قاعدة رقم الطعن رقم 62 لسنة 18 قضائية “دستورية” – جلسة 15 /03 /1997
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الثامن
من أول يوليو 1996 حتى آخر يونيو 1998 – صـ 488
جلسة 15 مارس سنة 1997
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر -رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: محمد ولي الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف ومحمد عبد القادر عبد الله. وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 62 لسنة 18 قضائية "دستورية"
1 – دفع بعدم الدستورية "تقدير جديته".
من غير الجائز أن يكون تقدير محكمة الموضوع جدية دفع بعدم الدستورية مثار أمامها منفصلاً
عن تعارض تتحراه مبدئياً بين النصوص المطعون فيها ومواقع بطلانها من الدستور.
2 – دعوى دستورية "مناط المصلحة الشخصية المباشرة".
مناط المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – أن تتوافر علاقة
منطقية بينها وبين المصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي – وذلك بأن يكون الحكم في
المسائل الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها.
3 – تنظيم الحقوق "سلطة تقديرية".
الأصل في سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها
بضوابط تحد من إطلاقها – من غير الجائز أن يكون تنظيم الحقوق التي كفلها الدستور اقتحاماً
لفحواها.
4 – دستور – حق العمل "تنظيم".
العمل حق نص عليه الدستور في المادة 13 – تنظيم هذا الحق يجب ألا يناقض فحواه. الشروط
التي يفرضها المشرع لقيام حق من الحقوق – ومنها حق العمل – تعتبر من عناصره، اكتمال
وجوده بتحققها.
5 – عمل – تمييز.
التمييز في مجال العمل لا يكون مقبولاً كلما كان مبناه التحامل في شروط العمل والأوضاع
التي يتصل بها.
6 – دستور – حق العمل "التميز في الأداء – أجر".
اعتبار العمل حقاً وفقاً لنص المادة 13 من الدستور – كفالته من الدولة وفق إمكاناتها
– التمايز في أداء العاملين يجب أن يكون مدخلاً للمفاضلة بينهم – الشروط الموضوعية
وحدها هي ما يعتد به في تقدير العمل وتحديد أجره.
7 – وظيفة "حقوقها وواجباتها".
لكل وظيفة حقوقها وواجباتها – مقابلة مزاياها بمسئولياتها – يجب ألا يلي شئون أية وحدة
اقتصادية غير القادرين حقاً على تصريفها.
8 – وظيفة "تعيين".
لكل وظيفة تبعاتها – عدم شغلها إلا ممن يستحقها – التعيين فيها مرتبط بالتقدير المتوازن
لعوامل الجدارة وعناصر التمايز التي تتم على ضوئها المفاضلة بين المتزاحمين على توليها.
9 – تشريع "المادة 23 من القانون رقم 48 لسنة 1978 بشأن نظام العاملين بالقطاع العام:
ترقية بالاختيار".
الترقية بالاختيار انحياز إلى الأصلح والأكثر عطاء. الترقية بالاختيار في نطاق هذا
النص اعتبرها المشرع أسلوباً ملائماً لتولي وظائف هامة بعينها – ضرورة المفاضلة بين
المتزاحمين عليها على ضوء أصلحهم للنهوض بأعبائها وفق عناصر موضوعية – الاختيار عمل
انتقائي – ما قرره المشرع في هذه المادة من ضوابط للترقية بالاختيار لا مخالفة فيه
للدستور – التنظيم الوارد فيها لا ينال من حق العمل – اتفاقها مع حرص الدستور على أن
تولي الدولة اهتمامها بمن يمتازون من عمالها في أداء عملهم – عدم انفصال العمل عن جدارة
من يتولاه.
10 – مبدأ تكافؤ الفرص – مبدأ المساواة – تشريع "المادة 23 من القانون رقم 48 لسنة
1978".
الفرص التي يستنهضها مبدأ تكافؤ الفرص هي تلك التي تتعهد الدولة بتقديمها – تزاحم من
يطلبونها فيما بينهم للنفاذ إليها – ترتيبهم على ضوء أجدرهم بالحصول عليها – تقرير
شروطها الموضوعية وفق ضوابط منصفة – اختيار المتزاحمين على فرص الترقية إلى الدرجة
الأولى وفقاً لهذه المادة يتم وفق ضوابط موضوعية – عدم تداخل هذا النص ومبدأ المساواة
أمام القانون – النص المذكور في مجال تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص لا يقيم تمييزاً غير مبرر
بين المتزاحمين على الترقية إلى الدرجة الأولى.
11 – تشريع "المادة 23 من القانون رقم 48 لسنة 1978: حق التقاضي".
هذا النص لا يعطل حق المتداعين في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي – لا مخالفة فيه
للمادة 68 من الدستور.
1 – إن تقدير محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم دستورية نص قانوني معين، يفترض إجالتها
لبصرها فيه بعد فهمها لحقيقته ووقوفها على أبعاده. ويقتضي ذلك أن تقابل – بصفة مبدئية
– بين هذا النص والنصوص الدستورية المدعي مخالفتها، مستظهرة من ذلك نطاق التناقض بين
مضمونه وأحكامها. ولا يجوز بالتالي أن يكون تقدير محكمة الموضوع جدية دفع مثار أمامها،
منفصلاً عن تعارض تتحراه مبدئياً بين النصوص القانونية المطعون عليها ومواقع بطلانها
من أحكام الدستور.
وحيث إن المدعين وإن أثاروا لأول مرة – بمذكرتهم التي قدموها إلى محكمة الموضوع في
16/ 1/ 1996 – مخالفة نص المادة 33 من قانون العاملين بالقطاع العام الصادر بالقانون
رقم 48 لسنة 1978، للمادتين 8 و68 من الدستور؛ وكانت محكمة الموضوع – بعد إبداء المدعين
لدفعهم هذا – لم تمض في نظر الدعوى الموضوعية، ولكنها حجزتها للحكم في 14/ 2/ 1996.
