قاعدة رقم الطعن رقم 9 لسنة 18 قضائية “دستورية” – جلسة 22 /03 /1997
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الثامن
من أول يوليو 1996 حتى آخر يونيو 1998 – صـ 522
جلسة 22 مارس سنة 1997
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: محمد ولي الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض. وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 9 لسنة 18 قضائية "دستورية"
1 – البنك المركزي "دوره".
سيطرة البنك المركزي على الجهاز المصرفي بكل صوره، ضماناً لاستقراره – تحقيقاً للتنمية
الاقتصادية والاجتماعية – كفالته إنفاذ السياسة النقدية والمصرفية التي يتبناها.
2 – تشريع "القانون رقم 120 لسنة 1975 في شأن البنك المركزي المصري والجهاز المصرفي:
اختصاصه".
البنك – وفقاً لهذا القانون – له شخصيته الاعتبارية المستقلة – اختصاصه بتنظيم السياسة
النقدية والائتمانية والمصرفية والإشراف على تنفيذها – مباشرته السلطات والاختصاصات
المخولة له في القانون رقم 163 لسنة 1957، منها مراقبة الهيئات المصرفية – مجلس إدارة
البنك المركزي هو السلطة المختصة بتصريف شئونه من خلال الوسائل المقررة في القانون
المشار إليه.
3 – دستور "المادة 34: ملكية خاصة – نطاقها".
من المتعين أن يفسر نص المادة 34 من الدستور، باعتباره منصرفاً إلى الحقوق الشخصية
والعينية على سواء – قصد الدستور تأمين الأموال جميعها من العدوان عليها وردع مغتصبيها.
4 – تشريع "المادة 30 مكرراً من قانون البنوك والائتمان الصادر بالقانون رقم 163 لسنة
1957" – البنك المركزي.
مجلس إدارة البنك المركزي مخول – وفقاً لهذه المادة – بأن يواجه بالتدابير المنصوص
عليها في هذا القانون المشاكل المالية التي يتعرض لها أي من البنوك وتؤثر على مركزه
المالي.
5 – رقابة دستورية – المحكمة الدستورية العليا – بواعث التشريع.
ليس لهذه المحكمة إلا أن ترد النصوص التشريعية المطعون عليها لأحكام الدستور الشكلية
منها والموضوعية – ليس لها أن تخوض في بواعث هذه النصوص – مقتضى اتفاق النصوص مع الدستور
ألا تنفصل عن الأغراض التي توخاها المشرع منها.
6 – تشريع "الفقرة الأخيرة من المادة 26 من القانون رقم 163 لسنة 1957: ضمان".
قرار مجلس إدارة البنك المركزي بعدم الاعتداد بتحقيق أرباح قابلة للتوزيع على مساهمي
أحد البنوك جميعها إعمالاً للسلطة المخولة له بمقتضى هذا النص – انطواء ذلك على ضمان
لحمل البنوك جميعها على أن تكون مراكزها المالية مطابقة للحقيقة – مباشرة هذه السلطة
في إطار واجب البنك المركزي في مجال ضمان سوق النقد والمال.
7 – تشريع "الفقرة الأخيرة من المادة 26 من القانون رقم 163 لسنة 1957: أسس موضوعية".
القرار الصادر عن مجلس إدارة البنك المركزي وفقاً لهذا النص بحجب الأرباح عن التوزيع
على المساهمين، يلزم أن يكون موضوعياً – صدوره على ضوء التقرير السنوي الذي يعده مراقب
حسابات البنك – توخي ضبط الأجهزة المصرفية توقياً لتعرضها لأزمة مالية – عدم قيام هذا
القرار على أسس موضوعية يعرضه للطعن عليه بإساءة استعمال السلطة مما يخرج عن الرقابة
القضائية الدستورية.
8 – تنظيم الحقوق "سلطة تقديرية" – تشريع "الفقرة الأخيرة من المادة 26 من القانون
رقم 163 لسنة 1957".
اندراج النص المذكور في إطار سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق – الأصل أن هذه السلطة
تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط تحد من إطلاقها – النص المذكور ليس منبهماً –
هو أحد الوسائل التي يملكها البنك المركزي في مجال توجيه الائتمان ومراقبة الهيئات
المصرفية.
9 – دستور "المادة 4" – تشريع "الفقرة الأخيرة من المادة 26 من القانون رقم 163 لسنة
1957" – البنك المركزي.
عدم معرضة هذا النص حكم المادة 4 من الدستور – كان لازماً أن يكون البنك المركزي رقيباً
على حسن سير النظام المصرفي ضماناً لفاعليته – عدم استئثار البنك المركزي بالأرباح
التي قرر عدم الاعتداد بتحقيقها، إعمالا للسلطة المخولة له وفقاً لهذا النص – عدم إهداره
بسببها حقوقاً لغيره.
10 – مبدأ المساواة "مراكز قانونية".
المراكز القانونية التي يتعلق بها هذا المبدأ هي تلك التي تتحد في العناصر التي تكون
كلاً منها – ويترتب عليها أثراً قانونياً – مراكز مودعي البنك غير مراكز مساهميه.
11 – تشريع "الفقرة الأخيرة من المادة 26 من القانون رقم 163 لسنة 1957: حق التقاضي".
عدم انطواء هذا النص على إخلال بحق التقاضي.
1 – البنك المركزي في مصر يحتل من نظامها المصرفي ذراه، إذ يعتبر بنكاً لبنوكها جميعاً،
يمد إليها يد العون، مواجهاً اضطراباتها الاقتصادية؛ موفراً لها ما يلزمها من الأرصدة
النقدية الحاضرة مع وضعها تحت تصرفها، سواء أكان ذلك من خلال تقديم القروض مباشرة إليها،
أم بإعادة خصم الأوراق المالية المقبولة التي تقدمها إليه؛ مباشراً فعلياً على أرصدتها
وقدرتها على خلق الائتمان، وعلى عمليات المقاصة فيما بينها، كافلاً لأوضاع الائتمان
حيويتها وثباتها؛ مراقباً لها، سواء أكانت هذه الرقابة كيفية أو مباشرة؛ ملبياً للسوق
المالية احتياجاتها؛ مخففاً عنها حدة ضائقتها ابتغاء الحفاظ على سيولة النظام الائتماني
ومرونته، التي يدعمها إيداع البنوك التجارية عنده ما يفيض عن حاجتها من احتياطاتها
النقدية، ليتم تجميعها في يده – بدلاً من تفرقها فيما بينها – وهو بذلك يضعها في متناولها
جميعاً، لتحصل كل منها – عند الضرورة – على الأرصدة النقدية التي تحتاجها، فلا يتعثر
نشاطها.
وما تقدم مؤداه، أن البنك المركزي، يسيطر – بالوسائل التي يملكها – على الجهاز المصرفي
بكل صوره، ضماناً لاستقراره وتطويره بما يحقق للتنمية الاقتصادية والاجتماعية أهدافها،
ويكفل إنفاذ السياسة النقدية والاقتصادية التي يتبناها.
2 – اتساقاً مع الملامح الرئيسية للبنوك المركزية، صدر القانون رقم 120 لسنة 1975 في
شأن البنك المركزي المصري والجهاز المصرفي، كافلاً بمادته الأولى شخصيته الاعتبارية
المستقلة؛ ومقرراً أن عمله الأساسي يتمثل في تنظيم السياسة النقدية والائتمانية والمصرفية
والإشراف على تنفيذها وفقاً للخطة العامة بما يساعد على تنمية الاقتصاد القومي ودعمه
واستقرار النقد في مصر. ويباشر السلطات والاختصاصات المخولة له بالقانون رقم 163 لسنة
1957 بإصدار قانون البنوك والائتمان وفقاً للأحكام المنصوص عليها فيه، وبما لا يتعارض
مع أحكام هذا القانون.
وتنص مادته الثانية على أن مجلس إدارة البنك المركزي هو السلطة المختصة بتصريف شئونه
والمهيمنة على تنظيم السياسة النقدية والائتمانية والمصرفية وإصدار النظم التي يراها
كفيلة بتحقيق الأغراض التي يقوم على تنفيذها وفقاً لأحكام القانون رقم 163 لسنة 1957
المشار إليه، في إطار الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وطبقاً للسياسة
العامة للدولة. وللمجلس في سبيل ذلك اتخاذ الوسائل الآتية:
( أ ) التأثير في توجيه الائتمان من حيث كميته ونوعه وسعره، بما يكفل مقابلة الحاجات
الحقيقية لمختلف نواحي النشاط الاقتصادي.
(ب) المساهمة في تدبير الائتمان الخارجي للوفاء بمتطلبات خطط التنمية ودعم الاقتصاد
القومي.
(جـ) اتخاذ التدابير المناسبة لمكافحة الاضطرابات الاقتصادية أو المالية العامة والمحلية.
(د) تحديد أسعار الخصم ومعدلات العائد على العمليات المصرفية وفق طبيعتها وآجالها ومقدار
الحاجة إليها وفقاً لسياسة النقد والائتمان دون التقيد بالحدود المنصوص عليها في أي
تشريع، وللمجلس تخويل البنوك حرية تحديد العائد على العمليات المصرفية التي تقوم بها.
(هـ) مراقبة البنوك بما يكفل سلامة مركزها المالي، سواء أكانت مملوكة للدولة أو مشتركة
أو فروعاً لبنوك أجنبية.
(و) إدارة احتياطيات الدولة من الذهب والنقد الأجنبي وتنظيم النقد الأجنبي بين البنك
المركزي والبنوك الأخرى.
وتنص المادة الأولى من قانون البنوك والائتمان الصادر بالقانون رقم 163 لسنة 1957،
على أن يتخذ البنك المركزي في سبيل تحقيق أغراضه، الوسائل التي حددتها هذه المادة،
ويندرج تحتها مراقبة الهيئات المصرفية بما يكفل سلامة مركزها المالي.
3 – الحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة، إنما تمتد إلى الأموال جميعها، باعتبار
أن المال هو الحق ذو القيمة المالية، سواء أكان هذا الحق شخصياً أم عينياً أم كان من
حقوق الملكية الأدبية أو الفنية أو الصناعية، ولا ينال التمييز بين الحقوق الشخصية
والعينية من حقيقتها كأموال، ذلك أن الحقوق العينية التي تقع على منقول، وكذلك الحقوق
الشخصية – أياً كان محلها – تعد مالاً منقولاً. ويتعين بالتالي أن يفسر نص المادة 34
من الدستور، باعتباره منصرفاً إلى الحقوق الشخصية والعينية على سواء، اتساقاً ومقاصد
الدستور في سعيها لتأمين الأموال جميعها من العدوان عليها، وبما يردع مغتصبيها.
4 – إن المادة 30 مكرراً من قانون البنوك والائتمان الصادر بالقانون رقم 163 لسنة 1957،
تخول مجلس إدارة البنك المركزي – وكلما تعرض أحد البنوك لمشاكل مالية تؤثر على مركزه
المالي – أن يواجهها بالتدابير المنصوص عليها فيها. ويعتبر البنك متعرضاً لمشاكل مالية
في حكم هذه المادة، إذا كانت الأصول التي يملكها عاجزة عن تغطية التزاماته بما يضر
بحقوق المودعين؛ أو كان ثمة تبديد ملموس لهذه الأصول ناجماً عن مخالفة البنك للقوانين
أو القواعد المقررة؛ أو ناشئاً عن القيام بممارسات خطرة لا تتفق وأسس العمل المصرفي؛
وكذلك إذا توافرت دلائل قوية على أن البنك لن يتمكن من مواجهة طلبات المودعين أو الوفاء
بالتزاماته في الظروف العادية.
5 – الرقابة على الشرعية الدستورية التي تباشرها هذه المحكمة، متوازنة بالضرورة، فلا
تميل اندفاعاً بما يؤدي لانفلاتها من كوابحها، ولا تتراخى تخاذلاً بما يعطل أهدافها،
بل يجب أن تظل ملاذاً نهائياً، لا إجراء احتياطياً، وهو ما يعني أن الحدود التي تمارس
السلطتان التشريعية والتنفيذية لاختصاصاتها الدستورية في نطاقها لا يجوز اقتحامها،
وأن المحكمة الدستورية العليا لا تزن بنفسها – ومن خلال مناهجها الذاتية – ما إذا كان
التنظيم التشريعي المعروض عليها لازماً، وما إذا كان إقراره في مناسبة بعينها ملائماً،
إذ ليس لها إلا أن ترد النصوص التشريعية المطعون عليها لأحكام الدستور – الشكلية منها
والموضوعية – لا أن تخوض في بواعثها أو تناقش دوافعها. ويقتضي اتفاق النصوص القانونية
المطعون عليها مع الدستور – وفي نطاق الموضوع محل التنظيم التشريعي – ألا تنفصل هذه
النصوص عن الأغراض التي توخاها المشرع منها، بل يكون اتصال هذه الأغراض – وبافتراض
مشروعيتها – بالوسائل إليها، منطقياً، لا واهياً أو مفتعلاً.
6 – قرار مجلس إدارة البنك المركزي بعدم الاعتداد بتحقيق البنك الدامج لأرباح قابلة
للتوزيع على مساهميه، قد توخي حمل البنك الدامج على تغطية خسائر سنوات سابقة قبل النظر
في توزيع هذه الأرباح عليهم. وتلك هي السلطة التي يستمدها مجلس إدارة البنك المركزي
من النص المطعون فيه، ضماناً لحمل البنوك جميعها على أن تكون مراكزها المالية مطابقة
لحقيقتها، توقياً لتلك المخاطر التي قدر شرورها وإضرارها بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية
التي ينبغي أن يقوم الجهاز المصرفي – بأدواته – على تحقيق معدلاتها، وهي بعد سلطة يباشرها
مجلس إدارة البنك المركزي في إطار واجبه في مجال ضمان سلامة سوق النقد والمال في حدود
السياسة النقدية والمصرفية التي انتهجها.
7 – القرار الصادر عن مجلس إدارة البنك المركزي وفقاً للنص المطعون فيه، يتعين أن يكون
موضوعياً. وهو لا يكون كذلك إلا إذا صدر على ضوء التقرير السنوي الذي يعده مراقب حسابات
البنك الخاضع لرقابة البنك المركزي متضمناً رأيه في شأن مدى كفاية نظام الرقابة الداخلية
فيه، وكذلك مدى كفاية المخصصات لمقابلة النقص في قيم أصوله ومواجهة التزاماته، مع تحديد
قدر العجز في المخصصات إن وجد، وهو ما يعني أن مجلس إدارة البنك المركزي – وفي نطاق
تطبيق المادة 26 من قانون البنك والائتمان – لا يتوخى غير ضبط الأجهزة التي تقوم بشئون
النظام المصرفي في مصر، توقياً لتعرضها لأزمة مالية تُفقد السياسة الائتمانية والمصرفية
مصداقيتها، فلا يكون تنفيذها ممكناً، بل تعثرها ظاهراً. فإذا لم يكن القرار الصادر
عن مجلس إدارة البنك المركزي مستلهماً تلك الأسس الموضوعية، جاز الطعن عليه بإساءة
استعمال السلطة مما يخرج عن نطاق الرقابة القضائية التي تباشرها هذه المحكمة.
8 – النص المطعون فيه – وقد وازن بين المصالح العاجلة للمساهمين في الحصول على أرباح
أسهمهم، والضرورة الملجئة التي تقتضيها مقابلة مطلبهم بحقائق العمل في مصرفهم، فلا
يكون الحصول على أرباحهم هذه مؤثراً في سلامة بنيانه – إنما يندرج في إطار سلطة المشرع
في مجال تنظيم الحقوق، والأصل فيها أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط
تحد من إطلاقها، وتكون تخوماً لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها. النص المطعون فيه ليس
منبهماً أو متحيفاً على حد قول الجمعية المدعية، بل هو أحد الوسائل التي يملكها البنك
المركزي في مجال توجيه الائتمان ومراقبة الهيئات المصرفية بما يكفل سلامة مركزها المالي،
واتخاذ التدابير المناسبة لمكافحة الاضطرابات الاقتصادية أو المالية، ما كان منها عاماً
أو محلياً.
