الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 17 لسنة 18 قضائية “دستورية”لم يتم التعرف على تاريخ الجلسة

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الثامن
من أول يوليو 1996 حتى آخر يونيو 1998 – صـ 591

جلسة 3 مايو 1997

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 17 لسنة 18 قضائية "دستورية"

1 – رقابة قضائية "محلها" – المحكمة الدستورية العليا "ولايتها".
الولاية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا في مجال الرقابة القضائية الدستورية تفترض أن يكون القانون بمعناه الموضوعي محلاً لهذه الرقابة – انصرافه إلى كل قاعدة قانونية أقرتها السلطة التشريعية أو أصدرتها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها الدستورية.
2 – تشريع "قانونا الاستثمار رقما: 43 لسنة 1974، 230 لسنة 1989: ضمانات".
كفالة المشرع لمشروعات الاستثمار تمتعها بالضمانات والمزايا والإعفاءات التي قررها وبحظر فرض أية أعباء على هذه المشروعات تخل بمبدأ المساواة بينها وبين مشروعات القطاع الخاص العاملة في النشاط ذاته.
المزايا التفضيلية التي كفلها هذان القانونان لاستثمار رءوس الأموال العربية والأجنبية غايتها ضمان تدفقها إلى مصر – دون قيود غير مبررة.
3 – دستور "المادة 40" – "مبدأ المساواة: نطاقه".
إرساء الدستور بنص هذه المادة لمبدأ المساواة أمام القانون، ضمانة جوهرية لتحقيق العدل – امتداد تطبيقه إلى الحقوق والحريات التي كفلها الدستور، وتلك التي تقررت بقانون في حدود السلطة التقديرية التي يملكها المشرع – من المتعين أن تنتظمها أسس موحدة لا تمييز فيها بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها – كفالة المشرع لمشروعات بذواتها مزايا تفضيلية تغدو حقوقاً لا يجوز تهوينها – من غير الجائز فرض مغايرة في المعاملة ما لم يكن مبرراً بفروق منطقية مرتبطة عقلاً بالأغراض التي يتوخاها العمل التشريعي – استحالة أن يكون التقدير الموضوعي لمعقولية التقسيم التشريعي منفصلاً كلية عن الأغراض النهائية للقانون للمطعون فيه – جواز هذا التقسيم مرتبط بالقيود التي يفرضها الدستور على هذه الأغراض.
4 – مبدأ المساواة "تكافؤ".
مؤدى تكافؤ المتماثلين في الحماية القانونية أنها ينبغي أن تسعهم جميعاً – قصد المشرع إجراء تمييز مناقض للدستور أو إخلال الآثار التي يحدثها التمييز بأغراض قصد الدستور إلى إرسائها: تمييز غير مغتفر في الحالتين – المراكز القانونية التي يتعلق بها مبدأ المساواة أمام القانون هي التي تتحد في العناصر التي رتب عليها المشرع أثراً قانونياً محدداً – عدم جواز انتقاص المشرع من المزايا التي ربطها بوجود المركز القانوني.
5 – تشريع: "قانون الاستثمار: مزايا".
من غير الجائز تقليص المزايا التي أتت رءوس الأموال العربية والأجنبية معتمدة عليها من خلال فرض أعباء جديدة تحد من نطاقها.
6 – تشريع "القانون رقم 1 لسنة 1973: منشآت فندقية".
اختصاص وزير السياحة إعمالاً لهذا القانون – بتقدير أسعار خدمات تلك المنشآت وفق حقيقة مستوياتها.
7- استثمار "عائد".
معدل عائد الاستثمار في بلد معين مرتبط بالتدابير التي تتخذها وتؤثر في مداه ومجراه.
8 – تشريع: "قرار وزير البترول رقم 42 لسنة 1981: تمييز":
انطواء هذا القرار على تمييز في الأعباء بين الشركات الخاضعة لقانون الاستثمار والخارجة عن مجال تطبيقه في نطاق قواعد محاسبة كل منها عن مسحوباتها من المواد البترولية – وهو تمييز مخالف للدستور.
9 – استثمار "مزايا تفضيلية".
عدم جواز نقض المزايا التفضيلية التي منحها المشرع للمشروعات الاستثمارية بعد تعلق الاستثمار بها – لا دليل على أن هذه المزايا التي قررها قانونا الاستثمار جاوزت حدودها المنطقية.
10 – ملكية خاصة "حماية: نطاقها".
امتداد الحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة للأموال بوجه عام.
11 – تشريع "قرار وزير البترول رقم 42 لسنة 1981: اعتداء على الملكية".
انتقاص هذا القرار – بالأعباء التي فرضها – من عائد الاستثمار: انطواؤه من ثم على عدوان على الملكية.
1 – الولاية التي تباشرها في مجال الرقابة القضائية على الدستورية، إنما تتعلق بالنصوص القانونية أياً كان محلها أو موضعها أو نطاق تطبيقها أو السلطة التي أقرتها أو أصدرتها، وأن غايتها رد النصوص القانونية المطعون عليها إلى أحكام الدستور، تثبتاً من اتفاقها معها. ويفترض ذلك أن يكون القانون بمعناه الموضوعي محلاً لهذه الرقابة، محدداً نطاقها على ضوء كل قاعدة قانونية يرتبط مجال إعمالها بتعدد تطبيقاتها، سواء أقرتها السلطة التشريعية أو أصدرتها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها التي ناطها الدستور بها. وهو ما يعني انتفاء تخصيصها، فلا تتقيد بحالة بذاتها تستنفد بها القاعدة القانونية مجال تطبيقها، ولا بشخص معين يستغرق نطاق سريانها. متى كان ما تقدم، وكان القرار المطعون فيه يتعلق بالقواعد التي تتم على ضوئها محاسبة مشروعات الاستثمار عن مسحوباتها من المنتجات البترولية، فإنه بذلك لا يكون منصرفاً إلى مشروع محدد من بينها، بل يتناولها جميعاً من خلال قاعدة قانونية مجردة لينحل بذلك إلى لائحة تنبسط عليها الرقابة القضائية التي تباشرها هذه المحكمة في شأن الشرعية الدستورية.