وبجلستها هذه أعادتها للمرافعة استئنافاً منها لنظرها في 21/ 4/ 1996. وبهذه الجلسة،
قررت تأجيلها إلى 18/ 6/ 1996 ليقيم المدعون قبل حلولها دعواهم الدستورية؛ وكان ما
تقدم مؤداه أن محكمة الموضوع لم تفصح عن تقديرها لجدية الدفع المطروح عليها إلا بتاريخ
21/ 4/ 1996. وإذ أقام المدعون الدعوى الماثلة قبل انتهاء الأجل الذي حددته محكمة الموضوع
لرفعها – وعلى التحديد في 16/ 6/ 1996 – فإن النعي بعدم قبولها شكلاً، يكون فاسداً.
2 – المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن تتوافر
علاقة منطقية بينها وبين المصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الحكم
في المسائل الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها؛ وكان النزاع
الموضوعي يتحصل في طلب المدعين الحكم بأحقيتهم في الترقية إلى الدرجة الأولى التي حرموا
منها إعمالاً لقاعدة الاختيار التي تضمنتها الفقرة الأولى من المادة 33 من قانون نظام
العاملين بالقطاع العام، فإن مصلحتهم الشخصية والمباشرة – تنحصر في الطعن عليها.
لا ينال من ذلك أن يكون المشرع قد استعاض بنص المادة الثانية من قانون إصدار قانون
شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991 – والمعمول به اعتباراً
من 20 يوليو 1991 – عن هيئات القطاع العام الخاضعة لأحكام القانون رقم 97 لسنة 1983،
والشركات التي تباشر إشرافها عليها، بالشركات القابضة والشركات التابعة لها، ذلك أن
المادة 4 من قانون إصداره صريحة في نصها على استمرار خضوع العاملين في هيئات القطاع
العام وشركاته المنقولين إلى الشركات الجديدة بنوعيها، والموجودين بالخدمة في تاريخ
العمل بهذا القانون، للنظم والقانون التي كانت تحكم شئونهم الوظيفية، وذلك إلى أن تصدر
لوائح أنظمة العاملين بالشركات المنقولين إليها؛ وكان وزير قطاع الأعمال العام والدولة
للتنمية الإدارية وشئون البيئة قد أصدر في 19/ 9/ 1995 لائحة النظام الخاص بالعاملين
بالشركات التي يتبعها المدعون، على أن يعمل بها اعتباراً من 1/ 7/ 1995؛ وكان ذلك مؤداه
أن القواعد القانونية التي كانت تحكمهم – وإلى ما قبل صدور هذا التنظيم الخاص – هي
التي تنظم شئون ترقياتهم التي تمت في 30/ 6/ 1991 و1/ 2/ 1994، فإن طعنهم ببطلان الفقرة
الأولى من المادة 23 من قانون نظام العاملين بالقطاع العام لمخالفتهم الدستور، يكون
كافلاً مصلحتهم الشخصية المباشرة، إذ هي التي اتخذتها الوحدة الاقتصادية التي يعملون
بها سنداً لترقية غيرهم إلى الدرجة الأولى.
3 – إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد أستقر على أن الأصل في سلطة المشرع في مجال
تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها،
وتعتبر تخوماً لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها؛ وكان الدستور إذ يعهد إلى السلطة التشريعية
بتنظيم موضوع معين؛ فإن ما تقره من القواعد القانونية في هذا النطاق، لا يجوز أن ينال
من الحقوق التي كفل الدستور أصلها، سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، ذلك أن إهدار
هذه الحقوق أو تهميشها، عدوان على مجالاتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من خلالها. ولا
يجوز بالتالي أن يكون تنظيم هذه الحقوق اقتحاماً لفحواها، بل يتعين أن يكون منصفاً
ومبرراً.
4 – إن ما نص عليه الدستور في المادة 13 من اعتبار العمل حقاً، مؤداه ألا يكون تنظيم
هذا الحق مناقضاً لفحواه، وأن يكون فوق هذا اختياراً حراً، والطريق إليه محدداً وفق
شروط موضوعية مناطها ما يكون لازماً لإنجازه، متوخياً دوماً تطوير أنماط الحياة وتشكيلها
في اتجاه التقدم، معززاً ببرامج رائدة تزيد من خبرة العامل وتنميها، وتكفل خلق مناخ
ملائم يكون العمل في إطاره إسهاماً وطنياً فاعلاً. إن الحقوق جميعها – ويندرج تحتها
حق العمل – لا تنشأ إلا بتوافر متطلباتها، ذلك أن الشروط التي يفرضها المشرع لقيام
حق من الحقوق، تعتبر من عناصره، بها ينهض سوياً على قدميه، ولا يتصور وجوده بدونها،
ولا أن يكتمل كيانه في غيبتها. ومن ثم لا تنعزل هذه الشروط عن الحق الذي نشأ مرتبطاً
بها، مكتملاً وجوداً بتحققها.
5 – إن كل تمييز لا يتصل بالشروط الموضوعية التي ينبغي أن يمارس العمل في نطاقها، يعتبر
منهياً عنه دستورياً، سواء انعكس هذا التمييز في شكل آثار اقتصادية، أم كان مرهقاً
لبيئة العمل ذاتها أو ملوثاً لها من خلال صور من التعامل تحيطها، وتتباين أبعادها،
إذا كان من شأنها في مجموعها – وعلى امتداد حلقاتها – الإضرار بقيمة العمل، أو الإخلال
بطبيعة الشروط التي يقتضيها. ومن ثم لا يكون التمييز في مجال العمل مقبولاً كلما كان
مبناه التحامل في شروط العمل والأوضاع التي يتصل بها، بما يحول دون قيام العمال على
واجباتهم على النحو الأكمل، أو يثنيهم عن متابعتها، أو يدفعهم إلى التخلي عنها.
