قاعدة رقم الطعن رقم 30 لسنة 18 قضائية “دستورية”لم يتم التعرف على تاريخ الجلسة
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الثامن
من أول يوليو 1996 حتى آخر يونيو 1998 – صـ 564
جلسة 3 مايو 1997
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: عبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 30 لسنة 18 قضائية "دستورية"
1 – اختصاص "المحكمة الدستورية العليا":
البت في اختصاص هذه المحكمة – من تلقاء ذاتها – ولائياً بنظر دعوى بذاتها سابق بالضرورة
على الخوض في شرائط قبولها أو الفصل في موضوعها.
2 – تشريع "القانون رقم 117 لسنة 1976 في شأن البنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي:
بنوك تابعة – عاملون":
البنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي من أشخاص القانون العام باعتباره هيئة عامة
قابضة وفقاً لهذا القانون – البنوك التابعة له تعمل بوصفها شركات مساهمة يتعلق نشاطها
بتطبيق قواعد القانون الخاص – العاملون في هذه البنوك لا يعتبرون موظفين عامين.
3 – لائحة "تكييفها" – عاملون "قانون خاص":
تحديد تكييف اللائحة بمجال سريانها – اتصال هذا المجال مباشرة بمنطقة القانون الخاص
لا يجعلها تنظيماً إدارياً عاماً – انحسار الصفة الإدارية عن لائحة العاملين الصادرة
عن مجلس إدارة البنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي في نطاق تطبيقها على أوضاع
العاملين في البنوك التابعة الخاضعين أصلاً لقواعد القانون الخاص.
4 – دستور "المادة 175" – المحكمة الدستورية العليا – رقابة قضائية "محلها":
اختصاص المحكمة الدستورية العليا دون غيرها – وفقاً لهذه المادة – بتولي الرقابة القضائية
على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين في القانون – انحصار هذا الاختصاص
في القانون بمعناه الأعم – تحديده على ضوء النصوص التشريعية التي تتولد عنها مراكز
قانونية عامة مجردة سواء وردت في تشريعات أصلية أم في تشريعات فرعية.
5 – اختصاص "المحكمة الدستورية العليا" – عاملون "لائحة".
اللائحة المتداعي في شأنها – وفي مجال سريان أحكامها في شأن العاملين بالبنوك التابعة
للبنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي – لا تعتبر تشريعاً بالمعنى الموضوعي – عدم
امتداد الرقابة القضائية إليها – عدم اختصاص المحكمة الدستورية العليا بالنظر فيها.
1 – البت من اختصاص المحكمة الدستورية العليا ولائياً بنظر دعوى بذاتها سابق بالضرورة
على الخوض في شرائط قبولها أو الفصل في موضوعها، وتواجهه المحكمة من تلقاء نفسها، إذ
لا يتصور أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في توافر شروط اتصال الخصومة القضائية بها
وفقاً للأوضاع المنصوص عليها في قانونها، قبل أن تتحقق من أن النزاع موضوعها يدخل ابتداء
في ولايتها. كذلك فإن قضاءها باختصاصها بنظر خصومة بذاتها، لا يحول بينها والفصل في
الشرائط التي يتطلبها المشرع لقبولها، والتي يعد توافرها مدخلاً للفصل في موضوعها.
2 – العلاقة بين البنك الرئيسي والبنوك التابعة، قد حددتها كذلك المادة 25 من القانون
رقم 117 لسنة 1976 المشار إليه، بنصها على أن يعمل – وفيما لا يتعارض مع أحكامه – بالأحكام
المنصوص عليها بالقانون رقم 105 لسنة 1964 بإنشاء المؤسسة المصرية العامة للائتمان
الزراعي والتعاون والبنوك التابعة لها بالمحافظات؛ وكانت المادة من القانون رقم
105 لسنة 1964 المعدل بالقانون رقم 40 لسنة 1965 تقضي بأن تحول فروع بنك التسليف الزراعي
والتعاوني في المحافظات إلى بنوك للائتمان الزراعي والتعاوني تتخذ كلاً منها شكل شركة
المساهمة؛ وكان القانون رقم 117 لسنة 1976 المشار إليه قد نص كذلك في المادتين 16 و17
على أن تباشر مجالس إدارة هذه الفروع – وباعتبارها بنوكاً تابعة – اختصاصاتها على الوجه
المبين بالقانون رقم 105 لسنة 1964 وعلى ضوء أنظمتها الأساسية، وأن يكون للبنك الرئيسي
ولكل من البنوك التابعة، موازنة خاصة يتم إعدادها وفقاً للقواعد الخاصة بموازنة الجهاز
المصرفي؛ وكان مفاد ما تقدم أن البنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي، وإن كان من
أشخاص القانون العام باعتباره هيئة عامة قابضة، إلا أن البنوك التابعة تعمل جميعها
بوصفها شركات مساهمة يتعلق نشاطها بتطبيق قواعد القانون الخاص، بالوسائل التي ينتهجها
هذا القانون، فلا تنصهر البنوك التابعة في الشخصية المعنوية للبنك الرئيسي، بل يكون
لها استقلالها وذاتيتها من الناحيتين المالية والإدارية في الحدود التي يبينها القانون.
