حائلاً دون
استعمالها اقتصادياً في الأغراض المقصودة منها، أو معطلاً كل خيار لأصحابها في توجيهها
إنتاجياً وفق ما يقدرون أنه أكفل لمصالحهم.
ولا يجوز أن يقال عندئذ بأن للدولة مصلحة مشروعة في هذا التنظيم، من خلال ترتيبها لأوضاع
تتصل بتطوير مجتمعها، واستثارة ملامحها الإيجابية، ذلك أن مشروعية المصلحة حدها قواعد
الدستور، إذ هي مدخلها وقاعدة بنيانها، ولا يتصور أن تقوم المصلحة على خلافها، وما
الملكية إلا المزايا التي تنتجها وتتصل بها، فإذا انقض المشرع عليها، كان ذلك تجريداً
لأصحابها منها.
7 – من المقرر أن الدساتير المصرية على تعاقبها تكفل للمواطنين جميعهم تساويهم أمام
القانون، ضماناً لتحقيق أغراض بعينها تتمثل أصلاً في صون حقوق المواطنين وحرياتهم،
في مواجهة صور التمييز التي تنال منها هدماً لمحتواها أو تقييداً لممارستها.
فالدستور وإن نص في مادته الأربعين، على حظر التمييز بين المواطنين في أحوال بذواتها،
هي تلك التي يكون التمييز فيها قائماً على أساس من الأصل أو الجنس أو اللغة أو الدين
أو العقيدة، إلا أن إيراد الدستور لصور بذاتها يكون التمييز محظوراً فيها، يبلور شيوعها
عملاً، ولا يشي البتة باستناده إليها دون غيرها، وإلا جاز التمييز بين المواطنين فيما
عداها مما لا يقل عنها خطراً مضموناً وأثراً، كتفضيل بعضهم على بعض بناء على المولد
أو الثروة أو المركز الاجتماعي، أو العصبية القبلية، أو على أساس من ميولهم وآرائهم،
أو لغير ذلك من صور التمييز التي تنفصل عن أسسها الموضوعية. ولا يتصور بالتالي أن يكون
الدستور قد قصد إلى حمايتها، ولا أن تقرها السلطة التشريعية في مجال تنظيمها للحقوق
والحريات على اختلافها. ولا يجوز كذلك أن يكون إعمال السلطة التنفيذية – في مجال مباشرتها
لاختصاصاتها الدستورية – لمبدأ تساويهم أمام القانون، كاشفاً عن نزواتها، ولا منبئاً
عن اعتناقها لأوضاع جائرة تثير ضغائن أو أحقاد تنقلب بها ضوابط سلوكها، ولا هشيماً
معبراً عن سطوتها، بل يتعين أن يكون موقفها اعتدالاً في مجال تعاملها مع المواطنين،
فلا تمايز بينهم إملاء أو عسفاً.
8 – الاستيلاء على أموال بذواتها – وكلما كان موقوتاً – يعتبر صحيحاً ما ظل مرتبطاً
بأغراض ضمان توفير المواد التموينية مع توزيعها عدلاً بين من يطلبونها. فإذا صار الاستيلاء
مؤبداً، كان تقريره على الأموال التي تعلق بها منطوياً على حرمان أصحابها منها دون
غيرهم من المواطنين الذين يملكون وفقاً للدستور فرص استعمالها واستغلالها بل ونقل ملكيتها
إلى آخرين، فلا تعود ثمارها ومنتجاتها وملحقاتها لسواهم.
9 – الأصل في العمل أن يكون إرادياً قائماً على الاختيار الحر، فلا يُحمل عليه المواطن
حملاً، إلا أن يكون ذلك تدبيراً استثنائياً مقرراً بقانون، ومستنداً إلى دواع تقتضيها
الخدمة العامة، وبمقابل عادل؛ وكان ذلك مؤداه أن العمل – وكلما فُرض جبراً – يتعين
أن يكون موقوتاً، فإذا صار مؤبداً، تعذر أن يكون مبرراً بالضرورة أياً كان مداها، وغدا
لوناً من السخرة التي دمغها الدستور لمجافاتها للحق في العمل باعتباره شرفاً؛ وكانت
السلطة التي خولها المشرع لوزير التموين تتضمن – بين ما تشمل عليه – إمكان قهره لأي
فرد على أداء عمل لا يرضاه، ولو صار تكليفه بذلك دائماً، فإن المشرع يكون قد جاوز بمداها
الحدود التي رخص الدستور بالعمل الإلزامي في نطاقها.
