الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 59 لسنة 18 قضائية “دستورية” – جلسة 01 /02 /1997 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الثامن
من أول يوليو 1996 حتى آخر يونيو 1998 – صـ 286

جلسة 1 فبراير سنة 1997

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر -رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: عبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين وعدلي منصور ومحمد عبد القادر عبد الله وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 59 لسنة 18 قضائية "دستورية"

1 – دعوى دستورية "شرط المصلحة الشخصية المباشرة: عنصراه".
شرط المصلحة الشخصية المباشرة يتغيا ألا تفصل المحكمة الدستورية العليا في غير المسائل الدستورية التي يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعي – مفهوم هذا الشرط يكون باجتماع عنصرين هما:
– إثبات المدعي الضرر الواقعي الذي حاق به في حدود الصفة التي اختصم بها النص المطعون فيه.
– أن يكون هذا الضرر عائداً إلى النص المطعون فيه.
2 – دعوى دستورية "انتفاء المصلحة".
إذا لم يكن النص المطعون فيه قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه: فلا مصلحة.
3 – دستور "سلطة تشريعية – سلطة قضائية".
حدد الدستور لكل من هاتين السلطتين ولايتها بالمادتين 86، 165 – من غير الجائز مباشرة إحداهما مهاماً أختص بها الدستور غيرها وإلا وقع عملها باطلاً.
4 – دستور "المادة 66" – جريمة "ركن مادي".
دل الدستور – بنص المادة 66 – على أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره.
5 – قانون جنائي "أفعال".
العلائق التي ينظمها القانون الجنائي محورها الأفعال ذاتها – لا جريمة بغير ركنها المادي – عدم تعلق الأمر بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها وتم التعبير عنها في صورة مادية: لا جريمة.
6 – جرائم عمديه "القصد الجنائي".
القصد الجنائي ليس إلا ركناً معنوياً في الجريمة مكملاً لركنها المادي – لا يجرم الفعل كأصل عام ما لم يكن إرادياً قائماً على الاختيار الحر – اتجاه المشرع أحياناً من خلال بعض اللوائح إلى تقرير جرائم بذواتها – الجريمة عمديه كلما أراد الجاني هذه النتيجة وقصد إليها.
7 – نصوص عقابية "صياغتها"
الأصل في النصوص العقابية أن تصاغ في حدود ضيقة – ضماناً لئلا يكون التجهيل بها موطئاً للإخلال بحقوق كفلها الدستور للمواطنين.
8 – جريمة – عقوبة.
الأصل في الجريمة أن عقوبتها لا يتحمل بها إلا من أدين كمسئول عنها.
9 – عقوبة "شخصيتها – تناسبها".
شخصية العقوبة وتناسبها مع الجريمة محلها مرتبطان بمن يعد قانوناً مسئولاً عن ارتكابها.
10 – دستور – عقوبة "شخصيتها" – مسئولية جنائية.
شخصية العقوبة – التي كفلها الدستور بنص المادة 66 – تفترض شخصية المسئولية الجنائية، بما يؤكد تلازمهما.
11 – شريعة إسلامية "عقوبة".
تأكيد الشريعة الإسلامية على أن المسئولية الجنائي، وكذلك العقوبة، كلتاهما شخصية، وأن العقوبة يلزم تناسبها مع الجريمة محلها.
12 – صحافة "حريتها – حمايتها – دورها".
كفل الدستور للصحافة حريتها – عدم جواز إنذارها أو وقفها أو إلغائها بالطريق الإداري – عدم جواز إرهاقها بالقيود أو إضعافها – الصحافة تكفل لكل مواطن دوراً فاعلاً وعلى الأخص من خلال الفرص التي تتيحها معبراً بوساطتها عن الآراء التي يؤمن بها.
13 – دستور – صحافة "حريتها – الرقابة عليها".
توكيداً لحرية الصحافة أطلق الدستور قدراتها في مجال التعبير – الرقابة عليها وفقاً للدستور يتعين أن تكون محددة زمنياً وغائياً لعدم انفلات كوابحها.
14 – افتراض البراءة "مؤداه".
افتراض البراءة باعتباره أصلاً ثابتاً يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها – مؤداه: ألا تعتبر واقعة تقوم بها الجريمة ثابتة بغير دليل – فلا يفترضها المشرع.
15 – افتراض البراءة – الحرية الشخصية – سلطة تشريعية.
افتراض براءة المتهم وصون الحرية الشخصية أصلان كفلهما الدستور – من غير الجائز إخلال السلطة التشريعية بهما.
16 – تشريع "المادة 195 من قانون العقوبات: قرينة قانونية"
افتراض النص المشار إليه أن الإذن بالنشر الصادر عن رئيس تحرير الجريدة يفيد علمه بالمادة التي تضمنها المقال، وأن محتواها يكون جريمة معاقباً عليها قصد ارتكابها – إقامته بذلك قرينة قانونية يحل فيها هذا الإذن محل القصد الجنائي.
17 – تشريع "المادة 195 عقوبات: مسئولية جنائية مفترضة".
قيام مسئولية رئيس التحرير جنائياً – وفقاً لهذا النص – ولو لم يباشر دوراً في إحداثها – رئيس التحرير يواجه بواقعة أثبتتها القرينة القانونية – المقررة بموجبه – في حقه دون دليل يظاهرها، ومكلف بنفيها خلافاً لافتراض البراءة.
18 – اتهام جنائي "دفعه".
عدم تكليف المتهم بدفع اتهام جنائي إلا بعد أن تقدم النيابة العامة أدلتها إثباتاً للجريمة المنسوبة إليه.
19 – تشريع "المادة 195/ 2 من قانون العقوبات: شخصية المسئولية الجنائية".
أياً كانت الأعذار التي يقدمها رئيس التحرير مثبتاً بها اضطراره للنشر فإن مسئوليته الجنائية لا تنتفي – وفقاً لهذا النص – إلا إذا أرشد عن أشخاص قد لا يعرفهم هم المسئولون عن المقال أو غيره من صور التمثيل – مناقضة ذلك شخصية المسئولية الجنائية.
20 – تشريع "المادة 195 من قانون العقوبات: مسئولية رئيس التحرير: جريمة عمديه".
الجريمة التي نسبها النص المشار إليه لرئيس تحرير الجريدة باعتباره فاعلاً أصلياً هي جريمة عمديه ابتداءً وانتهاءً – عدم توافر أركان هذه الجريمة في حقه ما لم يكن رئيس التحرير حين أذن بنشر المقال المتضمن قذفاً وسباً كان قاصداً إلى نتيجته – عدم استقامة هذا الأمر مع افتراض القصد الجنائي بشأنها.
21 – صحافة "رئيس التحرير: قدراته".
من غير المتصور في جديرة تتزاحم مقالاتها أن يكون رئيس التحرير محيطاً بها جميعاً – ولا أن يزن كل عبارة تضمنتها بافتراض سوء نية من كتبها – عدم قدرته على قياسها وفق ضوابط قانونية قد يدق الأمر بشأنها.
22 – مسئولية تقصيرية – مسئولية جنائية – افتراض الخطأ.