9 – الدستور وإن نص في المادة 4 على أن الأساس الاقتصادي لجمهورية مصر العربية هو النظام
الاشتراكي القائم على الكفاية والعدل بما يحول دون الاستغلال، إلا أن النص المطعون
فيه لا يعارض حكمها، ذلك أن النظام الاشتراكي ظل مرتبطاً بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية
في مجالاتها المختلفة التي يدعمها النظام المصرفي باعتباره نهجاً لتحقيقيها. وكان لازماً
بالتالي أن يكون البنك المركزي رقيباً على حسن سيره، ضماناً لأن يظل فاعلاً. السلطة
التي يباشرها البنك المركزي وفقاً للنص المطعون فيه، لا تعني استئثاره بالأرباح التي
قرر عدم الاعتداد بتحقيقها، ولا ينال بممارستها حقوقاً لا يختص بها، ولا يهدر بسببها
حقوقاً لغيره، وإنما ينهض اعتدالاً بمسئوليته، ضماناً لأن تظل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية
روافدها، وللجهاز المصرفي وسائل رشيدة تكفل تحقيق الأغراض التي يقوم عليها.
10 – المراكز القانونية التي يتعلق بها تطبيق مبدأ المساواة أمام القانون وفقاً لنص
المادة 40 من الدستور، هي تلك التي تتحد في العناصر التي تكون كلاً منها – لا باعتبارها
عناصر واقعية – بل بوصفها عناصر أدخلها المشرع في اعتباره مرتباً عليها أثراً قانونياً،
فلا يكون ترابطها إلا منشئاً لذلك المركز القانوني الذي يضمها.
متى كان ذلك، وكان المدعون يرتبطون مع مصرفهم – وبمناسبة إيداعهم لنقودهم فيه – بعقد
يستند مباشرة إلى إرادتيهما؛ وكان مصرفهم هذا لا يلتزم قبلهم إلا بإيفائهم مثل مبلغهم
المودع عند حلول الأجل المتفق عليه، فإن مركزهم بالنسبة إلى هذه الوديعة، يغاير حقوق
المساهمين في الأسهم التي ينقسم إليها رأس المال، ذلك أن هذه الحقوق لا تستمد مصدرها
المباشر من العقد، بل من نص من القانون.
11 – قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن لكل مواطن حق اللجوء إلى قاض يكون بالنظر إلى
طبيعة الخصومة القضائية، وعلى ضوء مختلف العناصر التي لابستها، مهيأ للفصل فيها؛ وكان
الناس جميعاً لا يتمايزون فيما بينهم في مجال سعيهم لرد العدوان على الحقوق التي يدعونها،
بل يملكون الوسائل عينها في شأن طلب الحقوق ذاتها واقتضائها؛ وكان النص المطعون فيه
لا يتضمن افتئاتاً على حق المدعية في اللجوء لقاضيها الطبيعي، فإن إدعاء مخالفته لنص
المادة 68 من الدستور، يكون لغواً.
الإجراءات
بتاريخ 12 فبراير سنة 1996، أودعت الجمعية المدعية صحيفة هذه الدعوى
قلم كتاب المحكمة، طالبة الحكم بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة 26 من القانون
رقم 163 لسنة 1957 المستبدلة بالقانون رقم 37 لسنة 1992.
وقدم المدعى عليهم مذكرة طلبوا فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الإطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن الجمعية
التعاونية الإنتاجية لنقل البضائع بمحافظة الغربية – المدعية – كانت قد اكتتبت بعدد
من الأسهم في رأس مال بنك الغربية الوطني للتنمية – والذي أسس كشركة مساهمة مصرية يحكمها
نظام استثمار المال العربي والأجنبي والمناطق الحرة الصادر بالقانون رقم 42 لسنة 1974
– وإذ قررت الجمعية العمومية غير العادية لكل من هذا البنك والبنك الوطني للتنمية،
دمج البنك الأول في الثاني، فقد صدر بذلك قرار وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية رقم
72 لسنة 1992، على أن يتخذ تاريخ 31/ 12/ 1991 أساساً لاحتساب قيمة أصول البنك المدمج،
بعد أن آلت حقوقه والتزاماته – اعتباراً من تاريخ الدمج – إلى البنك الوطني للتنمية.
وإذ لم يقم البنك الأخير بتوزيع أرباح عن سنة 1993 على مساهمي البنك المدمج – استناداً
إلى قرار صادر من البنك المركزي المصري – فقد أقامت الجمعية الدعوى رقم 2935 لسنة 1994
مدني كلى أمام محكمة طنطا الابتدائية – بطلب الحكم بصرف نصيبها من الأرباح التي حققها
البنك في تلك السنة، بما يتفق وعدد أسهمها فيه، ودفعت المدعية – أثناء نظر دعواها الموضوعية
– بعدم دستورية الفقرة الأخيرة من المادة 26 من القانون رقم 163 لسنة 1957 بإصدار قانون
البنوك والائتمان المعدل بالقانون رقم 37 لسنة 1992. وقد قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع،
وصرحت للمدعية بإقامة دعواها الدستورية، فرفعتها.
وحيث إن المادة 26 من قانون البنوك والائتمان الصادر بالقانون رقم 163 لسنة 1957 –
المعدل بالقانون رقم 37 لسنة 1992 – تنص على ما يأتي:
فقرة أولى: "ويجب أن يتضمن التقرير السنوي الذي يعده المراقب بياناً بالوسائل التي
توصل إليها للتحقق من وجود الأصول وطرق تقويمها وكيفية تقدير التعهدات القائمة وتحقيق
التزامات البنك".
فقرة ثالثة: "وعلى المراقب أن يوضح أيضاً ما إذا كانت العمليات التي قام بمراجعتها
تخالف أي حكم من أحكام هذا القانون أو اللوائح والقرارات الصادرة تنفيذاً له، أو الأصول
المصرفية المستقرة، وعليه أن يرسل إلى البنك المركزي المصري قبل انعقاد الجمعية العامة
بشهرين على الأقل، صورة من هذا التقرير مصحوبة بنسخة من القوائم المالية مع إبداء رأيه
فيما يلي:
( أ ) مدى كفاية نظام المراقبة الداخلية في البنك.
(ب) مدى كفاية المخصصات لمقابلة أي نقص في قيم الأصول، وكذا أية التزامات قد تقع على
عاتق البنك، مع تحديد قدر العجز في المخصصات إن وجد".
فقرة أخيرة: "ولمجلس إدارة البنك المركزي المصري أن يصدر خلال شهر من تاريخ استلامه
صورة من التقرير المشار إليه، قراراً بعدم توزيع أرباح على المساهمين إذا ما تبين وجود
نقص في المخصصات واجبة التكوين".
وحيث إن المدعية تنعي على الفقرة الأخيرة من المادة 26 المطعون عليها:
أولاً: مخالفتها لنص المادة 89 من القانون المدني التي تقضي بأن يتم العقد بمجرد أن
يتبادل الطرفان التعبير عن إرادتين متطابقتين، فلا يجوز نقض العقد – وباعتباره شريعة
المتعاقدين – أو تعديله – إلا باتفاق الطرفين. وإذ كانت العلاقة بينهما وبين المدعى
عليهم من السادس حتى الأخير علاقة تعاقدية تخولها الحصول على الأرباح التي حجبها هؤلاء
عنها، فإن هدمها بقرار منفرد يصدر عن أحد أطرافها، لا يكون جائزاً.
ثانياً: تخفيها وراء ألفاظ مرسلة لا ضابط لها، ذلك أن المادة 4 من الدستور تحول دون
الاستغلال وتكفل في الوقت ذاته لكل شخص أن يحصل على عائد للأموال التي يستثمرها بوصفها
كسباً مشروعاً. ولا يجوز بالتالي – وبقرار منفرد – حرمانه من حق الحصول على الأرباح
التي ولدتها الأموال التي استثمرتها في تأسيس بنك الغربية الوطني للتنمية فرع طنطا
ومقدارها 7500 سهماً قيمتها 75000 جنيهاً.
ثالثاً: تخويلها البنك المركزي أن يصدر قرار تعسفياً – محصناً من الرقابة القضائية
– بعدم توزيع أرباح على المساهمين، إخلالاً بمبدأ خضوع الدولة للقانون، وبحق كل شخص
في اللجوء إلى قاضيه الطبيعي انتصافاً بما ينطوي عليه ذلك من إهدار لنصوص المواد 64
و65 و68 من الدستور.
رابعاً: مخالفتها مبدأ مساواة المواطنين أمام القانون، المنصوص عليه في المادة 40 من
الدستور، ذلك أن المودعين يتقاضون عائداً عن ودائعهم. أما المساهمون في رأس المال،
فإن للبنك المركزي وفقاً للنص المطعون فيه، أن يحرمهم من أرباح أسهمهم رغم تحققها.
وحيث إن الفقرة الأخيرة من المادة 26 المطعون عليها، أصبحت تقضي – بعد تعديلها بالقانون
رقم 97 لسنة 1996 بتعديل بعض أحكام قانون البنوك والائتمان الصادر بالقانون رقم 163
لسنة 1957، والقانون رقم 120 لسنة 1975، في شأن البنك المركزي والجهاز المصرفي – بما
يأتي:
ولمجلس إدارة البنك المصري أن يصدر خلال شهر من تاريخ استلامه صورة من التقرير المشار
إليه، قراراً بعدم الاعتداد بتحقيق أرباح قابلة للتوزيع على المساهمين وغيرهم من أصحاب
النصيب في الأرباح إذا ما تبين وجود نقص في المخصصات واجبة التكوين.
وحيث إن الفقرة الأخيرة من المادة 26 المطعون عليها – سواء قبل تعديلها أو بعده – غايته
تخويل البنك المركزي أن يأمر بحجب الأرباح التي يجوز توزيعها على المساهمين إذا قام
السبب المنصوص عليه فيها.
وحيث إن البنك المركزي في مصر يحتل من نظامها المصرفي ذراه، إذ يعتبر بنكاً لبنوكها
جميعاً، يمد إليها يد العون، مواجهاً اضطراباتها الاقتصادية؛ موفراً لها ما يلزمها
من الأرصدة النقدية الحاضرة مع وضعها تحت تصرفها، سواء أكان ذلك من خلال تقديم القروض
مباشرة إليها، أم بإعادة خصم الأوراق المالية المقبولة التي تقدمها إليه؛ مباشراً فعلياً
على أرصدتها وقدرتها على خلق الائتمان، وعلى عمليات المقاصة فيما بينها، كافلاً لأوضاع
الائتمان حيويتها وثباتها؛ ومراقباً لها، سواء أكانت هذه الرقابة كيفية أو كمية أو
مباشرة؛ ملبياً للسوق المالية احتياجاتها؛ مخففاً عنها حدة ضائقتها ابتغاء الحفاظ على
سيولة النظام الائتماني ومرونته، التي يدعمها إيداع البنوك التجارية عنده ما يفيض عن
حاجاتها من احتياطاتها النقدية، ليتم تجميعها في يده – بدلاً من تفرقها فيما بينها
– وهو بذلك يضعها في متناولها جميعاً، لتحصل كل منها – عند الضرورة على الأرصدة النقدية
التي تحتاجها، فلا يتعثر نشاطها.
وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن البنك المركزي، يسيطر – بالوسائل التي يملكها – على الجهاز
المصرفي بكل صوره، ضماناً لاستقراره وتطويره بما يحقق للتنمية الاقتصادية والاجتماعية
أهدافها، ويكفل إنفاذ السياسة النقدية والاقتصادية التي يتبناها.
وحيث إنه اتساقاً مع الملامح الرئيسية للبنوك المركزية، صدر القانون رقم 120 لسنة 1975
في شأن البنك المركزي المصري والجهاز المصرفي، كافلاً بمادته الأولى شخصيته الاعتبارية
المستقلة؛ ومقرراً أن عمله الأساسي يتمثل في تنظيم السياسة النقدية والائتمانية والمصرفية
والإشراف على تنفيذها وفقاً للخطة العامة بما يساعد على تنمية الاقتصاد القومي ودعمه
واستقرار النقد في مصر. ويباشر السلطات والاختصاصات المخولة له بالقانون رقم 163 لسنة
1957 بإصدار قانون البنوك والائتمان وفقاً للأحكام المنصوص عليها فيه، وبما لا يتعارض
مع أحكام هذا القانون.
وتنص مادته الثانية على أن مجلس إدارة البنك المركزي هو السلطة المختصة بتصريف شئونه
والمهيمنة على تنظيم السياسة النقدية والائتمانية والمصرفية وإصدار النظم التي يراها
كفيلة بتحقيق الأغراض التي يقوم على تنفيذها وفقاً لأحكام القانون رقم 163 لسنة 1957
المشار إليه، في إطار الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وطبقاً للسياسة
العامة للدولة. وللمجلس في سبيل ذلك اتخاذ الوسائل الآتية:
( أ ) التأثير في توجيه الائتمان من حيث كميته ونوعه وسعره، بما يكفل مقابلة الحاجات
الحقيقية لمختلف نواحي النشاط الاقتصادي.
(ب) المساهمة في تدبير الائتمان الخارجي للوفاء بمتطلبات خطط التنمية ودعم الاقتصاد
القومي.
(جـ) اتخاذ التدابير المناسبة لمكافحة الاضطرابات الاقتصادية أو المالية العامة والمحلية.
(د) تحديد أسعار الخصم ومعدلات العائد على العمليات المصرفية وفق طبيعتها وآجالها ومقدار
الحاجة إليها وفقاً لسياسة النقد والائتمان دون التقيد بالحدود المنصوص عليها في أي
تشريع، وللمجلس تخويل البنوك حرية تحديد العائد على العمليات المصرفية التي تقوم بها.
(هـ) مراقبة البنك بما يكفل سلامة مركزها المالي، سواء أكانت مملوكة للدولة أو مشتركة
أو فروعاً لبنوك أجنبية.
(و) إدارة احتياطيات الدولة من الذهب والنقد الأجنبي وتنظيم النقد الأجنبي بين البنك
المركزي والبنوك الأخرى.
وحيث إن قانون البنوك والائتمان الصادر بالقانون رقم 163 لسنة 1957، قد نص في مادته
الأولى على أن يتخذ البنك المركزي في سبيل تحقيق أغراضه، الوسائل التي حددتها هذه المادة،
ويندرج تحتها مراقبة الهيئات المصرفية بما يكفل سلامة مركزها المالي.
وحيث إن البنك الوطني للتنمية، قد دفع بعدم اختصاص هذه المحكمة بنظر الدعوى الماثلة،
تأسيساً على أن الرقابة القضائية على الشرعية الدستورية التي تباشرها هذه المحكمة،
تنحصر في مخالفة النصوص القانونية المطعون عليها لأحكام الدستور، ولا تتسع لأحوال التعارض
بين النصوص القانونية فيما بينها، سواء جمعها المشرع في قانون واحد، أو وزعها بين أكثر
من قانون.
وحيث إن هذا النعي مرود، بأن الحقوق التي طلبتها الجمعية المدعية، تتعلق بأرباح تدعى
استحقاقها عن أسهم تمتلكها في البنك المدعى عليه، وأن حرمانها من الحصول عليها يخل
بالملكية الخاصة التي كفل الدستور صونها وفقاً لنص المادة 34. وقد جرى قضاء هذه المحكمة
على أن الحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة، إنما تمتد إلى الأموال جميعها،
باعتبار أن المال هو الحق ذو القيمة المالية، سواء أكان هذا الحق شخصياً أم عينياً
أم كان من حقوق الملكية الأدبية أو الفنية أو الصناعية، ولا ينال التمييز بين الحقوق
الشخصية والعينية من حقيقتها كأموال، ذلك أن الحقوق العينية التي تقع على منقول، وكذلك
الحقوق الشخصية – أياً كان محلها – تعد مالاً منقولاً. ويتعين بالتالي أن يفسر نص المادة
34 من الدستور، باعتباره منصرفاً إلى الحقوق الشخصية والعينية على سواء، اتساقاً ومقاصد
الدستور في سعيها لتأمين الأموال جميعها من العدوان عليها، وبما يردع مغتصبيها.
ولئن كانت المدعية تدعي مخالفة النص المطعون فيه، لنص المادة 89 من القانون المدني،
إلا أن مناعيها اشتملت كذلك على قالة إهدار النص المطعون فيه لأحكام المواد 4 و40 و65
و66 و68 من الدستور. وذلك وحده منها يعتبر كافياً لاختصاصها بالفصل في دعواها الدستورية.
وحيث إن المادة 30 مكرراً من قانون البنوك والائتمان الصادر بالقانون رقم 163 لسنة
1957، تخول مجلس إدارة البنك المركزي – وكلما تعرض أحد البنوك لمشاكل مالية تؤثر على
مركزه المالي – أن يواجهها بالتدابير المنصوص عليها فيها. ويعتبر البنك متعرضاً لمشاكل
مالية في حكم هذه المادة، إذا كانت الأصول التي يملكها عاجزة عن تغطية التزاماته بما
يضر بحقوق المودعين؛ أو كان ثمة تبديد ملموس لهذه الأصول ناجماً عن مخالفة البنك للقوانين
أو القواعد المقررة؛ أو ناشئاً عن القيام بممارسات خطرة لا تتفق وأسس العمل المصرفي؛
وكذلك إذا توافرت دلائل قوية على أن البنك لن يتمكن من مواجهة طلبات المودعين أو الوفاء
بالتزاماته في الظروف العادية.
وحيث إن ما تنعاه المدعية من مخالفة النص المطعون فيه لأحكام المواد 4 و65 و66 من الدستور،
مردود:
أولاً: بأن الرقابة على الشرعية الدستورية التي تباشرها هذه المحكمة، متوازنة بالضرورة،
فلا تميل اندفاعاً بما يؤدي لانفلاتها من كوابحها، ولا تتراخى تخاذلاً بما يعطل أهدافها،
بل يجب أن تظل ملاذاً نهائياً، لا إجراء احتياطياً، وهو ما يعني أن الحدود التي تمارس
السلطتان التشريعية والتنفيذية لاختصاصاتها الدستورية في نطاقها لا يجوز اقتحامها،
وأن المحكمة الدستورية العليا لا تزن بنفسها – ومن خلال مناهجها الذاتية – ما إذا كان
التنظيم التشريعي المعروض عليها لازماً، وما إذا كان إقراره في مناسبة بعينها ملائماً،
إذ ليس لها إلا أن ترد النصوص التشريعية المطعون عليها لأحكام الدستور – الشكلية منها
والموضوعية – لا أن تخوض في بواعثها أو تناقش دوافعها. ويقتضي اتفاق النصوص القانونية
المطعون عليها مع الدستور – وفي نطاق الموضوع محل التنظيم التشريعي – ألا تنفصل هذه
النصوص عن الأغراض التي توخاها المشرع منها، بل يكون اتصال هذه الأغراض – وبافتراض
مشروعيتها – بالوسائل إليها، منطقياً، لا واهياً أو مفتعلاً.
ومردود ثانياً: بأن بنك الغربية الوطني الذي أسهمت المدعية فيه، كان قد تعرض لمشاكل
مالية خطيرة تؤثر على سيره، مما حمل جمعيته العامة غير العادية، على أن تقرر دمجه في
البنك الوطني للتنمية على أساس مركزه المالي في 21/ 12/ 1991. وبذلك فقد البنك المدمج
ذاتيته، ولم يعد لشخصيته القانونية التي كان متمتعاً بها قبل الدمج من وجود، بل أنصهر
في البنك الدامج اعتباراً من 31/ 12/ 1991، وغدا من بين الفروع التي يشتمل عليها، ولا
يتصور أن يكون لأي من هذه الفروع ميزانية يستقل بها، ولا أن تظهر أرباحاً يختص بها،
أياً كان مقدارها.
ومردود ثالثاً: بأن قرار مجلس إدارة البنك المركزي بعدم الاعتداد بتحقيق البنك الدامج
لأرباح قابلة للتوزيع على مساهميه، قد توخي حمل البنك الدامج على تغطية خسائر سنوات
سابقة قبل النظر في توزيع هذه الأرباح عليهم. وتلك هي السلطة التي يستمدها مجلس إدارة
البنك المركزي من النص المطعون فيه، ضماناً لحمل البنوك جميعها على أن تكون مراكزها
المالية مطابقة لحقيقتها، توقياً لتلك المخاطر التي قدر شروطها وإضرارها بالتنمية الاقتصادية
التي ينبغي أن يقوم الجهاز المصرفي – بأدواته – على تحقيق معدلاتها، وهي بعد سلطة يباشرها
مجلس إدارة البنك المركزي في إطار واجبه في مجال ضمان سلامة سوق النقد والمال، وفي
حدود السياسة النقدية والمصرفية التي انتهجها.
ومردود رابعاًً: بأن القرار الصادر عن مجلس إدارة البنك المركزي وفقاً للنص المطعون
فيه، يتعين أن يكون موضوعياً. وهو لا يكون كذلك إلا إذا صدر على ضوء التقرير السنوي
الذي يعده مراقب حسابات البنك الخاضع لرقابة البنك المركزي متضمناً رأيه في شأن مدى
كفاية نظام الرقابة الداخلية فيه، وكذلك مدى كفاية المخصصات لمقابلة النقص في قيم أصوله
ومواجهة التزاماته، مع تحديد قدر العجز في المخصصات إن وجد، وهو ما يعني أن مجلس إدارة
البنك المركزي – وفي نطاق تطبيق المادة 26 من قانون البنك والائتمان – لا يتوخى غير
ضبط الأجهزة التي تقوم بشئون النظام المصرفي في مصر، توقياً لتعرضها لأزمة مالية تُفقد
السياسة الائتمانية والمصرفية مصداقيتها، فلا يكون تنفيذها ممكناً، بل تعثرها ظاهراً.
فإذا لم يكن القرار الصادر عن مجلس إدارة البنك المركزي مستلهماً تلك الأسس الموضوعية،
جاز الطعن عليه بإساءة استعمال السلطة مما يخرج عن نطاق الرقابة القضائية التي تباشرها
هذه المحكمة.
ومردود خامساً: بأن النص المطعون فيه – وقد وازن بين المصالح العاجلة للمساهمين في
الحصول على أرباح أسهمهم، والضرورة الملجئة التي تقتضيها مقابلة مطلبهم بحقائق العمل
في مصرفهم، فلا يكون الحصول على أرباحهم هذه مؤثراً في سلامة بنيانه – إنما يندرج في
إطار سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق، والأصل فيها أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها
الدستور بضوابط تحد من إطلاقها، وتكون تخوماً لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها.
ومردود سادساً: بأن النص المطعون فيه ليس منبهماً أو متخفياً على حد قول الجمعية المدعية،
بل هو أحد الوسائل التي يملكها البنك المركزي في مجال توجيه الائتمان ومراقبة الهيئات
المصرفية بما يكفل سلامة مركزها المالي، واتخاذ التدابير المناسبة لمكافحة الاضطرابات
الاقتصادية أو المالية، ما كان منها عاماً أو محلياً.
ومردود سابعاً: بأن الدستور وإن نص في المادة 4 على أن الأساس الاقتصادي لجمهورية مصر
العربية هو النظام الاشتراكي القائم على الكفاية والعدل بما يحول دون الاستغلال، إلا
أن النص المطعون فيه لا يعارض حكمها، ذلك أن النظام الاشتراكي ظل مرتبطاً بالتنمية
الاقتصادية والاجتماعية في مجالاتها المختلفة التي يدعمها النظام المصرفي باعتباره
نهجاً لتحقيقها. وكان لازماً بالتالي أن يكون البنك المركزي رقيباً على حسن سيره، ضماناً
لأن يظل فاعلاً.
ومردود ثامناً: بأن السلطة التي يباشرها البنك المركزي وفقاً للنص المطعون فيه، لا
تعني استئثاره بالأرباح التي قرر عدم الاعتداد بتحقيقها، ولا ينال بممارستها حقوقاً
لا يختص بها، ولا يهدر بسببها حقوقاً لغيره، وإنما ينهض اعتدالاً بمسئوليته، ضماناً
لأن تظل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية روافدها، وللجهاز المصرفي وسائل رشيدة تكفل
تحقيق الأغراض التي يقوم عليها.
ومردود تاسعاً: بأن المراكز القانونية التي يتعلق بها تطبيق مبدأ المساواة أمام القانون
وفقاً لنص المادة 40 من الدستور، هي تلك التي تتحد في العناصر التي تكون كلاً منها
– لا باعتبارها عناصر واقعية – بل بوصفها عناصر أدخلها المشرع في اعتباره مرتباً عليها
أثراً قانونياً، فلا يكون ترابطها إلا منشئاً لذلك المركز القانوني الذي يضمها.
متى كان ذلك، وكان المدعون يرتبطون مع مصرفهم – وبمناسبة إيداعهم لنقودهم فيه – بعقد
يستند مباشرة إلى إرادتيهما؛ وكان مصرفهم هذا لا يلتزم قبلهم إلا بإيفائهم مثل مبلغهم
المودع عند حلول الأجل المتفق عليه، فإن مركزهم بالنسبة إلى هذه الوديعة، يغاير حقوق
المساهمين في الأسهم التي ينقسم إليها رأس المال، ذلك أن هذه الحقوق لا تستمد مصدرها
المباشر من العقد، بل من نص من القانون.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن لكل مواطن حق اللجوء إلى قاض يكون بالنظر إلى
طبيعة الخصومة القضائية، وعلى ضوء مختلف العناصر التي لابستها، مهيأ للفصل فيها؛ وكان
الناس جميعاً لا يتمايزون فيما بينهم في مجال سعيهم لرد العدوان على الحقوق التي يدعونها،
بل يملكون الوسائل عينها في شأن طلب الحقوق ذاتها واقتضائها؛ وكان النص المطعون فيه
لا يتضمن افتئاتاً على حق المدعية في اللجوء لقاضيها الطبيعي، فإن إدعاء مخالفته لنص
المادة 68 من الدستور، يكون لغواً.
وحيث إن النص المطعون فيه لا يتعارض مع أي حكم في الدستور من أوجه أخرى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعية المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