10 – المشرع قد نقض – بالنصوص المطعون عليها – الأحكام التي تضمنتها المواد 13 و32
و34 و40 من الدستور؛ ومن ثم فإن تقرير بطلانها يكون لازماً.
الإجراءات
بتاريخ 7 أكتوبر سنة 1996، أودع المدعون صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب
المحكمة، طالبين الحكم بعدم دستورية الفقرة (هـ) من المادة من المرسوم بقانون رقم
95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين، والفقرة الثانية من المادة 12 من قرار وزير التموين
رقم 250 لسنة 1986 في شأن القواعد المنظمة لتداول المواد البترولية.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعين
يملكون قطعة أرض فضاء رقمها 95 شارع الجيزة ناصية شارع بن كثير، وقد استعارتها منهم
المدعى عليها الأخيرة (شركة إسو استاندرد) لتقيم عليها محطة لخدمة السيارات وتموينها،
ثم زاولت نشاطها فعلاً فيها بعد أن جهزت محطتها هذه بما يكون لازماً لتسييرها وإدارتها
بنفسها ولحسابها حتى انتهاء عقد إجارتها في 31/ 12/ 1990.
وإذ أقام المدعون ضدها الدعوى رقم 452 لسنة 1991 إيجارات كلي شمال القاهرة بطلب الحكم
بإخلائها من قطعة الأرض المشار إليها مع تسليمها إليهم، وذلك تأسيساً على انتهاء عقد
الإيجار المتعلق بها، إلا أن المدعى عليها الأخيرة نازعتهم في طلبهم إخلاءها، مستندة
في ذلك إلى نص المادة 12 من قرار وزير التموين والتجارة الداخلية رقم 250 لسنة 1986
التي حظرت على ملاك العقارات الكائنة بها محطات خدمة السيارات – حال انتهاء عقود استئجارها
– تأجيرها أو استغلالها في غير نشاطها الأصلي، أو تركها دون مستغل استمرار العمل بها
على الوجه المعتاد.
وبناء على دفاعها هذا، صدر قضاء محكمة أول درجة منتهياً إلى رفض طلب المدعية إخلائها
من العين المؤجرة مع انتهاء عقد إيجارها.
وقد طعن في هذا الحكم استئنافياً كل من المدعين والمدعى عليها الأخيرة وذلك بالاستئنافين
رقمي 3779 لسنة 109 قضائية و4912 لسنة 109 قضائية على التوالي. وبعد أن قررت محكمة
استئناف القاهرة ضمهما ليصدر فيهما حكم واحد، قضت في أولهما بإخلاء المدعى عليها الأخيرة
من العين المؤجرة إليها، وفي ثانيهما برفضه، مما حمل المدعى عليها الأخيرة على الطعن
بالنقض في الحكم الصادر ضدها، مع طلب وقف تنفيذه بصفة مؤقتة حتى يقضى في موضوع الطعن.
إلا أن محكمة النقض لم تجبها إلى طلبها هذا، ثم جرى تنفيذ الحكم الاستئنافي بعد رفض
طلب وقف تنفيذه.
بيد أن المدعين فوجئوا بشرطة التموين تمنعهم من إنهاء نشاط المدعى عليها الأخيرة في
محطتهم تلك، بعد أن أصدر وزير التموين قراره رقم 148 لسنة 1994 الذي أحال إلى أحكام
المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين، ونص في مواده 1 و2 و3 على الاستيلاء
فوراً على المحطة المشار إليها، مع تسليمها إلى المدعى عليها الأخيرة لإدارتها وتشغليها،
وتقدير مقابل الانتفاع المستحق للمدعين عن الاستيلاء عليها.
وإزاء ما ارتآه المدعون من مخالفة البند هـ من المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم
95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين، وكذلك الفقرة الثانية من المادة 12 من قرار وزير
التموين والتجارة الداخلية رقم 250 لسنة 1986 للدستور، فقد دفع المدعون – أثناء نظر
محكمة القضاء الإداري لدعواهم رقم 2596 لسنة 49 قضائية التي أقاموها بطلب الحكم بإلغاء
قرار وزير التموين رقم 148 لسنة 1994 المشار إليه – بعدم دستورية هذين النصين اللذين
أحال عليهما قرار الاستيلاء على قطعة أرضهم المشار إليها.
وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم الدستورية، فقد أقاموا الدعوى الماثلة خلال
المدة التي حددتها محكمة الموضوع لرفعها.
وحيث إن المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين المعدل
بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 380 لسنة 1956، تنص على ما يأتي:
"يجوز لوزير التموين لضمان تموين البلاد ولتحقيق العدالة في التوزيع أن يتخذ قرارات
يصدرها بموافقة لجنة التموين العليا كل التدابير الآتية أو بعضها:
(هـ) الاستيلاء على أية واسطة من وسائط النقل أو أية مصلحة عامة أو خاصة أو أي معمل
أو مصنع أو محل صناعة أو عقار أو منقول أو أي مادة أو سلعة – وكذلك إلزام أي فرض بأي
عمل أو إجراء أو تكليف وتقديم أية بيانات".
وتنص المادة من قرار وزير التموين والتجارة الداخلية رقم 250 لسنة 1986 على ما
يأتي:
"يحظر بغير ترخيص من المحافظ المختص، تغيير أو تعديل أنشطة محطات خدمة السيارات أو
محال بيع المواد البترولية بكافة أنواعها سواء كانت تابعة للقطاع العام أو القطاع الخاص.
كما يحظر على ملاك العقارات الكائنة بها تلك المنشآت حال إنهاء أو انتهاء عقود استئجارها
بأية صورة من الصور – تأجيرها أو استغلالها في غير النشاط الأصلي الذي أعدت له ولا
يجوز لهم كذلك تركها دون مستغل يكفل استمرار العمل بها على الوجه المعتاد ويستمر مستغلها
في تشغليها لحين انتقال الحيازة إلى مستغل آخر.
ويستحق المالك في هذه الحالة تعويضاً وفقاً لأحكام المواد من 43 إلى 48 من المرسوم
بقانون رقم 95 لسنة 1945 المشار إليه".
وحيث إن المدعين يؤسسون طعنهم بمخالفة الاستيلاء على العقار رقم 95 بشارع الجيزة ناصية
شارع بن كثير، لأحكام المواد 13 و32 و34 و35 و36 و40 من الدستور، على الأوجه الآتي
بيانها:
أولها: إهدار النصوص المطعون عليها للملكية الخاصة التي صانها الدستور كافلاً الحفاظ
عليها، فلا يختص غير صاحبها بها لتعود إليه ثمارها دون إخلال بوظيفتها الاجتماعية ولا
تنعي سلطة المشرع في تنظيم الحقوق، ترخصه في مجاوزة الضوابط التي أقامها الدستور حدوداً
نهائية لهذا التنظيم. كذلك فإن ما يقرره المشرع من القيود على حق الملكية لضمان أداءها
لوظيفتها الاجتماعية، يجب أن يظل مرتبطاً بالأغراض التي تتوخاها. وتخويل وزير التموين
سلطة الاستيلاء على أي عقار دون ضوابط موضوعية، وبغير قيود تتعلق بمدة الاستيلاء، عدوان
مباشر على حق الملكية، ينحل إلى انتزاعها نهائياً من مالكيها، ويعتبر مصادرة لها.
ثانيها: أن الأصل في العمل أن يكون إرادياً قائماً على الاختيار الحر، فلا يُحمل عليه
المواطن حملاً. ولكن المشرع خول وزير التموين إكراه أي فرد على القيام بأي عمل دون
مقابل ودون ضوابط، فلا يكون إلا نوعاً من السخرة المجافية في طبيعتها وغاياتها لنص
المادة 13 من الدستور.
ثالثها: أن مالك أرض النزاع قد صار – عملاً بنص المادة الثانية من المادة 12 من قرار
وزير التموين والتجارة الداخلية المطعون عليه – ملزماً بتكريسها محطة لخدمة السيارات
وتموينها، فلا يخضع إلا لابتزاز من يتولون الأمر فيها، بعد أن صار مضطراً للجوء إليهم
لاستغلال عقاره في نشاطها.
