قاعدة رقم الطعن رقم 82 لسنة 17 قضائية “دستورية”لم يتم التعرف على تاريخ الجلسة
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الثامن
من أول يوليو 1996 حتى آخر يونيو 1998 – صـ 693
جلسة 5 يوليو 1997
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 82 لسنة 17 قضائية "دستورية"
1 – دستور "المادة الثانية" – شريعة إسلامية
التزام السلطة التشريعية – وفقاً لحكم المادة الثانية من الدستور وبعد تعديلها في 22/
5/ 1980 – بألا تناقض أحكام ما تقره من نصوص قانونية مبادئ الشريعة الإسلامية المقطوع
بثبوتها ودلالتها.
2 – شريعة إسلامية "اجتهاد"
انحصار دائرة الاجتهاد في الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها.
3 – شريعة إسلامية "الطلاق".
أمر الطلاق بيد الرجل باعتباره أقدر على تحكيم العقل.
4 – شريعة إسلامية "التحكيم: مهمة المحكمين – اجتهاد"
أصل التحكيم عند وقوع شقاق بين الزوجين مرده إلى ما ورد في القرآن الكريم، حدود مهمة
المحكمين – صلحاً أو تفريقاً – تعد من المسائل الاجتهادية، تباين أنظار الفقهاء في
شأنها، رأي البعض بأن عمل المحكمين لا يجاوز السعي إلى التوفيق بين الزوجين ولا يملكان
التفريق إلا بتفويض من الزوج، ورأي آخرون جعلهما حاكمين بأن يقررا الجمع بين الزوجين
أو يفرقا بينهما.
5 – تشريع "نص المادة الحادية عشرة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون
رقم 100 لسنة 1985: لا مخالفة للدستور"
اعتبار النص المشار إليه الحكمين غير مخولين حق التفريق بين الزوجين – عدم مناقضة هذا
الاجتهاد من ولي الأمر حكماً شرعياً قطعياً.
6 – قاعدة قانونية "عدول عنها – أرفقية"
ليس ثمة ما يعصم أية قاعدة قانونية من العدوان عنها – جواز إبدالها بقاعدة جديدة أرفق
بالعباد.
7 – شريعة إسلامية "اجتهاد: حكم العقل"
جواز الاجتهاد في المسائل الاختلافية – إعمال حكم العقل فيما لا نص فيه توصلاً لتقرير
قواعد عملية يقتضيها عدل الله ورحمته – عدم إضفاء قدسية على أقوال أحد من الفقهاء.
8 – شريعة إسلامية "اجتهاد ولي الأمر: حدوده"
لولي الأمر حق الاجتهاد في الأحكام الظنية وربطها بمصالح الناس، استعانته في اجتهاده
بمن يفقهون دينهم، من حقه – عند الخيار بين أمرين – مراعاة أيسرهما ما لم يكن إثماً،
من واجبه ألا يشرع حكماً يضيق على الناس.
9 – دستور "المادة 9" – تشريع "نص المادة 11 من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل
بالقانون رقم 100 لسنة 1985: لا مخالفة للدستور".
مؤدى نص المادة 9 من الدستور أن الأسرة لا يصلحها شقاق مزق تماسكها – إجازة نص المادة
11 التفريق بين زوجين غشيهما نزاع مستحكم لا يكون مخالفاً للدستور.
10 – شريعة إسلامية "الزواج – تفريق"
الزواج علاقة نفسية واجتماعية يرتهن بقاؤها بمودتها – تمزيق أوصال هذه العلاقة بالشحناء
إيهان لها – طلب الزوجة التفريق من زوجها المستبد يكون جزاء وفاقاً.
1، 2 – من المقرر في قضاء هذه المحكمة، أن حكم المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها
في 22 من مايو سنة 1980 – يدل على أن الدستور أوردها ليفرض بمقتضاها – واعتباراً من
تاريخ العمل بهذا التعديل – قيداً على السلطة التشريعية يلزمها فيما تقره من النصوص
القانونية؛ بألا تناقض أحكامها مبادئ الشريعة الإسلامية في أصولها الثابتة – مصدراً
وتأويلاً – بعد أن اعتبرها الدستور مرجعاً ترد إليه هذه النصوص فلا تعارضها؛ باعتبار
أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعاً؛ إذ هي عصية على التعديل،
ولا يجوز الخروج عليه، أو الالتواء بها عن معناها. وتنص ولاية المحكمة الدستورية العليا
في شأنها على مراقبة التقيد بها؛ وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها.
ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها، أو بهما معاً، ذلك أن دائرة
الاجتهاد تنحصر فيها، ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان؛
لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيماً لشئون العباد بما يكفل
مصالحهم المعتبرة شرعاً؛ ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة؛ على أن يكون الاجتهاد
دوماً واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها؛ ملتزماً ضوابطها الثابتة،
متحرياً مناهج الاستدلال على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلاً صون
المقاصد الكلية للشريعة بما تقود عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
3، 4 – الطلاق وإن شرع رحمة من الله بعبادة، وجعل أمره بيد الرجل باعتباره أقدر على
تحكيم العقل وتبصر العاقبة؛ وكان الطلاق من فرق النكاح التي ينحل الزواج الصحيح بها
بلفظ مخصوص صريحاً كان أم كنائياً؛ وكان غالباً ما يقع إذا ما غفا وازع الدين والخلق،
وصار بنيان الأسرة متهادماً، وصرحها متداعياً،ورباطها متآكلاً يكاد أن يندثر؛ وكان
وقوع شقاق استفحل أمره بين الزوجين انحرافاً من أحدهما أو كليهما عن مقاصد الزواج،
يقيم بينهما جفوة في المعاملة لا يكون العدل والإحسان قوامها، بل يذكيها التناحر، فلا
تكون حياتهما إلا سعيراً يمتد أواره إلى الأسرة جميعها، فلا يؤول أمرها إلا هشيماً،
ولا يكون إلفها ووفاقها إلا حسيراً، وكان خلافهما وإن صار عميقاً، ونزاعهما مستحكماً،
لا يحول دون جهد يبذل من جانبها أو من قبل رجلين عدلين من أهلهما إن أمكن، يسعيان بينهما
معروفاً، وينظران في أمرهما ليقيما بينهما حدود الله تعالى، فإن تعذر أن يصلحا ما أختل
من شئونهما، أغنى الله – إن تفرقا – كلاً من سعته. بيد أن الفقهاء مختلفون فيمن يستبد
حينئذ بالتفريق بينهما، ولكل وجهة هو موليها.
أصل التحكيم عند وقوع شقاق بين الزوجين مرده إلى قوله تعالى "وإن خفتم شقاق بينهما،
فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما، إن الله
كان عليماً خبيراً"، وكان الفصل فيما إذا كان الحكمان لا يكلفان إلا بأن يصلحا بين
زوجين استفحل عنادهما وجفاؤهما، أو أنهما مطالبان عند إخفاقهما في ذلك بأن يفرقا بينهما
بمال أو بغير مال، رضيا أم أبيا، لا يندرج تحت المسائل التي حسمتها الشريعة الإسلامية
في مبادئها الكلية المقطوع بثبوتها ودلالتها، فإن حدود مهمتهما تعد من المسائل الاجتهادية
التي يتصور أن تتباين الأنظار في شأنها، فمن نظر من الفقهاء – كأبي حنيفة وأصحابه والظاهرية
والشيعة الإمامية والشافعي في أحد قوليه – إلى أن عمل الحكمين لا يجاوز سعيهما إلى
التوفيق بين زوجين استحكم خلافهما، سلباهما حق التفريق إلا بتفويض من الزوج، استصحاباً
للأصل في الطلاق، وهو معقود بيده إلا أن يوكل غيره فيه، ولأن الحياة الزوجية – في رأيهم
– لا تصفو من شقاق يخالطها عادة، فلا يجوز أن يكون خلافهما أياً كان مداه، سبباً لحل
عقدتها وفصم رابطتها. ومن نحا من الفقهاء إلى جعلهما حاكمين، كالمالكية وأحمد بن حنبل
في إحدى روايتين عنه، يخولانهما أن يقررا في شأن الزوجين ما ينتهيان إليه بعد بحثهما
لأحوالهما، سواء كان قرارهما بجمعهما أم بالتفريق بينهما، على أن يتولى القاضي إمضاء
حكمهما وتنفيذه. وهم يؤسسون اجتهادهم على أن الله تعالى اعتبر المبعوثين حكمين لا وكيلين،
ولو أرادهما وكيلين ما قصرهما على أهله وأهلها. وبعثهما إلى الزوجين غير معلق على قبول
زوجها، ولا يتصور بالتالي أن يكون قد أنابهما عنه في مهمتهما محدداً إطارها. كذلك فإن
اتصال الشقاق بين زوجين واطراد نزاعهما يشي بأن جذوة حياتهما تكاد أن ترتد عن مواقعها،
وأن مضاراً يتعذر احتمالها أو القبول بها، صار أمرها بادياً وأثرها ملحوظاً، فإذا لم
يتدخل زوجها لرفعها، قام الحكمان بدفعها.
5 – النص المطعون فيه – وفي حدود السلطة التي يملكها ولي الأمر لاستنباط الأحكام الشرعية
العملية من أدلتها التفصيلية – نظر إلى الحكمين – لا باعتبارهما مخولين حق التفريق
بين الزوجين، وإنما يكون بعثهما ليحيطا بمظاهر النزاع بينهما، على أن يقفا كذلك على
أسبابها، ثم يحددا بعدئذ من يكون منهما مسيئاً إلى الآخر، وما ينبغي أن يرفع به النزاع
من فرقة دون بدل أو ببدل يكون متناسباً وقدر الإساءة أو نسبتها. ولا يناقض هذا الاجتهاد
من ولي الأمر حكماً قطعياً، بل يقع في دائرة المسائل الخلافية التي تتفرق الآراء من
حولها، والتي لا تتقيد الحلول التشريعية المتعلقة بها بغير ما يكفل للعباد مصالحهم
المعتبرة شرعاً، فلا تكلفهم ما لا يطيقون، أو تقنطهم مما يأملون وفق مقاصد شريعتهم،
وبمراعاة أصولها.
6، 7 – جرى قضاء هذه المحكمة على أن أية قاعدة قانونية ولو كان العمل قد استقر عليها
أمداً، لا تحمل في ذاتها ما يعصمها عن العدول عنها، وإبدالها بقاعدة جديدة لا تصادم
حكماً شرعياً قطعياً. وروداً ودلالة، وتكون في مضمونها أرفق بالعباد، وأحفل بشئونهم،
وأكفل لمصالحهم الحقيقية التي يجوز أن تشرع الأحكام لتحقيقها بما يلائمها، فذلك وحده
طريق الحق والعدل، وهو خير من فساد عريض. ومن ثم ساغ الاجتهاد في المسائل الاختلافية
التي لا يجوز أن تكون أحكامها جامدة بما ينقض كمال الشريعة ومرونتها، ذلك أن إعمال
حكم العقل فيما لا نص فيه، توصلاً لتقرير قواعد عملية يقتضيها عدل الله ورحمته بين
عباده، مرده أن هذه القواعد تسعها الشريعة الإسلامية، إذ هي غير منغلقة على نفسها،
ولا تضفي قدسية على أقوال أحد من الفقهاء في شأن من شئونها، ولا تحول دون مراجعتها
وتقييمها وإبدال غيرها بها بمراعاة المصلحة الحقيقية التي يقوم عليها دليل شرعي. فالآراء
الاجتهادية لا تجاوز حجيتها قدر اقتناع أصحابها بها، ولا يسوع بالتالي اعتبارها شرعاً
ثابتاً متقرراً لا يجوز أن ينقض، وإلا كان ذلك نهياً عن التأمل والتبصر في دين الله
تعالى، وإنكاراً لحقيقة أن الخطأ محتمل في كل اجتهاد. ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد
من الفقهاء، ليس بالضرورة أحق بالإتباع من اجتهاد غيره؛ وربما كان أضعف الآراء سنداً،
أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، ولو كان مخالفاً لأقول استقر عليها العمل زمناً.
8 – الاجتهاد في الأحكام الظنية وربطها بمصالح الناس، عن طريق الأدلة الشرعية – النقلية
منها والعقلية – وإن كان حقاً لأهل الاجتهاد؛ فأولى أن يكون هذا الحق مقرراً لولي الأمر،
ينظر في كل مسألة بخصوصها، بما يناسبها إخماداً للثائرة وإنهاء للتنازع والتناحر وإبطالاً
للخصومة؛ مستعيناً في ذلك كله بمن يفقهون دينهم، ولا يكون عملهم إلا فهماً أعمق لقواعده،
وهو في ذلك لا يتقيد بالضرورة بآراء الآخرين، بل يجوز أن يشرع على خلافها، وأن ينظم
شئون العباد في بيئة بذاتها تستقل بأوضاعها وظروفها الخاصة، بما يرد الأمر المتنازع
عليه إلى الله ورسوله؛ مستلهماً في ذلك حقيقة أن المصالح المعتبرة هي تلك التي تكون
مناسبة لمقاصد الشريعة، متلاقية معها، وهي بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها أو تنحصر تطبيقاتها؛
ولكنها تتحدد تبعاً لما يطرأ عليها من تغيير وتطور. ومن ثم كان حقاً عند الخيار بين
أمرين مراعاة أيسرهما ما لم يكن إثماً؛ وكان واجباً كذلك ألا يشرع ولي الأمر حكماً
يضيق على الناس؛ أو يرهقهم من أمرهم عسراً؛ وإلا كان مصادماً لقوله تعالى: "ما يريد
الله ليجعل عليكم في الدين من حرج". ولازم ذلك، أن الاجتهاد حق لولي الأمر في الدائرة
التي شرع فيها، ليكون كافلاً وحدة الشريعة ميسراً لقواعدها، بإمدادها دوماً بما يعين
على اكتمال نمائها.
9 – ما نص عليه الدستور في المادة 9 – وأحكامه متكاملة لا تنافر فيها – من أن الأسرة
قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وأن صون طابعها الأصيل وإرساء قيمها وتقاليدها ضرورة
لا يجوز لأحد أن ينحيها، مؤداه أن الأسرة لا يصلحها شقاق استفحل مداه ومزق تماسكها
ووحدتها، ودهمها بالتالي تباغض يشقيها، بما يصد عنها تراحمها وتناصفها، فلا يرسيها
على الدين والخلق القويم؛ وكان النص المطعون فيه – وقد أجاز التفريق بين زوجين غشيهما
وأمضهما نزاع مستحكم – قد هيأ لهما مخرجاً يرد عنهما كل حرج، ويزيل عسرهما، فلا تكون
حياتهما وزراً وهضماً ولا عوجاً وأمتاً فإنه بذلك لا يكون مخالفاً للدستور.
10 – العقيدة الإسلامية قوامها خلقاً متكاملاً وسلوكاً متسامياً، وأعمق فضائلها أن
يكون المؤمن منصفاً خيراً فطناً، معاوناً لغيره، رءوفاً بالأقربين، فلا يمد يده لأحد
بسوء، ولا يلحق بالآخرين ضرراً غير مبرر، بل يكون للحق عضداً، وللمروءة نصيراً، ولإباء
النفس وشممها ظهيراً. وما الزواج إلا علاقة نفسية واجتماعية يرتهن بقاؤها بمودتها ورحمتها،
باعتدالها ويقظتها، بعدلها وإحسانها. وتمزيق أوصلها بالشحناء، إيهان لها؛ ومروق عن
حقيقتها، وكلما أستبد الرجل بزوجه وأرهقها صعوداً بما يجاوز حد احتمالي، فإن طلبها
التفريق منه يكون جزاء وفاقاً، وإذا كان عتو خلافهما، قد أحال مسراه ضلالاً، أفلا تستجير
من بأسائها بطلبها التفريق من زوجها، ثم الإصرار عليه.
الإجراءات
بتاريخ الحادي عشر من ديسمبر سنة 1995، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى
قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية نصي المادتين السادسة والحادية عشرة من
المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المعدل بالقانون
رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية، فيما تضمناه من إعطاء
القاضي حق تطليق الزوجة من زوجها دون رضائه رغم عدم ثبوت الضرر.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي
كان قد وجه إلى زوجته – المدعى عليها الرابعة – بتاريخ 21/ 9/ 1994 إنذاراً بالدخول
في طاعته؛ فردت عليه بالاعتراض المقيد بجدول محكمة القاهرة الابتدائية للأحوال الشخصية
"نفس" رقم 1965 لسنة 1994؛ وأثناء نظر الاعتراض، أضافت طلب التفريق عملاً بالفقرة الأخيرة
من المادة 11 مكرراً من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة
1985. وبجلسة 7/ 11/ 1995 دفع المدعي بعدم دستورية المادتين 6 و11 من هذا القانون،
وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية دفعه، وصرحت له برفع دعواه الدستورية، فقد أقام الدعوى
الماثلة.
وحيث إن المدعي ينعي على النصين المطعون فيهما مخالفتهما لمبادئ الشريعة الإسلامية،
ولأحكام المادتين 9 و10 من الدستور، وذلك من أوجه أربعة:
(أولها) أن الله بواسع حكمته، اختص الأزواج بالطلاق، وأسنده إليهم باعتبار أن عقد الزواج
عهد وميثاق ميزه الإسلام عن سائر العقود، فلا يجرى على نسقها، ولا يقاس عليها، ومؤدى
أحكامه أن الزوج وحده هو الذي يملك حل عقدته. ولو كان الله سبحانه وتعالى يجيز تطليق
الزوجة من زوجها رغم ممانعته، لفتح باباً لذلك في كتابه العزيز؛ وإذ لم يفعل، فإن الاجتهاد
لا يجوز أن ينزلق إلى تغيير حكم الله تعالى.
(ثانيها) أنه حتى الخلع – وعند قيام مقتضاه – وإن كان جائزاً شرعاً بتراض من الزوجين؛
ويحق للقاضي إلزام الزوج به؛ إلا أنه لا يملك أن يحل محل الزوج في إيقاع الطلاق.
(ثالثها) أن قيام القاضي بتطليق الزوجة من زوجها رغماً عنه واستجابة لطلبها رغم عدم
ثبوت الضرر، يعني انتقال حق الطلاق إليها بما يخالف مبادئ الشريعة الإسلامية؛ ويهدم
روابط الأسرة وهي الأساس المجتمع؛ ويناقض التزام الدولة بحماية الأمومة والطفولة.
(رابعها) أن النصين المطعون عليهما خالفا مبدأ مقرراً في تشريعات الأحوال الشخصية نصت
عليه المادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية، ومؤداه أن تصدر الأحكام – حال غياب
نص في المسائل التي تتعلق بها – طبقاً لأرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة؛ وهذا المذهب
– ومعه المذهب الشافعي والظاهرية وغيرهم – على أن الزوجة ليس لها طلب التفريق من زوجها
عند وقوع شقاق بينهما، وهو ما يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية ولا يجاوزها؛ فيما يرى
المالكية وحدهم – وبمذهبهم أخذ القانون المطعون فيه – أن للزوجة في حالة الشقاق، أن
تطلب في القاضي التفريق بينها وبين زوجها، وبذا يكون القانون قد ترك الرأي الأرجح في
الفقه إلى الرأي الأضعف.
وحيث إن المادتين المطعون عليهما من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام
لأحوال الشخصية، تجريان على النحو الآتي:
مادة 6: "إذا ادعت الزوجة إضرار الزوج بها بما لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما،
يجوز لها أن تطلب من القاضي التفريق، وحينئذ يطلقها القاضي طلقة بائنة إذا ثبت الضرر
وعجز عن الإصلاح بينهما، فإذا رفض الطلب ثم تكررت الشكوى، ولم يثبت الضرر، بعث القاضي
حكمين، وقضى على الوجه المبين بالمواد 7 و8 و9 و10 و11".
مادة 11: "وعلى الحكمين أن يرفعا تقريرهما إلى المحكمة مشتملاً على الأسباب التي بني
عليها، فإن لم يتفقا، بعثتهما مع ثالث له خبرة بالحال وقدرة على الإصلاح، وحلفته اليمين
المبينة في المادة . وإذا اختلفوا أو لم يقدموا تقريرهم في الميعاد المحدد، سارت
المحكمة في الإثبات، وإن عجزت المحكمة عن التوفيق بين الزوجين وتبين لها استحالة العشرة
بينهما وأصرت الزوجة على الطلاق قضت المحكمة بالتطليق بينهما بطلقة بائنة مع إسقاط
حقوق الزوجة المالية كلها أو بعضها وإلزامها بالتعويض المناسب إن كان لذلك كله مقتضى".
وحيث إن المادة 11 مكرراً (ثانياً) من هذا المرسوم بقانون، تنص على ما يأتي:
"إذا امتنعت الزوجة عن طاعة الزوج دون حق، توقف نفقة الزوجة من تاريخ الامتناع.
وتعتبر ممتنعة دون حق إذا لم تعد لمنزل الزوجية بعد دعوة الزوج إياها للعودة بإعلان
على يد محضر لشخصها أو من ينوب عنها، وعليه أن يبين في هذا الإعلان المسكن.
وللزوجة الاعتراض على هذا أمام المحكمة الابتدائية خلال ثلاثين يوماً من تاريخ هذا
الإعلان، وعليها أن تبين في صحيفة الاعتراض الأوجه الشرعية التي تستند إليها في امتناعها
عن طاعته، وإلا حكم بعدم قبول اعتراضها.
ويعتد بوقف نفقتها من تاريخ انتهاء ميعاد الاعتراض إذا لم تتقدم به في الميعاد.
وعلى المحكمة عند نظر الاعتراض، أو بناء على طلب أحد الزوجين، التدخل لإنهاء النزاع
بينهما صلحاً باستمرار الزوجية وحسن المعاشرة، فإذا بان لها أن الخلاف مستحكم وطلبت
الزوجة التطليق اتخذت المحكمة إجراءات التحكيم الموضحة في المواد من 7 إلى 11 من هذا
القانون".
وحيث إن النزاع الموضوعي يدور حول طلب الزوجة التطليق أثناء نظر اعتراضها على دعوة
زوجها لها للعودة إلى مسكن الزوجية طبقاً للمادة 11 مكرراً ثانياً من المرسوم بقانون
رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية؛ وكان طلبها التطليق على هذا النحو،
يؤسس على أن النزاع بينها وبين زوجها قد صار عميقاً وخلافهما مستحكماً، وأن صدعها لا
زال غائراً حتى بعد التدخل لإنهاء شقاقهما صلحاً، ودعوتهما إلى معاشرة تستقيم بها حياتهما،
فإن سبب دعواها هذه يكون مختلفاً عن طلب التطليق إعمالاً لحكم المادة 6 من هذا القانون
التي ينحصر مجال تطبيقها فيما هو إيذاء من الزوج لزوجته بقول أو بفعل بما لا يليق بأمثالهما؛
وكانت المادة الحادية عشرة – بما لها من صلة بالنزاع الموضوعي بحكم الإحالة إليها في
عجز المادة 11 مكرراً ثانياً – هي وحدها التي تتصل بها الدعوى الدستورية الراهنة؛ فإن
نطاق هذه الدعوى ينحصر فيهما.
وحيث إن الفقرة الأخيرة من المادة 11 مكرراً ثانياً – المشار إليها – توجب على المحكمة
عند نظر الاعتراض، أو بناء على طلب أحد الزوجين؛ التدخل لإنهاء النزاع بينهما صلحاً
باستمرار الزوجية وحسن المعاشرة؛ فإذا بان لها أن خلافهما صار مستحكماً وشقاقهما عميقاً،
وطلبت الزوجة التطليق، اتخذت المحكمة إجراءات التحكيم الموضحة في المواد من 7 إلى 11
من هذا القانون. وقد تناولت المادة السابعة الشروط الواجب توافرها في الحكمين؛ وحددت
المادة الثامنة البيانات التي يشتمل عليها القرار الصادر ببعثهما؛ وأوضحت المادة التاسعة
طريقة عملهما؛ وبينت المادة العاشرة ما يجب عليهما أن يقترحاه إذا عجزا عن الإصلاح؛
ثم فصلت المادة الحادية عشرة – المطعون عليها – الإجراءات التي يتعين على المحكمة إتباعها
قبل أن تقضي بتطليق الزوجة من زوجها.
وحيث إن من المقرر في قضاء هذه المحكمة، أن حكم المادة الثانية من الدستور – بعد تعديلها
في 22 من مايو سنة 1980 – يدل على أن الدستور أوردها ليفرض بمقتضاها – واعتباراً من
تاريخ العمل بهذا التعديل – قيداً على السلطة التشريعية يلزمها فيما تقره من النصوص
القانونية؛ بألا تناقض أحكامها مبادئ الشريعة الإسلامية في أصولها الثابتة – مصدراً
وتأويلاً – بعد أن اعتبرها الدستور مرجعاً ترد إليه هذه النصوص فلا تعارضها؛ باعتبار
أن هذه الأحكام وحدها هي التي يكون الاجتهاد فيها ممتنعاً؛ إذ هي عصية على التعديل،
ولا يجوز الخروج عليها، أو الالتواء بها عن معناها. وتنص ولاية المحكمة الدستورية العليا
في شأنها على مراقبة التقيد بها؛ وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها.
ولا كذلك الأحكام الظنية غير المقطوع بثبوتها أو بدلالتها، أو بهما معاً، ذلك أن دائرة
الاجتهاد تنحصر فيها، ولا تمتد لسواها، وهي بطبيعتها متطورة تتغير بتغير الزمان والمكان؛
لضمان مرونتها وحيويتها، ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيماً لشئون العباد بما يكفل
مصالحهم المعتبرة شرعاً؛ ولا يعطل بالتالي حركتهم في الحياة؛ على أن يكون الاجتهاد
دوماً واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة بما لا يجاوزها؛ ملتزماً ضوابطها الثابتة،
متحرياً مناهج الاستدلال على الأحكام العملية والقواعد الضابطة لفروعها، كافلاً صون
المقاصد الكلية للشريعة بما تقوم عليه من حفاظ على الدين والنفس والعقل والعرض والمال.
وحيث إن الطلاق وإن شرع رحمة من الله بعبادة، وجعل أمره بيد الرجل باعتباره أقدر على
تحكيم العقل وتبصر العاقبة؛ وكان الطلاق من فرق النكاح التي ينحل الزواج الصحيح بها
بلفظ مخصوص صريحاً كان أم كنائياً؛ وكان غالباً ما يقع إذا ما غفا وازع الدين والخلق،
وصار بنيان الأسرة متهادماً، وصرحها متداعياً،ورباطها متآكلاً يكاد أن يندثر؛ وكان
وقوع شقاق استفحل أمره بين الزوجين انحرافاً من أحدهما أو كليهما عن مقاصد الزواج،
يقيم بينهما جفوة في المعاملة لا يكون العدل والإحسان قوامها، بل يذكيها التناحر، فلا
تكون حياتهما إلا سعيراً يمتد أواره إلى الأسرة جميعها، فلا يؤول أمرها إلا هشيماً،
ولا يكون إلفها ووفاقها إلا حسيراً، وكان خلافهما وإن صار عميقاً، ونزاعهما مستحكماً،
لا يحول دون جهد يبذل من جانبهما أو من قبل رجلين عدلين من أهلهما إن أمكن، يسعيان
بينهما معروفاً، وينظران في أمرهما ليقيما بينهما حدود الله تعالى، فإن تعذر أن يصلحا
ما أختل من شئونهما، أغنى الله – إن تفرقا – كلاً من سعته. بيد أن الفقهاء مختلفون
فيمن يستبد حينئذ بالتفريق بينهما، ولكل وجهة هو موليها.
وحيث إن أصل التحكيم عند وقوع شقاق بين الزوجين مرده إلى قوله تعالى "وإن خفتم شقاق
بينهما، فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما،
إن الله كان عليماً خبيراً، وكان الفصل فيما إذا كان الحكمان لا يكلفان إلا بأن يصلحا
بين زوجين استفحل عنادهما وجفاؤهما، أو أنهما مطالبان عند إخفاقهما في ذلك بأن يفرقا
بينهما بمال أو بغير مال، رضيا أم أبيا، لا يندرج تحت المسائل التي حسمتها الشريعة
الإسلامية في مبادئها الكلية المقطوع بثبوتها ودلالتها، فإن حدود مهمتهما تعد من المسائل
الاجتهادية التي يتصور أن تتباين الأنظار في شأنها، فمن نظر من الفقهاء – كأبي حنيفة
وأصحابه والظاهرية والشيعة الإمامية والشافعي في أحد قوليه – إلى أن عمل الحكمين لا
يجاوز سعيهما إلى التوفيق بين زوجين استحكم خلافهما، سلبهما حق التفريق إلا بتفويض
من الزوج، استصحاباً للأصل في الطلاق، وهو معقود بيده إلا أن يوكل غيره فيه، ولأن الحياة
الزوجية – في رأيهم – لا تصفو من شقاق يخالطها عادة، فلا يجوز أن يكون خلافهما أياً
كان مداه، سبباً لحل عقدتها وفصم رابطتها. ومن نحا من الفقهاء إلى جعلهما حاكمين، كالمالكية
وأحمد بين حنبل في إحدى روايتين عنه، يخولانهما أن يقررا في شأن الزوجين ما ينتهيان
إليه بعد بحثهما لأحوالهما، سواء كان قرارهما بجمعهما أم بالتفريق بينهما، على أن يتولى
القاضي إمضاء حكمهما وتنفيذه. وهم يؤسسون اجتهادهم على أن الله تعالى اعتبر المبعوثين
حكمين لا وكيلين، ولو أرادهما وكيلين ما قصرهما على أهله وأهلها. وبعثهما إلى الزوجين
غير معلق على قبول زوجها، ولا يتصور بالتالي أن يكون قد أنابهما عنه في مهمتهما محدداً
إطارها. كذلك فإن اتصال الشقاق بين زوجين واطراد نزاعهما يشي بأن جذوة حياتهما تكاد
أن ترتد عن مواقعها، وأن مضاراً يتعذر احتمالها أو القبول بها، صار أمرها بادياً وأثرها
ملحوظاً، فإذا لم يتدخل زوجها لرفعها، قام الحكمان بدفعها.
وحيث إن النص المطعون فيه – وفي حدود السلطة التي يملكها ولي الأمر لاستنباط الأحكام
الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية – نظر إلى الحكمين – لا باعتبارهما مخولين حق
التفريق بين الزوجين، وإنما يكون بعثهما ليحيطا بمظاهر النزاع بينهما، على أن يقفا
كذلك على أسبابها، ثم يحددا بعدئذ من يكون منهما مسيئاً إلى الآخر، وما ينبغي أن يرفع
به النزاع من فرقة دون بدل أو ببدل يكون متناسباً وقدر الإساءة أو نسبتها. ولا يناقض
هذا الاجتهاد من ولي الأمر حكماً قطعياً، بل يقع في دائرة المسائل الخلافية التي تتفرق
الآراء من حولها، والتي لا تتقيد الحلول التشريعية المتعلقة بها بغير ما يكفل للعباد
مصالحهم المعتبرة شرعاً، فلا تكلفهم ما لا يطيقون، أو تقنطهم مما يأملون وفق مقاصد
شريعتهم، وبمراعاة أصولها.
وحيث إن ما ينعاه المدعي من أن النص المطعون فيه يناقض ما استقر عليه العمل من الرجوع
في المسائل التي تخلو من نص يحكمها، إلى أرجح الأقوال في المذهب الحنفي – وهو لا يقر
تفريق المرأة من زوجها عند وقوع شقاق بينهما – مردود أولاً: بما جرى عليه قضاء هذه
المحكمة على أن أية قاعدة قانونية ولو كان العمل قد استقر عليها أمداً، لا تحمل في
ذاتها ما يعصمها عن العدول عنها، وإبدالها بقاعدة جديدة لا تصادم حكماً شرعياً قطعياً
وروداً ودلالة، وتكون في مضمونها أرفق بالعباد، وأحفل بشئونهم، وأكفل لمصالحهم الحقيقية
التي يجوز أن تشرع الأحكام لتحقيقها بما يلائمها، فذلك وحده طريق الحق والعدل، وهو
خير من فساد عريض. ومن ثم ساغ الاجتهاد في المسائل الاختلافية التي لا يجوز أن تكون
أحكامها جامدة بما ينقض كمال الشريعة ومرونتها، ذلك أن إعمال حكم العقل فيما لا نص
فيه، توصلاً لتقرير قواعد عملية يقتضيها عدل الله ورحمته بين عباده، مرده أن هذه القواعد
تسعها الشريعة الإسلامية، إذ هي غير منغلقة على نفسها، ولا تضفي قدسية على أقوال أحد
من الفقهاء في شأن من شئونها، ولا تحول دون مراجعتها وتقييمها وإبدال غيرها بها بمراعاة
المصلحة الحقيقية التي يقوم عليها دليل شرعي. فالآراء الاجتهادية لا تجاوز حجيتها قدر
اقتناع أصحابها بها، ولا يسوع بالتالي اعتبارها شرعاً ثابتاً متقرراً لا يجوز أن ينقض،
وإلا كان ذلك نهياً عن التأمل والتبصر في دين الله تعالى، وإنكاراً لحقيقة أن الخطأ
محتمل في كل اجتهاد. ومن ثم صح القول بأن اجتهاد أحد الفقهاء، ليس بالضرورة أحق بالإتباع
من اجتهاد غيره؛ وربما كان أضعف الآراء سنداً، أكثرها ملاءمة للأوضاع المتغيرة، ولو
كان مخالفاً لأقوال استقر عليها العمل زمناً.
ومردود ثانياً: بأن الاجتهاد في الأحكام الظنية وربطها بمصالح الناس، عن طريق الأدلة
الشرعية – النقلية منها والعقلية – وإن كان حقاً لأهل الاجتهاد؛ فأولى أن يكون هذا
الحق مقرراً لولي الأمر، ينظر في كل مسألة بخصوصها، بما يناسبها إخماداً للثائرة وإنهاء
للتنازع والتناحر وإبطالاً للخصومة؛ مستعيناً في ذلك كله بمن يفقهون دينهم، ولا يكون
عملهم إلا فهماً أعمق لقواعده، وهو في ذلك لا يتقيد بالضرورة بآراء الآخرين، بل يجوز
أن يشرع على خلافها، وأن ينظم شئون العباد في بيئة بذاتها تستقل بأوضاعها وظروفها الخاصة،
بما يرد الأمر المتنازع عليه إلى الله ورسوله؛ مستلهماً في ذلك حقيقة أن المصالح المعتبرة
هي تلك التي تكون مناسبة لمقاصد الشريعة، متلاقية معها، وهي بعد مصالح لا تتناهى جزئياتها
أو تنحصر تطبيقاتها؛ ولكنها تتحدد تبعاً لما يطرأ عليها من تغيير وتطور. ومن ثم كان
حقاً عند الخيار بين أمرين مراعاة أيسرهما ما لم يكن إثماً؛ وكان واجباً كذلك ألا يشرع
ولي الأمر حكماً يضيق على الناس؛ أو يرهقهم من أمرهم عسراً؛ وإلا كان مصادماً لقوله
تعالى: "ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج". ولازم ذلك، أن الاجتهاد حق لولي
الأمر في الدائرة التي شرع فيها، ليكون كافلاً وحدة الشريعة ميسراً لقواعدها، بإمدادها
دوماً بما يعين على اكتمال نمائها.
وحيث إن ما نص عليه الدستور في المادة 9 – وأحكامه متكاملة لا تنافر فيه – من أن الأسرة
قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وأن يكون طابعها الأصيل وإرساء قيمها وتقاليدها ضرورة
لا يجوز لأحد أن ينحيها، مؤداه أن الأسرة لا يصلحها شقاق استفحل مداه ومزق تماسكها
ووحدتها، ودهمها بالتالي تباغض يشقيها، بما يصد عنها تراحمها وتناصفها، فلا يرسيها
على الدين والخلق القويم؛ وكان النص المطعون فيه – وقد أجاز التفريق بين زوجين غشيهما
وأمضهما نزاع مستحكم – قد هيأ لهما مخرجاً يرد عنهما كل حرج، ويزيل عسرهما، فلا تكون
حياتهما وزراً وهضماً، ولا عوجاً وأمتاً، فإنه بذلك لا يكون مخالفاً للدستور.
وحيث إن ما ينعاه المدعي من أن النص المطعون فيه – في مجال تطبيقه على طلب التطليق
العارض المبدي أثناء نظر اعتراض الزوجة على إعلان الطاعة – لا يخول المحكمة أن تفرق
بين الزوجين حتى بعد تدخلها لإنهاء نزاعهما صلحاً، ودعوتهما إلى حسن العشرة، بل جعل
الحكم بالتطليق متوقفاً على طلبها، وعائداً بالتالي إلى إرادتها، ولو ثبت أن خلافها
مع زوجها أظمأ حياتهما وأظلمها، مردود أولاً: بأن المشرع قدر أن إنهاء الشقاق بين زوجين،
يقتضي من المحكمة أن تتدخل أولاً بنفسها لإصلاح أمرهما، وأن تدعوهما إلى حسن المعاشرة.
فإذا بان لها أن جهدها قد قصر عن بلوغ الأغراض التي توخاها، وأن خلافهما قد أحاط بهما،
وأنهما أسرفا على نفسيهما، كان عليها أن تحيل أمرهما إلى حكمين – أو ثلاثة – ينظران
في أحوالهما. بيد أن المشرع شرط للجوئها إلى التحكيم، أن تفصح الزوجة بنفسها عن اتجاه
إرادتها إلى التطليق من زوجها، تقديراً بأنها قد ترجح مصلحة أسرتها حتى بعد شقاقها
مع شريكها، فلا تتخلى عنها، بل تقبل صابرة على مجاهدة نفسها لتقويم عوارضها – ولو تحيفها
زوجها حقاً مقرراً لها شرعاً – فلا يرتفع قيد النكاح. وتلك مصلحة مشروعة لا يجوز إسقاطها،
أو التهوين منها.
ومردود ثانياً: بأن العقيدة الإسلامية قوامها خلقاً متكاملاً وسلوكاً متسامياً، وأعمق
فضائلها أن يكون المؤمن منصفاً خيراً فطناً، معاوناً لغيره، رءوفاً بالأقربين، فلا
يمد يده لأحد بسوء، ولا يحلق بالآخرين ضرراً غير مبرر، بل يكون للحق عضداً، وللمروءة
نصيراً، ولإباء النفس وشممها ظهيراً. وما الزواج إلا علاقة نفسية واجتماعية يرتهن بقاؤها
بمودتها ورحمتها، باعتدالها ويقظتها، بعدلها وإحسانها. وتمزيق أوصالها بالشحناء، إيهان
لها؛ ومروق عن حقيقتها، وكلما أستبد الرجل بزوجه وأرهقها صعوداً بما يجاوز حد احتمالي،
فإن طلبها التفريق منه يكون جزاء وفاقاً، وإذا كان عتو خلافهما، قد أحال مسراه ضلالاً،
أفلا تستجير من بأسائها بطلبها التفريق من زوجها، ثم الإصرار عليه.
ومردود ثالثاً: بأن تعليق الحكم بالتطليق على إصرارها على طلب الخلاص من زوجها، يتمحض
قيد على سلطة المحكمة في التفريق بينهما، وهو ما تتحقق به مصلحته في النزاع الموضوعي.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
