قاعدة رقم الطعن رقم 47 لسنة 18 قضائية “دستورية”لم يتم التعرف على تاريخ الجلسة
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الثامن
من أول يوليو 1996 حتى آخر يونيو 1998 – صـ 639
جلسة 17 مايو 1997
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: عبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 47 لسنة 18 قضائية "دستورية"
1 – تفسير تشريعي – رقابة قضائية على الدستورية
التفسير التشريعي للنصوص القانونية لا يجوز أن يتخذ موطئاً للفصل في دستوريتها – القرار
الصادر من المحكمة الدستورية العليا بجلسة 3/ 7/ 1995 في طلب التفسير رقم 1 لسنة 17
قضائية ليس حجة في الدعوى بعدم دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة 45 من قانون العمل.
2 – عقد العمل "أجازة سنوية".
حق العامل في الأجازة السنوية مرتبط بعقد العمل.
3 – تشريع "الفقرة الأخيرة من المادة 43 من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة
1981: أجازة سنوية"
دلالة حكم هذه الفقرة على أن الأجازة السنوية فريضة اقتضاها المشرع من كل من العامل
ورب العمل – الحق في الأجازة السنوية يتصل بقيمة العمل وجدواه – القانون مصدر مباشر
لهذا الحق – ما يقابلها من الأجر بعد الحصول عليها مكفول لكل عامل – بطلان كل اتفاق
على خلاف ذلك.
4 – تشريع "المادة 45 من قانون العمل: أجازة سنوية".
حد أدنى للأجازة السنوية – تأكيد هذه المادة على حقين متوازيين هما: حق العامل في تأجيل
أجازته السنوية بشرط ألا تزيد مدتها الجائز ضمها على ثلاثة أشهر، حق رب العمل في تحديد
موعدها ثم تقصيرها بعد بدئها أو تأجيلها أو قطعها لمصلحة العمل.
5 – تنظيم الحقوق "سلطة تقديرية"
الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها
بضوابط تحد من إطلاقها – عدم جواز المساس بحقوق كفلها الدستور.
6 – تشريع "الفقرة 3 من المادة 45 من قانون العمل: أجازة سنوية".
دلالة هذه الفقرة على عدم جواز اتخاذ العامل الأجازة السنوية وعاء ادخارياً – ضماناً
من المشرع لمصلحة العمل لم يجز أن يحصل العامل على أجر عن رصيد أجازاته إلا عن مدة
لا تجاوز ثلاثة أشهر – مسئولية رب العمل عن هذا الرصيد بكامله إذا فوت على العامل الحصول
على أجازته – جواز حصول العامل عليه عيناً وإلا تعين التعويض عنه بما يساوي الأجر المستحق
عنه.
7 – دستور "المادة 13 – حق العمل" – أجازة سنوية.
تخويل الدستور السلطة التشريعية بمقتضى المادة 13 تنظيم حق العمل – عدم جواز انفصال
الشروط التي يتطلبها المشرع لمباشرة عمل بذاته عن متطلبات ممارسته وإلا كان تقريرها
انحرافاً بها عن غاياتها – عدم جواز إهدار المشرع حقوقاً يملكها العامل ومنها حقه في
الأجازة السنوية – لا يجوز لجهة العمل حجب الأجازة عن عامل يستحقها.
8 – تشريع "المادة 45 من قانون العمل" – تعويض "حماية دستورية".
عدم ترخيص الفقرة الثالثة من هذه المادة للعامل بأن يضم من أجازاته السنوية ما يزيد
على ثلاثة شهور – حرمان جهة العمل العامل من أجازة يستحقها فيما يجاوز الأشهر الثلاثة
تفويت لحقه فيما يقابله من تعويض عنها – حقه في التعويض يعتبر من العناصر الإيجابية
لذمته المالية – هذا الحق الشخصي يندرج في إطار الحقوق التي تكفل المادتان 32 و34 من
الدستور حمايتها.