رابعها: أن النصوص المطعون عليها تخل بتكافؤ الفرص بين المواطنين، وبتساويهم أمام القانون،
ذلك أن مالك الأرض الفضاء يفقدها إلى الأبد إذا أجرها محطة لخدمة السيارات وتموينها،
خلافاً لغيره من المواطنين الذين يؤجرونها لغير ذلك من الأغراض.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن تتوافر
ثمة علاقة منطقية بينها وبين المصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون
الفصل في المسائل الدستورية التي تُدعى هذه المحكمة لنظرها، لازماً للفصل فيما يرتبط
بها من الطلبات الموضوعية؛ وكان البند هـ من المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص
بشئون التموين، وكذلك الفقرة الثانية من قرار وزير التموين والتجارة الداخلية المطعون
عليهما، قد أضر تطبيقهما في شأن المدعين بمصالحهم الشخصية المباشرة التي أثير النزع
الموضوعي لضمانها، فإن مصلحتهم في الطعن الماثل تتحدد على ضوء الفصل في دستورية هذا
البند وتلك الفقرة دون غيرهما.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن صون الدستور للملكية الخاصة، مؤداه أن المشرع
لا يجوز أن يجردها من لوازمها، ولا أن يفصل عنها أجزاءها، ولا أن ينتقص من أصلها أو
يعدل من طبيعتها أو يزيلها، ولا أن يقيد من مباشرة الحقوق المتفرعة عنها في غير ضرورة
تقتضيها وظيفتها الاجتماعية؛ وكان ضمان وظيفتها هذه، يفترض ألا ترهق القيود التي يفرضها
المشرع عليها جوهر بنيانها، ولا أن يكون من شأنها حرمان أصحابها من تقرير صور الانتفاع
بها؛ وكان الاستيلاء نهائياً على أموال بذواتها لا يصون حرمتها، ولو ظل سند ملكيتها
بيد أصحابها؛ وكان المشرع قد أطلق – بالنصوص المطعون عليها – زمن الاستيلاء من كل قيد،
وصار بالتالي ممتداً في الزمان دون حد؛ وكان صون الملكية وإعاقتها لا يجتمعان، فإن
هدمها من خلال قيود ترهقها مع استمرارها أبداً، ينحل عصفاً بها، منافياً للحق فيها.
وحيث إن الدولة القانونية – على ضوء أحكام المواد 1 و3 و4 و65 من الدستور – هي التي
تتقيد في كل تصرفاتها وأعمالها بقواعد قانونية تعلو عليها، فلا يستقيم نشاطها بمجاوزتها؛
وكان خضوعها للقانون على هذا النحو، يقتضيها ألا يكون الاستيلاء على أموال بذواتها
منتهياً إلى رصدها "نهائياً" على أغراض محددة ربطها المشرع بها ولا تزايلها، فلا تعود
لأصحابها أبداً، ولا يكون اختيارهم لفرص استغلالها ممكناً، مما يقوض دعائمها؛ وكان
تأبيد الاستيلاء على الأموال التي تعلق بها، ينتزعها عملاً ويفقدها مقوماتها؛ وكانت
سلطة الاستيلاء هذه – حتى مع قيام الضرورة الملجئة التي تسوغ مباشرتها ابتداء – لا
يجوز أن يستطيل زمنها بما يجعلها قيداً دائماً على الملكية مُحوَّراً بنيانها، فإن
القول بأن لمباشرتها أسباباً تقتضيها الوظيفة الاجتماعية للملكية، لا يكون صائباً.
وحيث إن الاستيلاء وفقاً للنصوص المطعون عليها ليس موقوتاً، بل متراخياً إلى غير حد،
ولا يجوز إنهاؤه؛ مؤداه أن تخرج الأموال التي تعلق بها من يد أصحابها، فلا يباشرون
سلطتهم عليها بل يُصَدُّون عنها ويجردون من الانتفاع بعناصرها، بما يعطل خياراتهم التي
يرتضونها لاستغلالها، ويجعل الاستيلاء عليها معادلاً في أثره لنزع ملكيتها في غير الأحوال
التي نص عليها القانون، وعلى غير الأسس التي حددها، وبعيداً عن القواعد الإجرائية التي
رسمها، ودون تعويض يقابل قيمتها الحقيقية في تاريخ نزع ملكيتها؛ وكان اغتيالها على
هذا النحو يحيل أصلها عدماً ويبلور كذلك أسوأ صور العدوان عليها، لاتخاذه الشرعية ثوباً
وإطاراً، وانحرافه عنها قصداً ومعنى؛ فإن الملكية التي تكفل الدستور بصونها لا تكون
في إطار النصوص المطعون عليها، إلا سراباً.