إمكان افتراض الخطأ في بعض صور المسئولية التقصيرية – من غير الجائز أن يكون ثبوت المسئولية الجنائية مفترضاً.
23 – تشريع "المادة 195 من قانون العقوبات: افتراض المسئولية – تناقض".
الجريمة المنسوبة إلى رئيس التحرير جريمة عمديه. افتراض النص المشار إليه مسئولية رئيس التحرير جنائياً عنها باعتباره مشرفاً على الجريدة، لا يكون مناطها إلا الإهمال في إدارتها – حال أن الإهمال والعمد نقيضان غير متلاقيين.
1، 2 – من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، وهو كذلك يقيد مباشرتها لولايتها في شأن هذه الخصومة، فلا تفصل في غير المسائل الدستورية التي تؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعي. ويتحدد مفهوم هذا الشرط باجتماع عنصرين:
أولهما: أن يقيم المدعي – وفي حدود الصفة التي اختصم بها النص المطعون عليه – الدليل على أن ضرراً واقعياً – اقتصادياً أو غيره – قد لحق به، وسواء أكان هذا الضرر يتهدده وشيكاً، أم كان قد وقع فعلاً. ويتعين دوماً أن يكون هذا الضرر مباشراً، منفصلاً عن مجرد مخالفة النص المطعون في للدستور، مستقلاً بالعناصر التي يقوم عليها، ممكناً تصوره ومواجهته بالترضية القضائية تسوية لآثاره.
ثانيهما: أن يكون هذا الضرر عائداً إلى النص المطعون فيه. وليس ضرراً متوهماً أو منتحلاً أو مجهلاً، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة، ذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها، لن يحقق للمدعي أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية عما كان عليه قبلها.
3 – الدستور حدد لكل من السلطتين التشريعية والقضائية ولايتها، ورسم تخومها بالمادتين 86 و165 فلا يجوز لإحداهما أن تباشر مهاماً اختص بها الدستور غيرها، وإلا وقع عملها باطلاً.
4 – الدستور – بما نص عليه في المادة 66 من أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذي ينص عليها – قد دل على أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره، يتمثل في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي، مؤكداً بذلك أن ما يركن إليه القانون الجنائي – في زواجره ونواهيه – هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه؛ إيجابياً كان هذا الفعل أم سلبياً.
5 – العلائق التي ينظمها هذا القانون، محورها الأفعال ذاتها، في علاماتها الخارجية ومظاهرها الواقعية وخصائصها المادية، إذ هي مناط التأثيم وعلته، وهي التي يتصور إثباتها ونفيها، وهي التي يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وتديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة التي تناسبها. ولا يتصور بالتالي وفقاً لأحكام الدستور، أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي، ولا أن يقوم الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها، بعيد عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، بما مؤداه أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية – وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته – تعتبر واقعة في منطقة التجريم، كلما كانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤاخذاً عليه قانوناً. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجياً في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.
6 – الأصل في الجرائم العمدية جميعها، أنها تعكس تكويناً مركباً باعتبار أن قوامها تزامناً بين يد اتصل الإثم بعملها، وعقل واع خالطها، ليهمن عليها ويكون محدداً لخطاها، متوجهاً إلى النتيجة المترتبة على نشاطها، فلا يكون القصد الجنائي إلا ركناً معنوياً في الجريمة مكملاً لركنها المادي، ومتلائماً مع الشخصية الفردية من ملامحها وتوجهاتها. وهذه الإرادة الواعية هي التي تتطلبها الأمم المتحضرة في مجال التجريم بوصفها ركناً في الجريمة، وأصلاً ثابتاً كامناً في طبيعتها. وليس أمراً فجاً أو دخيلاً مقحماً عليها أو غريباً عن خصائصها، ذلك أن حرية الإرادة تعني حرية الاختيار بين الخير والشر، ولكل وجهة هو موليها، لتنحل الجريمة – في معناها الحق – إلى علاقة ما بين العقوبة التي فرضها المشرع، والإرادة التي تعتمل فيه تلك النزعة الإجرامية التي يتعين أن يكون تقويمها ورد آثارها بديلاً عن الانتقام والثأر من صاحبها. وغدا أمراً ثابتاً – ألا يجرم الفعل ما لم يكن إرادياً قائماً على الاختيار الحر، ومن ثم مقصوداً.
ولئن عمد المشرع أحياناً من خلال بعض اللوائح، إلى تقرير جرائم عن أفعال لا يتصل بها قصد جنائي، باعتبار أن الإثم ليس كامناً فيها Mala in se (Inherently wrong) ولا تدل بذاتها على ميل إلى الشر والعدوان، ولا يختل بها قدر مرتكبها أو اعتباره، وإنما ضبطها المشرع تحديداً لمجراها، وأخرجها بذلك من دائرة مشروعيتها – وهي الأصل – وجعل عقوباتها متوازنة مع طبيعتها؛ وكان ما توخاه المشرع من التجريم في هذه الأحوال، هو الحد من مخاطر بذواتها بتقليل فرص وقوعها، وإنماء القدرة على السيطرة عليها والتحوط لدرئها، فلا يكون إيقاع عقوبتها معلقاً على النوايا المقصودة من الفعل، ولا على تبصر النتيجة الضارة التي أحدثها، إلا أن الجرائم العمدية ينافيها استقلال هذا القصد عنها، إذ هو من مكوناتها، فلا يقوم إلا بها.
وما تقدم مؤداه، أن الفارق بين عمديه الجريمة، وما دونها، يدور أصلاً – وبوجه عام – حول النتيجة الإجرامية التي أحدثتها، فكلما أرادها الجاني وقصد إليها، موجهاً جهده لتحقيقها، كانت الجريمة عمديه. فإن لم يقصد إلى إحداثها، بأن كان لا يتوقعها، أو ساء تقديره بشأنها، فلم يتحوط لدفعها ليحول دون بلوغها، فإن الجريمة تكون غير عمديه يتولى المشرع دون غيره بيان عناصر الخطأ التي تكونها، وهي عناصر لا يجوز افتراضها أو انتحالها، ولا نسبتها لغير من ارتكبها، ولا اعتباره مسئولاً عن نتائجها إذا أنفك اتصالها بالأفعال التي أتاها.
7 – الأصل في النصوص العقابية أن تصاغ في حدود ضيقة narrowly tailored تعريفاً بالأفعال التي جرمها المشرع، وتحديداً لماهيتها، لضمان ألا يكون التجهيل بها، موطئاً للإخلال بحقوق كفلها الدستور للمواطنين، كذلك التي تتعلق بحرية عرض الآراء وضمان تدفقها من مصادرها المختلفة، وكذلك بالحق في تكامل الشخصية، وأن يؤمن كل فرد ضد القبض أو الاعتقال غير المشروع. ولئن جاز القول بأن تقدير العقوبة، وتقرير أحوال فرضها مما يندرج تحت السلطة التقديرية للمشرع في مجال تنظيم الحقوق، إلا أن هذه السلطة حدها قواعد الدستور.