1 – إن القرار الصادر عن المحكمة الدستورية العليا بجلستها المعقودة في 3 من يوليو
1995 في شأن طلب التفسير المقيد بجدولها تحت رقم 19 لسنة 17 قضائية "تفسير" قد خلص
إلى أن حكم المادة 47 من قانون العمل مقيد بالفقرة الثالثة من المادة 45 من هذا القانون
ليدور في فلكها، وليتحدد مرماه بالتالي على ضوئها. ذلك أن حق العمال في الحصول على
شروط عمل منصفة ومرضية؛ ولا ينفصل عن تمتعهم بالأجر العادل دون تمييز لا يتعلق بقيمة
العمل؛ ولا عن حقهم في الحصول على أجازاتهم السنوية، وواجبهم في الانتفاع بها، باعتبار
أن النهوض بالعمل يقتضيها، ولأنها تصون قواهم وتكفل حيويتها. ولو جاز القول بأن المادة
47 من قانون العمل، تخول العمال حق الحصول على أجر عن كامل رصيد أجازاتهم هذه "أياً
كان مقداره" لأهدر العمال طاقاتهم من خلال ترحيلها من عام إلى عام، ليكون تجميعها في
النهاية "مورداً مالياً" يعتمدون عليه عند انتهاء خدمتهم. وما لذلك شرع الحق في الأجازة
السنوية، ولا هو من مقاصدها. ولا يجوز بالتالي النظر إلى المادة 47 من قانون العمل
باعتبار أنها توفر للعامل مقابلاً نقدياً لأجازاته السنوية التي لم يستعملها أياً كان
رصيدها. بل يتعين تفسيرها بما يؤكد حق العامل في أن يستعيد طاقاته وقدراته التي استنزفها
العمل صوناً للقوة البشرية الإنتاجية من أن تصير بدداً. ذلك أن النصوص القانونية لا
تصاغ من فراغ، ولا يجوز انتزاعها من واقعها محدداً على ضوء المصلحة المقصودة منها،
وهي بعد مصلحة اجتماعية يجب أن تدور هذه النصوص معها، ويفترض أن المشرع قد تغياها.
وقد انتهت هذه المحكمة – وعلى ضوء تفسيرها لإرادة المشرع التي قصد إلى تحقيقها بنص
المادة 47 من قانون العمل – إلى أن حق العامل في الحصول على أجر عن أيام الأجازة التي
يستحقها حال تركه العمل قبل استعمالها – وذلك بالنسبة إلى المدة التي لم يحصل على أجازة
عنها – لا يجوز أن يجاوز أجر ثلاثة أشهر.
ومن المقرر في قضاء هذه المحكمة، أن التفسير التشريعي للنصوص القانونية لا يجوز أن
يُتَّخذ موطئاً للفصل في دستوريتها، تمهيداً لتقرير صحتها أو بطلانها، ذلك أن المادة
26 من قانونها، لا تخولها غير استصفاء إرادة المشرع واستخلاصها "دون تقييم لها" وعلى
تقدير أن النصوص القانونية إنما ترد إلى هذه الإرادة وتحمل عليها حملاً تقصياً لدلالتها،
وذلك سواء التأم مضمونها مع أحكام الدستور أم كان منافياً لها.
2 – إن حق العامل في الأجازة السنوية مرتبط بعقد العمل، ومن ثم يظل هذا الحق قائماً
– بالشروط التي حددها المشرع – ما بقى عقد العمل نافذاً، دالاً على استمرار العامل
في خدمة رب العمل.
3 – إن ما تغياه المشرع من ضمان حق العامل في أجازة سنوية بالشروط التي حددها، هو أن
يستعيد العامل خلالها قواه المادية والمعنوية. ولا يجوز بالتالي أن ينزل العامل عنها،
ولو كان هذا النزول ضمنياً بالامتناع عن طلبها، وهو ما تردد بالفقرة الأخيرة من المادة
43 من قانون العمل التي يدل حكمها على أن هذه الأجازة فريضة اقتضاها المشرع من كل من
العامل ورب العمل، فلا يملك أيهما إهدارها، ولا أن يدعي العامل أنه بالخيار بين طلبها
أو تركها، وإلا كان التخلي عنها إنهاكاً لقواه، وتبديداً لطاقاتها مؤذناً بوهنها ثم
اندثارها؛ وإضراراً بمصلحة العمل ذاتها التي يتعذر صونها مع الاستمرار فيه دون انقطاع.