وحيث إن الاستيلاء وفق أحكام النصوص المطعون عليها، وإن توخي أصلاً تحقيق أغراض يقتضيها
ضمان إمداد البلاد باحتياجاتها من المواد التموينية مع توزيعها عدلاً بين مستحقيها،
إلا أن هذه الضرورة ينبغي أن تقدر بقدرها، فلا يقوم قرار الاستيلاء على أموال بذاتها
صحيحاً إذا ظل نفاذه متراخياً دون ضابط، بل كان انحيازاً من الجهة الإدارية لعسفها،
أو خياراً غير مبرر من جانبها. ذلك أن حرية التعاقد هي الأصل في الإجارة وغيرها من
العقود، فلا تنشئها إلا الإرادة الواعية، وهي كذلك تقضيها، ولا يتصور أن تخلي هذه الحرية
مكانها لإجراء ينال منها أو يقوضها، ما لم يكن كافلاً لمصلحة مشروعة تربو عليها.
وحيث إن نزع ملكية بعض الأموال، وإن كان يفترض تعطيل وظائفها بإخراجها من حوزة أصحابها؛
وكان من المقرر أنه لا يجوز لجهة الإدارة أن تعيد تنظيم نطاق المصالح التي يحميها حق
الملكية إلا وفقاً للأحكام المنصوص عليها في الدستور؛ وكان ثابتاً كذلك أن الملكية
في ذاتها لا يجوز أن يؤول أمرها هزواً تبعاً لثقل القيود التي تفرض عليها، وتتابعها
وامتدادها زمناً مجاوزاً حد الاعتدال، فلا يبقى من منافعها شيء ذو قيمة، فقد غدا لازماً
توكيد أن الملكية وإن كان يجوز تنظميها، إلا أن هذه السلطة التنظيمية "لا يجوز أن تجاوز
بمداها الحدود اللازمة لضبطها، وإلا اعتبر إطلاقها من عقالها، وتجردها من كوابحها،
أخذاً للمكية من أصحابها". ولئن كان هذا المعيار العام مرناً لا يتضمن حصراً لصور تطبيقه،
إلا أن من البديهي أن ما يعتبر اقتحاماً مادياً ودائماً للملكية، لا يخرج عن أن يكون
اعتصاراً لمحتواها. وكذلك الأمر كلما كان التنظيم التشريعي لحق الملكية، حائلاً دون
استعمالها اقتصادياً في الأغراض المقصودة منها، أو معطلاً كل خيار لأصحابها في توجيهها
إنتاجياً وفق ما يقدرون أنه أكفل لمصالحهم.
ولا يجوز أن يقال عندئذ بأن للدولة مصلحة مشروعة في هذا التنظيم، من خلال ترتيبها لأوضاع
تتصل بتطوير مجتمعها، واستثارة ملامحها الإيجابية، ذلك أن مشروعية المصلحة حدها قواعد
الدستور، إذ هي مدخلها وقاعدة بنيانها، ولا يتصور أن تقوم المصلحة على خلافها، وما
الملكية إلا المزايا التي تنتجها وتتصل بها، فإذا انقض المشرع عليها، كان ذلك تجريداً
لأصحابها منها.
وحيث إن من المقرر كذلك – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن الدساتير المصرية على
تعاقبها تكفل للمواطنين جميعهم تساويهم أمام القانون، ضماناً لتحقيق أغراض بعينها تتمثل
أصلاً في صون حقوق المواطنين وحرياتهم، في مواجهة صور التمييز التي تنال منها هدماً
لمحتواها أو تقييداً لممارستها.
وحيث إن الدستور وإن نص في مادته الأربعين، على حظر التمييز بين المواطنين في أحوال
بذواتها، هي تلك التي يكون التمييز فيها قائماً على أساس من الأصل أو الجنس أو اللغة
أو الدين أو العقيدة، إلا أن إيراد الدستور لصور بذاتها يكون التمييز محظوراً فيها،
يبلور شيوعها عملاً، ولا يشي البتة باستناده إليها دون غيرها، وإلا جاز التمييز بين
المواطنين فيما عداها مما لا يقل خطراً مضموناً وأثراً، كتفضيل بعضهم على بعض بناء
على المولد أو الثروة أو المركز الاجتماعي، أو العصبية القبلية، أو على أساس من ميولهم
وآرائهم، أو لغير ذلك من صور التمييز التي تنفصل عن أسسها الموضوعية. ولا يتصور بالتالي
أن يكون الدستور قد قصد إلى حمايتها، ولا أن تقرها السلطة التشريعية في مجال تنظيمها
للحقوق والحريات على اختلافها. ولا يجوز كذلك أن يكون إعمال السلطة التنفيذية – في
مجال مباشرتها لاختصاصاتها الدستورية – لمبدأ تساويهم أمام القانون، كاشفاً عن نزواتها،
ولا منبئاً عن اعتناقها لأوضاع جائرة تثير ضغائن أو أحقاد تنقلب بها ضوابط سلوكها،
ولا هشيماً معبراً عن سطوتها، بل يتعين أن يكون موقفها اعتدالاً في مجال تعاملها مع
المواطنين، فلا تمايز بينهم إملاء أو عسفاً.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان الاستيلاء على أموال بذواتها – وكلما كان موقوتاً – يعتبر
صحيحاً ما ظل مرتبطاً بأغراض ضمان توفير المواد التموينية مع توزيعها عدلاً بين من
يطلبونها. فإذا صار الاستيلاء مؤبداً، كان تقريره على الأموال التي تعلق بها منطوياً
على حرمان أصحابها منها دون غيرهم من المواطنين الذين يملكون وفقاً للدستور فرص استعمالها
واستغلالها بل ونقل ملكيتها إلى آخرين، فلا تعود ثمارها ومنتجاتها وملحقاتها لسواهم.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن الأصل في العمل أن يكون إرادياً قائماً على
الاختيار الحر، فلا يُحمل عليه المواطن حملاً، إلا أن يكون ذلك تدبيراً استثنائياً
مقرراً بقانون، ومستنداً إلى دواع تقتضيها الخدمة العامة، وبمقابل عادل؛ وكان ذلك مؤداه
أن العمل – وكلما فُرض جبراً – يتعين أن يكون موقوتاً، فإذا صار مؤبداً، تعذر أن يكون
مبرراً بالضرورة أياً كان مداها، وغدا لوناً من السخرة إلى دمغها الدستور لمجافاتها
للحق في العمل باعتباره شرفاً؛ وكانت السلطة التي خولها المشرع لوزير التموين تتضمن
– بين ما تشمل عليه – إمكان قهره لأي فرد على أداء عمل لا يرضاه، ولو صار تكليفه بذلك
دائماً، فإن المشرع يكون قد جاوز بمداها الحدود التي رخص الدستور بالعمل الإلزامي في
نطاقها.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكان المشرع قد نقض – بالنصوص المطعون عليها – الأحكام التي
تضمنتها المواد 13 و32 و34 و40 من الدستور، فإن تقرير بطلانها يكون لازماً.
وحيث إن الفقرتين الأولى والثالثة من قرار وزير التموين المشار إليه، مرتبطتان بفقرتها
الثانية ارتباطاً لا يقبل التجزئة، فإنهما تسقطان – في مجال تطبيقهما على ملاك العقارات
الكائنة بها منشآت خدمة السيارات أو بيع المواد البترولية – تبعاً للحكم بإبطالها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة:
أولاً: بعدم دستورية ما تضمنه البند (هـ) من المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 95
لسنة 1945 الخاص بشئون التموين. من جواز الاستيلاء على أي عقار أو تكليف أي فرد بأي
عمل لمدة غير محددة.
ثانياً: بعدم دستورية ما نصت عليه الفقرة الثانية من المادة 12 من قرار وزير التموين
والتجارة الداخلية رقم 250 لسنة 1986 في شأن القواعد المنظمة لتداول المواد البترولية،
من حظر تغيير ملاك العقارات الكائنة بها محطات خدمة السيارات أو محال بيع المواد البترولية
بكافة أنواعها لنشاطها الأصلي بعد إنهاء أو انتهاء عقود استئجارها، وكذلك تركهم لها
دون مستغل يكفل استمرار العمل بها على الوجه المعتاد.
ثالثاً: بإلزام الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة
