الطعن رقم 2171 لسنة 32 ق – جلسة 01 /07 /1989
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة أحكام
المحكمة الإدارية العليا
السنة الرابعة والثلاثون – الجزء الثاني (من أول مارس سنة 1989 إلى آخر سبتمبر سنة
1989) – صـ 1236
جلسة الأول من يوليه سنة 1989
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ محمد حامد الجمل – نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة/ عبد اللطيف أحمد أبو الخير ويحيى السيد الغطريفي والسيد عبد الوهاب ود. إبراهيم علي حسن – المستشارين.
الطعن رقم 2171 لسنة 32 القضائية
النيابة الإدارية – حدود اختصاصها – مدى التزامها بقرار جهة الإدارة
بحفظ الموضوع.
أراد المشرع أن تكون النيابة الإدارية وسيلة إصلاح أداة الحكم وأحكام الرقابة على الموظفين
في تنفيذ القوانين على نحو يكفل تحقيق الصالح العام – للنيابة أن تحقق في المخالفات
الإدارية والمالية التي تصل إلى علمها بأية وسيلة سواء من جانب الإدارة أو عن طريق
ما تتلقاه من بلاغات وشكاوى من الأفراد والهيئات – قرار الإدارة بحفظ التحقيق لا يغل
يد النيابة الإدارية عن مباشرة التحقيق بمضي ستين يوماً على صدور القرار بالحفظ في
وقائع تشكل مخالفات مالية أو إدارية – أساس ذلك أنه بمضي تلك المدة لا يجوز لجهة الإدارة
سحب القرار لتحصنه ولا يؤثر ذلك على اختصاص النيابة الإدارية ما دام أن الدعوى التأديبية
لم تسقط بالتقادم – تطبيق.
إجراءات الطعن
في يوم الأحد الموافق 18 من مايو سنة 1986 أودعت هيئة قضايا الدولة
نيابة عن السيد الأستاذ المستشار مدير النيابة الإدارية قلم كتاب المحكمة الإدارية
العليا تقرير طعن قيد بجدولها برقم 2171 لسنة 32 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة
التأديبية لمستوى الإدارة العليا بجلسة 19 من مارس سنة 1986 في الدعوى رقم 10 لسنة
28 القضائية المقامة من النيابة الإدارية ضد كل من دكتورة…… …….. …….
…… والقاضي بعدم قبول الدعوى التأديبية المقامة ضد المحالين.
وطلب الطاعن بصفته – للأسباب الموضحة بتقرير الطعن – الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع
بإلغاء الحكم المطعون فيه والحكم بتوقيع الجزاء المناسب على المطعون ضدهم طبقاً للنصوص
الموضحة بتقرير الاتهام مع إلزام المطعون ضدهم بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن
الدرجتين.
وأعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضدهم على النحو المبين بالأوراق.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً مسبباً بالرأي القانوني ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن
شكلاً وبرفضه موضوعاً.
وعين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون جلسة من يناير سنة 1989، وبجلسة 22 من
فبراير قررت الدائرة إحالة الطعن إلى هذه المحكمة فنظرته بجلسة 25 من مارس سنة 1989،
وبجلسة 20 من مايو سنة 1989 قررت المحكمة إصدار الحكم اليوم السبت الموافق 24 من يونيو
سنة 1989، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع المرافعة والمداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى سائر أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الأوراق – في أنه بتاريخ 22 من
أكتوبر سنة 1985 أقامت النيابة الإدارية دعواها هذه بإيداع أوراقها قلم كتاب المحكمة
التأديبية لمستوى الإدارة العليا منطوية على تقرير باتهام كل من:
1 – الدكتورة……. مراقب عام بوكالة الوزارة للعلاقات الثقافية الخارجية بالمجلس
الأعلى للثقافة (درجة مدير عام).