وهو ما يعني أن الحق في الأجازة السنوية يتصل بقيمة العمل وجدواه؛ وينعكس بالضرورة
على كيان الجماعة ويمس مصالحها العليا صوناً لقوتها الإنتاجية البشرية. بما مؤداه أن
طلب العامل أجازته السنوية، لا يعتبر منشئاً للحق فيها، ولا السكوت عنها مسقطاًً لهذا
الحق، فلا خيار للعامل في أن يفيد منها أو يعرض عنها وقد صار القانون مصدراً مباشراً
لها، بل إن ما يقابلها من الأجر – بعد الحصول عليها – يتعين أن يكون مكفولاً لكل عامل،
وإلا أحجم عنها. ويقع كذلك باطلاً بطلاناً مطلقاً على خلافها. وكان ضرورياً بالتالي
– وضماناً لتحقيق الأغراض المقصودة من الأجازة السنوية – أن تنص الفقرة الأولى من المادة
46 من قانون العمل على أن اشتغال العامل – أثناء الأجازة التي حصل عليها – عند رب عمل
آخر، يقتضي حرمانه من الأجر المستحق عنها، فإذا كان قد تقاضاه، كان رده متعيناً.
4 – إن الأجازة السنوية – وعلى ما تنص عليه الفقرة الأولى من المادة 45 من قانون العمل
– لا يجوز أن تقل عن ستة أيام متصلة. وفيما يجاوز هذا الحد الأدنى، تؤكد الفقرتان الثانية
والثالثة من هذه المادة ذاتها، ضمانهما لحقين متوازيين أو متقابلين لكل من العامل ورب
العمل؛ أولهما حق العامل في أن يطلب كتابة تأجيل أجازته السنوية إلى سنة أو سنين مقبلة،
بشرط ألا تزيد مدتها الجائز ضمها على ثلاثة أشهر؛ ثانيهما حق رب العمل في تحديد موعدها
ثم تقصيرها بعد بدئها أو تأجيلها أو قطعها – إذا لم يكن العامل حدثاً – وذلك كلما كان
هذا الإجراء مبرراً بمصلحة العمل، مستنداً إلى متطلباتها.
5 – الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة
– أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخوماً
لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها؛ وكان الدستور إذ يعهد بتنظيم موضوع معين إلى السلطة
التشريعية، فإن القواعد التي تقرها في شأنه، لا يجوز أن تنال من الحقوق التي كفل الدستور
صونها سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها.
6 – إن المشرع قد دل بالفقرة الثالثة من المادة 45 من قانون العمل، على أن العامل لا
يجوز أن يتخذ من الأجازة السنوية "وعاءً ادخارياً" من خلال ترحيل مددها التي تراخى
في استعمالها – وأياً كان مقدارها – ثم تجميعها ليحصل العامل بعد انتهاء خدمته على
ما يقابلها من الأجر؛ وكان ضمان المشرع لمصلحة العمل ذاتها قد اقتضاه أن يرد على العامل
سوء قصده، فلم يجز أن يحصل على أجر عن هذا الرصيد إلا عن مدة لا تجاوز ثلاثة أشهر؛
وهي بعد مدة قدر المشرع أن قِصَرها يعتبر كافلاً للأجازة السنوية غاياتها، فلا تفقد
مقوماتها أو تتعطل وظائفها؛ إلا أن هذه المدة – التي حدد المشرع أقصاها – ينبغي أن
يكون سريانها مقصوراً على تلك الأجازة التي قصد العامل إلى عدم الانتفاع بها من أجل
تجميعها. فإذا كان تفويتها منسوباً إلى رب العمل؛ ومنتهياً إلى الحرمان منها فيما يجاوز
ثلاثة الأشهر؛ كان مسئولاً عنها بكاملها. ويجوز للعامل عندئذ – وكأصل عام – أن يطلبها
جملة أياً كان مقدارها إذا كان اقتضاء ما تجمع من أجازاته السنوية على هذا النحو ممكناً
عيناً، وإلا تعين أن يكون التعويض عنها، مساوياً – وعلى الأقل – لأجره عن هذا الرصيد
أياً كان مقداره؛ تقديراً بأن المدة التي أمتد إليها الحرمان من استعمال تلك الأجازة،
سببها إجراء اتخذه رب العمل، وعليه أن يتحمل تبعته.
