قاعدة رقم الطعن رقم 16 لسنة 17 قضائية “دستورية”لم يتم التعرف على تاريخ الجلسة
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الثامن
من أول يوليو 1996 حتى آخر يونيو 1998 – صـ 667
جلسة 7 يونيو 1997
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولي الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وعدلي محمود منصور، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 16 لسنة 17 قضائية "دستورية"
1 – دعوى دستورية "مصلحة شخصية مباشرة: ضرر – انتفاء المصلحة"
شرط المصلحة الشخصية المباشرة – وهو شرط لقبول الدعوى الدستورية – يتغيا أن تفصل المحكمة
الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية – فصلها في غير المسائل
الدستورية التي يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعي غير جائز – عدم قبول الخصومة ممن
لم يحلقه ضرر فعلي من جزاء النص المطعون فيه – انتفاء مصلحة المدعي إذا لم يكن النص
المطعون فيه قد طبق أصلاً عليه أو كان من غير المخاطبين بأحكامه أو كان الإخلال بالحقوق
التي يدعيها غير عائد إليه.
2 – دستور "المادة الثانية" – شريعة إسلامية – رقابة قضائية
اعتباراً من تاريخ تعديل هذه المادة في سنة 1980 غدت السلطة التشريعية مقيدة دستورياً
بمراعاة الأصول الكلية للشريعة الإسلامية فيما تقرره هذه السلطة من نصوص قانونية –
عدم امتداد الرقابة على الشرعية الدستورية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا في
مجال تطبيق تلك المادة لغير النصوص القانونية الصادرة بعد تعديلها.
3 – حق الملكية "تنظيم تشريعي – وظيفة اجتماعية – علائق إيجارية"
السلطة التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الملكية وفقاً لوظيفتها الاجتماعية حدها قواعد
الدستور – تنظيم العلائق الإيجارية لا يجوز أن يخل بالتوازن بين أطرافها – عدم جواز
أن يكون تنظيم حق الملكية منتهياً إلى الانحدار بقيمتها، ولا أن يصل مداه إلى انتزاعها
من أصحابها.
4 – حرية التعاقد – حق طبيعي – حرية شخصية.
حرية التعاقد قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صوناً للحرية الشخصية – حرية التعاقد تعتبر
في القضاء المقارن حقاً طبيعياً – جواز فرض قيود عليها وفق أسس موضوعية – الحرية الشخصية
ليس لها ما يعصمها مما يكون ضرورياً لتنظيمها.
5 – حرية التعاقد – حق الملكية – إنهاء العقود
حرية التعاقد وثيقة الصلة بالحق في الملكية – جواز تنظيم بعض العقود استثناء استناداً
إلى مصلحة مشروعة – عدم جواز إنهاء السلطة التشريعية لعقود صحيحة أبرمت بين أطرافها
وفق أحكام القوانين المعمول بها عندئذ – تدخلها على هذا النحو يلزم اقترانه بتعويض.
6 – تشريع "القانون رقم 52 لسنة 1969 في شأن إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر
والمستأجر: لجان تقدير الأجرة".
عدم إطلاق المشرع للجان تحديد الأجرة حرية تقديرها – التزامها بأن ترد هذا التقدير
إلى أسس موضوعية حددها القانون المشار إليه – هذه الأسس تراقبها المحكمة الابتدائية
المختصة تحرياً لتقيد اللجان الإدارية بها.
7 – تشريع "المادتان 8، 9 من القانون رقم 52 لسنة 1969: تقدير الأجرة"
المشرع وبما لا مخالفة فيه للدستور ضبط تقدير الأجرة بقواعد آمرة – من المتعين أن يرد
العقد المبرم في ظلها إلى أحكام هذه القواعد.
8 – تشرع "المادة 9 من القانون رقم 52 لسنة 1969: إخطار"
مالك البناء ملتزم بأن يخطر في الموعد الذي حدده هنا النص لجنة تقدير الأجرة وإلا وقعت
عليه تبعة هذا الإهمال – جواز قيام هذه اللجنة بالتقدير من تلقاء نفسها أو بناء على
إخطار من الجهة المختصة.
9 – تشريع "القانونان رقما 52 لسنة 1969، 136 لسنة 1981: استقلال"
لكل من هذين القانونين مجال تطبيق – فلا اختلاط في زمن سريانهما.
10- حق الملكية "تنظيم – وظيفة اجتماعية" – تشريع "القانون رقم 52 لسنة 1969: عدم الإخلال
بالمساواة"
جواز تنظيم حق الملكية بما يكفل أداءها لوظيفتها الاجتماعية – تنظيم هذا القانون حقوق
المؤجرين وفقاً لأسس موحدة في نطاق تقدير أجرة هذه الأعيان التي أخضعها لحكمه – لا
شأن لتجانس أو لتنافر المراكز القانونية بقانون لاحق عليها منقطع الصلة بها.
11 – مبدأ تكافؤ الفرص – تشريع "القانون رقم 52 لسنة 1969" الفرص التي يستنهضها هذا
المبدأ هي تلك التي تتعهد الدولة بتقديمها – افتراض أن هذه الفرص محدودة – تزاحم عليها
ممن يطلبونها – وجوب ترتيبهم على ضوء أجدرهم بالحصول عليها – عدم اتصال القواعد التي
قررها هذا القانون في شأن تقدير الأجرة بفرص قائمة يجرى التزاحم عليها.
1 – من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا
في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية وليس من معطياتها النظرية. وهو كذلك يقيد
تدخلها في هذه الخصومة، فلا تفصل في غير المسائل الدستورية التي يؤثر الحكم فيها على
النزاع الموضوعي. ويتحدد مفهوم هذا الشرط باجتماع عنصرين:
أولهما: أن يقيم المدعي – وفي حدود الصفة التي اختصم بها النص المطعون فيه – الدليل
على أن ضرراً واقعياً – اقتصادياً أو غيره – قد لحق به، سواء أكان مهدداً بهذا الضرر،
أم كان قد وقع فعلاً. ويتعين دوماً أن يكون الضرر المدعى به مباشراً، منفصلاً عن مجرد
مخالفة النص المطعون فيه للدستور، مستقلاً بالعناصر التي يقوم عليها، ممكناً تصوره،
ومواجهته بالترضية القضائية، تسوية لآثاره.
ثانيهما: أن يكون هذا الضرر عائداً إلى النص المطعون فيه، وليس ضرراً متوهماً أو منتحلاً
أو مجهلاً، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من أدعى مخالفته للدستور؛ أو كان
من غير المخاطبين بأحكامه؛ أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه؛ دل ذلك
على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة، ذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها
لن يحقق للمدعي أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى
الدستورية، عما كان عليه قبلها.
2 – قضاء هذه المحكمة مطرد على أن حكم هذه المادة – بعد تعديلها في 22 مايو سنة 1980
– يدل على أن الدستور – واعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل – قد أتى بقيد على السلطة
التشريعية مؤداه تقيدها – فيما تقرره من النصوص القانونية – بمراعاة الأصول الكلية
للشريعة الإسلامية، إذ هي جوهر بنيانها وركيزتها، وقد اعتبرها الدستور أصلاً ينبغي
أن ترد إليه هذه النصوص، فلا تتنافر مع مبادئها المقطوع بثبوتها ودلالتها، وإن لم يكن
لازماً استمداد تلك النصوص مباشرة منها، بل يكفيها ألا تعارضها، ودون ما إخلال بالقيود
الأخرى التي فرضها الدستور على السلطة التشريعية في مجال مباشرتها لاختصاصاتها الدستورية.
ومن ثم لا تمتد الرقابة على الشرعية الدستورية التي تباشرها هذه المحكمة في مجال تطبيقها
للمادة الثانية من الدستور، لغير النصوص القانونية الصادرة بعد تعديلها. ولا كذلك نص
للمادتين 8 و9 من القانون رقم 52 لسنة 1969 في شأن إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة بين
المؤجرين والمستأجرين المطعون عليهما، والتي لم يلحقهما تعديل بعد نفاذ المادة الثانية
من الدستور، ومن ثم ينأيان عن الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة في شأن تطابق التشريعات
المعمول بها مع القواعد الكلية للشريعة الإسلامية.
3 – السلطة التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الملكية لضبطها وفقاً لوظيفتها الاجتماعية،
حدها قواعد الدستور؛ وكان الحق في استعمال الشيء المؤجر من عناصرها؛ وكان تنظيم العلائق
الإيجارية لا يجوز أن يخل بالتوازن بين أطرافها؛ فقد غدا مخالفاً للدستور، أن يكون
إطارها العام، مؤدياً إلى انتقال الأعيان موضوعها إلى آخرين انتقالاً نهائياً ومؤبداً
متضمناً خروج بعض مصادر الثروة من أصحابها لفائدة أغيار يباشرون على الأعيان المؤجرة
سيطرة فعلية وكاملة لا تزول أبداً. وهو ما يعتبر اقتحاماً مادياً لها، ولو ظل سند ملكيتها
بيد من يملكونها. ولا يجوز كذلك أن يكون التنظيم التشريعي لحق الملكية، منتهياً إلى
الانحدار بقيمتها بصورة ملحوظة تفقد بها كثيراً من مقوماتها بما يلحق بها أضراراً اقتصادية
لا يجوز التسامح فيها.
ويتعين بالتالي – وفي مجال تقييم النصوص القانونية التي تنظم العلائق الإيجارية – النظر
إلى الآثار التي رتبتها على الحقوق التي كفلها الدستور، وبمراعاة أن كل تنظيم للملكية
لا يجوز أن يصل مداه إلى حد أخذها وانتزاعها – من ثم – من أصحابها.
4، 5 – حرية التعاقد، قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صوناً للحرية الشخصية التي لا يقتصر
ضمانها على تأمينها ضد صور العدوان على البدن؛ بل تمتد حمايتها إلى أشكال متعددة من
إرادة الاختيار وسلطة التقرير التي يملكها كل شخص، فلا يكون بها كائناً يُحمل على ما
لا يرضاه، بل بشراً سوياً. بيد أن حرية التعاقد هذه التي تعتبر في القضاء المقارن حقاً
طبيعياً؛ ولازماً كذلك لكل إنسان تطويراً لإرادة الخلق والإبداع، وانحيازاً لطرائق
في الحياة يختارها، ويكون بها أكثر اطمئناناً لغده؛ يستحيل وصفها بالإطلاق، بل يجوز
فرض قيود عليها وفق أسس موضوعية تكفل متطلباتها دون زيادة أو نقصان، فلا تكون حرية
التعاقد بذلك إلا حق موصوفاً A qualified right ذلك أن الحرية الشخصية لا يكفلها انسيابها
دون عائق، ولا جرفها لكل قيد عليها، ولا علوها على مصالح ترجحها، وإنما يدنيها من أهدافها
قدر من التوازن بين جموحها وتنظيمها؛ بين تمردها على كوابحها والحدود المنطقية لممارستها؛
بين مروقها مما يحد من اندفاعها، وردها إلى ضوابط لا يمليها التحكم. وفي إطار هذا التوازن،
تتحدد دستورية القيود التي يفرضها المشرع عليها، تقديراً بأن الحرية الشخصية ليس لها
من نفسها ما يعصمها مما يكون ضرورياً لتنظيمها. وأن تعثرها لا يكون إلا من خلال قيود
ترهقها دون مقتض.
ومن المقرر كذلك، أن حرية التعاقد فوق كونها من الخصائص الجوهرية للحرية الشخصية، فإنها
كذلك وثيقة الصلة بالحق في الملكية؛ وذلك بالنظر إلى الحقوق التي ترتبها العقود فيما
بين أطرافها، أياً كان المدين بأدائها. ولئن جاز القول بأن تأمين الجماعة لمصالحها
في مجال الصحة والأمن ودعم آدابها ورخائها العام، قد يقتضيها إلغاء عقود لا اعتبار
لها، كتلك التي تدعو للجريمة وتنظمها؛ أو تعرقل دون حق تدفق التجارة في سوق مفتوحة
تحكمها قوانين العرض والطلب؛ وكانت السلطة التشريعية، وإن ساغ لها استثناء أن تتناول
أنواعاً من العقود لتحيط بعض جوانبها بتنظيم آمر يكون مستنداً إلى مصلحة مشروعه؛ إلا
أن هذه السلطة ذاتها لا يسعها إنهاء العمل بعقود صحيحة دخل أطرافها فيها وفق أحكام
القوانين المعمول بها عند إبرامها، ما لم يكن تدخلها على هذا النحو مقترناً بتعويض
يقابل الحقوق التي رتبتها، ويتكافأ معها.
6 – إن المشرع لم يطلق للجان تحديد الأجرة، حرية تقديرها وفق إرادتها، وإنما ألزمها
بأن ترد هذا التقدير إلى أسس موضوعية لا تريم عنها أو تنحيها، هي تلك التي حددتها المواد
10 و11 و12 من القانون رقم 52 لسنة 1969 المشار إليها، والتي توخي بها المشرع تقديراً
عادلاً ومتوازناً لتحديد أجرة المباني التي تسري عليها أحكام هذا القانون، ويندرج تحت
هذا الأسس – التي أدركها المؤجر حين شرع في تشييد مبناه – أن يكون عائد استثمار العقار
بواقع 5% من قيمة الأرض والبناء؛ ومقابل استهلاك رأس المال ومصروفات الإصلاحات والصيانة
والإدارة بواقع 3% من قيمة المباني؛ وأن تقدر قيمة المباني وفقاً لسعر السوق عند إنشائها؛
وقيمة الأرض بمثل ثمنها عند البناء، مع جواز إعادة النظر في هذا التقدير عند تعلية
المباني الأصلية بعد خمس سنوات من تاريخ إحداثها، وبقصد تحديد أجرة المباني المستجدة
فقط.
وهذه الأسس جميعها، وغيرها مما فصلته المواد 10 و11 و12 من ذلك القانون، هي التي تراقبها
المحكمة الابتدائية الكائن في دائرتها المكان المؤجر، تحرياً لتقيد اللجان الإدارية
بها، فلا يكون تقديرها للأجرة مجاوزاً لها، سواء بزيادتها أو خفضها عن الحدود التي
ضبطها المشرع بها.
7 – المشرع – وبما لا مخالفة فيه للدستور – لم يجعل لإرادة المتعاقدين شأناً في تقدير
هذه الأجرة، بل ضبطها بقواعد آمرة. ولا يعدو كل اتفاق على مقدار الأجرة، أن يكون تحديداً
مبدئياً لمبلغها، لا يبطل عمل القواعد الآمرة ولا يقفها، بل تظل هذه القواعد وحدها
إطاراً نهائياً لتقديرها.
ولا يجوز بالتالي القول بأن المشرع عدل بهذه القواعد الآمرة، عقداً نشأ صحيحاً وفقاً
لأحكام القوانين المعمول بها. بل الصحيح أن العقد أبرم عند نفاذ القواعد الآمرة – وعلى
خلافها – ويتعين بالتالي أن يُرد إلى أحكامها.
8 – مالك البناء يلتزم وفقا لنص المادة 9 من القانون رقم 52 لسنة 1969 المشار إليه
– وفق موعد لا يجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ نفاذ أول عقد إيجار عن أية وحدة من وحدات
المبنى أو من تاريخ شغلها لأول مرة – أن يخطر اللجنة المشار إليها في المادة الثانية
من هذا القانون، والتي يقع في دائرتها المبنى، لتقوم بتحديد أجرته، وتوزيعها على وحداته.
فإن لم يفعل، وقعت عليه تبعة هذا الإهمال.
كذلك فإن اللجان المنصوص عليها في المادة الثانية من القانون، يجوز أن تقوم بالتقدير
من تلقاء نفسها أو بناء على إخطار من الجهة المختصة بحصر العقارات المبنية.
9 – لكل من هذين القانونين – رقم 52 لسنة 1969، 136 لسنة 1981 – مجال تطبيق، فلا يختلط
زمن سريانهما، بل ينفصلان كلية فيما تضمناه من أحكام قدرها المشرع بالنسبة إلى كل منهما
على ضوء الأوضاع القائمة عند إقراره.
10 – الملكية الخاصة لم تعد حقاً مطلقاً، بل يجوز تنظميها بما يكفل أداءها لوظيفتها
الاجتماعية التي تتحدد في نطاق العلائق الإيجارية بمراعاة خصائص الأعيان المؤجرة وزمن
إنشائها، وطبيعة المصالح التي تتزاحم من حولها، وضرورة موازنتها بما يكفل التوفيق بينها
على ضوء استشراء أزمة الإسكان، وحدة تفاقمها في زمن معين. وقد نظم القانون المطعون
فيه – وفي مجال الأعيان التي سرى عليها – حقوق المؤجرين جميعهم وفقاً لأسس موحدة لا
تمييز فيها بين بعضهم البعض، وانتظمتهم بالتالي القواعد ذاتها في شأن تقدير أجرة هذه
الأعيان.
كذلك فإن التباين في المراكز القانونية، يفترض تغايرها ولو في بعض العناصر التي تقوم
عليها. ولا تتحد المراكز القانونية في بنيانها إلا إذا نشأ كل منها وفقاً للأسس الموضوعية
ذاتها التي ضبطها بها القانون الذي أحدثها. ولا شأن لتجانسها أو تنافرها بالتالي بقانون
لاحق عليها منقطع الصلة بها.
11 – الفرص التي يستنهضها مبدأ تكافؤ الفرص، هي تلك التي تتعهد الدولة بتقديمها، ويفترض
ذلك بالضرورة أن تكون هذه الفرص محدودة عدداً، وأن من يطلبونها يتزاحمون فيما بينهم
للنفاذ إليها، وأن ترتيبهم على ضوء أجدرهم بالحصول عليها، يقتضي تحديد شروطها الموضوعية
وفق ضوابط يمليها التبصر والاعتدال؛ وكانت القواعد التي قررها المشرع في شأن تقدير
الأجرة، سواء من حيث اللجان التي تتولاها، أو الأسس الموضوعية التي تطبقها في مجال
تحديد مقدارها، لا تتصل بفرص قائمة يجرى التزاحم عليها، فإن قالة الإخلال بمبدأ تكافؤ
الفرص، لا يكون لها من سند.
الإجراءات
بتاريخ 23 مارس سنة 1995، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب
المحكمة، طالباً في ختامها الحكم بعدم دستورية المادتين 8 و9 من القانون رقم 52 لسنة
1969 في شأن إيجاز الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين، والمادتين 12
و13 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر
والمستأجر.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أنه بتاريخ
21/ 12/ 1986 استأجر المدعى عليه الخامس من المدعي شقة بملكه الكائن بدكرنس بإيجار
شهري مقداره ستون جنيهاً. وإذ أخطر لجنة تقدير الإيجارات بشغله المكان المؤجر، وكانت
هذه اللجنة قد حددت أربعين جنيهاً كأجرة لهذه العين، فقد قام كل من المدعى عليه الخامس،
والمدعي بالطعن على هذا القرار بالدعويين رقمي 309 و310 لسنة 93 مدني كلي مساكن دكرنس
طالبين إلغاءه، فقررت المحكمة ضم الدعويين ليصدر فيهما حكم واحد. وبجلسة 29/ 12/ 1994
دفع المدعي بعدم دستورية المادتين 8 و9 من القانون رقم 52 لسنة 1969 والمادتين 12 و13
من القانون رقم 49 لسنة 1977 المشار إليهما، فقررت المحكمة تأجيل نظر الدعوى لجلسة
30/ 3/ 1995 لتمكينه من إقامة الدعوى الدستورية، فأقام الدعوى الماثلة. وبجلسة 28/
12/ 1995 قضت مأمورية دكرنس الكلية بوقف الدعوى تعليقاً إلى حين الفصل في الدعوى الدستورية.
وحيث إن من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية
العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية وليس من معطياتها النظرية. وهو كذلك
يقيد تدخلها في هذه الخصومة، فلا تفصل في غير المسائل الدستورية التي يؤثر الحكم فيها
على النزاع الموضوعي ويتحدد مفهوم هذا الشرط باجتماع عنصرين:
أولهما: أن يقيم المدعي – وفي حدود الصفة التي اختصم بها النص المطعون فيه – الدليل
على أن ضرراً واقعياً – اقتصادياً أو غيره – قد لحق به، سواء أكان مهدداً بهذا الضرر،
أم كان قد وقع فعلاً. ويتعين دوماً أن يكون الضرر المدعى به مباشراً، منفصلاً عن مجرد
مخالفة النص المطعون فيه للدستور، مستقلاً بالعناصر التي يقوم عليها، ممكناً تصوره
ومواجهته بالترضية القضائية، تسوية لآثاره.
ثانيهما: أن يكون هذا الضرر عائداً إلى النص المطعون فيه، وليس ضرراً متوهماً أو منتحلاً
أو مجهلاً، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من أدعى مخالفته للدستور؛ أو كان
من غير المخاطبين بأحكامه؛ أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه؛ دل ذلك
على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة، ذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها
لن يحقق للمدعي أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى
الدستورية، عما كان عليه قبلها.
وحيث إن تقرير الخبير المنتدب من قبل محكمة الموضوع بجلسة 16/ 1/ 1991، أفاد بأن المبنى
الذي تقع فيه الشقة موضوع التداعي قد أقيم خلال عامي 69 و1970؛ وكان ما ادعاه المدعي
من أنه أدخل تحسينات عليها في وقت لاحق؛ قد حدا بمحكمة الموضوع إلى ندب خبير آخر لمباشرة
المأمورية التي بينها الحكم؛ وكان هذا الخبير قد أعد تقريراً خلص فيه إلى أن العقار
أقيم وقت العمل بأحكام القانون رقم 52 لسنة 1969 في شأن إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة
بين المؤجرين والمستأجرين؛ وكان المدعي يتغيا إبطال العمل بقرار لجنة تحديد الإيجارات
في شأن عين التداعي؛ فإن مصلحته الشخصية المباشرة تتحدد بالأحكام المنصوص عليها في
المادتين 8 و9 من هذا القانون في شأن ضوابط تحديد الأجرة، ولا شأن لها بالتالي بالمادتين
12 و13 من القانون رقم 49 لسنة 1977 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين
المؤجر والمستأجر اللتين ينحصر مجال تطبيقهما في تلك المباني التي تنشأ بعد العمل بهذا
القانون.
وحيث إن المادة 8 من القانون رقم 52 لسنة 1969 في شأن إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة
بين المؤجرين والمستأجرين، المعدل بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 63 لسنة 1970
تنص على أن "تتولى تحديد أجرة الأماكن الخاضعة لأحكام هذا القانون وتوزيعها على وحداته
لجان يصدر بتشكيلها قرار من المحافظ المختص تتكون من اثنين من المهندسين وأحد العاملين
من المختصين بربط أو تحصيل الضريبة على العقارات المبنية وعضوين يرشحهما الاتحاد الاشتراكي
العربي يكون أحدهما من بين ملاك العقارات المبنية بالمدينة أو القرية وتكون رئاستها
للأقدم من المهندسين.
ويشترط لانعقادها حضور أحد المهندسين والعضو المختص بربط أو تحصيل الضريبة وأحد عضوي
الإتحاد الاشتراكي العربي، وتصدر قرارات اللجنة بأغلبية أصوات الحاضرين وعند التساوي
يرجح رأي الجانب الذي منه الرئيس.
ويصدر وزير الإسكان والمرافق قراراً بالقواعد الإجراءات التي تنظم أعمال هذه اللجان.
وتنص المادة 9 من ذات القانون على أن "على مالك البناء في موعد لا يجاوز ثلاثين يوماً
من تاريخ نفاذ أول عقد إيجار عن أية وحدة من وحدات المبنى أو من تاريخ شغلها لأول مرة
بأية صورة من صور الإشغال، أن يخطر اللجنة المشار إليها في المادة السابقة والتي يقع
في دائرتها المبنى لتقوم بتحديد أجرته وتوزيعها على وحداته بعد مراجعة ما تم إنجازه
ومطابقته للمواصفات الصادر على أساسها موافقة لجنة تنظيم وتوجيه أعمال البناء وترخيص
المباني. وللمستأجر أن يخطر اللجنة المذكورة بشغله المكان المؤجر. وتنظم اللائحة التنفيذية
إجراءات إخطار المالك والمستأجر للجنة. ويجوز للجنة أن تقوم بالتقدير من تلقاء نفسها
أو بناء على إخطار من الجهة المختصة بحصر العقارات المبنية".
وحيث إن المدعي ينعي على النصين المطعون عليهما، مخالفتهما للمواد 2 و8 و34 و40 من
الدستور وذلك من وجهين:
أولهما: أن هذين النصين يحولان دون تحديد أجرة الأعيان وفقاً لإرادة المتعاقدين ويجيزان
بالتالي تعديل الأجرة التي تراضيا عليها ونقضها بغير إرادتيهما، وهما بذلك يناهضان
مبادئ الشريعة الإسلامية التي تقضي بأن العقد شريعة المتعاقدين.
ثانيهما: إخلالهما بمبدأي تكافؤ الفرص ومساواة المواطنين أمام القانون؛ ونكولهما كذلك
عن الحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة؛ ذلك أنهما يعطيان المستأجر حق طلب لجنة
تحديد الإيجارات في أي وقت، ولا يفرضان عليه بالتالي حداً زمنياً يزول بانتهائه هذا
الحق لمجرد أن العقار أنشئ في تاريخ العمل بأحكام القانون رقم 52 لسنة 1969 المشار
إليه. ويظل هذا الحق متحرراً من قيد الزمان ولو تم التعاقد وقت العمل بأحكام القانون
رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين
المؤجر والمستأجر التي لا تجيز للجان تحديد الأجرة أن تباشر عملها بعد مضي أكثر من
تسعين يوماً من تاريخ التعاقد أو شغل العين فعلياً. وتلك تفرقة لا مبرر لها بين المباني
التي أنشئت بعد العمل بهذا القانون، وتلك التي أقيمت قبل نفاذه، ومؤداها زعزعة المراكز
القانونية التي تكونت عند العمل بالقانون رقم 52 لسنة 1969 المشار إليه، إذ تستطيع
هذه اللجان خفض الأجرة المتفق عليها في أي وقت إذا طلب المستأجر تدخلها.
وحيث إن قالة مخالفة النصين المطعون عليهما للمادة الثانية من الدستور مردودة بأن قضاء
هذه المحكمة مطرد على أن حكم هذه المادة – بعد تعديلها في 22 مايو سنة 1980 – يدل على
أن الدستور – واعتباراً من تاريخ العمل بهذا التعديل – قد أتى بقيد على السلطة التشريعية
مؤداه تقيدها – فيما تقرره من النصوص القانونية – بمراعاة الأصول الكلية للشريعة الإسلامية،
إذ هي جوهر بنيانها وركيزتها، وقد اعتبرها الدستور أصلاً ينبغي أن ترد إليه هذه النصوص،
فلا تتنافر مع مبادئها المقطوع بثبوتها ودلالتها، وإن لم يكن لازماً استمداد تلك النصوص
مباشرة منها، بل يكفيها ألا تعارضها، ودون ما إخلال بالقيود الأخرى التي فرضها الدستور
على السلطة التشريعية في مجال مباشرتها لاختصاصاتها الدستورية. ومن ثم لا تمتد الرقابة
على الشرعية الدستورية التي تباشرها هذه المحكمة في مجال تطبيقها للمادة الثانية من
الدستور، لغير النصوص القانونية الصادرة بعد تعديلها. ولا كذلك نص للمادتين 8 و9 من
القانون رقم 52 لسنة 1969 في شأن إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين
المطعون عليهما، والتي لم يلحقهما تعديل بعد نفاذ المادة الثانية من الدستور، ومن ثم
ينأيان عن الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة في شأن تطابق التشريعات المعمول بها مع
القواعد الكلية للشريعة الإسلامية.
وحيث إن السلطة التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الملكية لضبطها وفقاً لوظيفتها الاجتماعية،
حدها قواعد الدستور؛ وكان الحق في استعمال الشيء المؤجر من عناصرها؛ وكان تنظيم العلائق
الإيجارية لا يجوز أن يخل بالتوازن بين أطرافها؛ فقد غدا مخالفاً للدستور، أن يكون
إطارها العام، مؤدياً إلى انتقال الأعيان موضوعها إلى آخرين انتقالاً نهائياً ومؤبداً
متضمناً خروج بعض مصادر الثروة من أصحابها لفائدة أغيار يباشرون على الأعيان المؤجرة
سيطرة فعلية وكاملة لا تزول أبداً. وهو ما يعتبر اقتحاماً مادياً لها، ولو ظل سند ملكيتها
بيد من يملكونها. ولا يجوز كذلك أن يكون التنظيم التشريعي لحق الملكية، منتهياً إلى
الانحدار بقيمتها بصورة ملحوظة تفقد بها كثيراً من مقوماتها بما يلحق بها أضراراً اقتصادية
لا يجوز التسامح فيها.
ويتعين بالتالي – وفي مجال تقييم النصوص القانونية التي تنظم العلائق الإيجارية – النظر
إلى الآثار التي رتبتها في شأن الحقوق التي كفلها الدستور، وبمراعاة أن كل تنظيم للملكية
لا يجوز أن يصل مداه إلى حد أخذها وانتزاعها – من ثم – من أصحابها.
وحيث إن حرية التعاقد، قاعدة أساسية يقتضيها الدستور صوناً للحرية الشخصية التي لا
يقتصر ضمانها على تأمينها ضد صور العدوان على البدن؛ بل تمتد حمايتها إلى أشكال متعددة
من إرادة الاختيار وسلطة التقرير التي يملكها كل شخص، فلا يكون بها كائناً يُحمل على
ما لا يرضاه، بل بشراً سوياً. بيد أن حرية التعاقد هذه التي تعتبر في القضاء المقارن
حقاً طبيعياً؛ ولازماً كذلك لكل إنسان تطويراً لإرادة الخلق والإبداع، وانحيازاً لطرائق
في الحياة يختارها، ويكون بها أكثر اطمئناناً لغده؛ يستحيل وصفها بالإطلاق، بل يجوز
فرض قيود عليها وفق أسس موضوعية تكفل متطلباتها دون زيادة أو نقصان، فلا تكون حرية
التعاقد بذلك إلا حق موصوفاً A qualified right ذلك أن الحرية الشخصية لا يكفلها انسيابها
دون عائق، ولا جرفها لكل قيد عليها، ولا علوها على مصالح ترجحها، وإنما يدنيها من أهدافها
قدر من التوازن بين جموحها وتنظيمها؛ بين تمردها على كوابحها والحدود المنطقية لممارستها؛
بين مروقها مما يحد من اندفاعها، وردها إلى ضوابط لا يمليها التحكم. وفي إطار هذا التوازن،
تتحدد دستورية القيود التي يفرضها المشرع عليها، تقديراً بأن الحرية الشخصية ليس لها
من نفسها ما يعصمها مما يكون ضرورياً لتنظيمها، وأن تعثرها لا يكون إلا من خلال قيود
ترهقها دون مقتض.
وحيث إن من المقرر كذلك، أن حرية التعاقد فوق كونها من الخصائص الجوهرية للحرية الشخصية،
فإنها كذلك وثيقة الصلة بالحق في الملكية؛ وذلك بالنظر إلى الحقوق التي ترتبها العقود
فيما بين أطرافها، أياً كان المدين بأدائها. ولئن جاز القول بأن تأمين الجماعة لمصالحها
في مجال الصحة والأمن ودعم آدابها ورخائها العام، قد يقتضيها إلغاء عقود لا اعتبار
لها، كتلك التي تدعو للجريمة وتنظمها؛ أو تعرقل دون حق تدفق التجارة في سوق مفتوحة
تحكمها قوانين العرض والطلب؛ وكانت السلطة التشريعية، وإن ساغ لها استثناء أن تتناول
أنواعاً من العقود لتحيط بعض جوانبها بتنظيم آمر يكون مستنداً إلى مصلحة مشروعه؛ إلا
أن هذه السلطة ذاتها لا يسعها إنهاء العمل بعقود صحيحة دخل أطرافها فيها وفق أحكام
القوانين المعمول بها عند إبرامها، ما لم يكن تدخلها على هذا النحو مقترناً بتعويض
يقابل الحقوق التي رتبتها، ويتكافأ معها.
وحيث إن البين من أحكام القانون رقم 52 لسنة 1969 في شأن إيجار الأماكن وتنظيم العلاقة
بين المؤجرين والمستأجرين، أن الأماكن التي يسري عليها، هي تلك التي رخص في إقامتها
وقت العمل بالأحكام التي تضمنها في 18/ 8/ 1969 – وكان تحديد أجرة الأماكن الخاضعة
لأحكام هذا القانون – وعلى ما تنص عليه المادة 8 – تتولاه لجان إدارية يصدر بتشكيلها
قرار من المحافظ المختص؛ وكان هذا القانون قد حدد كذلك شروط صحة انعقادها، وأحال في
تنظيم عملها إلى قرار يصدر بذلك عن وزير الإسكان والمرافق؛ وكان ما تغياه المشرع من
تنظيم هذه اللجان وتقرير اختصاصها بتحديد الأجرة، هو أن يحيطها بقواعد وإجراءات ميسرة
تضبط عملها، وبمراعاة ألا يكون تقدير هنا لهذه الأجرة نهائياً، بل تجوز مراجعتها فيه
عن طريق الطعن في قراراتها أمام المحكمة الابتدائية الكائن في دائرتها المكان المؤجر؛
فإن حق التقاضي بشأنها يكون مكفولاً.
وحيث إن المشرع لم يطلق للجان تحديد الأجرة، حرية تقديرها وفق إرادتها، وإنما ألزمها
بأن ترد هذا التقدير إلى أسس موضوعية لا تريم عنها أو تنحيها، هي تلك التي حددتها المواد
10 و11 و12 من القانون رقم 52 لسنة 1969 المشار إليها، والتي توخي بها المشرع تقديراً
عادلاً ومتوازناً لتحديد أجرة المباني التي تسري عليها أحكام هذا القانون، ويندرج تحت
هذه الأسس – التي أدركها المؤجر حين شرع في تشييد مبناه – أن يكون عائد استثمار العقار
بواقع 5% من قيمة الأرض والبناء؛ ومقابل استهلاك رأس المال ومصروفات الإصلاحات والصيانة
والإدارة بواقع 3% من قيمة المباني؛ وأن تقدر قيمة المباني وفقاً لسعر السوق عند إنشائها؛
وقيمة الأرض بمثل ثمنها عند البناء، مع جواز إعادة النظر في هذا التقدير عند تعلية
المباني الأصلية بعد خمس سنوات من تاريخ إحداثها، وبقصد تحديد أجرة المباني المستجدة
فقط.
وهذه الأسس جميعها، وغيرها مما فصلته المواد 10 و11 و12 من ذلك القانون، هي التي تراقبها
المحكمة الابتدائية الكائن في دائرتها المكان المؤجر، تحرياً لتقيد اللجان الإدارية
بها، فلا يكون تقديرها للأجرة مجاوزاً لها، سواء بزيادتها أو خفضها عن الحدود التي
ضبطها المشرع بها.
وحيث إن ما ينعاه المدعي من أن النصين المطعون عليهما قد أهدرا الأجرة الاتفاقية التي
قبلها الطرفان المتعاقدان، مردود بأن المشرع – وبما لا مخالفة فيه للدستور – لم يجعل
لإرادة المتعاقدين شأناً في تقدير هذه الأجرة، بل ضبطها بقواعد آمرة. ولا يعدو كل اتفاق
على مقدار الأجرة، أن يكون تحديداً مبدئياً لمبلغها، لا يبطل عمل القواعد الآمرة ولا
يقفها، بل تظل هذه القواعد وحدها إطاراً نهائياًً لتقديرها.
ولا يجوز بالتالي القول بأن المشرع عدل بهذه القواعد الآمرة، عقداً نشأ صحيحاً وفقاً
لأحكام القوانين المعمول بها. بل الصحيح أن العقد أبرم عند نفاذ القواعد الآمرة – وعلى
خلافها – ويتعين بالتالي أن يُرد إلى أحكامها.
وحيث إن القول بأن المستأجر يستطيع أن يزعزع الأجرة المتفق عليها إذا طلب من اللجان
في أي وقت أن تتدخل لتقديرها، مردود أولاً: بأن مالك البناء يلتزم وفقاً لنص المادة
9 من القانون رقم 52 لسنة 1969 المشار إليه – وفي موعد لا يجاوز ثلاثين يوماً من تاريخ
نفاذ أول عقد إيجار عن أية وحدة من وحدات المبنى أو من تاريخ شغلها لأول مرة – أن يخطر
اللجنة المشار إليها في المادة الثانية من هذا القانون، والتي يقع في دائرتها المبنى،
لتقوم بتحديد أجرته، وتوزيعها على وحداته. فإن لم يفعل، وقعت عليه تبعة هذا الإهمال.
ومردود ثانياً: بأن اللجان المنصوص عليها في المادة الثانية من القانون، يجوز أن تقوم
بالتقدير من تلقاء نفسها أو بناء على إخطار من الجهة المختصة بحصر العقارات المبنية.
وحيث إن القول بإخلال المشرع بمبدأ المساواة أمام القانون، تأسيساً على أن القانون
رقم 136 لسنة 1981 في شأن بعض الأحكام الخاصة بتأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين
المؤجر والمستأجر، لم يجز للمستأجر أن يطلب من اللجان الإدارية التي نص عليها تقدير
الأجرة إلا خلال ميعاد محدد، خلافاً للقانون رقم 52 لسنة 1969 المطعون على بعض نصوصه،
والذي أطلق حق المستأجر في طلب تدخل هذه اللجان في أي وقت يراه.
مردود أولاً: بأن لكل من هذين القانونين مجال تطبيق، فلا يختلط زمن سريانهما، بل ينفصلان
كلية فيما تضمناه من أحكام قدرها المشرع بالنسبة إلى كل منهما على ضوء الأوضاع القائمة
عند إقراره.
ومردود ثانياً: بأن الملكية الخاصة لم تعد حقاً مطلقاً، بل يجوز تنظميها بما يكفل أداءها
لوظيفتها الاجتماعية التي تتحدد في نطاق العلائق الإيجارية بمراعاة خصائص الأعيان المؤجرة
وزمن إنشائها، وطبيعة المصالح التي تتزاحم من حولها، وضرورة موازنتها بما يكفل التوفيق
بينها على ضوء استشراء أزمة الإسكان، وحدة تفاقمها في زمن معين. وقد نظم القانون المطعون
فيه – وفي مجال الأعيان التي سرى عليها – حقوق المؤجرين جميعهم وفقاً لأسس موحدة لا
تمييز فيها بين بعضهم البعض، وانتظمتهم بالتالي القواعد ذاتها في شأن تقدير أجرة هذه
الأعيان.
ومردود ثالثاً: بأن التباين في المراكز القانونية، يفترض تغايرها ولو في بعض العناصر
التي تقوم عليها. ولا تتحد المراكز القانونية في بنيانها إلا إذا نشأ كل منها وفقاً
للأسس الموضوعية ذاتها التي ضبطها بها القانون الذي أحدثها. ولا شأن لتجانسها أو تنافرها
بالتالي بقانون لاحق عليها منقطع الصلة بها.
وحيث إن ما ينعاه المدعي من مخالفة النصين المطعون عليهما لمبدأ تكافؤ الفرص، مردود:
بأن الفرص التي يستنهضها مبدأ تكافؤ الفرص، هي تلك التي تتعهد الدولة بتقديمها، ويفترض
ذلك بالضرورة أن تكون هذه الفرص محدودة عدداً، وأن من يطلبونها يتزاحمون فيما بينهم
للنفاذ إليها، وأن ترتيبهم على ضوء أجدرهم بالحصول عليها، يقتضي تحديد شروطها الموضوعية
وفق ضوابط يمليها التبصر والاعتدال؛ وكانت القواعد التي قررها المشرع في شأن تقدير
الأجرة، سواء من حيث اللجان التي تتولاها، أو الأسس الموضوعية التي تطبقها في مجال
تحديد مقدارها، لا تتصل بفرص قائمة يجرى التزاحم عليها، فإن قالة الإخلال بمبدأ تكافؤ
الفرص، لا يكون لها من سند.
وحيث إن النصين المطعون عليهما، لا يناقضان حكماً آخر في الدستور.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائة جنيه أتعاب المحاماة.