2 – لئن كان المشرع قد أقر قانون الاستثمار الصادر بالقانون رقم 230 لسنة 1989 ملغياً بمقتضاه القانون السابق عليه، إلا أن استثمار الأموال العربية والأجنبية ظل لازماً لتحقيق خطة التنمية – سواء في مجال أولوياتها أو على ضوء أهدافها – وعلى الأخص كلما كان هذا الاستثمار متطلباً في المجالات التي حددها هذا القانون ويندرج تحتها ما يكون مرتبطاً منها بالتقدم الصناعي، أو التطور السياحي أو باستصلاح واستزراع الأراضي والإسكان والتعمير، بل إن هذا القانون، تضمن حكمين متكاملين، هما المنصوص عليهما في المادتين 6 و9 التي تكفل أولاهما للمشروعات الخاضعة لأحكام هذا القانون – وأياً كانت جنسية مالكيها أو محال إقامتهم – تمتعها بالضمانات والمزايا والإعفاءات التي حددها هذا القانون، مع جواز تقرير غيرها – إضافة إليها – بقرار من مجلس الوزراء في الحدود التي يقتضيها الصالح العام.
وتحظر ثانيتهما فرض أية أعباء أو التزامات مالية أو غيرها على هذه المشروعات تخل بمبدأ المساواة بينها وبين مشروعات القطاع الخاص التي تعمل في النشاط ذاته، والتي تنشأ خارج نطاق هذا القانون، وعلى أن يتم تحقيق هذه المساواة بصورة تدريجية على النحو الذي تنظمه اللائحة التنفيذية.
وتُفَصل المادة 9 من اللائحة التنفيذية المشار إليها، هذه القاعدة ذاتها بقولها، "لا يجوز عند تحديد الأسعار الجديدة أو تعديل الأسعار القائمة للخامات والمواد الأولية والمواد البترولية والطاقة الكهربائية وغيرها من مستلزمات التشغيل للمشروعات، الإخلال بالمساواة بينها وبين مشروعات القطاع الخاص التي تنشأ خارج نطاق هذا القانون وتباشر ذات النشاط.
كما لا يجوز فرض أية أعباء أو التزامات مالية إضافية أو غيرها على المشروعات بالزيادة عن المقرر منها بالنسبة لمشروعات القطاع الخاص المشار إليها.
وتتم تدريجياً المساواة في الأسعار والأعباء، والالتزامات المالية المبينة في الفقرتين السابقتين بين المشروعات ومشروعات القطاع الخاص المذكورة، وذلك بقرارات من رئيس مجلس الوزراء بناء على عرض الوزير وبعد موافقة مجلس الإدارة".
والبين من هذين القانونين، أن المزايا التفضيلية التي كفلها المشرع لاستثمار رءوس الأموال العربية والأجنبية، غايتها استثارة اهتمام أصحابها بأوضاع الاستثمار في مصر، لضمان تدفقها إليها، ودون ما قيود غير مبررة قد ينوء بها نشاطها، فلا يكون بقاء هذه الأموال في مصر مجدياً، بل يعاد تصديرها منها.
3 – إرساء الدستور بنص المادة 40 منه لمبدأ المساواة أمام القانون، ضمانة جوهرية لتحقيق العدل والحرية والسلام الاجتماعي، لا يقتصر نطاق تطبيقها على الحقوق والحريات التي كفلها الدستور، وإنما تتعلق كذلك بما يكون منها قد تقرر بقانون في حدود السلطة التقديرية التي يملكها المشرع. فلا يجوز بعدئذ تقييدها بما يعطلها أو ينال من ممارستها، بل يتعين أن تنتظمها أسس موحدة لا تمييز فيها بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها. وكلما كفل المشرع لمشروعات بذواتها مزايا تفضيلية قدر ضرورتها لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال رءوس الأموال الوافدة إلى مصر؛ وكان أصحابها قد قدروا عائد استثمار هذه الأموال فيها على ضوء هذه المزايا، فإنها تغدو حقوقاً لا يجوز تهوينها، ولا موازنتها بأعباء تحد منها.
إن مبدأ المساواة أمام القانون يفترض عملاً يخل بالحماية القانونية المتكافئة إذا كان منسوباً إلى الدولة State action سواء من خلال سلطتها التشريعية أم عن طريق سلطتها التنفيذية، بما مؤداه أن أياً من هاتين السلطتين لا يجوز أن تفرض تغايراً في المعاملة ما لم يكن مبرراً بفروق منطقية يمكن ربطها عقلاً بالأغراض التي يتوخاها العمل التشريعي الصادر عنهما. وليس بصحيح القول بأن كل تقسيم تشريعي يعتبر تصنيفاً منافياً لمبدأ المساواة، بل يتعين دوماً أن ينظر إلى النصوص القانونية باعتباره وسائل حددها المشرع لتحقيق أغراض يبتغيها، فلا يستقيم إعمال مبدأ المساواة أمام القانون إلا على ضوء مشروعيتها، واتصال هذه الوسائل منطقياً بها. ولا يتصور بالتالي أن يكون تقييم التقسيم التشريعي منفصلاً عن الأغراض التي يتغياها، بل يرتبط جواز هذا التقسيم بالقيود التي يفرضها الدستور على هذه الأغراض، وبوجود حد أدنى من التوافق بينها وبين طرائق تحقيقها.