6 – إن اعتبار العمل حقاً وواجباً وشرفاً وفقاً لنص المادة 13 من الدستور، مؤداه أن
يكون مكفولاً من الدولة وفق إمكاناتها، وعلى ضوء التدابير التي تتخذها. وإعلاؤها لقدر
العمل وارتقاؤها بقيمته، يحملها على تقدير من يتمايزون فيه، ليكون التمايز في أداء
العاملين، مدخلاً للمفاضلة بينهم. وهو ما يعني بالضرورة أن الشروط الموضوعية وحدها،
هي التي يعتد بها في تقدير العمل وتحديد أجره، والأحق بالحصول عليه، والأوضاع التي
ينبغي أن يمارس فيها، والحقوق التي يرتبها، وأشكال حمايتها ووسائل اقتضائها، فلا يكون
العمل إلا كافلاً لضمانة الحق في الحياة واحداً من أهم روافدها، محققاً للتنمية الاقتصادية
والاجتماعية جوهر أسبابها.
7 – إن الأصل أن يكون لكل وظيفة حقوقها وواجباتها، فلا تقابل مزاياها بغير مسئولياتها،
ولا يكون وصفها وترتيبها منفصلاً عن متطلباتها التي تكفل للمرافق التي يديرها عمال
الوحدة الاقتصادية، حيويتها واطراد تقدمها، وقابلية تنظيماتها للتعديل وفق أسس علمية
قوامها التخطيط المرن وحرية التقدير. فلا تتعثر أعمال هذه الوحدة أو تفقد اتصالها ببعض
أو تدرجها فيما بينها، بل يكون اتساقها وتقسيمها وتخصصها لازماً لضمان إنجازها بصورة
ملائمة مع خفض نفقاتها. وشرط ذلك إعداد عمال كل وحدة اقتصادية علمياً وفنياً، فلا يلي
شئونها غير القادرين حقاً على تصريفها، سواء أكان عملهم ذهنياً أم مهنياً أم يدوياً.
8 – إن لكل وظيفة تبعاتها، فلا يشغلها إلا من يستحقها على ضوء طبيعة الأعمال التي تدخل
فيها، وغاياتها. والمهارة المطلوبة فيها، والخبرة اللازمة لها. ولا يجوز بالتالي أن
يكون التعيين في وظيفة بذاتها أو الترقية منها إلى ما يعلوها، عملاً آلياً يفتقر إلى
الأسس الموضوعية، أو منفصلاً عن التقدير المتوازن لعوامل الجدارة وعناصر التمايز التي
تتم على ضوئها المفاضلة بين المتزاحمين على توليها، ولا مجرد تطبيق جامد لمقاييس صماء
لا تأخذ في اعتبارها خصائص كل وظيفة ومكانتها، والحد الأدنى للتأهيل لها، وغير ذلك
من مقوماتها الموضوعية المحددة تحديداً دقيقاً، وعلى تقدير أن تقييم الوظيفة إنما يرتبط
بأهميتها الحقيقية.
9 – إن الترقية بالاختيار في مفاهيم الدول المتحضرة، تمثل من جانبها انحيازاً إلى الأصلح
والأكثر عطاء، وهي في نطاق النص المطعون فيه – وفي حدود الخصومة الدستورية الماثلة
– اعتبرها المشرع أسلوباً ملائماً لتولي مهام أعمال بعينها تكون بالنظر إلى أهميتها
ومرتبتها في بنيان الهيكل الوظيفي للوحدة الاقتصادية، مؤثرة إلى حد كبير في نشاطها
وتحقيق الأغراض التي تقوم عليها. ولا يجوز بالتالي أن يعهد بهذه الأعمال لغير من يؤدونها
بحقها فلا يكونون عبئاً عليها يقيدها أو يضعفها، بل يثرونها من خلال جهد خلاق يتفاعل
مع مسئولياتها، ويقابل بالتحليل الموضوعي ما قد يطرأ في العمل من مشكلاتها. ويقتضي
ذلك أن تتوافر فيمن يتولاها تلك الخصائص الخلقية والنفسية والعقلية التي تواكبها. وشرط
ذلك استمدادها من عناصر موضوعية لا تتوهمها سلطة التعيين، أو تنفصل عنها – وبفرض وجودها
– النتائج التي رتبتها عليها، وإلا كان قرارها منطوياً على إساءة استعمال السلطة، وهو
ما يعني ضرورة أن تفاضل بين المتزاحمين على تلك الأعمال على ضوء أصلحهم للنهوض بأعبائها،
فلا يكون تقدير كفايتهم موهناً لها دون حق، بل متصلاً بنزاهتهم ودأبهم على العمل وقدرتهم
على اتخاذ القرار الملائم، مرتبطاً بنطاق معاملتهم لمرءوسيهم توجيهاً وإشرافاً، وبما
توافر لديها عن ماضيهم وحاضرهم من العناصر التي تعينها على أن تتخذ في شأنهم قراراً
سليماً، يكون محدداً للجدارة التي بلغها كل منهم.
ويفترض الاختيار في الأعم من الأحوال – وباعتباره عملاً انتقائياً – أن المتزاحمين
على وظيفة بذاتها لا يتحدون في كفايتهم لتوليها، وأن لبعضهم من عناصر الامتياز والتفوق
ما يرجحهم على غيرهم، وأن تقدير هذه العناصر لتحديد من يكون من بينهم أجدر بها، وأحق
بالتعيين أو الترقية إليها، عملية موضوعية لا تصدر فيها الجهة التي تتولاها عن أهوائها،
ولا تعبر بها عن نزواتها، إذ عليها أن تقارن بين هذه العناصر على ضوء حقائقها، وأن
تزن كلاً منها بميزان الحق والعدل، فلا ينفصل تقييمها عن واقعها. ولا يكون لها من شأن
إلا بقدر ارتباطها بخصائص هذه الوظيفة ومتطلباتها. كلما كان المرشحون للوظيفة على اتصال
دائم برؤسائهم في مواقعهم من الإدارة العليا، كان هؤلاء الرؤساء أقدر على سبر أغوارهم،
وقوفاً على مظاهر تميزهم أو نواحي القصور في عملهم، فلا يكون تقييمها انحرافاً بالسلطة
عن أهدافها أو تنكباً لمصلحة عامة، بل التزاماً بضوابطها تقيداً بأصلحهم، وهو ما نحاه
المشرع بالفقرة الأولى من المادة 33 المطعون عليها التي تؤكد بنصها أن تقدير الأحق
بالترقية إلى الدرجة الأولى، يقتضي الاستهداء بعنصرين موضوعيين لا يتنافران فيما بينهما،
بل يتكاملان؛ هما ما قرره الرؤساء بشأن كل من المرشحين لها سلباً أو إيجاباً؛ وما ورد
في ملفات خدمتهم من عناصر الامتياز أو الانحدار، فلا يكون اختيار أفضلهم بالتالي عملاً
عشوائياً، بل تصوراً واقعياً محيطاً بملكاتهم.
ولا مخالفة في ذلك للدستور لأمرين: أولهما أن التنظيم المطعون فيه، لا ينال من حق العمل،
ولا من قدره، ولا من الشرط التي يرتبط عقلاً بها، ولا يحيط بيئة العمل بأوضاع ترهقها،
بل يجردها من رتابتها وآليتها وجمودها، حفزاً لهمم العاملين، واستثارة لقدراتهم على
الخلق والإبداع، فلا يتولى الوظيفة – وباعتبارها شرفاً – غير الأولى بها كي لا يظلم
أحد شيئاً. ثانيهما أن الدستور حرص بنص المادة 13 على أن تولي الدولة اهتمامها بمن
يمتازون من عمالها في أداء أعمالهم، وأن يكون تفوقهم وبروزهم في النهوض بمسئوليتها،
محل تقدير مجتمعهم، وهو ما يعني أن العمل – وباعتباره حقاً يؤمن لكل مواطن حياة يطمئن
إليها اجتماعياً واقتصادياً – لا ينفصل عن جدارة من يتولاه، وإلا كان نهباً لكل طارق،
سوياً كان أم مهيضاً؛ بصيراً متوثباً، أم منكفئاً متخاذلاً.
10 – الفرص التي يستنهضها مبدأ تكافؤ الفرص، هي تلك التي تتعهد الدولة بتقديمها، ويفترض
ذلك بالضرورة أن تكون هذه الفرص محدودة عدداً، وأن من يطلبونها يتزاحمون فيما بينهم
للنفاذ إليها، وأن ترتيبهم على ضوء أجدرهم بالحصول عليها، يقتضي تقرير شروطها الموضوعية
وفق ضوابط يمليها التبصر والاعتدال؛ وكان النص المطعون فيه وإن اتصل بفرص الترقية إلى
الدرجة الأولى، إلا أن اختيار المتزاحمين عليها لا يتم انحيازاً أو التواء، بل باعتبارها
وظيفة رئيسية لا يجوز أن يتولاها غير الأصلح لمهامها، وفق الضوابط التي صاغها النص
المطعون فيه، وجميعها تعتد بالحقائق الموضوعية التي يقوم الدليل عليها من عمل المرشحين
على امتداد حياتهم الوظيفية، ومن شهادة رؤسائهم عن ملامح شخصيتهم في نطاق اتصالها بهذا
العمل. النص المطعون فيه يتعلق – وفق ما تقدم – بالتطبيق المباشر لمبدأ تكافؤ الفرص
المنصوص عليه في المادة 8 من الدستور، ولا يتداخل بالتالي ومبدأ المساواة أمام القانون
المقرر بمقتضى المادة 40 منه، تقديراً بأن لكل من هذين المبدأين – وعلى ما جرى به قضاء
هذه المحكمة – دائرة يعمل فيها. هذا فضلاً عن أن النص المطعون فيه – وفي مجال تطبيق
مبدأ تكافؤ الفرص – لا يقيم تمييزاً غير مبرر بين المتزاحمين على الترقية إلى الدرجة
الأولى، بل يردهم جميعاً إلى قواعد موحدة تقتضي أن يكون شغلها حقاً للأجدر بتوليها.
وهم بذلك يتساوون في طلبها، واقتضائها على ضوء كفايتهم.
11 – من المقرر في قضاء هذه المحكمة، أن الناس جميعاً لا يتمايزون فيما بينهم في مجال
حقهم في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي، ولا في نطاق القواعد الإجرائية والموضوعية التي
تحكم الخصومة القضائية عينها، ولا في فعالية ضمانة الدفاع التي يكفلها الدستور والمشرع
في طرق الطعن التي تنتظمها. بل يجب أن يكون للحقوق ذاتها، قواعد موحدة سواء في مجال
التداعي بشأنها، أو الدفاع عنها، أو استئدائها، أو الطعن في الأحكام التي تتعلق بها.
متى كان ذلك، وكان النص المطعون فيه لا يحول بين المدعين واختصام قرار تخطيهم في الترقية
إلى الدرجة الأولى، ولا يعطل حقهم في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي، فإن إدعاء مخالفته
لنص المادة 68 من الدستور، يكون لغواً.
الإجراءات
بتاريخ 16 من يونيو سنة 1996، أقام المدعون هذه الدعوى بإيداع صحيفتها
قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبين في ختامها الحكم بقبول الدعوى شكلاً، وفى
الموضوع بعدم دستورية المادة 33 من القانون رقم 48 لسنة 1978 بشأن نظام العاملين بالقطاع
العام.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في ختامها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى، واحتياطياً
برفضها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن شركة النصر
للأسمدة والصناعات الكيماوية (قطاع أعمال) كانت قد أجرت حركة ترقيات إلى الدرجة الأولى،
إلا أنها خلت من المدعين، رغم استيفائهم لشروط الترقية إلى هذه الدرجة وتساويهم في
متطلبات شغلها مع زملائهم الذين رقوا إليها، ومن ثم فقد أقاموا الدعوى رقم 189 لسنة
1994 مدني كلي السويس للمطالبة بأحقيتهم في الترقية إلى الدرجة الأولى التي نحوا عنها.
وإذ قُضي برفضها، فقد طعنوا على حكمها باستئنافهم رقم 46 لسنة 18 قضائية أمام المحكمة
الاستئنافية بالإسماعيلية "مأمورية السويس". وأثناء نظره دفع المدعون بعدم دستورية
المادة 33 من القانون رقم 48 لسنة 1978 بشأن نظام العاملين بالقطاع العام، تأسيساً
على أنها تخول الإدارة سلطة مطلقة في مجال الترقية بالاختيار تجعلها بمنأى عن الخضوع
لرقابة القضاء بالمخالفة لنص المادة 68 من الدستور. وقد أبدى هذا الدفع لأول مرة بمذكرة
دفاعهم المقدمة بجلسة 16/ 1/ 1996، وعلى أثرها تقرر حجز الدعوى للحكم لجلسة 14/ 1/
1996، ثم أعيدت للمرافعة لجلسة 21/ 4/ 1996.
وحيث إن تقدير محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم دستورية نص قانوني معين، يفترض إجالتها
لبصرها فيه بعد فهمها لحقيقته ووقوفها على أبعاده. ويقتضي ذلك أن تقابل – بصفة مبدئية
– بين هذا النص والنصوص الدستورية المدعي مخالفتها، مستظهرة من ذلك نطاق التناقض بين
مضمونه وأحكامها. ولا يجوز بالتالي أن يكون تقدير محكمة الموضوع جدية دفع مثار أمامها،
منفصلاً عن تعارض تتحراه مبدئياً بين النصوص القانونية المطعون عليها ومواقع بطلانها
من أحكام الدستور.
وحيث إن المدعين وإن أثاروا لأول مرة – بمذكرتهم التي قدموها إلى محكمة الموضوع في
16/ 1/ 1996 – مخالفة نص المادة 33 من قانون العاملين بالقطاع العام الصادر بالقانون
رقم 48 لسنة 1978، للمادتين 8 و68 من الدستور؛ وكانت محكمة الموضوع – بعد إبداء المدعين
لدفعهم هذا – لم تمض في نظر الدعوى الموضوعية، ولكنها حجزتها للحكم في 14/ 2/ 1996.
وبجلستها هذه أعادتها للمرافعة استئنافاً منها لنظرها في 21/ 4/ 1996. وبهذه الجلسة،
قررت تأجيلها إلى 18/ 6/ 1996 ليقيم المدعون قبل حلولها دعواهم الدستورية؛ وكان ما
تقدم مؤداه أن محكمة الموضوع لم تفصح عن تقديرها لجدية الدفع المطروح عليها إلا بتاريخ
21/ 4/ 1996. وإذ أقام المدعون دعواهم الماثلة قبل انتهاء الأجل الذي حددته محكمة الموضوع
لرفعها – وعلى التحديد في 16/ 6/ 1996 – فإن النعي بعدم قبولها شكلاً، يكون فاسداً.
وحيث إن المادة 33 من قانون نظام العاملين بالقطاع العام الصادر بالقانون رقم 48 لسنة
1978، تنص على ما يأتي:
"مع مراعاة حكم المادة 12 من هذا القانون تكون الترقية إلى وظائف الدرجة الأولى فما
فوقها بالاختيار، ويستهدي في ذلك بما يبديه الرؤساء بشأن المرشحين لشغل هذه الوظائف،
وبما ورد في ملفات خدمتهم من عناصر الامتياز.
وتكون الترقية إلى الوظائف الأخرى بالاختيار في حدود النسبة الواردة في الجدول رقم
المرافق، وذلك بالنسبة لكل سنة مالية على حدة، على أن يبدأ بالجزء المخصص للترقية
بالأقدمية. ويشترط في ذلك أن يكون العامل حاصلاً على مرتبة امتياز في تقرير الكفاية
عن السنتين الأخيرتين، ويفضل من حصل على مرتبة ممتاز في السنة السابقة عليها مباشرة
وذلك مع التقيد بالأقدمية في ذات مرتبة الكفاية.
فإذا كان عدد من تتوافر فيهم شروط الترقية بالاختيار أقل من العدد المخصص لها تؤجل
الترقية في الجزء الباقي إلى سنة تالية".
وحيث إن المصلحة الشخصية المباشرة – وهي شرط لقبول الدعوى الدستورية – مناطها أن تتوافر
علاقة منطقية بينها وبين المصلحة التي يقوم بها النزاع الموضوعي، وذلك بأن يكون الحكم
في المسائل الدستورية لازماً للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها؛ وكان النزاع
الموضوعي يتحصل في طلب المدعين الحكم بأحقيتهم في الترقية إلى الدرجة الأولى التي حرموا
منها إعمالاً لقاعدة الاختيار التي تضمنتها الفقرة الأولى من المادة 33 من قانون نظام
العاملين بالقطاع العام، فإن مصلحتهم الشخصية والمباشرة – تنحصر في الطعن عليها.
ولا ينال من ذلك أن يكون المشرع قد استعاض بنص المادة الثانية من قانون إصدار قانون
شركات قطاع الأعمال العام الصادر بالقانون رقم 203 لسنة 1991 – والمعمول به اعتباراً
من 20 يوليو 1991 – عن هيئات القطاع العام الخاضعة لأحكام القانون رقم 97 لسنة 1983،
والشركات التي تباشر إشرافها عليها، بالشركات القابضة والشركات التابعة لها، ذلك أن
المادة 4 من قانون إصداره صريحة في نصها على استمرار خضوع العاملين في هيئات القطاع
العام وشركاته المنقولين إلى الشركات الجديدة بنوعيها، والموجودين بالخدمة في تاريخ
العمل بهذا القانون، للنظم والقواعد التي كانت تحكم شئونهم الوظيفية، وذلك إلى أن تصدر
لوائح أنظمة العاملين بالشركات المنقولين إليها؛ وكان وزير قطاع الأعمال العام والدولة
للتنمية الإدارية وشئون البيئة قد أصدر في 19/ 9/ 1995 لائحة النظام الخاص بالعاملين
بالشركة التي يتبعها المدعون، على أن يعمل بها اعتباراً من 1/ 7/ 1995؛ وكان ذلك مؤداه
أن القواعد القانونية التي كانت تحكمهم – وإلى ما قبل صدور هذا التنظيم الخاص – هي
التي تنظم شئون ترقياتهم التي تمت في 30/ 6/ 1991 و1/ 2/ 1994، فإن طعنهم ببطلان الفقرة
الأولى من المادة 23 من قانون نظام العاملين بالقطاع العام لمخالفتها الدستور، يكون
كافلاً مصلحتهم الشخصية المباشرة، إذ هي التي اتخذتها الوحدة الاقتصادية التي يعملون
بها سنداً لترقية غيرهم إلى الدرجة الأولى.
وحيث إن المدعين ينعون على النص المطعون فيه مخالفته لأحكام المواد 8 و40 و68 من الدستور
التي تكفل أولاهما تكافؤ الفرص لجميع المواطنين، وثانيتهما مساواتهم أمام القانون،
وثالثتهما حق التقاضي للناس كافة.
وحيث إن قضاء المحكمة الدستورية العليا قد أستقر على أن الأصل في سلطة المشرع في مجال
تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية ما لم يقيد الدستور ممارستها بضوابط تحد من إطلاقها،
وتعتبر تخوماً لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها؛ وكان الدستور إذ يعهد إلى السلطة التشريعية
بتنظيم موضوع معين؛ فإن ما تقره من القواعد القانونية في هذا النطاق، لا يجوز أن ينال
من الحقوق التي كفل الدستور أصلها، سواء بنقضها أو انتقاصها من أطرافها، ذلك أن إهدار
هذه الحقوق أو تهميشها، عدوان على مجالاتها الحيوية التي لا تتنفس إلا من خلالها. ولا
يجوز بالتالي أن يكون تنظيم هذه الحقوق اقتحاماً لفحواها، بل يتعين أن يكون منصفاً
ومبرراً.
وحيث إن ما نص عليه الدستور في المادة 13 من اعتبار العمل حقاً، مؤداه ألا يكون تنظيم
هذا الحق مناقضاً لفحواه، وأن يكون فوق هذا اختياراً حراً، والطريق إليه محدداً وفق
شروط موضوعية مناطها ما يكون لازماً لإنجازه، متوخياً دوماً تطوير أنماط الحياة وتشكيلها
في اتجاه التقدم، معززاً ببرامج رائدة تزيد من خبرة العامل وتنميها، وتكفل خلق مناخ
ملائم يكون العمل في إطاره إسهاماً وطنياً فاعلاً.
وحيث إن الحقوق جميعها – ويندرج تحتها حق العمل – لا تنشأ إلا بتوافر متطلباتها، ذلك
أن الشروط التي يفرضها المشرع لقيام حق من الحقوق، تعتبر من عناصره، بها ينهض سوياً
على قدميه، ولا يتصور وجوده بدونها، ولا أن يكتمل كيانه في غيبتها. ومن ثم لا تنعزل
هذه الشروط عن الحق الذي نشأ مرتبطاً بها، مكتملاً وجوداً بتحققها.
وحيث إن كل تمييز لا يتصل بالشروط الموضوعية التي ينبغي أن يمارس العمل في نطاقها،
يعتبر منهياً عنه دستورياً، سواء انعكس هذا التمييز في شكل آثار اقتصادية، أم كان مرهقاً
لبيئة العمل ذاتها أو ملوثاً لها من خلال صور من التعامل تحيطها، وتتباين أبعادها،
إذا كان من شأنها في مجموعها – وعلى امتداد حلقاتها – الإضرار بقيمة العمل، أو الإخلال
بطبيعة الشروط التي يقتضيها. ومن ثم لا يكون التمييز في مجال العمل مقبولاً كلما كان
مبناه التحامل في شروط العمل والأوضاع التي يتصل بها، بما يحول دون قيام العمال على
واجباتهم على النحو الأكمل، أو يثنيهم عن متابعتها، أو يدفعهم إلى التخلي عنها.
وحيث إن اعتبار العمل حقاً وواجباً وشرفاً وفقاً لنص المادة 13 من الدستور، مؤداه أن
يكون مكفولاً من الدولة وفق إمكاناتها، وعلى ضوء التدابير التي تتخذها. وإعلاؤها لقدر
العمل وارتقاؤها بقيمته، يحملها على تقدير من يمتازون فيه، ليكون التمايز في أداء العاملين،
مدخلاً للمفاضلة بينهم. وهو ما يعني بالضرورة أن الشروط الموضوعية وحدها، هي التي يعتد
بها في تقدير العمل وتحديد أجره، والأحق بالحصول عليه، والأوضاع التي ينبغي أن يمارس
فيها، والحقوق التي يرتبها، وأشكال حمايتها ووسائل اقتضائها، فلا يكون العمل إلا كافلاً
لضمانة الحق في الحياة واحداً من أهم روافدها، محققاً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية
جوهر أسبابها.
وحيث إن الأصل أن يكون لكل وظيفة حقوقها وواجباتها، فلا تقابل مزاياها بغير مسئولياتها،
ولا يكون وصفها وترتيبها منفصلاً عن متطلباتها التي تكفل للمرافق التي يديرها عمال
الوحدة الاقتصادية، حيويتها واطراد تقدمها، وقابلية تنظيماتها للتعديل وفق أسس علمية
قوامها التخطيط المرن وحرية التقدير. فلا تتعثر أعمال هذه الوحدة أو تفقد اتصالها ببعض
أو تدرجها فيما بينها، بل يكون اتساقها وتقسيمها وتخصصها لازماً لضمان إنجازها بصورة
ملائمة مع خفض نفقاتها. وشرط ذلك إعداد عمال كل وحدة اقتصادية علمياً وفنياً، فلا يلي
شئونها غير القادرين حقاً على تصريفها، سواء أكان عملهم ذهنياً أم مهنياً أم يدوياً.
وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن لكل وظيفة تبعاتها، فلا يشغلها إلا من يستحقها على ضوء طبيعة
الأعمال التي تدخل فيها، وغاياتها. والمهارة المطلوبة فيها، والخبرة اللازمة لها. ولا
يجوز بالتالي أن يكون التعيين في وظيفة بذاتها أو الترقية منها إلى ما يعلوها، عملاً
آلياً يفتقر إلى الأسس الموضوعية، أو منفصلاً عن التقدير المتوازن لعوامل الجدارة وعناصر
التمايز التي تتم على ضوئها المفاضلة بين المتزاحمين على توليها، ولا مجرد تطبيق جامد
لمقاييس صماء لا تأخذ في اعتبارها خصائص كل وظيفة ومكانتها، والحد الأدنى للتأهيل لها،
وغير ذلك من مقوماتها الموضوعية المحددة تحديداً دقيقاً، وعلى تقدير أن تقييم الوظيفة
إنما يرتبط بأهميتها الحقيقية.
وحيث إن الترقية بالاختيار في مفاهيم الدول المتحضرة، تمثل من جانبها انحيازاً إلى
الأصلح والأكثر عطاء، وهي في نطاق النص المطعون فيه – وفي حدود الخصومة الدستورية الماثلة
– اعتبرها المشرع أسلوباً ملائماً لتولي مهام أعمال بعينها تكون بالنظر إلى أهميتها
ومرتبتها في بنيان الهيكل الوظيفي للوحدة الاقتصادية، مؤثرة إلى حد كبير في نشاطها
وتحقيق الأغراض التي تقوم عليها. ولا يجوز بالتالي أن يعهد بهذه الأعمال لغير من يؤدونها
بحقها فلا يكونون عبثاً عليها يقيدها أو يضعفها، بل يثرونها من خلال جهد خلاق يتفاعل
مع مسئولياتها ويقابل بالتحليل الموضوعي ما قد يطرأ في العمل من مشكلاتها. ويقتضي ذلك
أن تتوافر فيمن يتولاها تلك الخصائص الخلقية والنفسية والعقلية التي تواكبها. وشرط
ذلك استمدادها من عناصر موضوعية لا تتوهمها سلطة التعيين، أو تنفصل عنها – وبفرض وجودها
– النتائج التي رتبتها عليها، وإلا كان قرارها منطوياً على إساءة استعمال السلطة، وهو
ما يعني ضرورة أن تفاضل بين المتزاحمين على تلك الأعمال على ضوء أصلحهم للنهوض بأعبائها،
فلا يكون تقدير كفايتهم موهناً لها دون حق، بل متصلاً بنزاهتهم ودأبهم على العمل وقدرتهم
على اتخاذ القرار الملائم، مرتبطاً بنطاق معاملتهم لمرؤوسيهم توجيهاً وإشرافاً، وبما
توافر لديها عن ماضيهم وحاضرهم من العناصر التي تعينها على أن تتخذ في شأنهم قراراً
سليماً، يكون محدداً للجدارة التي بلغها كل منهم.
وحيث إن الاختيار – وباعتباره عملاً انتقائياً – يفترض في الأعم من الأحوال، أن المتزاحمين
على وظيفة بذاتها لا يتحدون في كفايتهم لتوليها، وأن لبعضهم من عناصر الامتياز والتفوق
ما يرجحهم على غيرهم، وأن تقدير هذه العناصر لتحديد من يكون من بينهم أجدر بها، وأحق
بالتعيين أو الترقية إليها، عملية موضوعية لا تصدر فيها الجهة التي تتولاها عن أهوائها،
ولا تعبر بها عن نزواتها، إذ عليها أن تقارن بين هذه العناصر على ضوء حقائقها، وأن
تزن كلاً منها بميزان الحق والعدل، فلا ينفصل تقييمها عن واقعها. ولا يكون لها من شأن
إلا بقدر ارتباطها بخصائص هذه الوظيفة ومتطلباتها.
وكلما كان المرشحون للوظيفة على اتصال دائم برؤسائهم في مواقعهم من الإدارة العليا،
كان هؤلاء الرؤساء أقدر على سبر أغوارهم، وقوفاً على مظاهر تميزهم أو نواحي القصور
في عملهم، فلا يكون تقييمها انحرافاً بالسلطة عن أهدافها أو تنكباً لمصلحة عامة، بل
التزاماً بضوابطها تقيداً بأصلحهم، وهو ما نحاه المشرع بالفقرة الأولى من المادة 33
المطعون عليها التي تؤكد بنصها أن تقدير الأحق بالترقية إلى الدرجة الأولى، يقتضي الاستهداء
بعنصرين موضوعيين لا يتنافران فيما بينهما، بل يتكاملان؛ هما ما قرره الرؤساء بشأن
كل من المرشحين لها سلباً أو إيجاباً؛ وما ورد في ملفات خدمتهم من عناصر الامتياز أو
الانحدار، فلا يكون اختيار أفضلهم بالتالي عملاً عشوائياً، بل تصوراً واقعياً محيطاً
بملكاتهم.
ولا مخالفة في ذلك الدستور لأمرين: أولهما أن التنظيم المطعون فيه، لا ينال من حق العمل،
ولا من قدره، ولا من الشرط التي يرتبط عقلاً بها، ولا يحيط بيئة العمل بأوضاع ترهقها،
بل يجردها من رتابتها وآليتها وجمودها، حفزاً لهمم العاملين، واستثارة لقدراتهم على
الخلق والإبداع، فلا يتولى الوظيفة – وباعتبارها شرفاً – غير الأولى بها كي لا يظلم
أحد شيئاً. ثانيهما أن الدستور حرص بنص المادة 13 على أن تولي الدولة اهتمامها بمن
يمتازون من عمالها في أداء أعمالهم، وأن يكون تفوقهم وبروزهم في النهوض بمسئوليتها،
محل تقدير مجتمعهم، وهو ما يعني أن العمل – وباعتباره حقاً يؤمن لكل مواطن حياة يطمئن
إليها اجتماعياً واقتصادياً – لا ينفصل عن جدارة من يتولاه، وإلا كان نهباً لكل طارق،
سوياً كان أم مهيضاً؛ بصيراً متوثباً، أم منكفئاً متخاذلاً.
وحيث إن ما ينعاه المدعي من مخالفة النص المطعون فيه لمبدأ تكافؤ الفرص مردود بأن الفرص
التي يستنهضها هذا المبدأ، هي تلك التي تتعهد الدولة بتقديمها، ويفترض ذلك بالضرورة
أن تكون هذه الفرص محدودة عدداً، وأن من يطلبونها يتزاحمون فيما بينهم للنفاذ إليها،
وأن ترتيبهم على ضوء أجدرهم بالحصول عليها، يقتضي تقرير شروطها الموضوعية وفق ضوابط
يمليها التبصر والاعتدال؛ وكان النص المطعون فيه وإن اتصل بفرص الترقية إلى الدرجة
الأولى، إلا أن اختيار المتزاحمين عليها لا يتم انحيازاً أو التواء، بل باعتبارها وظيفة
رئيسية لا يجوز أن يتولاها غير الأصلح لمهامها، وفق الضوابط التي صاغها النص المطعون
فيه، وجميعها تعتد بالحقائق الموضوعية التي يقوم الدليل عليها من عمل المرشحين على
امتداد حياتهم الوظيفية، ومن شهادة رؤسائهم عن ملامح شخصيتهم في نطاق اتصالها بهذا
العمل.
وحيث إن النص المطعون فيه يتعلق – وفق ما تقدم – بالتطبيق المباشر لمبدأ تكافؤ الفرص
المنصوص عليه في المادة 8 من الدستور، ولا يتداخل بالتالي ومبدأ المساواة أمام القانون
المقرر بمقتضى المادة 40 منه، تقديراً بأن لكل من هذين المبدأين – وعلى ما جرى به قضاء
هذه المحكمة – دائرة يعمل فيها. هذا فضلاً عن أن النص المطعون فيه – وفي مجال تطبيق
مبدأ تكافؤ الفرص – لا يقيم تمييزاً غير مبرر بين المتزاحمين على الترقية إلى الدرجة
الأولى، بل يردهم جميعاً إلى قواعد موحدة تقتضي أن يكون شغلها حقاً للأجدر بتوليها.
وهم بذلك يتساوون في طلبها، واقتضائها على ضوء كفايتهم.
وحيث إن من المقرر في قضاء هذه المحكمة، أن الناس جميعاً لا يتمايزون فيما بينهم في
مجال حقهم في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي، ولا في نطاق القواعد الإجرائية والموضوعية
التي تحكم الخصومة القضائية عينها، ولا في فعالية ضمانة الدفاع التي يكفلها الدستور
والمشرع للحقوق التي يدعونها ولا في اقتضائها وفق مقاييس موحدة عند توافر شروط طلبها،
ولا في طرق الطعن التي تنتظمها. بل يجب أن يكون للحقوق ذاتها، قواعد موحدة سواء في
مجال التداعي بشأنها، أو الدفاع عنها، أو استئدائها، أو الطعن في الأحكام التي تتعلق
بها. متى كان ذلك، وكان النص المطعون فيه لا يحول بين المدعين واختصام قرار تخطيهم
في الترقية إلى الدرجة الأولى، ولا يعطل حقهم في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي، فإن إدعاء
مخالفته لنص المادة 68 من الدستور، يكون لغواً.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة وألزمت المدعين بالمصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