2 -…….. رئيس قسم الفنون التشكيلية والخدمات الثقافية بالجهة المذكورة (درجة ثانية).
3 -……. مدير إدارة الفنون التشكيلية بوكالة الوزارة للعلاقات الخارجية (درجة ثانية).
4 -………. مدير إدارة مكتب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للفنون والآداب. وحالياً
بالمركز القومي للفنون والآداب (درجة ثانية).
لأنهم خلال المدة من 2/ 8/ 1979 إلى 21/ 10/ 1979 بالمجلس الأعلى للثقافة (هيئة عامة)
بوصفهم السابق خرجوا على مقتضى الواجب الوظيفي ولم يؤدوا العمل المنوط بهم بدقة وخالفوا
القواعد المالية وأتوا ما من شأنه المساس بمالية الدولة، بأن:
الأولى: بصفتها السابقة، أمرت بإرسال القطع الفنية المقرر اشتراكها في معرض توت عنخ
أمون بكندا دون التأكد من ورود إخطار من السفارة المصرية بكندا يفيد باتخاذ الإجراءات
اللازمة لإقامة المفرض من جانب المختصين بالسفارة المصرية بكندا وتحميل الخزانة العامة
نحو سبعة آلاف جنيه دون مقتضى.
الثانية أهملت متابعة واستعجال الهيئة العامة للفنون والآداب للرد على البيانات المطلوبة
بكتاب وكالة الوزارة للعلاقات الثقافية الخارجية رقم 2560 المؤرخ 30/ 7/ 1979 والتي
تتعلق بالقطع الفنية وأسماء الفنانين المراد اشتراكهم في العرض موضوع التحقيق مما يترتب
عليه التأخير في موافاة، وزارة الخارجية بهذه البيانات.
الثالثة: بصفتها السابقة، قصرت في الإشراف على عمل المخالفة الثانية مما ترتب عليه
تأخير موافاة وزارة الخارجية بالبيانات المطلوبة.
الرابع: أغفل طلب البيانات الخاصة بالقطع الفنية وأسماء الفنانين بكتاب الهيئة رقم
950 المؤرخ 9/ 8/ 1979 المرسل للسيد مدير عام المراكز الفنية رغم توافر علمه بضرورة
الحصول على هذه البيانات مما ترتب عليه عدم موافاة وزارة الخارجية بالبيانات المطلوبة
في حينه.
وانتهت النيابة الإدارية إلى أن المحالين المشار إليهم قد ارتكبوا المخالفات المالية
المنصوص عليها في المواد 76، 77، 78 من القانون رقم 47 لسنة 1978.
وطلبت النيابة الإدارية محاكمة المذكورين بالمواد المشار إليها وبالمادتين 80، 82 من
القانون رقم 47 لسنة 1978 والمادة الأولى من القانون رقم 19 لسنة 1959.
وبجلسة 19 من مارس سنة 1986 أصدرت المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا حكمها القاضي
بعدم قبول الدعوى التأديبية المقامة ضد المحالين.
وأقامت المحكمة قضاءها على أنه قد ثبت من الأوراق أن النيابة الإدارية قد أجرت تحقيقاً
في الوقائع الواردة بتقرير الاتهام في القضية رقم 33 لسنة 1988 ثقافة انتهت منها إلى
إحالة الأوراق إلى الجهة الإدارية لمساءلة المذكورين مشدداً. وبناء على مذكرة إدارة
الشئون القانونية أشر السيد وكيل أول الوزارة أمين عام المجلس الأعلى للثقافة بأن يكتفي
بلفت نظر السادة من الأول حتى الرابع. ثم بناء على كتاب الجهاز المركزي للمحاسبات –
الشعبة الثانية – المؤرخ 10/ 1/ 1984 انتهى إلى ضرورة توقيع الجزاء المناسب على المخالفين
لأن لفت النظر لا يعد من قبيل الجزاءات التأديبية، انتهى السيد الأستاذ مدير النيابة
الإدارية إلى إحالة المتهمين إلى المحاكمة التأديبية.
وأضافت المحكمة التأديبية أن الثابت أن المجلس الأعلى للثقافة قد أخطر الجهاز المركزي
للمحاسبات بتصدقه في المخالفة المنسوبة للمحالين – وهي محل الدعوى التأديبية في 21/
12/ 1983 ولم تعترض الشعبة الثانية للجهاز على ذلك ولم تطلب توقيع الجزاء على المذكورين
إلا في 10/ 1/ 1984 أي بعد انقضاء أكثر من خمسة عشر يوماً على إخطاره ومن ثم يصبح تصرف
الجهة الإدارية بالاكتفاء بلفت نظر المحالين عن المخالفات المذكورة نهائياً، ويكون
طلب الجهاز المركزي للمحاسبات بكتابة في 10/ 1/ 1984 بمجازاتهم قد جاء بعد الميعاد
المقرر للاعتراض خلاله طبقاً لنص المادة من القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة
تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية وبعد أن أصبح تصرف الإدارة نهائياً بانتهاء
الميعاد المذكور دون اعتراض.
وبناء عليه فلا يجوز بعد هذا الميعاد طلب مجازاتهم من جانب الإدارة، كما لا تقبل الدعوى
التأديبية العامة قبلهم.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن الحكم المطعون فيه قد صدر معيباً لمخالفته القانون، إذ الثابت
أن الجهاز المركزي للمحاسبات لم يطلب في كتابه رقم المؤرخ في 11/ 1/ 1984 تقديم
المطعون ضدهم إلى المحاكمة التأديبية، بل طلب من الجهة الإدارية توقيع الجزاء المناسب
باعتبار أن لفت نظر المطعون ضدهم لا يعد من قبل الجزاءات المنصوص عليها قانوناً، كما
أن نص المادة من القانون رقم 117 لسنة 1958 المشار إليه تقصد فقط بالميعاد الوارد
بها حالة طلب الجهاز المركزي للمحاسبات تقديم الموظف المخالف إلى المحكمة التأديبية،
ومن ثم يعدو ما جاء بكتاب الجهاز المركزي للمحاسبات مجرد توصية للجهة الإدارية بطلب
توقيع الجزاء المناسب لما ارتكبه المطعون ضدهم وعقب إحالة الأوراق مرة أخرى إلى النيابة
الإدارية قررت من جانبها ودون طلب من أحد إحالة المطعون ضدهم إلى المحاكمة التأديبية
مستندة في ذلك إلى نص المادة من القانون رقم 117 لسنة 1958 الذي خول للنيابة الإدارية
ذلك الحق مطلقاً دون تحديد ميعاد لتقديم الموظف إلى المحاكمة التأديبية. ومؤدى ذلك
أن يكون الحكم المطعون فيه قد جانبه الصواب إذ قضى بعدم قبول الدعوى التأديبية المقامة
ضد المطعون ضدهم.
ومن حيث إن وقائع الدعوى التأديبية الصادر فيها الحكم المطعون فيه تخلص في أن النيابة
الإدارية أجرت تحقيقاً في الاتهامات المنسوبة إلى المطعون ضده – في القضية رقم 133
لسنة 1978 ثقافة – انتهت فيه إلى إحالة الأوراق إلى الجهة الإدارية لمساءلتهم. وبناء
على مذكرة الشئون القانونية المؤرخة 21/ 12/ 1983 أشر السيد أمين عام المجلس الأعلى
للثقافة بأن يكتفي بلفت نظر المذكورين. ثم ورد إلى المجلس كتاب الجهاز المركزي للمحاسبات
الشعبة الثانية – المؤرخ 10/ 1/ 1984 تضمن "أنه إيماء لأوراق القضية رقم 133 لسنة 1979
ثقافة، فإن الشعبة ترى ضرورة توقيع الجزاء المناسب على المخالفين الذي ثبتت مسئوليتهم
بالقضية المذكورة خاصة وأن النيابة طلبت مجازاتهم مع التشديد وأن لفت نظر المذكورين
لا يعد من قبيل الجزاءات المنصوص عليها قانوناً والتي أولها الإنذار، برجاء توقيع الجزاء
المناسب وموافاة الشعبة بصورة من القرار الصادر في هذا الشأن "وقد أشر السيد الأستاذ
المستشار مدير النيابة الإدارية في 22/ 10/ 1985 على ذات كتاب الشعبة الثانية المشار
إليه بأن يحال المتهمون إلى المحاكمة التأديبية، فأودعت النيابة الإدارية تقرير الاتهام
ضد المحالين المذكورين.