8 – 9 – 10 – 11 – من المقرر كذلك أن الأصل في الجريمة، أن عقوبتها لا يتحمل بها إلا من أدين كمسئول عنها، وهي عقوبة يجب أن تتوازن وطأتها مع طبيعة الجريمة موضوعها، بما مؤداه أن الشخص لا يزر غير سوء عمله، وأن جريرة الجريمة لا تؤاخذ بها إلا جناتها، ولا ينال عقابها إلا من قارفها، وأن "شخصية العقوبة" وتناسبها مع الجريمة محلها" مرتبطان بمن يعد قانوناً "مسئولاً عن ارتكابها". ومن ثم تفترض شخصية العقوبة – التي كفلها الدستور بنص المادة 66 – شخصية المسئولية الجنائية، وبما يؤكد تلازمهما. ذلك إن الشخص لا يكون مسئولاً عن الجريمة ولا تفرض عليه عقوبتها، إلا باعتباره فاعلاً لها أو شريكاً فيها. ولئن كان ما تقدم يعبر عن العدالة الجنائية في مفهومها الحق، ويعكس بعض صورها الأكثر تقدماً، إلا أن ذلك ليس غريباً عن العقيدة الإسلامية، بل أكدتها قيمها العليا، إذ يقول تعالى – في محكم آياته – "قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تفعلون" فليس للإنسان إلا ما سعى، وما الجزاء الأوفى إلا صنو عمله، وكان وليد إرادته الحرة، متصلاً بمقاصدها.
12 – كفل الدستور للصحافة حريتها، ولم يجر إنذارها أو وقفها أو إلغاءها بالطريق الإداري، بما يحول كأصل عام دون التدخل في شئونها، أو إرهاقها بقيود ترد رسالتها على أعقابها، أو إضعافها من خلال تقليص دورها في بناء مجتمعها وتطويره، متوخياً دوماً أن يكرس بها قيماً جوهرية، يتصدرها أن يكون الحوار بديلاً عن القهر والتسلط، ونافذة لإطلال المواطنين على الحقائق التي لا يجوز حجبها عنهم، ومدخلاً لتعميق معلوماتهم فلا يجوز طمسها أو تلوينها، بل يكون تقييمها عملاً موضوعياً محدداً لكل سلطة مضمونها الحق وفقاً للدستور، فلا تكون ممارستها إلا توكيداً لصفتها التمثيلية، وطريقاً إلى حرية أبعد تتعدد مظاهرها وتتنوع توجهاتها. بل إن الصحافة تكفل للمواطن دوراً فاعلاً، وعلى الأخص من خلال الفرص التي تتيحها معبراً بوساطتها عن تلك الآراء التي يؤمن بها – individual self – expression ويحقق بها تكامل شخصيته self – realisation، فلا يكون سلبياً منكفئاً وراء جدران مغلقة، أو مطارداً بالفزع من بأس السلطة وعدوانيتها، بل واثقاً من قدرته على مواجهتها، فلا تكون علاقتها به انحرافاً، بل اعتدالاً، وإلا ارتد بطشها عليها، وكان مؤذناً بأفولها.
13 – الدستور – وتوكيداً لحرية الصحافة التي كفل ممارستها بكل الوسائل – أطلق قدراتها في مجال التعبير، ليظل عطاؤها متدفقاً تتصل روافده دون انقطاع، فلا تكون القيود الجائزة عليها إلا عدواناً على رسالتها يرشح لانفراطها. ولئن كان الدستور قد أجاز فرض رقابة محدودة عليها، فذلك في الأحوال الاستثنائية، ولمواجهة تلك المخاطر الداهمة التي حددتها المادة 48 من الدستور، ضماناً لأن تكون الرقابة عليها محددة تحديداً زمنياً وغائياً، فلا تنفلت كوابحها.
14 – حق الفرد في الحرية ينبغي أن يوازن بحق الجماعة في الدفاع عن مصالحها الحيوية، انطلاقاً من إيمان الأمم المتحضرة بأن النظم العقابية جميعها تتقيد بأغراضها النهائية، التي تكفل لكل متهم حداً أدنى من الحقوق التي لا يجوز النزول عنها أو الإخلال بها، فلا يكون الفصل في الاتهام الجنائي إلا إنصافاً، وبما يحول دون إساءة استخدام العقوبة تشويهاً لأهدافها. ويندرج تحت هذه الحقوق افتراض البراءة باعتباره أصلاً ثابتاً يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها، وليس بنوع أو قدر العقوبة المقررة لها، ولأن مؤداه ألا تعتبر واقعة تقوم بها الجريمة، ثابتة بغير دليل، فلا يفترضها المشرع.
15 – 16 – افتراض براءة المتهم وصون الحرية الشخصية من كل عدوان عليها، أصلان كفلهما الدستور بالمادتين 41 و67، فلا يجوز أن تأتي السلطة التشريعية عملاً يخل بهما، وعلى الأخص بانتحالها الاختصاص المخول للسلطة القضائية في مجال التحقق من قيام الجريمة بأركانها التي حددها المشرع، بما في ذلك القصد الجنائي إذا كان متطلباً فيها؛ إلا أن النص المطعون فيه افترض أن الإذن بالنشر الصادر عن رئيس تحرير الجريدة، يفيد علمه يقيناً بالمادة التي تضمنها المقال بكل تفصيلاتها، وأن محتواها يكون جريمة معاقباً عليها قصد رئيس التحرير إلى ارتكابها وتحقيق نتيجتها، مقيماً بذلك قرينة قانونية يحل فيها هذا الإذن محل القصد الجنائي، وهو ركن في الجريمة العمدية لا تقوم بغيره.
17 – 18 – قالة أن البند ( أ ) من الفقرة الثانية من النص المطعون فيه، قد أعفى رئيس التحرير من المسئولية الجنائية التي أنشأتها في حقه فقرتها الأولى إذا أثبت أن النشر تم بدون علمه، لا صواب فيها وذلك لأمرين أولهما: أن مجرد تمام النشر دون علمه ليس كافياً وفقاً لهذا البند لإعفائه من مسئوليته الجنائية، بل يتعين عليه فوق هذا – إذا أراد التخلص منها – أن يقدم لجهة التحقيق كل الأوراق والمعلومات التي تعينها على معرفة المسئول عما نشر، بما مؤداه قيام مسئوليته الجنائية، ولو لم يباشر دوراً في إحداثها. ثانيهما: أن النص المطعون فيه جعل رئيس التحرير مواجهاً بواقعة أثبتتها القرينة القانونية في حقه دون دليل يظاهرها، ومكلفاً بنفيها خلافاً لافتراض البراءة، وهو افتراض جرى قضاء هذه المحكمة على اقترانه بوسائل إجرائية إلزامية تعتبر من زاوية دستورية وثيقة الصلة بالحق في الدفاع، ومن بينها أن المتهم لا يكون مكلفاً بدفع اتهام جنائي إلا بعد أن تقدم النيابة العامة بنفسها ما تراه من وجه نظرها إثباتاً للجريمة التي نسبتها إليه، لينشأ بعدئذ للمتهم الحق في نفيها ودحضها بالوسائل التي يملكها قانوناً.
19 – يظل رئيس التحرير وفقاً للبند من الفقرة الثانية من النص المطعون فيه، مسئولاً كذلك عن الجرائم التي تضمنها المقال، ولو أثبت أنه لو لم يقم بالنشر، لفقد وظيفته في الجريدة التي يعمل بها، أو تعرض لضرر جسيم آخر، إذ عليه فوق هذه أن يرشد أثناء التحقيق عن مرتكب الجريمة، وأن يقدم كل ما لديه من الأوراق والمعلومات لإثبات مسئوليته، وهو ما يعني أنه أياً كانت الأعذار التي يقدمها رئيس تحرير الجريدة مثبتاً بها اضطراره إلى النشر، فإن مسئوليته الجنائية لا تنتفي إلا إذا أرشد عن أشخاص قد لا يعرفهم، هم المسئولون عن المقال أو غيره من صور التمثيل، وهو ما يناقض شخصية المسئولية الجنائية التي تفترض ألا يكون الشخص مسئولاً عن الجريمة، ولا أن تفرض عليه عقوبتها، إلا باعتباره فاعلاً لها أو شريكاً فيها.
20 – الجريمة العمدية تقتضي لتوافر القصد الجنائي بشأنها – وهو أحد أركانها – علماً من الجاني بعناصر الجريمة التي ارتكبها، فلا يقدم عليها إلا بعد تقديره لمخاطرها، وعلى ضوء الشروط التي أحاطها المشرع بها، فلا تكون نتيجتها غير التي قصد إلى إحداثها، شأن الجريمة العمدية في ذلك، شأن الجريمة التي نسبها النص المطعون فيه لرئيس تحرير الجريدة باعتباره فاعلاً أصلياً لها. ولا يتصور بالتالي أن تتمحض هذه الجريمة عن إهمال يقوم مقام العمد، فلا يكون ركن الخطأ فيها إلا انحرافاً عما يعد وفقاً للقانون الجنائي سلوكاً معقولاً للشخص المعتاد. بل هي جريمة عمديه ابتداء وانتهاء لا تتوافر أركانها ما لم يكن رئيس التحرير حين أذن بنشر المقال المتضمن قذفاً وسباً، كان مدركاً أبعاده واعياً بآثاره، قاصداً إلى نتيجته.
L intention criminelle réside dans la connaissance ou la conscience chez l agent qu'il accomplit un acte illiccite. D'une facon plus compléte et plus préecise, pour qu'ily ait intention il ne suffit pas connaitre, il fout aussi vouloir, car l'intention criminelle est la volonté d'accomplir un acte que l'on sait défendu par la loi pénale ou de s'abstenir d'un acte que l'on sait ordonné par loi.
واعتبار رئيس تحرير الجريدة فاعلاً أصلياً لجريمة عمديه، مسئولاً عن ارتكابها، لا يستقيم مع افتراض القصد الجنائي بشأنها، وإلا كان ذلك تشويهاً لخصائصها.
21- ما تتوخاه كل جريدة، هو أن يكون اهتمام قرائها بموضوعاتها حياً من خلال تنوعها وعمقها وتعدد أبوابها وامتدادها على كامل صفحاتها مع كثرتها، وتطرقها لكل جديد في العلوم والفنون على تباينها، فلا تكون قوة الصحافة إلا تعبيراً عن منزلتها في إدارة الحوار العام وتطويره، لا تتقيد رسالتها في ذلك بالحدود الإقليمية، ولا تحول دون اتصالها بالآخرين قوة أياً كان بأسها، بل توفر صناعتها – سواء من خلال وسائل طبعها أو توزيعها – تطوراً تكنولوجياً غير مسبوق يعزز دورها، ويقارنها تسابق محموم يتوخى أن تقدم الجريدة في كل إصداراتها، الأفضل والأكثر إثارة لقرائها، وأن تتيح لجموعهم قاعدة أعرض لمعلوماتهم ومجالاً حيوياً يعبرون فيه عن ذواتهم، وأن يكون أثرها في وجدانهم، وصلتهم بمجتمعهم بعيداً. بل إن الصحافة بأدائها وأخبارها وتحليلاتها، إنما تقود رأياً عاماً ناضجاً، وفاعلاً يبلوره إسهامها في تكوينه وتوجيهه. ولا يتصور في جريدة تتعدد صفحاتها، وتتزاحم مقالاتها، وتتعدد مقاصدها، أن يكون رئيس التحرير محيطاً بها جميعاً، نافذاً إلى محتوياتها، ممحصاً بعين ثاقبة كل جزئياتها، ولا أن يزن كل عبارة تضمنتها بافتراض سوء نية من كتبها، ولا أن يقيسها وفق ضوابط قانونية قد يدق الأمر بشأنها فلا تتحد تطبيقاتها.
22- المسئولية التقصيرية وفقاً لقواعد القانون المدني – وقوامها كل عمل غير مشروع ألحق ضرراً بالغير – هي التي يجوز افتراض الخطأ في بعض صورها. ولا كذلك المسئولية الجنائية، التي لا يجوز أن يكون الدليل عليها منتحلاً، ولا ثبوتها مفترضاً.
23- رئيس التحرير وقد أذن بالنشر لا يكون قد أتى عملاً مكوناً لجريمة يكون به فاعلاً مع غيره، ذلك أن الشخص لا يعتبر فاعلاً للجريمة إلا من خلال أعمال باشرها تتصل بها وتعتبر تنفيذاً لها. ولئن جاز القول بأن العلانية في الجريمة التي تضمنها النص المطعون فيه، لا تتم إلا من خلال الأمر بنشر المقال المتضمن قذفاً وسباً في حق الآخرين، إلا أن مسئولية رئيس التحرير جنائياً عن تحقق هذه النتيجة، شرطها اتجاه إرادته لإحداثها، ومدخلها علما يقينياً بأبعاد هذا المقال.
La faute intentionnelle peut etre définie comme le volonté de commettre un acte que l'on sait interdit ou,autrement dit,comme l'intention de violer la loi pénale. Les infractions intentionnelles sont donc pour lesquelles la loi exige que le comportement est pénalment sanctionné, mais que decide néamoins de le commettre.
ولا كذلك النص المطعون فيه، إذ افترض مسئوليته جنائياً بناء على صفته كرئيس تحرير يتولى شئون الجريدة باعتباره مشرفاً عليها فلا يكون مناطها إلا الإهمال في إدارتها، حال أن الإهمال والعمد نقيضان لا يتلاقيان. بل إن رئيس تحرير الجريدة، يظل دون غيره مسئولاً عما ينشر فيها، ولو تتعدد أقسامها، وكان لكل منها محرر يباشر عليه سلطة فعلية.


الإجراءات

في الثاني عشر من يونيو سنة 1996، ورد قلم الكتاب ملف القضية رقم 3385 لسنة 1995 جنح عابدين، بعد أن أصدرت محكمة عابدين بجلستها المعقودة في 24 أبريل سنة 1996 حكمها بوقف نظرها لهذه الجنحة وإحالة ملفها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في المسألة الدستورية الخاصة بالمادة 195 عقوبات.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – حسبما يبين من حكم الإحالة وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي كان قد أقام ضد المدعى عليهما – وبصفته مدعياً بالحق المدني – الجنحة رقم 3385 لسنة 1995 عابدين، طالباً معاقبتهما بالمواد 303، 306، 307 من قانون العقوبات، مع إلزامهما أن يؤديا إليه مبلغ 501 جنيه كتعويض مؤقت، وذلك استناداً إلى أن أولهما كتب مقالاً يشكل قذفاً وسباً في حقه نشر في جريدة الأحرار التي يرأس ثانيهما تحريرها، وقد تضمن حكم الإحالة الصادر من محكمة عابدين، أن نص المادة 195 عقوبات، افترض المسئولية الجنائية لرئيس تحرير الجريدة – أو المحرر المسئول عن قسمها الذي حصل فيه النشر إذا لم يكن ثمة رئيس تحرير – بصفته فاعلاً أصلياً للجرائم التي ترتكب بواسطة صحيفته، وأن الادعاء المباشر سنده نص هذه المادة ذاتها باعتبار أن المدعى عليه الثاني كان رئيس تحرير الجريدة الذي نشر المقال محل المساءلة بها، وأن المادة 195 من قانون العقوبات، تثير شبهة مخالفتها للمادتين 66 و67 من الدستور اللتين تؤكدان شخصية العقوبة، وتفترضان براءة المتهم، ومن ثم فقد أحالت الأوراق إلى المحكمة الدستورية العليا عملاً بنص المادة 29/ 1 من قانونها، وذلك للفصل في دستوريتها.
وحيث إن المادة 195 من قانون العقوبات، تنص على أنه "مع عدم الإخلال بالمسئولية الجنائية لمؤلف الكتابة أو واضع الرسم أو غير ذلك من طرق التمثيل، يعاقب رئيس تحرير الجريدة أو المحرر المسئول عن قسمها الذي حصل فيه النشر إذا لم يكن ثمة رئيس تحرير، بصفته فاعلاً أصلياً للجرائم التي ترتكب بواسطة صحيفته.
ومع ذلك يعفى من المسئولية الجنائية:
1- إذا أثبت أن النشر حصل بدون علمه، وقدم منذ بدء التحقيق كل ما لديه من المعلومات والأوراق للمساعدة على معرفة المسئول عما نشر.
2- أو إذا أرشد أثناء التحقيق عن مرتكب الجريمة، وقدم كل ما لديه من المعلومات والأوراق لإثبات مسئوليته، وأثبت فوق ذلك أنه لو لم يقم بالنشر لعرض نفسه لخسارة وظيفته في الجريدة أو لضرر جسيم آخر".
وحيث إن من المقرر أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة، يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا في الخصومة الدستورية من جوانبها العملية، وليس من معطياتها النظرية، وهو كذلك يقيد مباشرتها لولايتها في شأن هذه الخصومة، فلا تفصل في غير المسائل الدستورية التي يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعي. ويتحدد مفهوم هذا الشرط باجتماع عنصرين:
أولهما: أن يقيم المدعي – وفى حدود الصفة التي اختصم بها النص المطعون عليه – الدليل على أن ضرراً واقعياً – اقتصادياً أو غيره – قد لحق به، سواء أكان هذا الضرر يتهدده وشيكاً، أم كان قد وقع فعلاً. ويتعين دوماً أن يكون هذا الضرر مباشراً، منفصلاً عن مجرد مخالفة النص المطعون فيه للدستور، مستقلاً بالعناصر التي يقوم عليها، ممكناً تصوره ومواجهته بالترضية القضائية تسوية لآثاره.
ثانيهما: أن يكون هذا الضرر عائداً إلى النص المطعون فيه. وليس ضرراً متوهماً أو منتحلاً أو مجهلاً، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان الإخلال بالحقوق التي يدعيها لا يعود إليه، دل ذلك على انتفاء المصلحة الشخصية المباشرة، ذلك أن إبطال النص التشريعي في هذه الصور جميعها، لن يحقق للمدعي أية فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانوني بعد الفصل في الدعوى الدستورية عما كان عليه قبلها.
وحيث إن متى كان ما تقدم، وكان الاتهام الجنائي ضد المدعى عليه الثاني يستند إلى الفقرة الأولى من المادة 195 من قانون العقوبات، باعتباره رئيس تحرير الجريدة التي نشر بها المقال المتضمن قذفاً وسباً في حق المدعي، فإن الخصومة الدستورية ينحصر نطاقها في هذه الفقرة. ولئن جاز القول بارتباطها بفقرتها الثانية ارتباطاً لا يقبل التجزئة، باعتبار أن أولاهما تقرر المسئولية الجنائية لرئيس التحرير، وأن ثانيتهما تحدد صور الإعفاء منها، إلا أن إبطال فقرتها الأولى يعتبر كافياً وحده لسقوط فقرتها الثانية التي لا يتصور تطبيقها ما لم يكن تقرير مسئولية رئيس التحرير – في الحدود التي تضمنتها الفقرة الأولى – جائزاً وفقاً لأحكام الدستور.
وحيث إن الدستور حدد لكل من السلطتين التشريعية والقضائية ولايتها، ورسم تخومها بالمادتين 86 و165 فلا يجوز لإحداهما أن تباشر مهاماً اختص بها الدستور غيرها، وإلا وقع عملها باطلاً.
وحيث إن الدستور – بما نص عليه في المادة 66 من أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لصدور القانون الذي ينص عليها – قد دل على أن لكل جريمة ركناً مادياً لا قوام لها بغيره، يتمثل في فعل أو امتناع وقع بالمخالفة لنص عقابي، مؤكداً بذلك أن ما يركن إليه القانون الجنائي – في زواجره ونواهيه – هو مادية الفعل المؤاخذ على ارتكابه؛ إيجابياً كان هذا الفعل أم سلبياً.
ذلك أن العلائق التي ينظمها هذا القانون، محورها الأفعال ذاتها، في علاماتها الخارجية ومظاهرها الواقعية وخصائصها المادية، إذ هي مناط التأثيم وعلته، وهي التي يتصور إثباتها ونفيها، وهي التي يتم التمييز على ضوئها بين الجرائم بعضها البعض، وتديرها محكمة الموضوع على حكم العقل لتقييمها وتقدير العقوبة التي تناسبها. ولا يتصور بالتالي وفقاً لأحكام الدستور. أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي، ولا أن يقوم الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها، بعيداً عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، بما مؤداه أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية – وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته – تعتبر واقعة في منطقة التجريم، كلما كانت تعكس سلوكاً خارجياً مؤاخذاً عليه قانوناً. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجياً في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.
وحيث إن الأصل في الجرائم العمدية جميعها، أنها تعكس تكويناً مركباً باعتبار أن قوامها تزامناً بين يد اتصل الإثم بعملها، وعقل واع خالطها، ليهيمن عليها، محدداً لخطاها، ومتوجهاً إلى النتيجة المترتبة على نشاطها، فلا يكون القصد الجنائي إلا ركناً معنوياً في الجريمة مكملاً لركنها المادي، ومتلائماً مع الشخصية الفردية من ملامحها وتوجهاتها. وهذه الإرادة الواعية هي التي تتطلبها الأمم المتحضرة في مجال التجريم بوصفها ركناً في الجريمة، وأصلاً ثابتاً كامناً في طبيعتها. وليس أمراً فجاً أو دخيلاً مقحماً عليها أو غريباً عن خصائصها، ذلك أن حرية الإرادة تعني حرية الاختيار بين الخير والشر، ولكل وجهة هو موليها، لتنحل الجريمة – في معناها الحق – إلى علاقة ما بين العقوبة التي فرضها المشرع، والإرادة التي تعتمل فيها تلك النزعة الإجرامية التي يتعين أن يكون تقويمها ورد آثارها بديلاً عن الانتقام والثأر من صاحبها. وغدا أمراً ثابتاً – وكأصل عام – ألا يجرم الفعل ما لم يكن إرادياً قائماً على الاختيار الحر، ومن ثم مقصوداً.
وحيث إن المشرع، وإن عمد أحياناً من خلال بعض اللوائح، إلى تقرير جرائم عن أفعال لا يتصل بها قصد جنائي، باعتبار أن الإثم ليس كامناً فيها Mala in se (Inherently wrong) ولا تدل بذاتها على ميل إلى الشر والعدوان، ولا يختل بها قدر مرتكبها أو اعتباره، وإنما ضبطها المشرع تحديداً لمجراها، وأخرجها بذلك من مشروعيتها – وهي الأصل – وجعل عقوباتها متوازنة مع طبيعتها؛ وكان ما توخاه المشرع من التجريم في هذه الأحوال، هو الحد من مخاطر بذواتها بتقليل فرص وقوعها. وإنماء القدرة على السيطرة عليها والتحوط لدرئها، فلا يكون إيقاع عقوبتها معلقاً على النوايا المقصودة من الفعل، ولا على تبصر النتيجة الضارة التي أحدثها، إلا أن الجرائم العمدية ينافيها استقلال هذا القصد عنها، إذ هو من مكوناتها، فلا يقوم إلا بها.
وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن الفارق بين عمديه الجريمة، وما دونها، يدور أصلاً – وبوجه عام – حول النتيجة الإجرامية التي أحدثتها، فكلما أرادها الجاني وقصد إليها، موجهاً جهده لتحقيقها، كانت الجريمة عمديه. فإن لم يقصد إلى إحداثها، بأن كان لا يتوقعها، أو ساء تقديره بشأنها، فلم يتحوط لدفعها ليحول دون بلوغها، فإن الجريمة تكون غير عمديه يتولى المشرع دون غيره بيان عناصر الخطأ التي تكونها، وهي عناصر لا يجوز افتراضها أو انتحالها، ولا نسبتها لغير من ارتكبها، ولا اعتباره مسئولاً عن نتائجها إذا أنفك اتصالها بالأفعال التي أتاها.
وحيث إن الأصل في النصوص العقابية أن تصاغ في حدود ضيقة narrowly tailored تعريفاً بالأفعال التي جرمها المشرع، وتحديداً لماهيتها، لضمان ألا يكون التجهيل بها، موطئاً للإخلال بحقوق كفلها الدستور للمواطنين، كتلك التي تتعلق بحرية عرض الآراء وضمان تدفقها من مصادرها المختلفة، وكذلك بالحق في تكامل الشخصية، وأن يؤمن كل فرد ضد القبض أو الاعتقال غير المشروع. ولئن جاز القول بأن تقدير العقوبة، وتقرير أحوال فرضها مما يندرج تحت السلطة التقديرية للمشرع في مجال تنظيم الحقوق، إلا أن هذه السلطة حدها قواعد الدستور.
وحيث إن من المقرر كذلك أن الأصل في الجريمة، أن عقوبتها لا يتحمل بها إلا من أدين كمسئول عنها، وهي عقوبة يجب أن تتوازن وطأتها مع طبيعة الجريمة موضوعها، بما مؤداه أن الشخص لا يزر غير سوء عمله، وأن جريرة الجريمة لا يؤاخذ بها إلا جناتها، ولا ينال عقابها إلا من قارفها، وأن "شخصية العقوبة" "وتناسبها مع الجريمة محلها" مرتبطان بمن يعد قانوناً "مسئولاً عن ارتكابها". ومن ثم تفترض شخصية العقوبة – التي كفلها الدستور بنص المادة 66 – شخصية المسئولية الجنائية، وبما يؤكد تلازمهما. ذلك إن الشخص لا يكون مسئولاً عن الجريمة، ولا تفرض عليه عقوبتها، إلا باعتباره فاعلاً لها أو شريكاً فيها. ولئن كان ما تقدم يعبر عن العدالة الجنائية في مفهومها الحق، ويعكس بعض صورها الأكثر تقدماً، إلا أن ذلك ليس غريباً عن العقيدة الإسلامية، بل أكدتها قيمها العليا، إذ يقول تعالى – في محكم آياته – "قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تفعلون" فليس للإنسان إلا ما سعى، وما الجزاء الأوفى إلا صنو عمله، وكان وليد إرادته الحرة، متصلاً بمقاصدها.
وحيث إن تجريم أفعال تتصل بالمهام التي تقوم الصحافة عليها وفقاً للدستور – ولو بطريق غير مباشر – إنما يثير من وجهة نظر مبدئية الشبهة حول دستوريتها، ويستنهض ولاية هذه المحكمة في مباشرتها لرقابتها القضائية التي تفصل على هداها فيما إذا كان الفعل المؤثم قانوناً في نطاق جرائم النشر، ينال من الدائرة التي لا تتنفس حرية التعبير إلا من خلالها, فلا يكون إلا محدداً لها، متضمناً عدواناً عليها؛ أم يعتبر مجرد تنظيم لتداول هذا الآراء بما يحول دون إضرارها بمصلحة حيوية لها اعتبارها.
فقد كفل الدستور للصحافة حريتها، ولم يجر إنذارها أو وقفها أو إلغاءها بالطريق الإداري، بما يحول كأصل عام دون التدخل في شئونها، أو إرهاقها بقيود ترد رسالتها على أعقابها، أو إضعافها من خلال تقليص دورها في بناء مجتمعها وتطويره، متوخياً دوماً أن يكرس بها قيماً جوهرية، يتصدرها أن يكون الحوار بديلاً عن القهر والتسلط، ونافذة لإطلال المواطنين على الحقائق التي لا يجوز حجبها عنهم، ومدخلاً لتعميق معلوماتهم فلا يجوز طمسها أو تلوينها، بل يكون تقييمها عملاً موضوعياً محدداً لكل سلطة مضمونها الحق وفقاً للدستور، فلا تكون ممارستها إلا توكيداً لصفتها التمثيلية، وطريقاً إلى حرية أبعد تتعدد مظاهرها وتتنوع توجهاتها. بل إن الصحافة تكفل للمواطن دوراً فاعلاً، وعلى الأخص من خلال الفرص التي تتيحها معبراً بوساطتها عن تلك الآراء التي يؤمن بها individual self – expression ويحقق بها تكامل شخصيته self – realisation، فلا يكون سلبياً منكفئاً وراء جدران مغلقة، أو مطارداً بالفزع من بأس السلطة وعدوانيتها، بل واثقاً من قدرته على مواجهتها، فلا تكون علاقتها به انحرافاً، بل اعتدالاً، وإلا ارتد بطشها عليها، وكان مؤذناً بأفولها.
وحيث إن الدستور – وتوكيداً لحرية الصحافة التي كفل ممارستها بكل الوسائل – أطلق قدراتها في مجال التعبير، ليظل عطاؤها متدفقاً تتصل روافده دون انقطاع، فلا تكون القيود الجائزة عليها إلا عدواناً على رسالتها يرشح لانفراطها. ولئن كان الدستور قد أجاز فرض رقابة محدودة عليها، فذلك في الأحوال الاستثنائية، ولمواجهة تلك المخاطر الداهمة التي حددتها المادة 48 من الدستور، ضماناً لأن تكون الرقابة عليها محددة تحديداً زمنياً وغائياً، فلا تنفلت كوابحها.
وحيث إن حق الفرد في الحرية، ينبغي أن يوازن بحق الجماعة في الدفاع عن مصالحها الحيوية، انطلاقاً من إيمان الأمم المتحضرة بأن النظم العقابية جميعها تتقيد بأغراضها النهائية، التي تكفل لكل متهم حداً أدنى من الحقوق التي لا يجوز النزول عنها أو الإخلال بها، فلا يكون الفصل في الاتهام الجنائي إلا إنصافاً، وبما يحول دون إساءة استخدام العقوبة تشويهاً لأهدافها. ويندرج تحت هذه الحقوق افتراض البراءة باعتباره أصلاً ثابتاً يتعلق بالتهمة الجنائية من ناحية إثباتها، وليس بنوع أو قدر العقوبة المقررة لها، ولأن مؤداه ألا تعتبر واقعة تقوم بها الجريمة، ثابتة بغير دليل، فلا يفترضها المشرع.
وحيث إن افتراض براءة المتهم وصون الحرية الشخصية من كل عدوان عليها، أصلان كفلهما الدستور بالمادتين 41 و67، فلا يجوز أن تأتي السلطة التشريعية عملاً يخل بهما، وعلى الأخص بانتحالها الاختصاص المخول للسلطة القضائية في مجال التحقق من قيام الجريمة بأركانها التي حددها المشرع، بما في ذلك القصد الجنائي إذا كان متطلباً فيها؛ إلا أن النص المطعون فيه افترض أن الإذن بالنشر الصادر عن رئيس تحرير الجريدة، يفيد علمه يقيناً بالمادة التي تضمنها المقال بكل تفصيلاتها، وأن محتواها يكون جريمة معاقباً عليها قصد رئيس التحرير إلى ارتكابها وتحقيق نتيجتها، مقيماً بذلك قرينة قانونية يحل فيها هذا الإذن محل القصد الجنائي، وهو ركن في الجريمة العمدية لا تقوم بغيره.
وحيث إنه لا ينال مما تقدم، قالة أن البند ( أ ) من الفقرة الثانية من النص المطعون فيه، قد أعفى رئيس التحرير من المسئولية الجنائية التي أنشأتها في حقه فقرتها الأولى إذا أثبت أن النشر تم بدون علمه، وذلك لأمرين أولهما: أن مجرد تمام النشر دون علمه ليس كافياً وفقاً لهذا البند لإعفائه من مسئوليته الجنائية، بل يتعين عليه فوق هذا – إذا أراد التخلص منها – أن يقدم لجهة التحقيق كل الأوراق والمعلومات التي تعينها على معرفة المسئول عما نشر، بما مؤداه قيام مسئوليته الجنائية، ولو لم يباشر دوراً في إحداثها. ثانيهما: أن النص المطعون فيه جعل رئيس التحرير مواجهاً بواقعة أثبتتها القرينة القانونية في حقه دون دليل يظاهرها، ومكلفاً بنفيها خلافاً لافتراض البراءة، وهو افترض جرى قضاء هذه المحكمة على اقترانه بوسائل إجرائية إلزامية تعتبر من زاوية دستورية وثيقة الصلة بالحق في الدفاع، ومن بينها أن المتهم لا يكون مكلفاً بدفع اتهام جنائي إلا بعد أن تقدم النيابة العامة بنفسها ما تراه من وجهة نظرها إثباتاً للجريمة التي نسبتها إليه، لينشأ بعدئذ للمتهم الحق في نفيها ودحضها بالوسائل التي يملكها قانوناً.
وحيث إنه فضلاً عما تقدم، فإن رئيس التحرير يظل وفقاً للبند من الفقرة الثانية من النص المطعون فيه، مسئولاً كذلك عن الجرائم التي تضمنها المقال، ولو أثبت أنه لو لم يقوم بالنشر، لفقد وظيفته في الجريدة التي يعمل بها، أو تعرض لضرر جسيم آخر، إذ عليه فوق هذا أن يرشد أثناء التحقيق عن مرتكب الجريمة، وأن يقدم كل لديه من الأوراق والمعلومات لإثبات مسئوليته، وهو ما يعني أنه أياً كانت الأعذار التي يقدمها رئيس تحرير الجريدة مثبتاً بها اضطراره إلى النشر، فإن مسئوليته الجنائية لا تنتفي إلا إذا أرشد عن أشخاص قد لا يعرفهم، هم المسئولون عن المقال أو غيره من صور التمثيل، وهو ما يناقض شخصية المسئولية الجنائية التي تفترض ألا يكون الشخص مسئولاً عن الجريمة، ولا أن تفرض عليه عقوبتها، إلا باعتباره فاعلاً لها أو شريكاً فيها.
وحيث إن ما تقدم مؤداه – وعلى ضوء الاستثناءين المقررين بالبندين ومن الفقرة الثانية من النص المطعون فيه – أنه سواء أكان النشر في الجريدة قد حصل دون تدخل من رئيس تحريرها، أم كان قد أذن بالنشر اضطراراً حتى لا يفقد عمله فيها أو توقياً لضرر جسيم آخر، فإن رئيس التحرير يظل في الحالتين مسئولاً جنائياً بمقتضى النص المطعون فيه الذي أنشأ في حقه قرينة قانونية افترض بموجبها علمه بكل ما احتواه المقال المتضمن سباً أو قذفاً في حق الآخرين، وهي بعد قرينة يظل حكمها قائماً، ولو كان رئيس التحرير متغيباً عند النشر، أو كان قد عهد إلى أحد محرريها بجانب من مسئوليته؛ أو كانت السلطة التي يباشرها عملاً في الجريدة، تؤكد أن توليه لشئونها ليس إلا إشرافاً نظرياً لا فعلياً.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة نحت في دفاعها إلى أن النص المطعون فيه لا يقرر مسئولية عن عمل الغير، بل يثير المسئولية الشخصية لرئيس التحرير باعتباره مشرفاً على النشر، مراقباً مجراه، عملاً بنص المادة 54 من القانون رقم 96 لسنة 1996 بشأن تنظيم الصحافة، وأن الوقائع التي تضمنها المقال والمعتبرة سباً أو قذفاً في حق الآخرين، ما كان لها أن تتصل بالغير إلا إذا أذن رئيس التحرير بنشرها، لتكتمل بالنشر الجريمة التي نسبها النص المطعون فيه إلى رئيس التحرير، باعتبار أن ركنها المادي هو الامتناع عن مراقبة المقال، وأن ركنها المعنوي قد يكون فعلاً عمدياً أو غير عمدي.