وما تقدم مؤداه، أن الفواصل القانونية لا تنماع بين البنك الرئيسي للتنمية والائتمان
الزراعي وبين البنوك التابعة التي لا يعتبر العاملون فيها موظفين عامين يديرون مرفقاً
عاماً، بل يباشر هؤلاء العاملون مهامهم في بنوك تجارية بمعنى الكلمة تزاول نشاطها في
الحدود المنصوص عليها بالقانون رقم 120 لسنة 1975 في شأن البنك المركزي والجهاز المصرفي،
ويرتبط عمالها بها بوصفها أرباباً للعمل ووفق الشروط التي يرتضونها.
3 – اللائحة المطعون عليها، وإن كانت قد صدرت عن مجلس إدارة البنك الرئيسي للتنمية
والائتمان الزراعي، متوخياً بها تقرير القواعد القانونية التي تنظم أوضاع العاملين
بالبنوك التابعة، إلا أن تعلق هذه اللائحة بعمال هذه البنوك الذين يخضعون أصلاً لقواعد
القانون الخاص، وبمجال نشاطها في دائرة هذا القانون، لا يجعلها تنظيماً إدارياً عاماً،
وإنما الشأن فيها شأن كل لائحة يتحدد تكييفها بمجال سريانها. فكلما كان هذا المجال
متصلاً مباشرة بمنطقة القانون الخاص، انحسرت الصفة الإدارية عنها، ولو كانت الجهة التي
أصدرتها تعتبر من أشخاص القانون العام. كذلك فإن سريان هذه اللائحة على كان من العاملين
في البنك الرئيسي والبنوك التابعة، لا يزيل الحدود التي تفصل هذه البنوك عن بعضها البعض،
فلا زال لكل منها شخصيته القانونية المستقلة، ودائرة نشاط لها نظامها القانوني الخاص
بها. وفي إطار هذه الدائرة وحدها، تتحدد حقيقة الرابطة القانونية بينها وبين عمالها.
4 – الدستور قد عهد – بنص المادة 175 – إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها بتولي
الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين في القانون؛ وكان
المشرع – وبناء على هذا التفويض – قد أصدر قانون المحكمة الدستورية العليا، مبيناً
اختصاصاتها، محدداً ما يدخل في ولايتها حصراً، مستبعداً من مهامها ما لا يندرج تحتها،
فخولها اختصاصاً منفرداً بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح، مانعاً أي جهة أخرى
من مزاحمتها في ذلك، مفصلاً طرائق هذه الرقابة، وكيفيتها، ومؤكداً أن اختصاص المحكمة
الدستورية العليا – في مجال مباشرتها الرقابة القضائية على الدستورية – منحصر في النصوص
التشريعية أياً كان موضعها أو نطاق تطبيقها أو الجهة التي أقرتها أو أصدرتها؛ متى كان
ذلك، فإن محل الرقابة القضائية على الدستورية، إنما يتمثل في القانون بمعناه الموضوعي
الأعم، محدداً على ضوء النصوص التشريعية التي تتولد عنها مراكز قانونية عامة مجردة،
سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي تقرها السلطة التشريعية، أم تضمنتها
التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها التي ناطها الدستور
بها.
5 – متى كان النزاع الراهن يتعلق بأحد البنوك التابعة للبنك الرئيسي للتنمية والائتمان
الزراعي، وكان البند رقم 8 من المادة 143 المطعون عليها، وارداً بلائحة أصدرها مجلس
إدارة هذا البنك منظماً بها – بين ما تشمل عليه – شئون العاملين بالبنوك التابعة –
لا ليخرجها من دائرة القانون الخاص ويردها إلى منطقة القانون العام، وإنما ليحدد لعلاقتهم
بجهات عملهم إطاراً لا ينافي طبيعتها، تقديراً بأن أوضاع العاملين في جهة ما، إنما
يتحدد تكييفها القانوني على ضوء الدائرة التي تنتظمها أصلاً. فإذا كان القانون الخاص
يهيمن عليها – ولو نظمتها قواعد آمرة في بعض جوانبها – كان هذا القانون محورها وقاعدة
بنيانها، بما مؤداه أن كل تنظيم للعلائق القانونية في دائرة بذاتها، لا يجوز أن يكون
مجافياً لحقيقتها. بل يتعين دوماً الرجوع إلى الأصل فيها، وأن ينظر إليها بافتراض اتساقها
مع هذا الأصل.
متى كان ما تقدم، فإن اللائحة التي أندرج تحتها البند رقم 8 المطعون عليه – وفي مجال
سريان أحكامها في شأن البنوك التابعة للبنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي – لا
تعتبر تشريعاً بالمعنى الموضوعي، ولا تمتد إليها بالتالي الرقابة القضائية التي تباشرها
هذه المحكمة في شأن الشرعية الدستورية.
الإجراءات
في الحادي عشر من أبريل سنة 1996، أودعت المدعية قلم كتاب المحكمة
صحيفة هذه الدعوى طالبة الحكم بعدم دستورية ما نص عليه البند 8 من المادة 143 من نظام
العاملين بالبنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي وبنوك التنمية والائتمان الزراعي
بالمحافظات من أن إلغاء الوظيفة يعتبر منهياً للخدمة.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة فوضت فيها الرأي للمحكمة، كما طلب البنك المدعى عليه
الأخير في مذكرته الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعى
عليه الثالث كان قد أقام الدعوى رقم 11 لسنة 1994 عمال كلي منيا القمح مختصماً فيها
رئيس مجلس إدارة بنك التنمية والائتمان الزراعي بالشرقية ووزيرة التأمينات الاجتماعية
بصفتها طالباً الحكم بتسوية معاشه طبقاً لمرتبه الأساسي مضافاً إليه كافة الامتيازات
التي تعهد البنك بها، على أن يكون المعاش كاملاً دون تخفيض مع ما يترتب على ذلك من
آثار، قولاً منه بأنه كان يعمل ببنك التنمية الزراعي بالشرقية وتقدم بطلب تسوية معاشه
على أساس أن وظيفته من الوظائف الملغاة. وقد قضي بأحقيته في صرف معاشه وكافة مستحقاته
التأمينية اعتباراً من تاريخ انتهاء خدمته بالبنك المدعى عليه في 15/ 6/ 1993 وحتى
تاريخ صدور الحكم.
بيد أن المحكوم ضدهما استأنفا هذا الحكم بالاستئنافين رقمي 1798 و1909 لسنة 38 قضائية.
وأثناء نظرهما دفع الحاضر عن وزيرة التأمينات الاجتماعية – وبصفتها رئيس مجلس إدارة
الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي – بعدم دستورية نص البند 8 من المادة 143 من لائحة
نظام العاملين بالبنك الرئيسي للتنمية وفروعه التي تقضي بانتهاء خدمة العامل عند إلغاء
الوظيفة، وذلك على سند من مخالفته لنص المادة 14 من الدستور. وإذ قدرت محكمة الموضوع
جدية هذا الدفع، وأذنت للمدعية برفع دعواها الدستورية، فقد أقامتها.
وحيث إن البت من اختصاص المحكمة الدستورية العليا ولائياً بنظر دعوى بذاتها سابق بالضرورة
على الخوض في شرائط قبولها أو الفصل في موضوعها، وتواجهه المحكمة من تلقاء نفسها، إذ
لا يتصور أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في توافر شروط اتصال الخصومة القضائية بها
وفقاً للأوضاع المنصوص عليها في قانونها، قبل أن تتحقق من أن النزاع موضوعها يدخل ابتداء
في ولايتها. كذلك فإن قضاءها باختصاصها بنظر خصومة بذاتها، لا يحول بينها والفصل في
الشرائط التي يتطلبها المشرع لقبولها، والتي يعد توافرها مدخلاً للفصل في موضوعها.
وحيث إن مجلس إدارة البنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي – وإعمالا لنص المادة
11 من القانون رقم 117 لسنة 1976 الصادر في شأن تنظيم الأوضاع التي يمارس فيها نشاطه
– كان قد أصدر بتاريخ 23/ 3/ 1985 لائحة تتضمن – بين ما تشتمل عليه – تنظيماً لشئون
العاملين في البنوك التابعة يتناول تحديد مرتباتهم ومكافآتهم ومزاياهم وبدلاتهم وبدل
السفر المستحق لهم عن المهام التي يعهد إليهم بها داخل مصر أو خارجها، على ألا يتقيد
هذا التنظيم بالقواعد المعمول بها في شأن العاملين المدنيين بالحكومة أو بالقطاع العام،
ومع مراعاة الإطار المحدد للوائح البنوك التجارية.
وحيث إن المادة الأولى من القانون رقم 117 لسنة 1976 في شأن البنك الرئيسي للتنمية
والائتمان الزراعي، تنص في فقرتها الأولى على أن تحول المؤسسة المصرية العامة للائتمان
الزراعي والتعاوني إلى هيئة عامة قابضة يكون لها شخصية اعتبارية مستقلة تسمى "البنك
الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي". وفي فقرتها الثانية على أن تتبع بنوك التسليف
الزراعي والتعاوني الحالية بالمحافظات، والمنشأة طبقاً لأحكام القانون رقم 105 لسنة
1964، البنك الرئيسي وتسمى بنوك التنمية الزراعية، وتتولى تحقيق أغراض البنك الرئيسي
في النطاق الذي يحدده لها.
وحيث إن العلاقة بين البنك الرئيسي والبنوك التابعة، قد حددتها كذلك المادة 25 من القانون
رقم 117 لسنة 1976 المشار إليه، بنصها على أن يعمل – وفيما لا يتعارض مع أحكامه – بالأحكام
المنصوص عليها بالقانون رقم 105 لسنة 1964 بإنشاء المؤسسة المصرية العامة للائتمان
الزراعي والتعاوني والبنوك التابعة لها بالمحافظات؛ وكانت المادة من القانون رقم
105 لسنة 1964 المعدل بالقانون رقم 40 لسنة 1965 تقضي بأن تحول فروع بنك التسليف الزراعي
والتعاوني في المحافظات إلى بنوك للائتمان الزراعي والتعاوني تتخذ كلاً منها شكل شركة
المساهمة؛ وكان القانون رقم 117 لسنة 1976 المشار إليه قد نص كذلك في المادتين 16 و17
على أن تباشر مجالس إدارة هذه الفروع – باعتبارها بنوكاً تابعة – اختصاصاتها على الوجه
المبين بالقانون رقم 105 لسنة 1964 وعلى ضوء أنظمتها الأساسية، وأن يكون للبنك الرئيسي
ولكل من البنوك التابعة، موازنة خاصة يتم إعدادها وفقاً للقواعد الخاصة بموازنة الجهاز
المصرفي؛ وكان مفاد ما تقدم أن البنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي، وإن كان من
أشخاص القانون العام باعتباره هيئة عامة قابضة، إلا أن البنوك التابعة تعمل جميعها
بوصفها شركات مساهمة يتعلق نشاطها بتطبيق قواعد القانون الخاص، بالوسائل التي ينتهجها
هذا القانون، فلا تنصهر البنوك التابعة في الشخصية المعنوية للبنك الرئيسي، بل يكون
لها استقلالها وذاتيتها من الناحيتين المالية والإدارية في الحدود التي يبينها القانون.
وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن الفواصل القانونية لا تنماع بين البنك الرئيسي للتنمية والائتمان
الزراعي وبين البنوك التابعة التي لا يعتبر العاملون فيها موظفين عامين يديرون مرفقاً
عاماً، بل يباشر هؤلاء العاملون مهامهم في بنوك تجارية بمعنى الكلمة تزاول نشاطها في
الحدود المنصوص عليها بالقانون رقم 120 لسنة 1975 في شأن البنك المركزي والجهاز المصرفي،
ويرتبط عمالها بها بوصفها أرباباً للعمل ووفق الشروط التي يرتضونها.
وحيث إن اللائحة المطعون عليها، وإن كانت قد صدرت عن مجلس إدارة البنك الرئيسي للتنمية
والائتمان الزراعي، متوخياً بها تقرير القواعد القانونية التي تنظم أوضاع العاملين
بالبنوك التابعة، إلا أن تعلق هذه اللائحة بعمال هذه البنوك الذين يخضعون أصلاً لقواعد
القانون الخاص، وبمجال نشاطها في دائرة هذا القانون، لا يجعلها تنظيماً إدارياً عاماً،
وإنما الشأن فيها شأن كل لائحة يتحدد تكييفها بمجال سريانها. فكلما كان هذا المجال
متصلاً مباشرة بمنطقة القانون الخاص، انحسرت الصفة الإدارية عنها، ولو كانت الجهة التي
أصدرتها تعتبر من أشخاص القانون العام. كذلك فإن سريان هذه اللائحة على كان من العاملين
في البنك الرئيسي والبنوك التابعة، لا يزيل الحدود التي تفصل هذه البنوك عن بعضها البعض،
فلا زال لكل منها شخصيته القانونية المستقلة، ودائرة نشاط لها نظامها القانوني الخاص
بها. وفي إطار هذه الدائرة وحدها، تتحدد حقيقة الرابطة القانونية بينها وبين عمالها.
وحيث إن الدستور قد عهد – بنص المادة 175 – إلى المحكمة الدستورية العليا دون غيرها
بتولي الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح على الوجه المبين في القانون؛
وكان المشرع – وبناء على هذا التفويض – قد أصدر قانون المحكمة الدستورية العليا، مبيناً
اختصاصاتها، محدداً ما يدخل في ولايتها حصراً، مستبعداً من مهامها ما لا يندرج تحتها،
فخولها اختصاصاً منفرداً بالرقابة على دستورية القوانين واللوائح، مانعاً أي جهة أخرى
من مزاحمتها في ذلك، مفصلاً طرائق هذه الرقابة، وكيفيتها، ومؤكداً أن اختصاص المحكمة
الدستورية العليا – في مجال مباشرتها الرقابة القضائية على الدستورية – منحصر في النصوص
التشريعية أياً كان موضعها أو نطاق تطبيقها أو الجهة التي أقرتها أو أصدرتها؛ متى كان
ذلك، فإن محل الرقابة القضائية على الدستورية، إنما يتمثل في القانون بمعناه الموضوعي
الأعم، محدداً على ضوء النصوص التشريعية التي تتولد عنها مراكز قانونية عامة مجردة،
سواء وردت هذه النصوص بالتشريعات الأصلية التي تقرها السلطة التشريعية، أم تضمنتها
التشريعات الفرعية التي تصدرها السلطة التنفيذية في حدود صلاحياتها التي ناطها الدستور
بها.
وحيث إن النزاع الراهن يتعلق بأحد البنوك التابعة للبنك الرئيسي للتنمية والائتمان
الزراعي، وكان البند رقم 8 من المادة 143 المطعون عليها، وارداً بلائحة أصدرها مجلس
إدارة هذا البنك منظماً بها – بين ما تشمل عليه – شئون العاملين بالبنوك التابعة –
لا ليخرجها من دائرة القانون الخاص ويردها إلى منطقة القانون العام، وإنما ليحدد لعلاقتهم
بجهات عملهم إطاراً لا ينافي طبيعتها، تقديراً بأن أوضاع العاملين في جهة ما، إنما
يتحدد تكييفها القانوني على ضوء الدائرة التي تنتظمها أصلاً. فإذا كان القانون الخاص
يهيمن عليها – ولو نظمتها قواعد آمرة في بعض جوانبها – كان هذا القانون محورها وقاعدة
بنيانها، بما مؤداه أن كل تنظيم للعلائق القانونية في دائرة بذاتها، لا يجوز أن يكون
مجافياً لحقيقتها. بل يتعين دوماً الرجوع إلى الأصل فيها، وأن ينظر إليها بافتراض اتساقها
مع هذا الأصل.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، فإن اللائحة التي اندرج تحتها البند رقم 8 المطعون عليه
– وفي مجال سريان أحكامها في شأن البنوك التابعة للبنك الرئيسي للتنمية والائتمان الزراعي
– لا تعتبر تشريعاً بالمعنى الموضوعي، ولا تمتد إليها بالتالي الرقابة القضائية التي
تباشرها هذه المحكمة في شأن الشرعية الدستورية.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعية المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