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن انتهت – في الطعن رقم 966 لسنة 32 القضائية الصادر بجلسة
25/ 3/ 1989 – إلى أنه لا يجوز القول بعدم جواز نظر الدعوى لسابقة الفصل في الموضوع
بمجازاة الطاعنيين بلفت النظر وذلك لما سلم به من أن (لفت النظر) ليس من قبيل الجزاءات
التأديبية التي حددها المشرع على سبيل الحصر في نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر
بالقانون رقم 47 لسنة 1978 من المادة منه الجزاءات التأديبية التي يجوز توقيعها
على العاملين، وهي تلك التي تبدأ بالإنذار وتنتهي بالفصل من الخدمة وليس من بينها لفت
النظر وحيث إنه لا خلاف على أن صدور قرار إداري بتوقيع جزاء لم ينص عليه القانون هو
قرار معدوم الأثر قانوناً مخالف به مخالفة جسيمة صارخة للقانون حيث يتضمن محلاً يتمثل
في العقوبة التأديبية التي قررها لم ترد في قانون ولا يملك غير المشرع وحده بقانون
إدراجها ضمن العقوبات التأديبية وذلك سواء بناء على صريح نص الفقرة الثانية من المادة
من الدستور أو بناء على المبادئ العامة التي تقضي بأنه لا يجوز لأية إرادة أدنى
من إرادة المشرع أن تعدل أو تكف أو تعطل أحكاماً أو ردها في قانون فلا تعديل للقانون
إلا بالقانون ومن ثم فلا يعتد بأي أثر لقرار معدوم الأثر لمخالفته الجسيمة للدستور
والقانون ولا يتقيد أمر إزالة وجوده وآثاره المادية بميعاد محدد تغليباً للشرعية وسيادة
القانون أساس الحكم في الدولة طبقاً لصريح المادة من الدستور وحيث إنه فضلاً عن
ذلك فإنه ليس صحيحاً بالرغم أن القرار الذي تصدره جهة الإدارة قاصرة بمجازاة العامل
بتوقيع ما استدعته بدون سند من القانون من جزاء مثل (لفت النظر) وهو جزاء لا يملك تقريره
إلا القانون يعتبر قراراً بحفظ الموضوع قبل العامل، لأن ذلك يعد انحرافاً في تفسير
حقيقة ما قصدته وأرادته جهة الإدارة بقرارها عن صريح عبارته إلى ما يتناقض ويتعارض
معها، فهي قد قصدت بجزاء (لفت النظر) توقيع الجزاء بالفعل، وإن كانت قد رأت التخفيف
فابتدعت جزاء ليس منصوصاً عليه في القانون، وثمة فارق جوهري بين إرادة الجزاء الحقيقي
وإن اختير بالمخالفة للقانون، وبين حفظ الموضوع دون القصد إلى توقيع أي جزاء. والأصل
أنه لا يجوز في تفسير أي تعبير عن الإرادة – سواء أكانت إرادة المشرع أو إرادة جهة
الإدارة – الخروج عن صريح العبارة إلى ما يناقضها دون سند أو دليل مقبول قانوناً ومنطقاً
وعقلاً وحيث إنه بالإضافة إلى ما سبق فإنه لو فرض على سبيل الجدل المحض أن يوجد ثمة
قرار من الجهة الإدارية بحفظ الموضوع – صريحاً كان هذا القرار أو ضمنياً فإن هذا القرار
يقيد جهة الإدارة وحدها فور صدوره لو صدر صحيحاً، أو بعد تحصنه بانقضاء ستين يوماً
على صدوره لو كان مخالفاً للقانون بحسب الأحوال ولكن هذا القرار لا يقيد النيابة الإدارية
إذا ما ارتأت إجراء تحقيق في الموضوع والانتهاء منه إلى ما تسفر عنه نتائجه بما في
ذلك حقها في إقامة الدعوى التأديبية إذا ما ثبتت المخالفة التأديبية الموجبة لإقامة
الدعوى التأديبية ذلك لأن قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم
النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية ينص في المادة منه على أنها هيئة قضائية
مستقلة، وينص في المادة منه على أنه ((مع عدم الإخلال بحق الجهة الإدارية في الرقابة
وفحص الشكاوى والتحقيق، وتختص النيابة الإدارية بالنسبة إلى الموظفين الداخلين في الهيئة
والخارجين عنها العمال، بما يأتي:
1 – إجراء الرقابة والتحريات اللازمة للكشف عن المخالفات المالية والإدارية.
2 – فحص الشكاوى التي تحال إليها من الرؤساء المختصين أو من أي جهة رسمية عن مخالفة
القانون أو الإهمال في أداء واجبات الوظيفة.
3 – إجراء التحقيق في المخالفات الإدارية والمالية التي يكشف عنها إجراء الرقابة، وفيما
يحال إليها من الجهات الإدارية المختصة وفيما تتلقاه من شكاوى الأفراد والهيئات التي
يثبت الفحص جديتها..)
كما تنص المادة من ذات القرار بقانون على أن النيابة الإدارية تتولى ولاية الدعوى
التأديبية.
ومن حيث إنه قد نصت المذكرة الإيضاحية لهذا القانون على أن (إصلاح أداة الحكم هدف أساسي
من أهداف الحكومة، وتحقيقاً لهذا الهدف يجب إحكام الرقابة على الموظفين في قيامهم على
تنفيذ القوانين على نحو يكفل تحقيق الصالح العام، وأخذ المقصر بجرمه تأكيداً لاحترامه
القانون. وفي سبيل تحقيق هذه الغاية الأساسية أعد مشروع هذا القانون متضمناً إعادة
تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية على أسس جديدة تكفل القضاء على عيوب نظم
التحقيق مع الموظفين ومحاكمتهم المعمول بها.. وإذا كان الهدف من هذا التعديل إصلاح
أداة الحكم فقد تضمن المشرع التوسع في اختصاصات النيابة الإدارية بهدف القضاء على عيوب
الجهاز الحكومي المتعلقة بانتظام سيره وقيام العاملين فيه كل بما يعهد إليه على خير
وجه، فإن الأمر قد تطلب إلى جانب التوسع في اختصاصات النيابة الإدارية فيما يتعلق برقابة
الأخطاء أو تحقيقها أو متابعتها حتى تتضح نتائجها النهائية بالإدانة أو البراءة تطلب
الأمر إلى جانب إعادة النظر في نظام المحاكمة التأديبية.
ومن حيث إن مفاد ما تقدم أن المشرع قد أراد للنيابة الإدارية أن تكون وسيلة للإصلاح
أداة الحكم تتولى أحكام الرقابة على الموظفين في قيامهم على تنفيذ القوانين على نحو
يكفل تحقيق الصالح العام فجعل لها إجراء التحقيق في المخالفات الإدارية والمالية التي
تصل إلى علمها من أية وسيلة كانت سواء تم ذلك من جانب الجهة الإدارية أو مما تلقاه
من بلاغات وشكاوى الأفراد والهيئات وهذا الاختصاص الذي أوكله القانون للنيابة الإدارية
وهي هيئة قضائية مستقلة عن الإدارة العامة في مباشرة رسالتها طبقاً للقانون – اختصاص
وولاية تتولاها النيابة الإدارية بنص القانون ولا تنوب في مباشرتها عن الجهة الإدارية،
كما أن هذه الاختصاصات التي أناطها المشرع بالنيابة الإدارية مقرر، لصالح حسن سير وانتظام
المرافق العامة وجميع إدارات وأقسام وفروع الجهاز الإداري للدولة التي يمتد إليها ولاية
واختصاص النيابة الإدارية كجهة تحقيق ورقابة في سبيل كفالة سيادة القانون وحسن سير
وانتظام العمل في أجهزة الدولة المختلفة، ومن مقتضيات ذلك أن لا يقوم حائل إداري من
مباشرة النيابة الإدارية لاختصاصها وولايتها. والقول بأن قرار الحفظ من شأنه غل يد
النيابة الإدارية بعد ذلك عن مباشرة التحقيق إذا ما مضى ستون يوماً على القرار الإداري
الصادر بالحفظ في وقائع تشكل مخالفات مالية أو إدارية وذلك رغم أنه لم تسقط بشأنها
الدعوى التأديبية وفقاً لما نص عليه القانون صراحة. وهذا قول يتناقض وما أراده المشرع
للنيابة الإدارية من أن تكون هيئة قضائية قوامه على الدعوى التأديبية نيابة عن المجتمع
ومنزهة عن الهوى الإداري وذات اختصاص أصيل ومطلق وغير مقيد بالتحقيق في كل ما يتصل
بعملها من وقائع تشكل مخالفات تأديبية مالية أو إدارية. وعلى ذلك فإنه إذا كان القرار
الإداري الصادر بالحفظ في وقائع تشكل مخالفات مالية أو إدارية يختص بانقضاء ستين يوماً
على صدوره بحيث لا يجوز للجهة الإدارية المختصة سحبه، فإن هذا التخصص إنما يكون فيما
يختص بالجهة الإدارية التي أصدرت القرار وفي شأن تحديد ما تملكه من اختصاص قانوني في
تحريك ومباشرة إجراءات المساءلة التأديبية للعاملين فيما يتعلق بما صدر بشأنه هذا القرار
من مخالفات. وليس لقرار الحفظ المذكور – ما دامت لم تسقط الدعوى التأديبية بالتقادم
– أي أثر قانوني في مواجهة النيابة الإدارية التي تباشر ولايتها ورقابتها على من ارتكب
المخالفة وعلى من أصدر قرار الحفظ سواء بسواء. وآية ذلك أن المشرع قد نظم لمواجهة ما
يعوق الجهاز الإداري للدولة من سلبيات أمر مراقبة مدى موضوعية الأجهزة الإدارية في
تصرفاتها إزاء الجرائم التأديبية، الإدارية أو المالية، التي تقع من موظفيها وذلك من
خلال جهتين رقابيتين إحداهما، كما سلف البيان تتمثل في النيابة الإدارية التي تملك
التحقيق في كل ما يتصل به عملها من مخالفات دون أن يقيدها قرار حفظ إداري مهما مضى
عليه من أجل وإلى أن تسقط الدعوى التأديبية وفقاً للقاعدة العامة الواردة بالمادة من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة سالفة الذكر – بعد تعديله بالقانون رقم لسنة 1983 بانقطاع ثلاث سنوات من تاريخ وقوع المخالفة. وثانيهما الجهاز المركزي للمحاسبات
حيث نص القانون رقم لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكم التأديبية
في المادة على وجوب إخطار رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بالقرارات الصادرة من
الجهة الإدارية في شأن المخالفات المالية المشار إليها في المادة السابقة ولرئيس الديوان
خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إخطاره بالقرار أن يطلب تقديم الموظف للمحكمة التأديبية.
ومن حيث إنه قد صدر بعد ذلك قانون الجهاز المركزي للمحاسبات رقم 144 لسنة 1988 ونص
في المادة ثالثاً على أنه لرئيس الجهاز… أن يطلب إلى الجهة الإدارية بصدد
الترك في المخالفة المالية خلال ثلاثين يوماً من تاريخ ورود الأوراق كاملة للجهاز إعادة
النظر في قرارها وعليها أن توافي الجهاز بما اتخذته في هذا الصدد خلال الستين يوماً
التالية لعملها بطلب الجهاز، فإذا لم تستجب الجهة الإدارية لطلب الجهاز كان لرئيسه
خلال الثلاثين يوماً التالية أن يطلب تقديم العامل إلى المحاكمة، وعلى الجهة التأديبية
المختصة سواء كانت النيابة الإدارية أم غيرها بحسب الأحوال مباشرة الدعوى التأديبية
خلال الثلاثين يوماً التالية.
ومن حيث إنه يؤكد ما ورد في القانون رقم 124 لسنة 1988 على نحو ما سبق أن المشرع قد
قصر على النيابة الإدارية بمقتضى المادة مكرراً من نظام العاملين المدنيين بالدولة
المعدل بالقانون رقم 115 لسنة 1983 التحقيق مع شاغلي وظائف معينة هي الوظائف العليا.
وهي وظائف القيادة الإدارية في أجهزة الدولة وكذلك التحقيق في جرائم تأديبية معينة
هي الجرائم المحددة في البندين (2، 4) من المادة هي جرائم مخالفة الموازنة العامة
والجرائم المالية بالنسبة لجميع العاملين وجعل أي إجراء أو تحقيق يعتدى على هذا الاختصاص
المقصور على النيابة الإدارية باطلاً بنص القانون وذلك تحقيقاً للحكمة التي وجدت من
أجلها النيابة الإدارية وتمكيناً لها من أداء رسالتها في الرقابة والمتابعة لأراء العاملين
في أجهزة الدولة المتعلقة بما يحقق سيادة القانون ورعاية الصالح العام.
ومن حيث إن مؤدى ما تقدم جميعه أن للنيابة الإدارية سلطة التحقيق في الوقائع التي يصدر
قرار بالحفظ من جهة الإدارة بشأنها سواء بناء على ما تسفر عنه أعمال الرقابة أو بناء
على شكاوى الأفراد أو الهيئات أو حتى بناء على بلاغ مباشر أو غير مباشر من الجهة الإدارية
ذاتها مصدرة قرار الحفظ ما دام أن الدعوى التأديبية لم تسقط بمضي المدة إذ أن قرار
الإدارة بالحفظ يتحصن في مواجهتها بانقضاء ستين يوماً على صدوره لو كان به عوار قانوني
بحيث لا يجوز لها سحبه، إلا أن ذلك لا يحول دون إبلاغ تلك المخالفات والجرائم التأديبية
إلى النيابة الإدارية لتباشر هي بحسب ولايتها الأصلية ما تراه بشأنها سواء بالحفظ أو
بإجراء التحقيق وإقامة الدعوى التأديبية على المخالفين وفقاً لما تسفر عنه نتيجة هذا
التحقيق ما دام أن الدعوى التأديبية لم تسقط بمضي المدة ولا يوجد حائل قانوني من إقامتها
وبديهي أن ذلك لا يخرج على نطاق الوظائف والجرائم التأديبية التي لم يقصر المشرع التحقيق
فيها على النيابة الإدارية وحدها وفقاً لما نصت عليه المادة مكرراً من نظام العاملين
المدنيين بالدولة سالفة الذكر.
ومن حيث إنه خلاصة القول فيما سلف من مبادئ طبقاً لصحيح حكم القانون فإن حق رئيس ديوان
المحاسبة أو الجهاز المركزي للمحاسبات في الاعتراض على ما يبلغ إليه من قرارات تصدرها
الجهات الإدارية في المخالفات المالية خلال فترة معينة سواء في ظل القانون رقم 117
لسنة 1958 أو القانون رقم 114 لسنة 1988 سالفة الذكر يتقيد بهذه المدة من تاريخ إخطاره
إذا كان تصرف جهة الإدارة عبارة عن قرار إداري صحيح أو مخالف للقانون أما إذا كان القرار
الصادر من جهة الإدارية معدوم الأثر كما هو الشأن في الحالة الماثلة نتيجة لاغتصاب
الإدارة اختصاص السلطة التشريعية في تقريرها جزاء لفت النظر الذي لم يرد نص عليه في
نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بقانون فإن اعتراض رئيس الجهاز المركزي على
هذا القرار معدوم الأثر لا يتقيد بميعاد هذا فضلاً عن أن ما ينصرف إليه قيد الميعاد
بالنسبة لرئيس الجهاز المركزي هو ما يتعلق باعتراضه وبطلبه من جهة الإدارة إحالة العامل
إلى المحاكمة التأديبية، بينما انصراف إرادته إلى مجرد توجيه جهة الإدارة إلى توقيع
جزاء تأديبي مناسب على العامل، لانعدام قرار الجزاء قانوناً نتيجة لكونه ينطوي على
عقوبة لم يرد بها نص في قانون فإن ذلك لا يتقيد على الإطلاق بأي ميعاد إعلاء لسيادة
القانون والشرعية، وكما أن القرار الذي تصدره الإدارة بلفت نظر العامل لا يعد جزاء
تأديبياً شرعياً وإنما جزاء معدوم الأثر على نحو ما سلف بيانه فإنه لا يمكن أن يعتبر
هذا الجزاء لافتعال التفسير والالتواء بعبارات القرار قراراً بالحفظ وبافتراض أنه قرار
بالحفظ فإنه لا يقيد سوى جهة الإدارة وحدها ولا يحول دون مباشرة النيابة الإدارية لمهمتها
في التحقيق ورفع الدعوى التأديبية ما دامت هذه الدعوى التأديبية لم تسقط بالتقادم وذلك
سواء أحالت الجهة الإدارية الأوراق إليها بناء على طلب الجهاز المركزي للمحاسبات أو
قامت النيابة الإدارية بذلك بناء على تحريات جهاز الرقابة الإدارية أو بناء على طلب
أو شكوى من السلطات الرئاسية أو من المواطنين.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد ذهب خلاف هذا المذهب إذ قضى بعدم قبول الدعوى التأديبية
المقامة من النيابة الإدارية ضد المطعون ضدهم وذلك بحجة سقوط حق الجهاز المركزي للمحاسبات
في الاعتراض على لفت النظر الذي وقعته الجهة الإدارية على المطعون ضدهم فإنه يكون قد
صدر معيباً، ومن ثم يكون واجب الإلغاء.
وحيث إن الحكم الطعين لم يتعرض للفصل في موضوع الدعوى التأديبية فإنه يتعين الأمر بإحالتها
إلى المحكمة التأديبية التي أصدرت الحكم لإعادة نظرها مجدداً بهيئة أخرى حتى لا تهدر
درجة من درجات التقاضي.
ومن حيث إن من يخسر الدعوى يلزم بمصروفاتها تطبيقاً للمادة مرافعات إلا أن هذا
الطعن معفى من الرسوم القضائية بصريح نص المادة من قانون نظام العاملين المدنيين
بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978.
وحيث إن الحكم الماثل لا تنتهي به الخصومة التأديبية.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما تضمنه من القضاء بعدم قبول الدعوى التأديبية ضد المطعون ضدهم، وأمرت بإعادة الدعوى التأديبية إلى المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا للفصل فيها مجدداً بهيئة أخرى.