A minimal fit congruence between the classifying means and the legislative ends.
ويستحيل بالتالي أن يكون التقدير الموضوعي لمعقولية التقسيم التشريعي، منفصلاً كلية عن الأغراض النهائية للقانون المطعون فيه.
4 – إن تكافؤ المتماثلين في الحماية القانونية، مؤداه أنها ينبغي أن تسعهم جميعاً، فلا يقصر مداها عن بعضهم under – inclusive ولا يمتد لغير فئاتهم over – inclusive، ولا يجوز التالي أن تكون هذه الحماية تعميماً مجاوزاً نطاقها الطبيعي، ولا أن يقلص المشرع من دائرتها بحجبها عن نفر ممن يستحقونها. المشرع قد يقصد بالنصوص القانونية التي يصوغها، إجراء تمييز مناقض للدستور hostile discrimination purposeful,. وقد تخل الآثار التي يحدثها التمييز – ومن حيث مداها – purpose – impact distinction بأغراض قصد الدستور إلى إرسائها. ويعتبر التمييز غير مغتفر في هاتين الحالتين كلتيهما. بل ربما كان التمييز أكثر خطراً في الصورة الثانية التي يبدو فيها القانون المطعون عليه محايداً في مظهره، مخالفاً للدستور في أثره. إن المراكز القانونية التي يتعلق بها مبدأ المساواة أمام القانون وفقاً لنص المادة 40 من الدستور، هي التي تتحد في العناصر التي تكون كلاً منها – لا باعتبارها عناصر واقعية لم يدخلها المشرع في اعتباره – بل بوصفها عناصر أعتد بها مرتباً عليها أثراً قانونياً محدداً، فلا يقوم هذا المركز القانوني إلا بتضاممها، بعد أن غدا وجوده مرتبطاً بها، فلا ينشأ أصلاً إلا بثبوتها. ولا يتصور بعد تحقيقها وتولد المركز القانوني عنها، أن تكون قيداً عليه، ولا أن ينتقص المشرع من المزايا التي ربطها بوجوده، إذ هي كامنة فيه، فلا يجوز نقضها.
5 – تقرير هذه المزايا يتصل بضمان تدفق رءوس الأموال العربية والأجنبية إلى مصر لتمويل قاعدة أعرض للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وعلى ضوء تنوع هذه المزايا وأبعادها؛ تحدد رءوس الأموال العربية والأجنبية موقفها من الاستثمار فيها، فإذا أتت إليها بعد اعتمادها على تلك المزايا، فإن تقليصها من خلال فرض أعباء جديدة تحد من نطاقها، لا يكون جائزاً، وعلى الأخص كلما كان من شأن الأعباء التي فرضها المشرع على المشروعات الاستثمارية، إرهاق نشاطها، فلا يكون تنافسها متكافئاً مع غيرها ممن يباشرون معها – وإلى جانبها – ذات مجال عملها.
6 – المنشآت الفندقية جميعها لا تملك تحديد أسعار خدماتها وفقاً لتكلفتها الفعلية، ولا على ضوء نطاق الطلب عليها، بل يختص وزير السياحة دون غيره بتقدير هذه الأسعار لتلك المنشآت جميعها وفق حقيقة مستوياتها، حتى وإن طلب مستغلوها إعادة النظر في درجة المنشأة أو أسعار خدماتها، ذلك أن تعديلها مما يدخل في اختصاص هذا الوزير دون غيره، وكلما كان هذا التعديل ضرورياً قائماً على أسباب جدية.
7 – معدل عائد الاستثمار في بلد معين، يرتبط بالتدابير التي تتخذها في شأن هذا الاستثمار وتؤثر في مجراه. فكلما كان من شأنها اعتصار هذا العائد، أو فرض أوضاع جديدة لا يكون معها مجزياً، كان ذلك منهياً لفرص الاستثمار، أو مشككاً في جدواه.
8 – مؤدى النص المطعون فيه، التمييز في الأعباء بين الشركات التي يحكمها قانون الاستثمار، وتلك التي تخرج عن مجال تطبيق هذا القانون، وذلك في مجال القواعد التي فرضها لمحاسبة كل منها عن مسحوباتها من المواد البترولية. فعلى نقيض أولاها التي تحمل بالسعر العالمي عن البترول المورد إليها، فإن ثانيتهما لا تتقيد بغير السعر المحلي عن هذه المواد ذاتها. ويعتبر هذا التمييز – بمحتواه – مقصوداً، ومخالفاً كذلك للدستور في أثره De jure- dé facto distinction.
9 – المزايا التفضيلية التي كفلها المشرع لاستثمار الأموال العربية والأجنبية، هي علة وجودها في مصر، وهي التي حركتها من مواقعها في بلدانها، فلا يجوز نقضها أو تقييدها بعد أن تعلق الاستثمار بها. القول بأن المزايا التفضيلية التي ربطها المشرع باستثمار رءوس الأموال العربية والأجنبية، ينبغي مقابلتها ببعض الأعباء التي توازنها، مؤداه أن المزايا التي قدر المشرع ضرورتها لتدفق هذه الأموال لمصر، جاوزت حدودها المنطقية، وهو ما دليل عليه، بعد أن كفلتها قوانين الاستثمار على تعاقبها دون انتقاص منها، وبما لا يجاوز نطاق السلطة التقديرية للمشرع.
10، 11- إن الحماية التي كفلها الدستور لحق الملكية الخاصة – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – تمتد إلى كل حق ذي قيمة مالية، سواء أكان هذا الحق شخصياً أم عينياً أم كان من حقوق الملكية الفنية أو الأدبية أو الصناعية؛ وهو ما يعني اتساعها للأموال بوجه عام؛ وكان النص المطعون فيه – بالأعباء التي فرضها – قد انتقص من عائد استثمار الأموال العربية والأجنبية عن طريق الأسعار الأعلى التي ألزمها بأدائها عن مسحوباتها من المواد البترولية، فإن هذا القرار يكون كذلك متضمناً عدواناً على الملكية.


الإجراءات

بتاريخ التاسع من مارس سنة 1996، أودعت الشركة المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة، طالبة الحكم بعدم دستورية قرار وزير البترول رقم 42 لسنة 1981 الصادر بتاريخ 30/ 4/ 1981 فيما تضمنه من إخلال بقاعدة المساواة المنصوص عليها في المادة 40 من الدستور، بالإضافة إلى خروجه على النظام الاقتصادي المصري المنصوص عليه في المادة الرابعة من الدستور، وإخلاله بمبدأ تكافؤ الفرص الذي تلتزم به الدولة طبقاً للمادة الثامنة من الدستور.
وقدمت هيئة الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى، وطلبت الهيئة المصرية العامة للبترول وشركة مصر للبترول – في مذكراتهما – الحكم بعدم قبول الدعوى أو برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن شركة الخليج مصر للسياحة والفنادق – التي أنشئت كشركة مصرية مساهمة طبقاً لنظام استثمار المال العربي والأجنبي والمناطق الحرة الصادر بالقانون رقم 43 لسنة 1974 – تمتلك فندقاً سياحياً بمصر كان يسمى فندق شيراتون هليوبوليس، ثم تعاقدت مع شركة شيراتون فيما وراء البحار لإدارة هذا الفندق وتشغيله، وكانت الشركة المدعية تحصل دوماً على مستلزماتها من المواد البترولية اللازمة للفندق على أساس الأسعار السائدة والمتفق عليها بينها وبين شركة مصر للبترول، والتي كانت تتضمنها الفواتير الصادرة عنها، إلى أن حاسبتها شركة مصر للبترول – في غضون فبراير 1984 – على البترول التي تورده إليها وفقاً للأسعار العالمية، استناداً منها لقرار نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير البترول رقم 42 لسنة 1981. وفي 21 مايو 1984، أبرمت الشركة المدعية عقداً مع شركة مصر للبترول تضمن أن الأسعار التي تحاسبها هذه عليها، هي الأسعار الرسمية المطبقة على الشركات الخاضعة لقانون الاستثمار، والمحددة بمعرفة الهيئة العامة للبترول.
ورغم أن هذا العقد لا يتضمن بنداً يفيد سريانه على الماضي، إلا أن شركة مصر للبترول طالبتها بفروق أسعار المواد البترولية التي وردتها إليها خلال الفترة من 1980 إلى 1984 على أساس الأسعار العالمية التي استحدثها اتفاق 21/ 5/ 1984، ومن ثم فقد أقامت الشركة المدعية دعواها رقم 12812 لسنة 1987 مدني كلي شمال القاهرة أمام محكمة شمال القاهرة الابتدائية، مختصمة فيها كلاً من شركة مصر للبترول والهيئة العامة للبترول، طالبة الحكم ببراءة ذمتها من هذه الفروق التي يبلغ مقدارها 546154.067 جنيهاً.
وأثناء نظر هذه الدعوى، أقامت شركة مصر للبترول دعوى فرعية ضد الشركة المدعية طالبتها فيها بتلك الفروق، ثم أوقعت حجزاً لاقتضائها، وأقامت الدعوى رقم 5472 لسنة 1989 تثبيتاً لأمر الحجز. وقد تظلمت الشركة المدعية من أمر الحجز بالدعوى رقم 7509 لسنة 1989.
وقد ضمت محكمة شمال القاهرة هذه الدعاوى الثلاث إلى بعضها، ثم قضت برفض دعوى الشركة المدعية براءة ذمتها من المبالغ التي طالبتها شركة مصر للبترول بها، وبأن تؤدي إليها المبلغ المتنازع عليه مع الحكم بصحة الحجز وتثبيته. وقد طعنت الشركة المدعية في هذا الحكم استئنافياً وقيد استئنافها تحت رقم 7124 لسنة 108 ق القاهرة، ثم دفعت أثناء نظره بعدم دستورية المادة الأولى من قرار وزير البترول رقم 42 لسنة 1981.
وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع، وصرحت للشركة المدعية برفع الدعوى الدستورية، فقد أقامتها.
وحيث إن القرار المطعون فيه ينص في مادته الأولى على أن تتم محاسبة مشروعات الاستثمار الخاضعة لأحكام القانون رقم 43 لسنة 1974 المشار إليه على مسحوباتها من المنتجات البترولية على أساس تحريك سعرها المحلي (المدعم) تدريجياً بزيادة نسبتها 20% من الفرق بين السعر العالمي والسعر المحلي سنوياً، وذلك لمدة خمس سنوات.
وعملاً بمادته الثانية، يحدد السعر العالمي المشار إليه في المادة السابقة على أساس المتوسط السنوي لأسعار تصدير المنتجات البترولية [ فوب المواني المصرية]، أو على أساس المتوسط السنوي لتكلفة الاستيراد [سيف المواني المصرية] حسب نوع المنتج.
ويحدد المتوسط السنوي لأسعار التصدير والاستيراد المشار إليها على أساس متوسط أسعار السنة الميلادية السابقة لسنة المحاسبة، لحين تحديد متوسط أسعار سنة المحاسبة. وتتم تسوية الفروق خلال الربع الأول من السنة التالية.
ولا تتضمن الأسعار سالفة الذكر تكلفة النقل إلى الجهة التي يحددها المستثمر. وتقضي مادته السادسة، بأن تلتزم مشروعات الاستثمار بالحصول على احتياجاتها من المنتجات البترولية بطريق التعاقد مع شركات قطاع البترول، فإذا ثبت حصولها على هذه المنتجات بغير هذا الطريق، تحاسب على أساس السعر العالمي دون الاستفادة من السعر المتدرج المشار إليه في المادة الأولى.
وحيث إن الهيئة المصرية العامة للبترول وشركة مصر للبترول قد دفعت كلتاهما بعدم اختصاص هذه المحكمة بنظر الدعوى الدستورية الماثلة، قولاً بأن القرار المطعون فيه لا يعتبر من الأعمال التشريعية التي تمتد إليها ولايتها.
وحيث إن هذا الدفع مردود بما جرى عليه قضاء هذه المحكمة، من أن الولاية التي تباشرها في مجال الرقابة القضائية على الدستورية، إنما تتعلق بالنصوص القانونية أياً كان محلها أو موضعها أو نطاق تطبيقها أو السلطة التي أقرتها أو أصدرتها، وأن غايتها رد النصوص القانونية المطعون عليها إلى أحكام الدستور، تثبتاً من اتفاقها معها. ويفترض ذلك أن يكون القانون بمعناه الموضوعي محلاً لهذه الرقابة، محدداً نطاقاً على ضوء كل قاعدة قانونية يرتبط مجال إعمالها بتعدد تطبيقاتها، سواء أقرتها السلطة التشريعية أو أصدرتها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها التي ناطها الدستور بها. وهو ما يعني انتفاء تخصيصها، فلا تتقيد بحالة بذاتها تستنفد بها القاعدة القانونية مجال تطبيقها، ولا بشخص معين يستغرق نطاق سريانها. متى كان ما تقدم، وكان القرار المطعون فيه يتعلق بالقواعد التي تتم على ضوئها محاسبة مشروعات الاستثمار عن مسحوباتها من المنتجات البترولية، فإنه بذلك لا يكون منصرفاً إلى مشروع محدد من بينها، بل يتناولها جميعاً من خلال قاعدة قانونية مجردة لينحل بذلك إلى لائحة تنبسط عليها الرقابة القضائية التي تباشرها هذه المحكمة في شأن الشرعية الدستورية.
وحيث إن الشركة المدعية تنعي على النص المطعون فيه مخالفته أحكام المواد 4 و8 و40 من الدستور، التي تقيم أولاها النظام الاقتصادي لجمهورية مصر العربية على أساس الكفاية والعدل، بما يحول دون الاستغلال، ويكفل لكل مواطن كسباً مشروعاً. وتصون ثانيتهما وثالثتهما مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين ومساواتهم أمام القانون، قولاً منها بأن القرار المطعون عليه، يزيد من أعباء الفنادق الاستثمارية ملحقاً بها خسائر فادحة، مع بقاء أسعار خدماتها محددة وفقاً للأسس ذاتها التي تحدد بها أسعار الخدمات التي تقابلها والتي تقدمها فنادق القطاعين العام والخاص التي تحاسبها شركة مصر للبترول بالأسعار المحلية المدعومة عن البترول الذي تورده، وكان يتعين أن تتكافأ الفنادق جميعها – التي تتحد فيما بينها في مستوياتها التصنيفية – في حقوقها وواجباتها. وليس متصوراً أن تحمل الفنادق الاستثمارية بأعباء مالية تزيد بها تكلفة خدماتها عن نظيرتها في فنادق القطاعين العام والخاص، مما يهدد فرص التنافس المشروع بينها، يؤيد ذلك أن وزير البترول والثروة المعدنية قرر في استجواب من أحد أعضاء مجلس الشعب بتاريخ 23/ 2/ 1991، بأن المشروعات التي ستحاسبها الهيئة المصرية العامة للبترول عن توريد البترول إليها بالسعر العالمي، هي تلك التي تقوم بإنتاج سلعة ولا تلتزم – في مجال تقديم خدماتها – بتسعيرة جبرية. ولا كذلك الفنادق الاستثمارية، ومن بينها الفندق محل التداعي.
وحيث إن الهيئة المصرية العامة للبترول قدمت مذكرة بدفاعها أبانت فيها عما يأتي:
1 – أن المادتين 8 و40 من الدستور اللتين تكفلان مساواة المواطنين أمام القانون وتكافؤ الفرص فيما بينهم، تلزمان السلطتين التشريعية والتنفيذية بأن تعاملا المتماثلين معاملة واحدة، وأن تمايزا بين المختلفين. وهذان الشقان لمبدأ المساواة من عناصر العدل التي تقدر التماثل أو التغاير القانوني أو الواقعي، فتعامل أفراد كل فريق معاملة واحدة أو مختلفة. وهو ما يعني أن فكرة المراكز القانونية المتماثلة، لا تكفي وحدها لاستنهاض المساواة أمام القانون، ولا تحيط بتطبيقاتها جميعاً، إذ كثيراً ما يعتد المشرع عند اختياره للمعاملة التي يختص بها فريقاً من الناس دون فريق، بالعناصر الواقعية التي يفترقان بسببها، ومن ذلك تلك المعاملة التي يقررها المشرع للعاملين في بعض المناطق النائية، أو التي يخص بها المعوقين مراعاة لظروفهم وقدراتهم.
2 – القول بأن القرار المطعون فيه – وقد تضمن محاسبة الفنادق الاستثمارية على مسحوباتها من المواد البترولية عن طريق تحريك السعر المحلي بزيادة تدريجية سنوية حتى الوصول إلى السعر العالمي الذي يزيد كثيراً عن السعر المحلي – قد ألحق بهذه الفنادق خسائر كبيرة تبعاً لزيادة أعبائها مع بقاء أسعار خدماتها مماثلة لتلك التي تقابلها في فنادق القطاع الخاص، وفنادق قطاع الأعمال العام، مردود: بأن خضوع فنادق المدعية لقانون الاستثمار يجعلها في مركز قانوني مغاير لسواها من الفنادق. كذلك فإن وحدة النشاط لا تنشئ بالضرورة تماثلاً في المركز القانوني.
ولا مراء في أن المشرع قد منح الشركات التي يتناولها قانون استثمار المال العربي والأجنبي والمناطق الحرة – ومن بينها الشركة المدعية – كثيراً من المزايا والتسهيلات والإعفاءات، جعلتها في مركز واقعي ومالي شديد التميز، وقد قدر القرار المطعون فيه، أن هذه المعاملة التفضيلية ينبغي أن توازن بعناصر تقلل من حدتها، تتمثل في محاسبتها عن مسحوباتها من المواد البترولية وفقاً للسعر العالمي.
3 – إن السعر العالمي، وهو ما تتعامل به الهيئة المصرية العامة للبترول عند استيرادها البترول من الخارج لتوفير المواد البترولية التي تحتاجها السوق المحلية. كذلك فإن فروق الأسعار التي تتحملها الخزانة العامة، بسبب التعامل في المواد البترولية بأقل من تكلفتها الفعلية، مؤداه أن السعر العالمي هو الأصل.
4 – إن المشرع يملك الرجوع عن المزايا التفضيلية التي منحها لبعض الأفراد أو الشركات سواء بإنهاء العمل ببعضها، أو من خلال موازنتها أو مقابلتها ببعض الأعباء التي لم تكن قائمة من قبل. ولا يعدو ذلك أن يكون ممارسة من المشرع للحق في التقسيم وفقاً لأسس موضوعية، مراعاة لأوضاع قانونية وفعلية بين فئتين من الفنادق.
5 – إن نص المادة 4 من الدستور من النصوص التوجيهية التي يتعذر ضبطها. وتزداد يوماً بعد يوم الفجوة بين آفاق هذا النص والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي عدل المجتمع عنها، وسار المشرع في غير طريقها، واستقر الواقع عند كثير من نقائضها. وتناقض المزايا التي منحها المشرع للاستثمار بعد انحيازه للحرية الاقتصادية، حكم المادة الرابعة من الدستور، فإذا ما وازنها المشرع ببعض الأعباء، كان كافلاً بذلك عدالة توزيعها.
وحيث إن المشرع أصدر القانون رقم 1 لسنة 1973 في شأن المنشآت الفندقية والسياحية، متضمناً تعريفاً بها، ومنظماً أوضاع ممارستها لنشاطها، فناط بوزير السياحة دون غيره – وعلى ما تقضي به المادتان 11 و12 من هذا القانون – تقسيم هذه المنشآت إلى درجات، ثم تصنيفها ليكون لكل منها الدرجة التي تناسبها وفقاً للقواعد التي يصدر بها قرار من هذا الوزير، محدداً كذلك أسعار خدماتها بما في ذلك أسعار الدخول إليها والنزول فيها، وكذلك مأكولاتها ومشروباتها ووجباتها.
وتلا ذلك صدور نظام استثمار المال العربي والأجنبي بالقانون رقم 43 لسنة 1974 متوخياً – وعلى ما جاء بالمذكرة الإيضاحية لهذا القانون – إيجاد مناخ ملائم لتسهيل انتقال رءوس الأموال العربية مع تقديم حوافز مناسبة للاستثمار – عربياً كان أم أجنبياً – وذلك في إطار من الضمانات الكافية ضد المخاطر غير التجارية، وعلى طريق تخطي العوائق الإدارية والإجرائية التي تؤثر على نمو حجم الاستثمار، وعلى تقدير أن استثمار رءوس الأموال العربية والأجنبية في مصر – وعلى ما تنص عليه المادة الثانية من هذا القانون – يعتبر في المجالات التي حددتها – ومن بينها التصنيع والتعدين والنقل والسياحة – لازماً لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في إطار السياسة العامة للدولة وخطتها القومية.
ولئن كان المشرع قد أقر بعدئذ قانون الاستثمار الصادر بالقانون رقم 230 لسنة 1989 ملغياً بمقتضاه القانون السابق عليه، إلا أن استثمار الأموال العربية والأجنبية ظل لازماً لتحقيق خطة التنمية – سواء في مجال أولوياتها أو على ضوء أهدافها – وعلى الأخص كلما كان هذا الاستثمار متطلباً في المجالات التي حددها هذا القانون ويندرج تحتها ما يكون مرتبطاً منها بالتقدم الصناعي، أو التطور السياحي أو باستصلاح واستزراع الأراضي والإسكان والتعمير، بل أن هذا القانون، تضمن حكمين متكاملين، هما المنصوص عليهما في المادتين 6 و9 التي تكفل أولاهما للمشروعات الخاضعة لأحكام هذا القانون – وأياً كانت جنسية مالكيها أو محال إقامتهم – تمتعها بالضمانات والمزايا والإعفاءات التي حددها هذا القانون، مع جواز تقرير غيرها – إضافة إليها – بقرار من مجلس الوزراء في الحدود التي يقتضيها الصالح العام.
وتحظر ثانيتهما فرض أية أعباء أو التزامات مالية أو غيرها على هذه المشروعات تخل بمبدأ المساواة بينها وبين مشروعات القطاع الخاص التي تعمل في النشاط ذاته، والتي تنشأ خارج نطاق هذا القانون، وعلى أن يتم تحقيق هذه المساواة بصورة تدريجية على النحو الذي تنظمه اللائحة التنفيذية.
وتفصل المادة 9 من اللائحة التنفيذية المشار إليها، هذه القاعدة ذاتها بقولها، "لا يجوز عند تحديد الأسعار الجديدة أو تعديل الأسعار القائمة للخامات والمواد الأولية والمواد البترولية والطاقة الكهربائية وغيرها من مستلزمات التشغيل للمشروعات، الإخلال بالمساواة بينها وبين مشروعات القطاع الخاص التي تنشأ خارج نطاق هذا القانون وتباشر ذات النشاط.
كما لا يجوز فرض أية أعباء أو التزامات مالية إضافية أو غيرها على المشروعات بالزيادة عن المقرر منها بالنسبة لمشروعات القطاع الخاص المشار إليها.
وتتم تدريجياً المساواة في الأسعار والأعباء، والالتزامات المالية المبينة في الفقرتين السابقتين بين المشروعات ومشروعات القطاع الخاص المذكورة، وذلك بقرارات من رئيس مجلس الوزراء بناء على عرض الوزير وبعد موافقة مجلس الإدارة".
وحيث إن البين من هذين القانونين، أن المزايا التفضيلية التي كفلها المشرع لاستثمار رءوس الأموال العربية والأجنبية، غايتها استثارة اهتمام أصحابها بأوضاع الاستثمار في مصر، لضمان تدفقها إليها، ودون ما قيود غير مبررة قد ينوء بها نشاطها، فلا يكون بقاء هذه الأموال في مصر مجدياً، بل يعاد تصديرها منها.
وحيث إن إرساء الدستور بنص المادة 40 منه لمبدأ المساواة أمام القانون، ضمانة جوهرية لتحقيق العدل والحرية والسلام الاجتماعي، لا يقتصر نطاق تطبيقها على الحقوق والحريات التي كفلها الدستور، وإنما تتعلق كذلك بما يكون منها قد تقرر بقانون في حدود السلطة التقديرية التي يملكها المشرع. فلا يجوز بعدئذ تقييدها بما يعطلها أو ينال من ممارستها، بل يتعين أن تنتظمها أسس موحدة لا تمييز فيها بين المؤهلين قانوناً للانتفاع بها. وكلما كفل المشرع لمشروعات بذواتها مزايا تفضيلية قدر ضرورتها لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال رءوس الأموال الوافدة إلى مصر؛ وكان أصحابها قد قدروا عائد استثمار هذه الأموال فيها على ضوء هذه المزايا، فإنها تغدو حقوقاً لا يجوز تهوينها، ولا موازنتها بأعباء تحد منها.
وحيث إن مبدأ المساواة أمام القانون يفترض عملاً يخل بالحماية القانونية المتكافئة إذا كان منسوباً إلى الدولة State action سواء من خلال سلطتها التشريعية أم عن طريق سلطتها التنفيذية، بما مؤداه أن أياً من هاتين السلطتين لا يجوز أن تفرض تغايراً في المعاملة ما لم يكن مبرراً بفروق منطقية يمكن ربطها عقلاً بالأغراض التي يتوخاها العمل التشريعي الصادر عنهما. وليس بصحيح القول بأن كل تقسيم تشريعي يعتبر تصنيفاً منافياً لمبدأ المساواة، بل يتعين دوماً أن ينظر إلى النصوص القانونية باعتباره وسائل حددها المشرع لتحقيق أغراض يبتغيها، فلا يستقيم إعمال مبدأ المساواة أمام القانون إلا على ضوء مشروعيتها، واتصال هذه الوسائل منطقياً بها. ولا يتصور بالتالي أن يكون تقييم التقسيم التشريعي منفصلاً عن الأغراض التي يتغياها، بل يرتبط جواز هذه التقسيم بالقيود التي يفرضها الدستور على هذه الأغراض، وبوجود حد أدنى من التوافق بينها وبين طرائق تحقيقها.
A minimal fit congruence between the classifying means and the legislative ends.
ويستحيل بالتالي أن يكون التقدير الموضوعي لمعقولية التقسيم التشريعي، منفصلاً كلية عن الأغراض النهائية للقانون المطعون فيه.
وحيث إن تكافؤ المتماثلين في الحماية القانونية، مؤداه أنها ينبغي أن تسعهم جميعاً، فلا يقصر مداها عن بعضهم under – inclusive ولا يمتد لغير فئاتهم over – inclusive، ولا يجوز بالتالي أن تكون هذه الحماية تعميماً مجاوزاً نطاقها الطبيعي، ولا أن يقلص المشرع من دائرتها بحجبها عن نفر ممن يستحقونها. وحيث إن المشرع قد يقصد بالنصوص القانونية التي يصوغها، إجراء تمييز مناقض للدستور purposeful, hostile discrimination. وقد تخل الآثار التي يحدثها التمييز – ومن حيث مداها – purpose – impact distinction بأغراض قصد الدستور إلى إرسائها. ويعتبر التمييز غير مغتفر في هاتين الحالتين كلتيهما. بل ربما كان التمييز أكثر خطراً في الصورة الثانية التي يبدو فيها القانون المطعون عليه محايداً في مظهره، مخالفاً للدستور في أثره.
وحيث إن المراكز القانونية التي يتعلق بها مبدأ المساواة أمام القانون وفقاً لنص المادة 40 من الدستور، هي التي تتحد في العناصر التي تكون كلاً منها – لا باعتبارها عناصر واقعية لم يدخلها المشرع في اعتباره – بل بوصفها عناصر أعتد بها مرتباً عليها أثراً قانونياً محدداً، فلا يقوم هذا المركز القانوني إلا بتضاممها، بعد أن غدا وجوده مرتبطاً بها، فلا ينشأ أصلاً إلا بثبوتها. ولا يتصور بعد تحقيقها وتولد المركز القانوني عنها، أن تكون قيداً عليه، ولا أن ينتقص المشرع من المزايا التي ربطها بوجوده، إذ هي كامنة فيه، فلا يجوز نقضها.
وحيث إن القول بأن المزايا التي كفلها المشرع للمشروعات الخاضعة لنظام رأس المال العربي والأجنبي، تعطيها مركزاً واقعياً شديد التميز يسوغ الرجوع عنها، من خلال موازنتها بأعباء جديدة يفرضها عليها؛
مردود أولاً: بأن تقرير هذه المزايا يتصل بضمان تدفق رءوس الأموال العربية والأجنبية إلى مصر لتمويل قاعدة أعرض للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وعلى ضوء تنوع هذه المزايا وأبعادها؛ تحدد رءوس الأموال العربية والأجنبية موقفها من الاستثمار فيها، فإذا أتت إليها بعد اعتمادها على تلك المزايا، فإن تقليصها من خلال فرض أعباء جديدة تحد من نطاقها، لا يكون جائزاً، وعلى الأخص كلما كان من شأن الأعباء التي فرضها المشرع على المشروعات الاستثمارية، إرهاق نشاطها، فلا يكون تنافسها متكافئاً مع غيرها ممن يباشرون معها – وإلى جانبها – ذات مجال عملها.
ومردود ثانياً: بأن المنشآت الفندقية جميعها لا تملك تحديد أسعار خدماتها وفقاً لتكلفتها الفعلية، ولا على ضوء نطاق الطلب عليها، بل يختص وزير السياحة دون غيره بتقدير هذه الأسعار لتلك المنشآت جميعها وفق حقيقة مستوياتها، حتى وإن طلب مستغلوها إعادة النظر في درجة المنشأة أو أسعار خدماتها، ذلك أن تعديلها مما يدخل في اختصاص هذا الوزير دون غيره، وكلما كان هذا التعديل ضرورياً قائماً على أسباب جدية.
ومردود ثالثاً: بأن معدل عائد الاستثمار في بلد معين، يرتبط بالتدابير التي تتخذها وتؤثر في مداه في شأن هذا الاستثمار وتؤثر في مجراه. فكلما كان من شأنها اعتصار هذا العائد، أو فرض أوضاع جديدة لا يكون معها مجزياً، كان ذلك منهياً لفرص الاستثمار، أو مشككاً في جدواه.
ومردود رابعاً: بأن مؤدى النص المطعون فيه، التمييز في الأعباء بين الشركات التي يحكمها قانون الاستثمار، وتلك التي تخرج عن مجال تطبيق هذا القانون، وذلك في مجال القواعد التي فرضتها لمحاسبة كل منها عن مسحوباتها من المواد البترولية. فعلى نقيض أولاها التي تحمل بالسعر العالمي عن البترول المورد إليها، فإن ثانيتهما لا تتقيد بغير السعر المحلي عن هذه المواد ذاتها. ويعتبر هذا التمييز – بمحتواه – مقصوداً، ومخالفاً كذلك للدستور في أثره De jure – dé facto distinction.
ومردود خامساً: بأن المزايا التفضيلية التي كفلها المشرع لاستثمار الأموال العربية والأجنبية، هي علة وجودها في مصر، وهي التي حركتها من مواقعها في بلدانها، فلا يجوز نقضها أو تقييدها بعد أن تعلق الاستثمار بها.
ومردود سادساً: بأن القول بأن المزايا التفضيلية التي ربطها المشرع باستثمار رءوس الأموال العربية والأجنبية، ينبغي مقابلتها ببعض الأعباء التي توازنها، مؤداه أن المزايا التي قدر المشرع ضرورتها لتدفق هذه الأموال لمصر، جاوزت حدودها المنطقية، وهو ما دليل عليه، بعد أن كفلتها قوانين الاستثمار على تعاقبها دون انتقاص منها، وبما لا يجاوز نطاق السلطة التقديرية للمشرع.
وحيث إن الحماية التي كفلها الدستور لحق الملكية الخاصة – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – تمتد إلى كل حق ذي قيمة مالية، سواء أكان هذا الحق شخصياً أم عينياً أم كان من حقوق الملكية الفنية أو الأدبية أو الصناعية؛ وهو ما يعني اتساعها للأموال بوجه عام؛ وكان النص المطعون فيه – بالأعباء التي فرضها – قد انتقص من عائد استثمار الأموال العربية والأجنبية عن طريق الأسعار الأعلى التي ألزمها بأدائها عن مسحوباتها من المواد البترولية، فإن هذا القرار يكون كذلك متضمناً عدواناً على الملكية، ومخالفاً بالتالي لنص المادتين 32 و34 من الدستور.
وحيث إنه متى كان ذلك، فإن نص المادة الأولى من القرار المطعون فيه، يكون مخالفاً للمواد 32 و34 و40 من الدستور، وتسقط تبعاً لإبطالها، الأحكام الأخرى التي تضمنها هذا القرار، والتي ترتبط بنص مادته الأولى ارتباطاً لا يقبل التجزئة.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة:
أولاً: بعدم دستورية المادة الأولى من قرار نائب رئيس مجلس الوزراء للإنتاج ووزير البترول رقم 42 لسنة 1981، وذلك في مجال تطبيقها بالنسبة إلى شركات الاستثمار التي تباشر نشاطاً فندقياً.
ثانياً: بسقوط باقي نصوص هذا القرار من هذا النطاق، وألزمت الحكومة المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات