قاعدة رقم الطعن رقم 144 لسنة 18 قضائية “دستورية” – جلسة 01 /09 /1997
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الثامن
من أول يوليو 1996 حتى آخر يونيو 1998 – صـ 809
جلسة 1 سبتمبر سنة 1997
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: نهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 144 لسنة 18 قضائية "دستورية"
1 – رقابة على الدستورية "محلها" – المحكمة الدستورية العليا.
تعلق الولاية التي تباشرها هذه المحكمة في مجال الرقابة على الدستورية بالنصوص القانونية
أياً كانت – غاية هذه الرقابة هو رد النصوص القانونية المطعون فيها إلى أحكام الدستور
– انحصار محل هذه الرقابة في القانون بمعناه الموضوعي محدداً على ضوء كل قاعدة قانونية
سواء أقرتها السلطة التشريعية أو أصدرتها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها الدستورية.
2 – دعوى دستورية "مصلحة شخصية مباشرة: مناطها".
مناط المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – أن تتوافر ثمة علاقة
منطقية بينها وبين المصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي – ذلك بأن يكون الفصل في
المسائل الدستورية لازماً للفصل فيما يرتبط بها من الطلبات الموضوعية.
3 – تنظيم الحقوق – سلطة تقديرية "قيود" – حقوق.
الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور
ممارستها بضوابط معينة – من غير الجائز أن تنال القواعد القانونية الصادرة من أي من
السلطتين التشريعية أو التنفيذية من الحقوق التي كفل الدستور أصلها.
4 – دستور "مبدأ مساواة المرأة بالرجل".
إقرار الدستور – في مادتيه 11، 40 – مبدأ مساواة المرأة بالرجل – كفالة الدولة التوفيق
بين واجبات المرأة نحو أسرتها وعملها في مجتمعها – مساواتها بالرجل في ميادين الحياة
السياسية والاقتصادية والاجتماعية دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية – عدم جواز التمييز
بينهما في حقوقهم وحرياتهم.
5 – دستور "فرص – علاقة منطقية".
مناط مشروعية النفاذ إلى الفرص التي كفلها الدستور للمواطنين فيما بينهم تلك العلاقة
المنطقية التي تربطها بأهدافها – من غير الجائز حجب الفرص عمن يستحقها.
6 – علاقة زوجية "آثارها – حقوق أطرافها".
ليس من آثار العلاقة الزوجية الحرمان من حقوق لا شأن لها بها – عدم جواز اختلاط حقوق
أطرافها ببعضها – لا يحل أحد الزوجين في الحقوق التي يطلبها مكان غيره.
7 – دستور "عمل المرأة".
عمل المرأة في مجتمعها من الحقوق التي كفلها الدستور بمراعاة التوفيق بين هذا العمل
وواجباتها قبل أسرتها.
8 – دستور – ملكية خاصة "حماية".
امتداد الحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة إلى فرص كسبها – عدم جواز تقييد
هذه الفرص – إلا لضرورة تقتضيها مصلحة مشروعة.
9 – دستور "تضامن اجتماعي".
مؤدى تأسيس المواطنين لمجتمعهم على قاعدة التضامن الاجتماعي – وفقاً للدستور – تداخل
مصالحهم وإمكان التوفيق بينها ومزوجتها ببعضها عند تعارضها.
10 – تشريع "قرار وزير الزراعة رقم 324 لسنة 1991: إخلال بمبدأ تكافؤ الفرص".
ما قرره القرار المشار إليه من حرمان أحد الزوجين من الأرض الزراعية التي طلبها لمجرد
أن الزوج الآخر كان أسبق إلى الانتفاع بمثلها يخل بمبدأ تكافؤ الفرص.
1 – قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن الولاية التي تباشرها في مجال الرقابة على الدستورية،
إنما تتعلق بالنصوص القانونية أياً كان محلها أو موضوعها أو نطاق تطبيقها أو السلطة
التي أقرتها أو أصدرتها؛ وأن غايتها رد النصوص القانونية المطعون عليها إلى أحكام الدستور
تثبتاً من اتفاقها أو اختلافها معها، فلا يتمثل محل هذه الرقابة إلا في القانون بمعناه
الموضوعي، محدداً على ضوء كل قاعدة قانونية يرتبط مجال إعمالها بتعدد تطبيقاتها، سواء
أقرتها السلطة التشريعية أو أصدرتها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها التي ناطها
الدستور بها. وهو ما يعني انتفاء تخصيصها، فلا تتقيد بحالة بذاتها تستنفد بها القاعدة
القانونية مجال تطبيقها، ولا بشخص معين يستغرق نطاق سريانها. متى كان ذلك، وكان القرار
المطعون فيه ينظم تمليك العاملين بهيئة القطاع العام للتنمية الزراعية وشركاتها، لأراض
زراعية تخصها، فإنه بذلك يكون منصرفاً إليهم في مجموعهم، منظماً شروط الحصول عليها
من خلال قواعد قانونية مجردة ينحل مضمونها إلى لائحة تنبسط عليها الرقابة القضائية
التي تباشرها هذه المحكمة، عملاً بنص المادة 175 من الدستور.
2 – المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن تتوافر
ثمة علاقة منطقية بينها وبين المصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون
الفصل في المسائل الدستورية التي تُدعى هذه المحكمة لنظرها، لازماً للفصل فيما يرتبط
بها من الطلبات الموضوعية؛ وكانت المدعية لا تتوخى بنزاعها الموضوعي أكثر من تمليكها
قطعة أرض زراعية دون تقيد بسبق انتفاع زوجها – وهو من العاملين السابقين بجهة التمليك
– بمثلها، فإن مصلحتها في الدعوى الدستورية – وبقدر اتصالها بالنصوص التي تضمنها القرار
المطعون فيه – تنحصر فيها اشتمل عليه هذا القرار من حرمان أحد الزوجين من الحصول من
الجهة التي يعمل بها على أرض زراعية، إذا كان الزوج الآخر قد أفاد من هذه الميزة. ذلك
أن هذه القاعدة دون غيرها، هي التي أضر تطبيقها بالمدعية، وهي التي يتصور إخلالها بالحقوق
والمراكز الذاتية التي تدعيها، فلا يتحدد نطاق طعنها بعيداً عنها.
3 – الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور
ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتعتبر تخوماً لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها؛ وكان
الدستور إذ يعهد إلى أي من السلطتين التشريعية والتنفيذية بتنظيم موضوع معين، فإن القواعد
القانونية التي تصدر عن أيتهما في هذا النطاق، لا يجوز أن تنال من الحقوق التي كفل
الدستور أصلها سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، وإلا كان ذلك عدواناً على مجالاتها
الحيوية من خلال إهدارها أو تهميشها.
4 – الدستور تضمن مادتين تقيمان مبدأ مساواة المرأة بالرجل؛ أولاهما مادته الحادية
عشرة التي تكفل الدولة بمقتضاها التوفيق بين واجبات المرأة نحو أسرتها وعملها في مجتمعها،
وكذلك مساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ودون إخلال
بأحكام الشريعة الإسلامية؛ وثانيتهما مادته الأربعون التي حظر الدستور بموجبها التمييز
بين الرجل والمرأة سواء في مجال حقوقهم أو حرياتهم، على أساس من الجنس، بما مؤداه تكامل
هاتين المادتين واتجاههما لتحقيق الأغراض عينها، ذلك أن الأصل في النصوص التي يتضمنها
الدستور، تساندها فيما بينها، واتفاقها مع بعضها البعض في صون القيم والمثل العليا
التي احتضنها الدستور. ولا يتصور بالتالي تعارضها أو تماحيها، ولا علو بعضها على بعض،
بل تجمعها تلك الوحدة العضوية التي تقيم من بنيانها نسيجاً متضافراً يحول دون تهادمها.
5 – إن الفرص التي كفلها الدستور للمواطنين فيما بينهم، تفترض تكافؤها؛ وتدخل الدولة
إيجابياً لضمانها وفق إمكاناتها؛ وتزاحم من يطلبونها عليها واستباقهم للفوز بها؛ وضرورة
ترتيبهم بالتالي فيما بينهم على ضوء قواعد يمليها التبصر والاعتدال؛ وهو ما يعني أن
موضوعية شروط النفاذ إليها، مناطها تلك العلاقة المنطقية التي تربطها بأهدافها – وبافتراض
مشروعيتها – فلا تنفصل عنها. ولا يجوز بالتالي حجبها عمن يستحقها، ولا إنكارها لاعتبار
لا يتعلق بطبيعتها ولا بمتطلباتها.
6 – من المقرر أن للعلائق الزوجية بنيانها وآثارها التي لا يندرج تحتها أن يكون الدخول
فيها سبباً للحرمان من حقوق لا شأن لها بها، ولا يصور أن تتولد عنها، ولا أن تكون من
روافدها، كتلك التي يستمدها أحد الزوجين من رابطة العمل ذاتها في الجهة التي كان يعمل
بها، وأخصها ما تعلق منها بأراض زراعية تمتلكها هذه الجهة وتوزعها على العاملين فيها
وفقاً لقواعد حددتها سلفاً، يُفْتَرض أن تكون قد صاغتها إنصافاً، فلا يكون تطبيقها
في شأنهم مشوباً بتمييز ينال من أصل الحق فيها.
إن الزوجين وإن تكاملا من خلال الأسرة التي تجمعهما؛ وكان امتزاجهما في وحدة يرتضيانها
بما يرعى حدودها ويصون مقوماتها، مؤداه أن يظل نبتها مترامياً على طريق نمائها، وعبر
امتداد زمنها؛ وكانت علاقة الزوجية – بأوصافها تلك – عقدة لا تنفصم عراها أو تهن صلابتها،
وتصل روابطها في خصوصيتها إلى حد تقديسها، إلا أن حقوق أطرافها لا تختلط ببعضها، ولا
يجوز فصلها عن استقلال من دخل فيما بوجوده وبعقوده، فلا يحل أحدهما – في الحقوق التي
يطلبها – مكان غيره. بل يكون لكل من أطرافها دائرة من الحقوق لها ذاتيتها، يعتصم بها
ولا يُرد عنها. وكان ينبغي بالتالي أن يكون الحصول على الأرض الزراعية حقاً لكل زوج
استوفى شروط طلبها. فإذا جرد المشرع أحدهما منها لسبق حصول الآخر عليها، كان ذلك إخلالاً
بفرصتها التي يقوم الحق فيها بمجرد توافر شروط النفاذ إليها، وتمييزاً جائزاً دستورياً
بين شخصين يقفان من الجهة التي عملا بها في مركز قانوني واحد، ويستقلان كذلك – في شخصيتهما
القانونية والآثار التي يرتبها القانون على ثبوتها – عن بعضهما البعض.
7 – من المقرر كذلك أن عمل المرأة في مجتمعها – وأياً كانت الصورة التي يتخذها – من
الحقوق التي كفلها الدستور لها بمراعاة التوفيق بين هذا العمل وواجباتها قبل أسرتها.
فإذا منعها المشرع هي أو زوجها من الانتفاع بأرض زراعية لسبق حصول أيهما عليها من الجهة
التي يعملان بها، فإن القول بتكافئهما في الفرص التي أتاحتها هذه الجهة لنيلها، أو
بتساويهما في شروط النفاذ إليها، ينحل بهتاناً يؤيده أن النص المطعون فيه، ما كفل للعاملين
ميزة الحصول على أراض زراعية تملكها جهة عملهم، وتقوم بتوزيعها عليهم، بعيداً عن الأغراض
التي ربطها بها، وأخصها استثارة اهتمامهم بالتنمية الزراعية تطويراً لها. ولا يلتئم
وهذه الأغراض، إنكار حق أحد الزوجين في تلك الميزة، ولو كان مستوفياً شرائطها، وكان
بصره بالتنمية الزراعية وبأسبابها حديداً. ولا يجوز بالتالي أن يكون الأسبق منهما إلى
طلبها، مُسْتَبْعِداً – تفضيلاً – من يلوذ بها من بعده، وإلا كان هذا الإيثار عدواناً
مبيناً.
8 – ضمان الدستور للحق في الملكية الخاصة – على ما تقضي به المادتان 32 و34 من الدستور
– لا يقتصر على صون ما يكون قائماً فعلاً من مصادرها، وإنما تمتد الحماية التي كفلها
لهذه الملكية إلى فرص كسبها – والأصل فيها هو الإطلاق – فلا يجوز تقييدها دون ما ضرورة
تقتضيها مصلحة مشروعة، ويندرج تحتها قيد الحد الأقصى المقرر في شأن الملكية الزراعية
عملاً بنص المادة 37 من الدستور التي قصد بها أن يؤمن الفلاح والعامل الزراعي من صور
الاستغلال على اختلافها. والعاملون بجهات التمليك من الكادحين غالباً، وفرصهم التي
أتاحها المشرع للحصول منها على أراض زراعية، هي الطريق لتملكها وتنميتها، فإذا أغلق
اعتسافاً من دون أحدهم، كان ذلك إخلالاً بفرص كسبها.
والقول بأن الفرص التي أتاحها المشرع للحصول على أرض زراعية، محدودة بطبيعتها، فلا
يكون مخالفاً للدستور تنظيم استحقاقها، مردود أولاً: بأن علائق الزوجية تتردد بين زوالها
وبقائها، فلا يجوز أن يكون استمرارها سبباً لحرمان أحد طرفيها من حقوق أنتجتها رابطة
العمل، ولا فصمها حائلاً دون طلبها بالكامل، ولا إنكارها على من يدعيها كلما كان مستوفياً
لشروط اقتضائها. بيد أن النص المطعون فيه أثبتها لزوج كان أسبق إلى الحصول عليها، ونفاها
عن الزوج الآخر إذا طلبها من بعده، وعطلها كذلك بالنسبة إليه حتى بعد فراقهما إذا كان
قد أحيل إلى التقاعد أو تخلي عن وظيفته بالجهة التي كان يعمل بها، قبل أن يحصل منها
على تلك الميزة.
9 – تأسيس المواطنين لمجتمعهم على قاعدة التضامن الاجتماعي وفقاً لنص المادة 7 من الدستور،
مؤداه تداخل مصالحهم لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها ببعض عند تعارضها
بما يرعي القيم التي يؤمنون بها، فلا يتقدم على ضوئها فريق على غيره انتهازاً، ولا
ينال قدراً من الحقوق يكون بها – دون مقتض – أكثر امتيازاً من سواه، بل يتمتعون جميعاً
بالحقوق عينها – التي تتكافأ مراكزهم القانونية قبلها – وبالوسائل ذاتها التي تُعينهم
على ممارستها.
10 – الفرص التي هيأها المشرع للعاملين في التنمية الزراعية – وأياً كان عددها – ينبغي
دوماً أن تتحدد وفقاً لأسس موضوعية لا تتباين تطبيقاتها. وما حرص عليه النص المطعون
من ألا يزيد ما يخص كل أسرة من الأرض الزراعية عن إحدى قطعها، وأن يستقل بها الزوج
الأسبق إلى طلبها، مؤداه لا مجرد تقرير أولوية يتقدم بها على الزوج الآخر وفقاً لضوابط
موضوعية؛ بل إقصاؤه تماماً عن فرص الحصول على أرض من جنسها ونوعها، فلا يكون الحرمان
منها عرضياً أو موقوتاً، ولا متصلاً بقواعد منطقية تطبقها جهة عملهم في شأن من يطلبونها،
بل إهداراً دائماً للحق فيها ما بقى زوج لم يظفر بها لسبق حصول الآخر عليها، طرفا في
الأسرة التي تجمعهما.
الإجراءات
بتاريخ السادس عشر من ديسمبر سنة 1966، ورد قلم كتاب المحكمة الحكم
الصادر بجلسة 4/ 9/ 1996 من محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية في الدعوى رقم 2095 لسنة
48 قضائية؛ قاضياً بوقف الدعوى وبإحالة أوراقها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل
في دستورية بعض أحكام قرار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي رقم 324 لسنة 1991.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعية
كانت قد أقامت الدعوى رقم 2010 لسنة 13 قضائية أمام محكمة القضاء الإداري بالمنصورة،
طالبة فيها الحكم بوقف تنفيذ، ثم بإلغاء قرار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي رقم 324
لسنة 1991، وذلك فيها نص عليه من حرمان أحد الزوجين من الانتفاع بأرض زراعية إذا كان
الزوج الآخر سبق أن أفاد من هذه الميزة؛ وكذلك من تحديد حصة للمرأة العاملة في الأرض
الزراعية لا تزيد على 50% من الحصة التي يمكن أن يحصل الرجال عليها، مع ما يترتب على
ذلك من آثار أخصها أحقيتها في تملك أرض زراعية مقابل تركها لوظيفتها أسوة بزملائها
من الرجال، قولاً منها بأنها تشغل وظيفة مدير عام بهيئة القطاع العام للتنمية الزراعية
التي حلت محلها المدعى عليها الثانية – الشركة القابضة للتنمية الزراعية – وأنه إثر
صدور القرار المطعون فيه، تقدمت بطلب تمليكها أرضاً زراعية مقابل تخليها عن وظيفتها،
إلا أن طلبها قوبل بالرفض، وكذلك تظلمها من قرار رفض طلبها، رغم أن سبق انتفاع زوجها
بقطعة أرض زراعية من تلك التي توزعها الهيئة على من يستقيلون من عمالها من وظائفهم،
ما كان يجب أن يحول دون انتفاعها – بعد قضائها زهاء ثلاثين عاماً في خدمتها – بالميزة
ذاتها.
وبتاريخ 17/ 12/ 1994 قضت تلك المحكمة بعدم اختصاصها محلياً بنظر الدعوى، وبإحالتها
إلى محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية، حيث قيدت بجدولها برقم 2095 لسنة 48 قضائية.
وبجلستها المعقودة في 4/ 9/ 1996 انتهت المحكمة إلى وقف دعوى المدعية مع إحالة أوراقها
إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية ثلاثة نصوص تضمنها القرار المطعون فيه؛
والتي دل أولها على أنه إذا كان العامل وزوجته ممن يعملون بجهة أو جهات التمليك، فلا
يجوز تمليك إلا أحدهم؛ وقضى ثانيها بأن سبق انتفاع أحد الزوجين بأرض زراعية يحول دون
انتفاع الزوج الآخر بمثلها؛ وقرر ثالثها تملك السيدات من غير العاملات حصة مقدارها
50% من حصة الرجال، إذا كان أزواجهن من غير العاملين بجهات التمليك، بما تنطوي عليه
هذه النصوص جميعها – في مذهبها – من تقييد لحق المرأة في التملك رغم استقلال ذمتها
المالية عن زوجها، وكذلك من إهدار لتساويها في الحق مع غيرها من المواطنين.
وحيث إن قرار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي رقم 324 لسنة 1991، قد نص في مادته الأولى
على أن "يتم تمليك الراغبين من العاملين بهيئة القطاع العام للتنمية الزراعية وشركاتها
أراضي زراعية وفقاً للأسس والقواعد التالية:
( أ ) شروط الانتفاع بالتمليك:
– ……….
– ……….
– إذا كان العامل وزوجته ممن يعملون بجهة أو جهات التمليك فلا يجوز تمليك إلا أحدهم
فقط. وفي هذه الحالة يحصل أيهما على حصة تمليك كاملة.
– في حالة سابقة انتفع أحد الزوجين بأرض زراعية فلا يحق للطرف الآخر الانتفاع مرة أخرى.
(ب) حصص التمليك:
– ………
– إذا كان العامل من السيدات أو الآنسات وأزواجهم من غير العاملين بجهات التمليك يملكون
50% من حصة الرجال.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن الولاية التي تباشرها في مجال الرقابة على
الدستورية، إنما تتعلق بالنصوص القانونية أياً كان محلها أو موضوعها أو نطاق تطبيقها
أو السلطة التي أقرتها أو أصدرتها؛ وأن غايتها رد النصوص القانونية المطعون عليها إلى
أحكام الدستور تثبتاً من اتفاقها أو اختلافها معها، فلا يتمثل محل هذه الرقابة إلا
في القانون بمعناه الموضوعي، محدداً على ضوء كل قاعدة قانونية يرتبط مجال إعمالها بتعدد
تطبيقاتها، سواء أقرتها السلطة التشريعية أو أصدرتها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها
التي ناطها الدستور بها. وهو ما يعني انتفاء تخصيصها، فلا تتقيد بحالة بذاتها تستنفد
بها القاعدة القانونية مجال تطبيقها، ولا بشخص معين يستغرق نطاق سريانها. متى كان ذلك،
وكان القرار المطعون فيه ينظم تمليك العاملين بهيئة القطاع العام للتنمية الزراعية
وشركاتها، لأراض زراعية تخصها، فإنه بذلك يكون منصرفاً إليهم في مجموعهم، منظماً شروط
الحصول عليها من خلال قواعد قانونية مجردة ينحل مضمونها إلى لائحة تنبسط عليها الرقابة
القضائية التي تباشرها هذه المحكمة، عملاً بنص المادة 175 من الدستور.
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن تتوافر
ثمة علاقة منطقية بينها وبين المصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون
الفصل في المسائل الدستورية التي تُدعى هذه المحكمة لنظرها، لازماً للفصل فيما يرتبط
بها من الطلبات الموضوعية؛ وكانت المدعية لا تتوخى بنزاعها الموضوعي أكثر من تمليكها
قطعة أرض زراعية دون تقيد بسبق انتفاع زوجها – وهو من العاملين السابقين بجهة التمليك
– بمثلها، فإن مصلحتها في الدعوى الدستورية – وبقدر اتصالها بالنصوص التي تضمنها القرار
المطعون فيه – تنحصر فيها اشتمل عليه هذا القرار من حرمان أحد الزوجين من الحصول من
الجهة التي يعمل بها على أرض زراعية، إذا كان الزوج الآخر قد أفاد من هذه الميزة. ذلك
أن هذه القاعدة دون غيرها، هي التي أضر تطبيقها بالمدعية، وهي التي يتصور إخلالها بالحقوق
والمراكز الذاتية التي تدعيها، فلا يتحدد نطاق طعنها بعيداً عنها.
وحيث إن ما تثيره هيئة قضايا الدولة بمذكرتها.. المؤرخة في 29/ 6/ 1997 من أنه بعد
تحول هيئة القطاع العام للتنمية الزراعية إلى الشركة القابضة للتنمية الزراعية، لم
يعد ثمة محل لتطبيق القرار الوزاري المطعون فيه، فضلاً عن عدم وجود أرض زراعية يمكن
تخصيصها لها، مردود أولاً: بأن العاملين الذين ينقلون من جهات عملهم الأصلية إلى الشركات
القابضة، إنما يستصحبون المزايا التي قررتها القوانين واللوائح التي كان معمولاً بها
قبل نقلهم ما لم يلغها المشرع بنصوص واضحة دلالتها، ومردود ثانياً: بأن ما يثار حول
وجود أراض زراعية يمكن توزيعها، أو نضوبها، إنما ينحل جدلاً موضوعياً مما تختص محكمة
الموضوع بالفصل فيه.
وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد
الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتعتبر تخوماً لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها؛
وكان الدستور إذ يعهد إلى أي من السلطتين التشريعية والتنفيذية بتنظيم موضوع معين،
فإن القواعد القانونية التي تصدر عن أيتهما في هذا النطاق، لا يجوز أن تنال من الحقوق
التي كفل الدستور أصلها سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، وإلا كان ذلك عدواناً
على مجالاتها الحيوية من خلال إهدارها أو تهميشها.
وحيث إن الدستور تضمن مادتين تقيمان مبدأ مساواة المرأة بالرجل؛ أولاهما مادته الحادية
عشرة التي تكفل الدولة بمقتضاها التوفيق بين واجبات المرأة نحو أسرتها وعملها في مجتمعها،
وكذلك مساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية ودون إخلال
بأحكام الشريعة الإسلامية؛ وثانيتهما مادته الأربعون التي حظر الدستور بموجبها التمييز
بين الرجل والمرأة سواء في مجال حقوقهم أو حرياتهم، على أساس من الجنس، بما مؤداه تكامل
هاتين المادتين واتجاههما لتحقيق الأغراض عينها، ذلك أن الأصل في النصوص التي يتضمنها
الدستور، تساندها فيما بينها، واتفاقها مع بعضها البعض في صون القيم والمثل العليا
التي احتضنها الدستور. ولا يتصور بالتالي تعارضها أو تماحيها، ولا علو بعضها على بعض،
بل تجمعها تلك الوحدة العضوية التي تقيم من بنيانها نسيجاً متضافراً يحول دون تهادمها.
وحيث إن الفرص التي كفلها الدستور للمواطنين فيما بينهم، تفترض تكافؤها؛ وتدخل الدولة
إيجابياً لضمانها وفق إمكاناتها؛ وتزاحم من يطلبونها عليها واستباقهم للفوز بها؛ وضرورة
ترتيبهم بالتالي فيما بينهم على ضوء قواعد يمليها التبصر والاعتدال؛ وهو ما يعني أن
موضوعية شروط النفاذ إليها، مناطها تلك العلاقة المنطقية التي تربطها بأهدافها – وبافتراض
مشروعيتها – فلا تنفصل عنها. ولا يجوز بالتالي حجبها عمن يستحقها، ولا إنكارها لاعتبار
لا يتعلق بطبيعتها ولا بمتطلباتها.
وحيث إن من المقرر أن للعلائق الزوجية بنيانها وآثارها التي لا يندرج تحتها أن يكون
الدخول فيها سبباً للحرمان من حقوق لا شأن لها بها، ولا يتصور أن تتولد عنها، ولا أن
تكون من روافدها، كتلك التي يستمدها أحد الزوجين من رابطة العمل ذاتها في الجهة التي
كان يعمل بها، وأخصها ما تعلق منها بأراض زراعية تمتلكها هذه الجهة وتوزعها على العاملين
فيها وفقاً لقواعد حددتها سلفاً، يُفْتَرض أن تكون قد صاغتها إنصافاً، فلا يكون تطبيقها
في شأنهم مشوباً بتمييز ينال من أصل الحق فيها.
وحيث إن ما قرره النص المطعون فيه من حرمان أحد الزوجين من الأراضي الزراعية التي طلبها،
لمجرد أن الزوج الآخر كان أسبق إلى الانتفاع بمثلها، مؤداه أن المشرع تذرع بانضمامهما
إلى أسرة واحدة – يقوم صحيح بنيانها على تضافر أعضائها وتعاونهم – ليجرد أحدهما من
ميزة يستحقها.
وحيث إن الزوجين وإن تكاملا من خلال الأسرة التي تجمعهما؛ وكان امتزاجهما في وحدة يرتضيانها
بما يرعى حدودها ويصون مقوماتها، مؤداه أن يظل نبتها مترامياً على طريق نمائها، وعبر
امتداد زمنها؛ وكانت علاقة الزوجية – بأوصافها تلك – عقدة لا تنفصم عراها أو تهن صلابتها،
وتصل روابطها في خصوصيتها إلى حد تقديسها، إلا أن حقوق أطرافها لا تختلط ببعضها، ولا
يجوز فصلها عن استقلال من دخل فيما بوجوده وبعقوده، فلا يحل أحدهما – في الحقوق التي
يطلبها – مكان غيره. بل يكون لكل من أطرافها دائرة من الحقوق لها ذاتيتها، يعتصم بها
ولا يُرد عنها. وكان ينبغي بالتالي أن يكون الحصول على الأرض الزراعية حقاً لكل زوج
استوفى شروط طلبها. فإذا جرد المشرع أحدهما منها لسبق حصول الآخر عليها، كان ذلك إخلالاً
بفرصتها التي يقوم الحق فيها بمجرد توافر شروط النفاذ إليها، وتمييزاً جائزاً دستورياً
بين شخصين يقفان من الجهة التي عملا بها في مركز قانوني واحد، ويستقلان كذلك – في شخصيتهما
القانونية والآثار التي يرتبها القانون على ثبوتها – عن بعضهما البعض.
وحيث إن من المقرر كذلك أن عمل المرأة في مجتمعها – وأياً كانت الصورة التي يتخذها
– من الحقوق التي كفلها الدستور لها بمراعاة التوفيق بين هذا العمل وواجباتها قبل أسرتها.
فإذا منعها المشرع هي أو زوجها من الانتفاع بأرض زراعية لسبق حصول أيهما عليها من الجهة
التي يعملان بها، فإن القول بتكافئهما في الفرص التي أتاحتها هذه الجهة لنيلها، أو
بتساويهما في شروط النفاذ إليها، ينحل بهتاناً يؤيده أن النص المطعون فيه، ما كفل للعاملين
ميزة الحصول على أراض زراعية تملكها جهة عملهم، وتقوم بتوزيعها عليهم، بعيداً عن الأغراض
التي ربطها بها، وأخصها استثارة اهتمامهم بالتنمية الزراعية تطويراً لها. ولا يلتئم
وهذه الأغراض، وإنكار حق أحد الزوجين في تلك الميزة، ولو كان مستوفياً شرائطها، وكان
بصره بالتنمية الزراعية وبأسبابها حديداً. ولا يجوز بالتالي أن يكون الأسبق منهما إلى
طلبها، مُسْتَبْعِداً – تفضيلاً – من يلوذ بها من بعده، وإلا كان هذا الإيثار عدواناً
مبيناً.
وحيث إن ضمان الدستور للحق في الملكية الخاصة – على ما تقضي به المادتان 32 و34 من
الدستور – لا يقتصر على صون ما يكون قائماً فعلاً من مصادرها، وإنما تمتد الحماية التي
كفلها لهذه الملكية إلى فرص كسبها – والأصل فيها هو الإطلاق – فلا يجوز تقييدها دون
ما ضرورة تقتضيها مصلحة مشروعة، ويندرج تحتها قيد الحد الأقصى المقرر في شأن الملكية
الزراعية عملاً بنص المادة 37 من الدستور التي قصد بها أن يؤمن الفلاح والعامل الزراعي
من صور الاستغلال على اختلافها. والعاملون بجهات التمليك من الكادحين غالباً، وفرصهم
التي أتاحها المشرع للحصول منها على أراض زراعية، هي الطريق لتملكها وتنميتها، فإذا
أغلق اعتسافاً من دون أحدهم، كان ذلك إخلالاً بفرص كسبها.
وحيث إن القول بأن الفرص التي أتاحها المشرع للحصول على أرض زراعية، محدودة بطبيعتها،
فلا يكون مخالفاً للدستور تنظيم استحقاقها، مردود أولاً: بأن علائق الزوجية تتردد بين
زوالها وبقائها، فلا يجوز أن يكون استمرارها سبباً لحرمان أحد طرفيها من حقوق أنتجتها
رابطة العمل، ولا فصمها حائلاً دون طلبها بالكامل، ولا إنكارها على من يدعيها كلما
كان مستوفياً لشروط اقتضائها. بيد أن النص المطعون فيه أثبتها لزوج كان أسبق إلى الحصول
عليها، ونفاها عن الزوج الآخر إذا طلبها من بعده، وعطلها كذلك بالنسبة إليه حتى بعد
فراقهما إذا كان قد أحيل إلى التقاعد أو تخلى عن وظيفته بالجهة التي كان يعمل بها،
قبل أن يحصل منها على تلك الميزة.
ومردود ثانياً: بأن تأسيس المواطنين لمجتمعهم على قاعدة التضامن الاجتماعي وفقاً لنص
المادة 7 من الدستور، مؤداه تداخل مصالحهم لا تصادمها، وإمكان التوفيق بينها ومزاوجتها
ببعض عند تعارضها بما يرعى القيم التي يؤمنون بها، فلا يتقدم على ضوئها فريق على غيره
انتهازاً، ولا ينال قدراً من الحقوق يكون بها – دون مقتض – أكثر امتيازاً من سواه،
بل يتمتعون جميعاً بالحقوق عينها – التي تتكافأ مراكزهم القانونية قبلها – وبالوسائل
ذاتها التي تُعينهم على ممارستها.
ومردود ثالثاً: بأن الفرص التي هيأها المشرع للعاملين في التنمية الزراعية – وأياً
كان عددها – ينبغي دوماً أن تتحدد وفقاً لأسس موضوعية لا تتباين تطبيقها. وما حرص عليه
النص المطعون من ألا يزيد ما يخص كل أسرة من الأرض الزراعية عن إحدى قطعها، وأن يستقل
بها الزوج الأسبق إلى طلبها، مؤداه لا مجرد تقرير أولوية يتقدم بها على الزوج الآخر
وفقاً لضوابط موضوعية؛ بل إقصاؤه تماماً عن فرص الحصول على أرض من جنسها ونوعها، فلا
يكون الحرمان منها عرضياً أو موقوتاً، ولا متصلاً بقواعد منطقية تطبقها جهة عملهم في
شأن من يطلبونها، بل إهداراً دائماً للحق فيها ما بقى زوج لم يظفر بها لسبق حصول الآخر
عليها، طرفاً في الأسرة التي تجمعهما.
وحيث إنه متى كان ذلك، فإن النص المطعون فيه – وفي حدود المصلحة في الدعوى الماثلة
– يكون مخالفاً لأحكام المواد 7 و8 و32 و34 من الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية قرار وزير الزراعة واستصلاح الأراضي رقم 324 للسنة 1991 وذلك فيما نص عليه من أنه "في حالة سابقة انتفاع أحد الزوجين بأرض زراعية فلا يحق للطرف الآخر الانتفاع مرة أخرى".
