قاعدة رقم الطعن رقم 52 لسنة 18 قضائية “دستورية”لم يتم التعرف على تاريخ الجلسة
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الثامن
من أول يوليو 1996 حتى آخر يونيو 1998 – صـ 653
جلسة 7 يونيو 1997
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: عبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 52 لسنة 18 قضائية "دستورية"
1 – قانون التأمين الاجتماعي "صفة".
تحقيق صفة المدعي كصاحب معاش في مفهوم قانون التأمين الاجتماعي مرجعه إلى محكمة الموضوع.
2 – رقابة قضائية "مناطها".
الرقابة القضائية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا مناطها قيام تعارض بين نص
قانوني وحكم في الدستور – لا شأن لها بالتعارض بين تشريعين سواء اتحدا أم اختلفا في
مرتبتيهما.
3 – تنظيم الحقوق "سلطة تقديرية"
الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور
بضوابط تحد من إطلاقها – عدم جواز المساس بالحق محل الحماية الدستورية.
4 – دستور "المادة 13: حق العمل – تنظيمه – إرادة – أجر"
اعتبار العمل حقاً وفقاً لهذه المادة مؤداه ألا يكون تنظيمه مناقضاً لفحواه – صلة حق
العمل الوثيقة بالحق في التنمية – الأصل في العمل أن يكون إرادياً – حمل المواطن عليه
لا يكون إلا وفق القانون وبوصفه تدبيراً استثنائياً لتحقيق غرض عام وبمقابل عادل –
الوفاء بالأجر عن عمل أداؤه يكون بالضرورة أحق بالحماية الدستورية.
5 – دستور "المادة 122: تنظيم"
التنظيم التشريعي للحقوق التي كفلها المشرع بموجب هذه المادة يكون مجافياً أحكام الدستور
إذا أهدر هذه الحقوق أو أفرغها من مضمونها.
6 – الحق في المعاش "التزام"
الحق في المعاش إذا توافر أصل استحقاقه ينهض التزاماً قانونياً على الجهة التي تقرر
عليها – تأكيد قوانين التأمين الاجتماعي على تعاقبها لهذه القاعدة.
7 – تأمين اجتماعي "امتداده".
مظلة التأمين الاجتماعي هي التي تكفل لكل مواطن الحد الأدنى من المعاملة الإنسانية
التي لا تمتهن فيها آدميته – توفيرها المناخ الملائم لحريته الشخصية – توفيرها الروافد
لضمانة الحق في الحياة – كفالتها للحقوق التي يمليها التضامن الاجتماعي.
8 – الحق في المعاش – الحق في الأجر
هذان الحقان مختلفان مصدراً وسبباً – الحق في المعاش مصدره القانون وفق القواعد التي
تقرر بموجبها – الحق في الأجر يرتد إلى رابطة العمل.
9 – تشريع "الفقرة الثانية من المادة 40 من قانون التأمين الاجتماعي: التزام بدلي –
عدوان على الملكية"
دلالة هذه الفقرة على أن المشرع عامل الأجر باعتباره بديلاً عن المعاش – الالتزام لا
يكون بدلياً إلا إذا قام المحل البديل فيه مقام المحل الأصلي – ليس كذلك حق الجمع بين
المعاش والأجر – عدم قيام ثانيهما مقام أولهما – العدوان على أيهما إخلال بالملكية
الخاصة وإخلال بالحماية الدستورية لها.
10 – مبدأ المساواة أمام القانون "تمييز"
صعوبة حصر صور التمييز المجافية للدستور – قوام هذه الصور كل تفرقة أو تقييد أو تفضيل
أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق والحريات المكفولة بالدستور أو القانون.
11 – تشريع "الفقرتين الأولى والثانية من المادة 40 من قانون التأمين الاجتماعي – إخلال
بالمساواة"
حرمان المخاطبين بهاتين الفقرتين دون غيرهم من نظرائهم من حق الجمع بين معاشاتهم وأجورهم
ينطوي على تمييز تحكمي منهي عنه دستورياً.
1 – المنازعة في صفة المدعي كصاحب معاش – في مفهوم قانون التأمين الاجتماعي – أمر يتعلق
تحقيقه والفصل فيه، بتحصيل الوقائع وتكييفها في النزاع الموضوعي، مما تختص به محكمة
الموضوع.
2 – الرقابة القضائية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا في شأن دستورية القوانين
واللوائح، مناطها قيام تعارض بين نص قانوني وحكم في الدستور؛ ولا شأن لها بالتناقض
بين تشريعين سواء اتحدا أم اختلفا في مرتبتيهما.
3 – الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة
– أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخوماً
لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها، وكان الدستور إذ يعهد بتنظيم موضوع معين إلى السلطة
التشريعية، فإن ما تقره من القواعد القانونية بصدده، لا يجوز أن ينال من الحق محل الحماية
الدستورية سواء بالنقض أو الانتقاص، ذلك أن إهدار الحقوق التي كفلها الدستور أو تهميشها،
عدوان على مجالاتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من خلالها.
4 – العمل، ليس ترفاً ولا يمنح تفضلاً، وما نص عليه الدستور في الفقرة الأولى من المادة
13 من اعتبار العمل حقاً، مؤداه ألا يكون تنظيم هذا الحق مناقضاً لفحواه، وأن يكون
فوق هذا اختياراً حراً، والطريق إليه محدداً وفق شروط موضوعية مناطها ما يكون لازماً
لانجازه. ولأهمية العمل في تقدم الجماعة وإشباع احتياجاتها، ولصلته الوثيقة كذلك بالحق
في التنمية بمختلف جوانبه، توليه الدولة تقديرها، وتزيل عوائقه وفقاً لإمكاناتها، وبوجه
خاص إذا امتاز أداء العامل وقام بتطوير عمله. الأصل في العمل أن يكون إرادياً، ولا
يجوز بالتالي أن يحمل عليه المواطن، إلا أن يكون ذلك وفق القانون، وبوصفه تدبيراً استثنائياً
ولتحقيق غرض عام، وبمقابل عادل. وهي شروط تطلبها الدستور في العمل الإلزامي، وقيد المشرع
بمراعاتها في مجال تنظيمه كي لا يتخذ شكلاً من أشكال السخرة المنافية في جوهرها الحق
في العمل باعتباره شرفاً، والمجافية للمادة 13 من الدستور بفقرتيهما. إن الدستور وقد
شرط – بالفقرة الثانية من المادة 13 – اقتضاء الأجر العادل في الأحوال التي يفرض فيها
العمل جبراً لأداء خدمة عامة؛ وكان الإسهام في الحياة العامة قد غدا واجباً وطنياً
وفقاً لنص المادة 62 من الدستور؛ وكان على الجماعة كذلك – وعملاً بنص المادة 12 منه
– أن تعمل على التمكين لقيمها الخلقية والوطنية وفق مستوياتها الرفيعة؛ فإن الوفاء
بالأجر عن عمل تم أداؤه في نطاق رابطة عقدية أو علاقة تنظيمية ارتبط طرفاها بها، وحُدِّد
الأجر من خلالها، يكون بالضرورة أحق بالحماية الدستورية.
إن المادة 122 من الدستور تخول المشرع – ومن أجل أن يوفر للمواطنين احتياجاتهم الضرورية
التي يتحرون بها من العوز، وينهضون معها بمسئوليتهم قبل أسرهم – صوغ القواعد القانونية
التي تتقرر بموجبها على خزانة الدولة، مرتبات المواطنين ومعاشاتهم وتعويضاتهم وإعاناتهم
ومكافآتهم، مع بيان أحوال الاستثناء منها، والجهات التي تتولى تطبيقها، إلا أن التنظيم
التشريعي للحقوق التي كفلها المشرع في هذا النطاق، يكون مجافياً أحكام الدستور، ومنافياً
لمقاصده، إذا تناول هذه الحقوق بما يهدرها أن يفرغها من مضمونها.
6، 7 – إن الحق في المعاش – إذا توافر أصل استحقاقه وفقاً للقانون – إنما ينهض التزاماً
على الجهة التي تقرر عليها.
وهو ما تؤكده قوانين التأمين الاجتماعي – على تعاقبها – إذ يبين منها أن المعاش الذي
تتوافر بالتطبيق لأحكامها شروط اقتضائه عند انتهاء خدمة المؤمن عليه وفقاً للنظم المعمول
بها، يعتبر التزاماً مرتباً بنص القانون في ذمة الجهة المدنية. وإذا كان الدستور قد
خطا بمادته السابعة عشرة خطوة أبعد في اتجاه دعم التأمين الاجتماعي، حين ناط بالدولة
أن تكفل لمواطنيها خدماتهم التأمينية – الاجتماعية منها والصحية – بما في ذلك تقرير
معاش لواجهة بطالتهم أو عجزهم عن العمل أو شيخوختهم في الحدود التي يبينها القانون،
فذلك لأن مظلمة التأمين الاجتماعي – التي يمتد نطاقها إلى الأشخاص المشمولين بها –
هي التي تكفل لكل مواطن الحد الأدنى من المعاملة الإنسانية التي لا تمتهن فيها آدميته،
والتي توفر لحريته الشخصية مناخها اللائم، ولضمانة الحق في الحياة أهم روافدها، وللحقوق
التي يمليها التضامن بين أفراد الجماعة التي يعيش في محيطها، مقوماتها بما يؤكد انتماءه
إليها. وتلك هي الأسس الجوهرية التي لا يقوم المجتمع بدونها، والتي يعتبر التضامن الاجتماعي
وفقاً لنص المادة 7 من الدستور مدخلاً إليها.
8 – إن الحق في المعاش – بالنسبة لمن قام به سبب استحقاقه – لا يعتبر منافياً للحق
في الأجر؛ وليس ثمة ما يحول دون اجتماعهما باعتبارهما مختلفين مصدراً وسبباً؛ فبينما
يعتبر نص القانون مصدراً مباشراً للحق في المعاش؛ فإن الحق في الأجر يرتد في مصدره
المباشر إلى رابطة العمل ذاتها.
كذلك يقوم الحق في المعاش وفقاً للقواعد التي تقرر بموجبها، وتحدد مقداره على ضوئها،
عن مدد قضاها أصحابها في الجهات التي كانوا يعملون بها، أدوا عنها حصصهم في التأمين
الاجتماعي، وذلك خلافاً لأجورهم التي يستحقونها من الجهة التي عادوا للعمل بها، إن
تعتبر مقابلاً مشروعاً لجهدهم فيها، وباعثاً دفعهم إلى التعاقد معها؛ ليكون القيام
بهذا العمل سبباً لاقتضائها.
9 – الفقرة الثانية من المادة 40 من قانون التأمين الاجتماعي؛ تدل بعباراتها على أن
المشرع عامل الأجر باعتباره بديلاً عن المعاش، حال أن الالتزام لا يكون بدلياً إلا
إذا قام المحل البديل فيه مقام المحل الأصلي، وهو بذلك يفترض مديناً واحداً تقرر البدل
لمصلحته، إذ تبرأ ذمته إذا أداه بدل المحل الأصلي. ولا كذلك حق الجمع بين المعاش والأجر؛
ذلك أن الالتزام بهما ليس مترتباً في ذمة مدين واحد، ولا يقوم ثانيهما مقام أولهما،
فضلاً عن اختلافهما مصدراً؛ ومن ثم ينحل العدوان على أيهما إخلالاً بالملكية الخاصة
التي كفل الدستور أصل الحق فيها بنص المادة 34؛ وأحاطها بالحماية اللازمة لصونها؛ والتي
جرى قضاء هذه المحكمة على انصرافها إلى الحقوق الشخصية والعينية على سواء؛ واتساعها
بالتالي للأموال بوجه عام.
10، 11 – إن هذه المحكمة كانت قد قضت بحكمها الصادر بجلسة الرابع عشر من يناير سنة
1995 في الطعن رقم 16 لسنة 15 قضائية "دستورية" بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة
40 من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 وذلك فيما نصت عليه
من أنه إذا عاد صاحب المعاش إلى عمل بإحدى الجهات التي خرجت من مجال تطبيق قانون التأمين
الاجتماعي لوجود نظام بديل مقرر وفقاً لقانون، يوقف صرف معاشه اعتباراً من أول الشهر
التالي وذلك حتى تاريخ انتهاء خدمته بالجهات المشار إليها، وبسقوط ما يتصل بها من أحكام
الفقرة الثانية من المادة ذاتها. كما قضت بحكمها الصادر بجلسة الرابع من فبراير 1995
في الطعن رقم 3 لسنة 16 قضائية "دستورية" بعدم دستورية ما تضمنته الفقرة الأولى من
المادة 99 من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة الصادر بالقانون رقم
90 لسنة 1975 من حظر الجمع بين معاش المخاطبين بها ومرتباتهم؛ وكان هذان الحكمان قد
كفلا لفئتين من المؤمن عليهم، حق الجمع بين معاشاتهم وأجورهم؛ وكان من المقرر في قضاء
هذه المحكمة أن صور التمييز المجافية للدستور وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة
أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق أو الحريات التي كفلها الدستور
أو القانون بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانوناً
للانتفاع بها؛ وكان التكافؤ في المراكز القانونية بين المشمولين بنظم التأمين الاجتماعي،
يقتضي ألا تكون معاشاتهم التي يستحقونها وفقاً لأحكامها، سبباً لحرمانهم من الأجور
التي يقتضونها مقابل أعمال التحقوا بها بعد انتهاء خدمتهم؛ وكان المخاطبون بالنص المطعون
فيه – دون غيرهم من نظرائهم – قد حرموا من حق الجمع بين معاشاتهم وأجورهم، فإن هذا
النص يكون متبنياً تمييزاً تحكمياً منهياً عنه بنص المادة 40 من الدستور.
الإجراءات
بتاريخ الثلاثين من مايو سنة 1996، أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى
قلم كتاب المحكمة، طالباً الحكم بعدم دستورية نص المادة 40 من قانون التأمين الاجتماعي
الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975؛ وكذلك المادة 7 من القانون رقم 108 لسنة 1976 في
شأن التأمين الاجتماعي على أصحاب الأعمال ومن في حكمهم.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة اختتمتها بطلب الحكم (أصلياً) بعدم قبول الدعوى؛ (واحتياطياً)
برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي
كان قد أقام الدعوى رقم 1990 لسنة 1995 مدني كلي بنها ضد المدعى عليها الرابعة بطلب
الحكم بإلزامها بصرف معاشه الذي كان يتقاضها عن مدة خدمته بشركة الكيماويات والمبيدات
الحشرية بصفة دورية، وذلك اعتباراً من أول أغسطس سنة 1995؛ وقال شرحاً لها أنه كان
يعمل بالشركة المشار إليها في وظيفة ميكانيكي سيارات لمدة أربع وعشرين سنة؛ وتم تسوية
معاشه، وظل يتقاضاه، إلى أن فوجئ بوقفه اعتباراً من أول أغسطس سنة 1995، وذلك تأسيساً
على التحاقه بعمل آخر كسائق سيارة نقل؛ واشتراكه عنه في نظام التأمين الاجتماعي، الأمر
الذي يعد مخالفاً لنص المادة السابعة من القانون رقم 108 لسنة 1976 في شأن التأمين
الاجتماعي على أصحاب الأعمال ومن في حكمهم. وبجلسة 6/ 4/ 1996 المحددة لنظر الدعوى
الموضوعية، دفع المدعي بعدم دستورية نص المادة 40 من قانون التأمين الاجتماعي الصادر
بالقانون رقم 79 لسنة 1975؛ وكذلك نص المادة السابعة من القانون رقم 108 لسنة 1976
– أنف الإشارة – وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع، مصرحة للمدعي بإقامة دعواه الدستورية؛
فقد أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت الدعوى بعدم قبولها، من ناحيتين:
(أولاهما) أن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، غير مختصمة في الدعوى.
(ثانيتهما) انتفاء مصلحة المدعي في الطعن على نص المادة 40 من قانون التأمين الاجتماعي،
قولاً منها بأنه التحق بعمل آخر في اليوم التالي مباشرة لتركه العمل الأول؛ وأصبحت
مدة اشتراكه عن العملين وحدة واحدة؛ فلم يعد بعد "صاحب معاش" مخاطباً بذلك النص؛ وإن
المعاش الذي ربط له عن مدة اشتراكه الأولى، كان على سبيل الخطأ.
وحيث إن الدفع مردود في شقه الأول بأن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي مختصمة في
الدعوى وممثلة بوزير التأمينات الاجتماعية. ومردود في شقه الثاني؛ بأن المنازعة في
صفة المدعي كصاحب معاش – في مفهوم قانون التأمين الاجتماعي – أمر يتعلق تحقيقه والفصل
فيه، بتحصيل الوقائع وتكييفها في النزاع الموضوعي، مما تختص به محكمة الموضوع.
وحيث إن المادة 40 من قانون التأمين الاجتماعي – وبعد العمل بحكم المحكمة الدستورية
العليا في الطعن رقم 16 لسنة 15 قضائية "دستورية" – أصبحت تنص في فقرتيها الأولى والثانية
على أنه "إذا عاد صاحب المعاش إلى عمل يخضعه لأحكام هذا التأمين يوقف صرف معاشه اعتباراً
من أول الشهر التالي؛ وذلك حتى تاريخ بلوغه السن المنصوص عليها بالبند 1 من المادة
18.
وإذا كان الأجر الذي سوي عليه المعاش أو مجموع ما كان يتقاضاه من أجر في نهاية مدة
خدمته السابقة أيهما أكبر، يجاوز الأجر المستحق له عن العمل المعاد إليه يؤدي إليه،
من المعاش الفرق بينهما، على أن يخفض الجزء الذي يصرف من المعاش بمقدار ما يحصل عليه
من زيادات في أجره".
وتنص المادة 7 من القانون رقم 108 لسنة 1976 في شأن التأمين الاجتماعي على أصحاب الأعمال
ومن في حكمهم على ما يأتي: لا تسري أحكام هذا القانون على المؤمن عليهم المنتفعين بأحكام
قوانين المعاشات والتأمين الاجتماعي، كما لا تسري على أصحاب المعاشات المستحقين وفقاً
لأحكام القوانين المشار إليها.
ويجوز لصاحب المعاش أن يطلب الانتفاع بأحكام هذا القانون متى توافرت فيه شروط تطبيقه،
ويكون له في هذه الحالة طلب تحويل احتياطي معاشه وفقاً لأحكام الباب الخامس من هذا
القانون.
وحيث إن الثابت – بلا خلاف بين طرفي الخصومة – أن المدعي تم الاشتراك عنه مرتين بوصفه
عاملاً خاضعاً لنظام التأمين الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 – المشار إليه؛ وأنه
لا زال مشتركاً في هذا النظام؛ كما لم يسبق اشتراكه في نظام التأمين الاجتماعي على
أصحاب الأعمال؛ ومن ثم فإن نطاق الطعن الراهن ينحصر في نص الفقرتين الأولى والثانية
من المادة 40 من قانون التأمين الاجتماعي المشار إليه.
وحيث إن المدعي ينعي على النص المطعون فيه – محدداً نطاقاً على النحو المتقدم – تعارضه
من نص المادة السابعة من القانون رقم 108 لسنة 1976 في شأن التأمين الاجتماعي على أصحاب
الأعمال ومن في حكمهم. هذا فضلاً عن مخالفته نص المادة 40 من الدستور؛ إذ أنه يقيم
تفرقة غير مبررة بين طائفتين من أصحاب المعاشات المبكرة بحسب نوع العمل أو النشاط الذي
تباشره كل منهما بعد انتهاء خدمتها، فيقرر وفق صرف معاش الطائفة الأولى لمجرد التحاق
أفرادها بعمل جديد خاضع لقانون التأمين الاجتماعي ذاته؛ فيما يتيح لأفراد الطائفة الأخرى
خيار الجمع بين المعاش ودخولهم من نشاطهم، أو الخضوع لأحكام قانون التأمين الاجتماعي
على أصحاب الأعمال ومن في حكمهم.
وحيث إن النعي بمخالفة النص المطعون فيه لنص المادة 7 من قانون التأمين الاجتماعي على
أصحاب الأعمال ومن في حكمهم الصادر بالقانون رقم 108 لسنة 1976، مردود بأن الرقابة
القضائية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا في شأن دستورية القوانين واللوائح،
مناطها قيام تعارض بين نص قانوني وحكم في الدستور؛ ولا شأن لها بالتناقض بين تشريعين
سواء اتحدا أم اختلفا في مرتبتيهما.
وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة
– أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخوماً
لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها، وكان الدستور إذ يعهد بتنظيم موضوع معين إلى السلطة
التشريعية، فإن ما تقره من القواعد القانونية بصدده، لا يجوز أن ينال من الحق محل الحماية
الدستورية سواء بالنقض أو الانتقاص، ذلك أن إهدار الحقوق التي كفلها الدستور أو تهميشها،
عدوان على مجالاتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من خلالها.
وحيث إن البين من أحكام الدستور – بما يحقق تكاملها؛ ويؤمن الوحدة العضوية التي تجمعها،
ويصون ترابطها – أنه في مجال حق العمل والتأمين الاجتماعي، كفل الدستور – بنص مادته
الثالثة عشرة – أمرين:
أولهما إن العمل، ليس ترفاً ولا يمنح تفضلاً، وما نص عليه الدستور في الفقرة الأولى
من المادة 13 من اعتبار العمل حقاً، مؤداه ألا يكون تنظيم هذا الحق مناقضاً لفحواه،
وأن يكون فوق هذا اختياراً حراً، والطريق إليه محدداً وفق شروط موضوعية مناطها ما يكون
لازماً لانجازه. ولأهمية العمل في تقدم الجماعة وإشباع احتياجاتها، ولصلته الوثيقة
كذلك بالحق في التنمية بمختلف جوانبه، توليه الدولة تقديرها، وتزيل عوائقه وفقاً لإمكاناتها،
وبوجه خاص إذا امتاز أداء العمل وقام بتطوير عمله.
ثانيهما أن الأصل في العمل أن يكون إرادياً، ولا يجوز بالتالي أن يحمل عليه المواطن،
إلا أن يكون ذلك وفق القانون، وبوصفه تدبيراً استثنائياً ولتحقيق غرض عام، وبمقابل
عادل. وهي شروط تطلبها الدستور في العمل الإلزامي، وقيد المشرع بمراعاتها في مجال تنظيمه
كي لا يتخذ شكلاً من أشكال السخرة المنافية في جوهرها للحق في العمل باعتباره شرفاً،
والمجافية للمادة 13 من الدستور بفقرتيهما.
وحيث إن الدستور وقد شرط – بالفقرة الثانية من المادة 13 – اقتضاء الأجر العادل في
الأحوال التي يفرض فيها العمل جبراً لأداء خدمة عامة؛ وكان الإسهام في الحياة العامة
قد غدا واجباً وطنياً وفقاً لنص المادة 62 من الدستور؛ وكان على الجماعة كذلك – وعملاً
بنص المادة 12 منه – أن تعمل على التمكين لقيمها الخلقية والوطنية وفق مستوياتها الرفيعة؛
فإن الوفاء بالأجر عن عمل تم أداؤه في نطاق رابطة عقدية أو علاقة تنظيمية ارتبط طرفاها
بها، وحُدِّد الأجر من خلالها، يكون بالضرورة أحق بالحماية الدستورية.
وحيث إن المادة 122 من الدستور تخول المشرع – ومن أجل أن يوفر للمواطنين احتياجاتهم
الضرورية التي يتحررون بها من العوز، وينهضون معها بمسئوليتهم قبل أسرهم – صوغ القواعد
القانونية التي تتقرر بموجبها على خزانة الدولة، مرتبات المواطنين ومعاشاتهم وتعويضاتهم
وإعاناتهم ومكافآتهم، مع بيان أحوال الاستثناء منها، والجهات التي تتولى تطبيقها، إلا
أن التنظيم التشريعي للحقوق التي كفلها المشرع في هذا النطاق، يكون مجافياً أحكام الدستور،
ومنافياً لمقاصده، إذا تناول هذه الحقوق بما يهدرها أو يفرغها من مضمونها.
ولازم ذلك أن الحق في المعاش – إذا توافر أصل استحقاقه وفقاً للقانون – إنما ينهض التزاماً
على الجهة التي تقرر عليها.
وهو ما تؤكده قوانين التأمين الاجتماعي – على تعاقبها – إذ يبين منها أن المعاش الذي
تتوافر بالتطبيق لأحكامها شروط اقتضائه عند انتهاء خدمة المؤمن عليه وفقاً للنظم المعمول
بها، يعتبر التزاماً مرتباً بنص القانون في ذمة الجهة المدنية. وإذا كان الدستور قد
خطا بمادته السابعة عشرة خطوة أبعد في اتجاه دعم التأمين الاجتماعي، حين ناط بالدولة
أن تكفل لمواطنيها خدماتهم التأمينية – الاجتماعية منها والصحية – بما في ذلك تقرير
معاش لمواجهة بطالتهم أو عجزهم عن العمل أو شيخوختهم في الحدود التي يبينها القانون،
فذلك لأن مظلمة التأمين الاجتماعي – التي يمتد نطاقها إلى الأشخاص المشمولين بها –
هي التي تكفل لكل مواطن الحد الأدنى من المعاملة الإنسانية التي لا تمتهن فيها آدميته،
والتي توفر لحريته الشخصية مناخها الملائم، ولضمانة الحق في الحياة أهم روافدها، وللحقوق
التي يمليها التضامن بين أفراد الجماعة التي يعيش في محيطها، مقوماتها بما يؤكد انتماءه
إليها. وتلك هي الأسس الجوهرية التي لا يقوم المجتمع بدونها، والتي يعتبر التضامن الاجتماعي
وفقاً لنص المادة 7 من الدستور مدخلاً إليها.
وحيث إن الحق في المعاش – بالنسبة لمن قام به سبب استحقاقه – لا يعتبر منافياً للحق
في الأجر؛ وليس ثمة ما يحول دون اجتماعهما باعتبارهما مختلفين مصدراً وسبباً؛ فبينما
يعتبر نص القانون مصدراً مباشراً للحق في المعاش؛ فإن الحق في الأجر يرتد في مصدره
المباشر إلى رابطة العمل ذاتها.
كذلك يقوم الحق في المعاش وفقاً للقواعد التي تقرر بموجبها، وتحدد مقداره على ضوئها،
عن مدد قضاها أصحابها في الجهات التي كانوا يعملون بها، أدوا عنها حصصهم في التأمين
الاجتماعي، وذلك خلافاً لأجورهم التي يستحقونها من الجهة التي عادوا للعمل بها، إن
تعتبر مقابلاً مشروعاً لجهدهم فيها، وباعثاً دفعهم إلى التعاقد معها؛ ليكون القيام
بهذا العمل سبباً لاقتضائها.
وحيث إنه متى كان ذلك، وكانت الفقرة الثانية من المادة 40 من قانون التأمين الاجتماعي؛
تدل بعباراتها على أن المشرع عامل الأجر باعتباره بديلاً عن المعاش، حال أن الالتزام
لا يكون بدلياً إلا إذا قام المحل البديل فيه مقام المحل الأصلي، وهو بذلك يفترض مديناً
واحداً تقرر البدل لمصلحته، إذ تبرأ ذمته إذا أداه بدل المحل الأصلي. ولا كذلك حق الجمع
بين المعاش والأجر؛ ذلك أن الالتزام بهما ليس مترتباً في ذمة مدين واحد، ولا يقوم ثانيهما
مقام أولهما، فضلاً عن اختلافهما مصدراً؛ ومن ثم ينحل العدوان على أيهما إخلالاً بالملكية
الخاصة التي كفل الدستور أصل الحق فيها بنص المادة 34؛ وأحاطها بالحماية اللازمة لصونها؛
والتي جرى قضاء هذه المحكمة على انصرافها إلى الحقوق الشخصية والعينية على سواء؛ واتساعها
بالتالي للأموال بوجه عام.
وحيث إن هذه المحكمة كانت قد قضت بحكمها الصادر بجلسة الرابع عشر من يناير سنة 1995
في الطعن رقم 16 لسنة 15 قضائية "دستورية" بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة 40
من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 وذلك فيما نصت عليه من
أنه إذا عاد صاحب المعاش إلى عمل بإحدى الجهات التي خرجت من مجال تطبيق قانون التأمين
الاجتماعي لوجود نظام بديل مقرر وفقاً لقانون، يوقف صرف معاشه اعتباراً من أول الشهر
التالي وذلك حتى تاريخ انتهاء خدمته بالجهات المشار إليها، وبسقوط ما يتصل بها من أحكام
الفقرة الثانية من المادة ذاتها. كما قضت بحكمها الصادر بجلسة الرابع من فبراير 1995
في الطعن رقم 3 لسنة 16 قضائية "دستورية" بعدم دستورية ما تضمنته الفقرة الأولى من
المادة 99 من قانون التقاعد والتأمين والمعاشات للقوات المسلحة الصادر بالقانون رقم
90 لسنة 1975 من حظر الجمع بين معاش المخاطبين بها ومرتباتهم؛ وكان هذان الحكمان قد
كفلا لفئتين من المؤمن عليهم، حق الجمع بين معاشاتهم وأجورهم؛ وكان من المقرر في قضاء
هذه المحكمة أن صور التمييز المجافية للدستور وإن تعذر حصرها، إلا أن قوامها كل تفرقة
أو تقييد أو تفضيل أو استبعاد ينال بصورة تحكمية من الحقوق أو الحريات التي كفلها الدستور
أو القانون بما يحول دون مباشرتها على قدم من المساواة الكاملة بين المؤهلين قانوناً
للانتفاع بها؛ وكان التكافؤ في المراكز القانونية بين المشمولين بنظم التأمين الاجتماعي،
يقتضي ألا تكون معاشاتهم التي يستحقونها وفقاً لأحكامها، سبباً لحرمانهم من الأجور
التي يقتضونها مقابل أعمال التحقوا بها بعد انتهاء خدمتهم؛ وكان المخاطبون بالنص المطعون
فيه – دون غيرهم من نظرائهم – قد حرموا من حق الجمع بين معاشاتهم وأجورهم، فإن هذا
النص يكون متبنياً تمييزاً تحكمياً منهياً عنه بنص المادة 40 من الدستور.
وحيث إنه لما تقدم، يكون النص المطعون عليه مخالفاً أحكام المواد 7 و12 و13 و34 و40
و62 و122 من الدستور؛ ومن ثم يتعين الحكم بعدم دستوريته.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية الفقرتين الأولى والثانية من المادة 40 من قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