7 – من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن لكل حق أوضاعاً يقتضيها، وآثاراً يرتبها، من
بينها – وفي مجال حق العمل – ضمان الشروط التي يكون أداء العمل في نطاقها منصفاً وإنسانياً
ومواتياً، فلا تنتزع هذه الشروط قسراً من محيطها، ولا ترهق بفحواها بيئة العمل ذاتها؛
أو تناقض بأثرها ما ينبغي أن يرتبط حقاً وعقلاً بالشروط الضرورية لأداء العمل بصورة
طبيعية لا تحامل فيها. ومن ثم لا يجوز أن تنفصل الشروط التي يتطلبها المشرع لمباشرة
عمل أو أعمال بذواتها، عن متطلبات ممارستها؛ وإلا كان تقريرها انحرافاً بها عن غاياتها.
إن الدستور وإن خول السلطة التشريعية بنص المادة 13 تنظيم حق العمل، إلا أنها لا يجوز
أن تعطل جوهره، ولا أن تتخذ من حمايتها للعامل موطئاً لإهدار حقوق يملكها، وعلى الأخص
تلك التي تتصل بالأوضاع التي ينبغي أن يمارس فيها، ويندرج تحتها الحق في الإجازة السنوية
التي لا يجوز لجهة العمل أن تحجبها عن عامل يستحقها، وإلا كان ذلك منها عدواناً على
سلامته صحياً ونفسياً؛ وإخلالاً بأحد التزاماتها الجوهرية التي يعتبر نص القانون مصدراً
مباشراً لها، والتي لا يجوز للعامل أن يسقطها أو يتسامح فيها؛ ونكولاً عن الحدود المنطقية
التي ينبغي وفقاً للدستور أن تكون إطاراً لحق العمل، واستتاراً بتنظيم هذا الحق للحد
من مداه.
8 – الفقرة الثالثة من المادة 45 من قانون العمل المطعون عليها، لا ترخص للعامل بأن
يضم من مدة الأجازة السنوية التي قام بتجميعها ما يزيد عن ثلاثة شهور، حماية منها للعامل
حتى لا يبدد قواه؛ وكان أكثر ما يهدد العامل أن تتذرع جهة العمل بواجبها في تنظيمه
لتحول دون حصول العامل على أجازة يستحقها. إذ يعتبر الحرمان منها – وفيما يجاوز الأشهر
الثلاثة التي حددتها الفقرة المطعون عليها – تفويتاً لحق العامل فيما يقابلها من تعويض
يتحدد مداه بقدر الأضرار التي رتبها هذا الحرمان، ما كان منها مادياً أو معنوياً. وإذ
كان الحق في هذا التعويض ذا قيمة ماليه، فإنه يعتبر من العناصر الإيجابية للذمة المالية
للعامل، وحقاً شخصياً يندرج في إطار الحقوق التي تكفلها المادتان 32 و34 من الدستور
اللتان صان بهما الملكية الخاصة، والتي جرى قضاء هذه المحكمة على اتساعها للأموال بوجه
عام، وانصرافها بالتالي إلى الحقوق الشخصية والعينية جميعها، وكذلك إلى حقوق الملكية
الأدبية والفنية والصناعية.
الإجراءات
بتاريخ الثاني والعشرين من مايو سنة 1996، أودع المدعي صحيفة هذه
الدعوى قلم كتاب المحكمة، طلباً الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الثالثة من المادة 45
من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة 1981 فيما تضمنته من مخاطبتها للعامل
سواء بسواء مع رب العمل، من حيث عدم جواز ضم رصيد الأجازات بما يزيد عن ثلاثة أشهر.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة اختتمتها بطلب الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي
كان قد أقام الدعوى رقم 711 لسنة 1994 عمال جزئي القاهرة ضد شركة مصر للسياحة طالباً
الحكم بأحقيته في صرف المقابل النقدي لرصيد أجازاته الاعتيادية التي لم يستنفدها قبل
تركه العمل، وما يترتب على ذلك من آثار، تأسيساً على أن كان يعمل لدى شركة مصر للسياحة
إلى أن انتهت خدمته بها في 15/ 7/ 1993، وقد تقدم إليها بطلب صرف المقابل النقدي لرصيد
أجازاته البالغ 509 يوماً، إلا أن الشركة اقتصرت على صرف مقابل نقدي لثلاثة أشهر فقط
من ذلك الرصيد، مخالفة بذلك المادة 47 من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة
1981، سيما وأن نظام العاملين بالقطاع العام قد أباح ضم رصيد الأجازات وترحيله إلى
سنوات تالية دون قيد.
وبتاريخ 28 من مارس سنة 1995 قضت المحكمة بإلزام شركة مصر للسياحة بأن تؤدي للمدعي
مبلغ ثلاثة آلاف وأربعمائة وثلاثة وستين جنيهاً وسبعة عشر مليماً، وإذ لم يرتض المدعي
هذا الحكم فقد طعن عليه بالاستئناف رقم 89 لسنة 1995 أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية.
وأثناء نظره دفع بعدم دستورية الفقرة الثالثة من المادة 5 من قانون العمل. وقد قدرت
محكمة الموضوع جدية الدفع، وصرحت للمدعي برفع الدعوى الدستورية، فأقامها.
وحيث إن المادة 45 من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة 1981 تقضي بما يأتي:
"يحدد صاحب العمل مواعيد الأجازة الاعتيادية حسب مقتضيات العمل وظروفه ولا يجوز تقصيرها
أو تأجيلها أو قطعها إلا لأسباب قوية تقتضيها مصلحة العمل. وفي جميع الأحوال يجب أن
يحصل العامل على أجازة سنوية مدتها ستة أيام متصلة على الأقل.
وللعامل الحق في تحديد موعد أجازته السنوية إذا كان متقدماً لأداء الامتحان في إحدى
مراحل التعليم بشرط أن يخطر صاحب العمل قبل قيامه بالأجازة بأسبوعين على الأقل.
ويجوز بناء على طلب كتابي من العامل ضم مدة الأجازة السنوية فيما زاد على الستة أيام
المشار إليها، بشرط ألا تزيد بأية حال على ثلاثة أشهر".
وحيث إن المادة 47 من هذا القانون، تنص على أن للعامل الحق في الحصول على أجره عن أيام
الأجازة التي يستحقها حال تركه العمل قبل استعمالها، وذلك بالنسبة إلى المدة التي لم
يحصل على أجازة عنها.
وحيث إن القرار الصادر عن المحكمة الدستورية العليا بجلستها المعقودة في 3 من يوليو
1995 في شأن طلب التفسير المقيد بجدولها تحت رقم 19 لسنة 17 قضائية "تفسير" قد خلص
إلى أن حكم المادة 47 من قانون العمل مقيد بالفقرة الثالثة من المادة 45 من هذا القانون
ليدور في فلكها، وليتحدد مرماه بالتالي على ضوئها. ذلك أن حق العمال في الحصول على
شروط عمل منصفة ومرضية؛ لا ينفصل عن تمتعهم بالأجر العادل دون تمييز لا يتعلق بقيمة
العمل؛ ولا عن حقهم في الحصول على أجازاتهم السنوية، وواجبهم في الانتفاع بها، باعتبار
أن النهوض بالعمل يقتضيها، ولأنها تصون قواهم وتكفل حيويتها. ولو جاز القول بأن المادة
47 من قانون العمل، تخول العمال حق الحصول على أجر عن كامل رصيد أجازاتهم هذه – أياً
كان مقداره – لأهدر العمال طاقاتهم من خلال ترحيلها من عام إلى عام، ليكون تجميعها
في النهاية "مورداً مالياً" يعتمدون عليه عند انتهاء خدمتهم. وما لذلك شُرع الحق في
الأجازة السنوية، ولا هو من مقاصدها. ولا يجوز بالتالي النظر إلى المادة 47 من قانون
العمل باعتبار أنها توفر للعامل مقابلاً نقدياً لأجازاته السنوية التي لم يستعملها
أياً كان رصيدها. بل يتعين تفسيرها بما يؤكد حق العامل في أن يستعيد طاقاته وقدراته
التي استنزفها العمل صوناً للقوة البشرية الإنتاجية من أن تصير بدداً. ذلك أن النصوص
القانونية لا تصاغ من فراغ، ولا يجوز انتزاعها من واقعها محدداً على ضوء المصلحة المقصودة
منها، وهي بعد مصلحة اجتماعية يجب أن تدور هذه النصوص معها، ويفترض أن المشرع قد تغياها.
وحيث إن هذه المحكمة – وعلى ضوء تفسيرها لإرادة المشرع التي قصد إلى تحقيقها بنص المادة
47 من قانون العمل – قد انتهت إلى أن حق العامل في الحصول على أجر عن أيام الأجازة
التي يستحقها حال تركه العمل قبل استعمالها – وذلك بالنسبة إلى المدة التي لم يحصل
على أجازة عنها – لا يجوز أن يجاوز أجر ثلاثة أشهر.
وحيث إن من المقرر في قضاء هذه المحكمة، أن التفسير التشريعي للنصوص القانونية لا يجوز
أن يُتَّخذ موطئاً للفصل في دستوريتها، تمهيداً لتقرير صحتها أو بطلانها، ذلك أن المادة
26 من قانونها، لا تخولها غير استصفاء إرادة المشرع واستخلاصها "دون تقييم لها" وعلى
تقدير أن النصوص القانونية إنما تُرد إلى هذه الإرادة وتُحمل عليها حملاً تقصياً لدلالتها،
وذلك سواء التأم مضمونها مع أحكام الدستور أم كان منافياً لها.
وحيث إن المدعي ينعي على الفقرة الثالثة من المادة 45 من قانون العمل مخالفتها للمادتين
33 و35 من الدستور التي تقضي أولاهما بأن ينظم الاقتصاد القومي وفقاً لخطة تنمية شاملة
تكفل زيادة الدخل…. وربط الأجر بالإنتاج؛ وثانيتهما بأن يكون لكل مواطن نصيب في الناتج
القومي يحدده القانون بمراعاة عمله أو ملكيته غير المستغلة. وسنده في ذلك أن المركز
القانوني للعامل يختلف اختلافاً كلياً عن مركز رب العمل، فلا يملك العامل أن ينظم أجازاته،
ولا أن يصرح بها لنفسه, ولا أن يعترض على تشغيله. فإذا استفاد رب العمل من إنتاجه خلال
الأجازات القانونية، استحق بالتالي أجره عنها. وكان يتعين أن يكون الحد الأقصى لرصيد
الأجازات – التي يجوز للعامل أن يضمها – ومقداره ثلاثة أشهر – قيداً على رب العمل لا
على العامل الذي لا يملك من أمره شيئاً بحيث إذا عمل أكثر من هذه المدة خلال أجازاته،
استحق الأجر بقدر المدة التي عمل خلالها، وإلا كان الحرمان من هذا الأجر إثراء لرب
العمل دون سبب، وافتقاراً للعامل بقدر هذا الإثراء.
وحيث إن حق العامل في الأجازة السنوية مرتبط بعقد العمل، ومن ثم يظل هذا الحق قائماً
– بالشروط التي حددها المشرع – ما بقى عقد العمل نافذاً، دالاً على استمرار العامل
في خدمة رب العمل.
وحيث إن ما تغياه المشرع من ضمان حق العامل في أجازة سنوية بالشروط التي حددها، هو
أن يستعيد العامل خلالها قواه المادية والمعنوية. ولا يجوز بالتالي أن ينزل العامل
عنها، ولو كان هذا النزول ضمنياً بالامتناع عن طلبها، وهو ما تردد بالفقرة الأخيرة
من المادة 43 من قانون العمل التي يدل حكمها على أن هذا الأجازة فريضة اقتضاها المشرع
من كل من العامل ورب العمل، فلا يملك أيهما إهدارها، ولا أن يدعي العامل أنه بالخيار
بين طلبها أو تركها، وإلا كان التخلي عنها إنهاكاً لقواه، وتبديداً لطاقاتها مؤذناً
بوهنها ثم اندثارها؛ وإضراراً بمصلحة العمل ذاتها التي يتعذر صونها مع الاستمرار فيه
دون انقطاع. وهو ما يعني أن الحق في الأجازة السنوية يتصل بقيمة العمل وجدواه؛ وينعكس
بالضرورة على كيان الجماعة ويمس مصالحها العليا صوناً لقوتها الإنتاجية البشرية. بما
مؤداه أن طلب العامل أجازته السنوية، لا يعتبر منشئاً للحق فيها، ولا السكوت عنها مسقطاً
لهذا الحق، فلا خيار للعامل في أن يفيد منها أو يعرض عنها وقد صار القانون مصدراً مباشراً
لها، بل إن ما يقابلها من الأجر – بعد الحصول عليها – يتعين أن يكون مكفولاً لكل عامل،
وإلا أحجم عنها. ويقع كذلك باطلاً بطلاناً مطلقاً كل اتفاق على خلافها. وكان ضرورياً
بالتالي – وضماناً لتحقيق الأغراض المقصودة من الأجازة السنوية – أن تنص الفقرة الأولى
من المادة 46 من قانون العمل على أن اشتغال العامل – أثناء الأجازة التي حصل عليها
– عند رب عمل آخر، يقتضي حرمانه من الأجر المستحق عنها، فإذا كان قد تقاضاه، كان رده
متعيناً.
وحيث إن الأجازة السنوية – وعلى ما تنص عليه الفقرة الأولى من المادة 45 من قانون العمل
– لا يجوز أن تقل عن ستة أيام متصلة. وفيما يجاوز هذا الحد الأدنى، تؤكد الفقرتان الثانية
والثالثة من هذه المادة ذاتها، ضمانهما لحقين متوازيين أو متقابلين لكل من العامل ورب
العمل؛ أولهما حق العامل في أن يطلب كتابة تأجيل أجازته السنوية إلى سنة أو سنين مقبلة،
بشرط ألا تزيد مدتها الجائز ضمها على ثلاثة أشهر؛ ثانيهما حق رب العمل في تحديد موعدها
ثم تقصيرها بعد بدئها أو تأجيلها أو قطعها – إذا لم يكن العامل حدثاً – وذلك كلما كان
هذا الإجراء مبرراً بمصلحة العمل، مستنداً إلى متطلباتها.
وحيث إن الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة
– أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخوماً
لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها؛ وكان الدستور إذ يعهد بتنظيم موضوع معين إلى السلطة
التشريعية، فإن القواعد التي تقرها في شأنه، لا يجوز أن تنال من الحقوق التي كفل الدستور
صونها سواء بنقضها أو بانتقاصها من أطرافها.
وحيث إن المشرع قد دل بالفقرة الثالثة من المادة 45 من قانون العمل، على أن العامل
لا يجوز أن يتخذ من الأجازة السنوية "وعاءً ادخارياً" من خلال ترحيل مددها التي تراخى
في استعمالها – وأياً كان مقدارها – ثم تجميعها ليحصل العامل بعدم انتهاء خدمته على
ما يقابلها من الأجر؛ وكان ضمان المشرع لمصلحة العمل ذاتها قد اقتضاه أن يرد على العامل
سوء قصده، فلم يجز أن يحصل على أجر عن هذا الرصيد إلا عن مدة لا تجاوز ثلاثة أشهر؛
وهي بعد مدة قدر المشرع أن قِصَرها يعتبر كافلاً للأجازة السنوية غاياتها، فلا تفقد
مقوماتها أو تتعطل وظائفها؛ إلا أن هذه المدة – التي حدد المشرع أقصاها – ينبغي أن
يكون سريانها مقصوراً على تلك الأجازة التي قصد العامل إلى عدم الانتفاع بها من أجل
تجميعها. فإذا كان تفويتها منسوباً إلى رب العمل؛ ومنتهياً إلى الحرمان منها فيما يجاوز
ثلاثة الأشهر؛ كان مسئولاً عنها بكاملها. ويجوز للعامل عندئذ – وكأصل عام – أن يطلبها
جملة أياً كان مقدارها إذا كان اقتضاء ما تجمع من أجازاته السنوية على هذا النحو ممكناً
عيناً، وألا تعين أن يكون التعويض عنها، مساوياً – وعلى الأقل – لأجره عن هذا الرصيد
أياً كان مقداره؛ تقديراً بأن المدة التي أمتد إليها الحرمان من استعمال تلك الأجازة،
سببها إجراء اتخذه رب العمل، وعليه أن يتحمل تبعته.
وحيث إن من المقرر في قضاء هذه المحكمة أن لكل حق أوضاعاً يقتضيها، وآثاراً يرتبها،
من بينها – وفي مجال حق العمل – ضمان الشروط التي يكون أداء العمل في نطاقها منصفاً
وإنسانياً ومواتياً، فلا تنتزع هذه الشروط قسراً من محيطها، ولا ترهق بفحواها بيئة
العمل ذاتها؛ أو تناقض بأثرها ما ينبغي أن يرتبط حقاً وعقلاً بالشروط الضرورية لأداء
العمل بصورة طبيعية لا تحامل فيها. ومن ثم لا يجوز أن تنفصل الشروط التي يتطلبها المشرع
لمباشرة عمل أو أعمال بذواتها، عن متطلبات ممارستها؛ وإلا كان تقريرها انحرافاً بها
عن غاياتها.
وحيث إن الدستور وإن خول السلطة التشريعية بنص المادة 13 تنظيم حق العمل، إلا أنها
لا يجوز أن تعطل جوهره، ولا أن تتخذ من حمايتها للعامل موطئاً لإهدار حقوق يملكها،
وعلى الأخص تلك التي تتصل بالأوضاع التي ينبغي أن يمارس فيها، ويندرج تحتها الحق في
الإجازة السنوية التي لا يجوز لجهة العمل أن تحجبها عن عامل يستحقها، وإلا كان ذلك
منها عدواناً على سلامته صحياً ونفسياً؛ وإخلالاً بأحد التزاماتها الجوهرية التي يعتبر
نص القانون مصدراً مباشراً لها، والتي لا يجوز للعامل أن يسقطها أو يتسامح فيها؛ ونكولاً
عن الحدود المنطقية التي ينبغي وفقاً للدستور أن تكون إطاراً لحق العمل، واستتاراً
بتنظيم هذا الحق للحد من مداه.
وحيث إن الفقرة الثالثة من المادة 45 من قانون العمل المطعون عليها، لا ترخص للعامل
بأن يضم من مدة الأجازة السنوية التي قام بتجميعها ما يزيد عن ثلاثة شهور، حماية منها
للعامل حتى لا يبدد قواه؛ وكان أكثر ما يهدد العامل أن تتذرع جهة العمل بواجبها في
تنظميه لتحول دون حصول العامل على أجازة يستحقها. إذ يعتبر الحرمان منها – وفيما يجاوز
الأشهر الثلاثة التي حددتها الفقرة المطعون عليها – تفويتاً لحق العامل فيما يقابلها
من تعويض يتحدد مداه بقدر الأضرار التي رتبها هذا الحرمان، ما كان منها مادياً أو معنوياً.
وإذ كان الحق في هذا التعويض ذا قيمة ماليه، فإنه يعتبر من العناصر الإيجابية للذمة
المالية للعامل، وحقاً شخصياً يندرج في إطار الحقوق التي تكفلها المادتان 32 و34 من
الدستور اللتان صان بهما الملكية الخاصة، والتي جرى قضاء هذه المحكمة على اتساعها للأموال
بوجه عام، وانصرافها بالتالي إلى الحقوق الشخصية والعينية جميعها، وكذلك إلى حقوق الملكية
الأدبية والفنية والصناعية.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم دستورية ما تضمنته الفقرة الثالثة من المادة 45 من قانون العمل الصادر بالقانون رقم 137 لسنة 1981، من ألا تزيد على ثلاثة أشهر مدة الأجازة السنوية التي يجوز للعامل أن يضمها، ولو كان الحرمان من هذه الأجازة – فيما جاوز من رصيدها هذا الحد الأقصى – عائداً إلى رب العمل، وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
( أ ) صدر هذا الحكم من الهيئة المبينة بصدره أما السيد المستشار
سامي فرج يوسف الذي سمع المرافعة وحضر المداولة ووقع مسودة الحكم فقد جلس بدله عند
تلاوته السيد المستشار فاروق عبد الرحيم غنيم.
(ب) استناداً إلى الحجية المطلقة لهذا الحكم. قضت المحكمة – خلال الفترة التي صدر عنها
هذا الجزء من أحكامها – باعتبار الخصومة منتهية في الدعاوى المماثلة الآتية:
1 – الدعوى رقم 25 لسنة 18 دستورية جلسة 7/ 6/ 1997.
2 – الدعوى رقم 110 لسنة 18 دستورية جلسة 1/ 9/ 1997.