وحيث إن ما ذهبت إليه هيئة قضايا الدولة على هذا النحو مردود، أولاً: بأن الجريمة العمدية تقتضي لتوافر القصد الجنائي بشأنها – وهو أحد أركانها – علماً من الجاني بعناصر الجريمة التي ارتكبها، فلا يقدم عليها إلا بعد تقديره لمخاطرها، وعلى ضوء الشروط التي أحاطها المشرع بها، فلا تكون نتيجتها غير التي قصد إلى إحداثها، شأن الجريمة العمدية في ذلك، شأن الجريمة التي نسبها النص المطعون فيه لرئيس تحرير الجريدة باعتباره فاعلاً أصلياً لها. ولا يتصور بالتالي أن تتمحض هذه الجريمة عن إهمال يقوم مقام العمد، فلا يكون ركن الخطأ فيها إلا انحرافاً عما يعد وفقاً للقانون الجنائي سلوكاً معقولاً للشخص المعتاد. بل هي جريمة عمديه ابتداء وانتهاء لا تتوافر أركانها ما لم يكن رئيس التحرير حين أذن بنشر المقال المتضمن قذفاً وسباً، كان مدركاً أبعاده واعياً بآثاره، قاصداً إلى نتيجته.
L'intention criminelle réside dans la connaissance ou la conscience chez l'agent qu'il accomplit un acte illiccite. D'une facon plus compléte et plus préecise, pour qu'ily ait intention il ne suffit pas connaitre, il fout aussi vouloir, car l'intention criminelle est la volonté d'accomplir un acte que l'on sait défendu par la loi pénale ou de s'abstenir d'un acte que l'on sait ordonné par loi.
ومردود ثانياً: بأن اعتبار رئيس تحرير الجريدة فاعلاً أصلياً لجريمة عمديه، ومسئولاً عن ارتكابها، لا يستقيم مع افتراض القصد الجنائي بشأنها، وإلا كان ذلك تشويهاً لخصائصها.
ومردود ثالثاً: بأن ما تتوخاه كل جريدة، هو أن يكون اهتمام قرائها بموضوعاتها حياً من خلال تنوعها وعمقها وتعدد أبوابها وامتدادها على كامل صفحاتها مع كثرتها، وتطرقها لكل جديد في العلوم والفنون على تباينها، فلا تكون قوة الصحافة إلا تعبيراً عن منزلتها في إدارة الحوار العام وتطويره، لا تتقيد رسالتها في ذلك بالحدود الإقليمية، ولا تحول دون اتصالها بالآخرين قوة أياً كان بأسها، بل توفر صناعتها – سواء من خلال وسائل طبعها أو توزيعها – تطوراً تكنولوجياً غير مسبوق يعزز دورها، ويقارنها تسابق محموم يتوخى أن تقدم الجريدة في كل إصداراتها، الأفضل والأكثر إثارة لقرائها، وأن تتيح لجموعهم قاعدة أعرض لمعلوماتهم ومجالاً حيوياً يعبرون فيه عن ذواتهم، وأن يكون أثرها في وجدانهم، وصلتهم بمجتمعهم بعيداً. بل إن الصحافة بأدائها وأخبارها وتحليلاتها، إنما تقود رأياً عاماً ناضجاً، وفاعلاً يبلوره إسهامها في تكوينه وتوجيهه. ولا يتصور في جريدة تتعدد صفحاتها، وتتزاحم مقالاتها، وتتعدد مقاصدها، أن يكون رئيس التحرير محيطاً بها جميعاً، نافذاً إلى محتوياتها، ممحصاً بعين ثاقبة كل جزئياتها، ولا أن يزن كل عبارة تضمنتها بافتراض سوء نية من كتبها، ولا أن يقيسها وفق ضوابط قانونية قد يدق الأمر بشأنها فلا تتحد تطبيقاتها.
ومردود رابعاً: بأن المسئولية التقصيرية وفقاً لقواعد القانون المدني – وقوامها كل عمل غير مشروع ألحق ضرراً بالغير – هي التي يجوز افتراض الخطأ في بعض صورها. ولا كذلك المسئولية الجنائية، التي لا يجوز أن يكون الدليل عليها منتحلاً، ولا ثبوتها مفترضاً.
ومردود خامساً: بأن رئيس التحرير وقد أذن بالنشر، لا يكون قد أتى عملاً مكوناً لجريمة يكون به فاعلاً مع غيره، ذلك أن الشخص لا يعتبر فاعلاً للجريمة إلا من خلال أعمال باشرها تتصل بها وتعتبر تنفيذاً لها. ولئن جاز القول بأن العلانية في الجريمة التي تضمنها النص المطعون فيه، لا تتم إلا من خلال الأمر بنشر المقال المتضمن قذفاً وسباً في حق الآخرين، إلا أن مسئولية رئيس التحرير جنائياً عن تحقق هذه النتيجة، شرطها اتجاه إرادته لإحداثها، ومدخلها علماً يقينياً بأبعاد هذا المقال.
La faute intentionnelle peut être définie comme le volonté de commettre un acte que l'on sait interdit ou,autrement dit,comme l'intention de violer la loi pénale. Les infractions intentionnelles sont donc pour lesquelles la loi exige que le comportement est pénalment sanctionné, mais que decide néamoins de le commettre.
ولا كذلك النص المطعون فيه، إذ افترض مسئوليته جنائياً بناء على صفته كرئيس تحرير يتولى شئون الجريدة باعتباره مشرفاً عليها فلا يكون مناطها إلا الإهمال في إدارتها، حال أن الإهمال والعمد نقيضان لا يتلاقيان. بل إن رئيس تحرير الجريدة، يظل دون غيره مسئولاً عما ينشر فيها، ولو تتعدد أقسامها، وكان لكل منها محرر يباشر عليها سلطة فعلية.
وحيث إنه متى كان ما تقدم، فإن النص المطعون فيه يكون مخالفاً لأحكام المواد 66 و67 و86 و165 من الدستور.
وحيث إن صور الإعفاء من المسئولية الجنائية لرئيس التحرير – التي قررتها الفقرة الثانية من المادة 195 من قانون العقوبات – لا يتصور تطبيقها إلا إذا كانت هذه المسئولية صحيحة ابتداء وفقاً لأحكام الدستور، فإن إبطال فقرتها الأولى وزوالها، يستتبع سقوط فقرتها الثانية، فلا تقوم لها قائمة.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة: أولاً: بعدم دستورية ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 195 من قانون العقوبات، من معاقبة رئيس تحرير الجريدة – أو المحرر المسئول عن قسمها الذي حصل فيه النشر إذا لم يكن ثمة رئيس تحرير – بصفته فاعلاً أصلياً للجرائم التي ترتكب بوساطة صحيفته.
ثانياً: بسقوط فقرتها الثانية.


– استناداً إلى الحجية المطلقة لهذا الحكم قضت المحكمة – خلال الفقرة التي صدر عنها هذا الجزء من أحكام المحكمة – باعتبار الخصومة منتهية في الدعاوي المماثلة الآتية.
1- الدعوى رقم 38 لسنة 18 دستورية جلسة 5/ 4/ 1997
2- الدعوى رقم 49 لسنة 18 دستورية جلسة 5/ 4/ 1997
3- الدعوى رقم 113 لسنة 18 دستورية جلسة 5/ 4/ 1997
4- الدعوى رقم 115 لسنة 18 دستورية جلسة 7/ 6/ 1997

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات