الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1259 لسنة 31 ق – جلسة 03 /06 /1989 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة أحكام المحكمة الإدارية العليا
السنة الرابعة والثلاثون – الجزء الثاني (من أول مارس سنة 1989 إلى آخر سبتمبر سنة 1989) – صـ 1080


جلسة 3 من يونيو سنة 1989

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ محمد حامد الجمل – نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة/ عبد اللطيف أحمد أبو الخير ويحيى السيد الغطريفي ود. إبراهيم علي حسن وأحمد شمس الدين خفاجي – المستشارين.

الطعن رقم 1259 لسنة 31 القضائية

عاملون مدنيون بالدولة – الأعمال المحظورة عليهم – العمل لدى الغير – المادة من القانون رقم 47 لسنة 1978.
حظر المشرع على العامل أن يؤدي أعمالاً للغير بأجر أو بمكافأة ولو في غير أوقات العمل الرسمية إلا بإذن من السلطة المختصة – ينصرف هذا الحظر لغير الجهة التي يعمل بها العامل سواء جهة حكومية أو هيئة عامة أو شركة قطاع عام أو غيرها من الجهات التي تدخل في إطار الدولة في مفهومها الواسع وهو ما يعني أداء الأعمال لأشخاص القانون الخاص أو لأشخاص أجنبية – تطبيق.


إجراءات الطعن

في يوم السبت الموافق 9 من مارس 1985 أودع الأستاذ/ عادل عبد الرحيم غنيم المستشار بهيئة قضايا الدولة نائباً عن السيد الأستاذ/ رئيس هيئة النيابة الإدارية بصفته قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها تحت رقم 1259 لسنة 31 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا بجلسة 9/ 1/ 1985 في الدعوى التأديبية رقم 156 لسنة 26 القضائية المقامة من النيابة الإدارية ضد/……. و…… و……. و…….، والقاضي ببراءة جميع المحالين.
وقد طلب الطاعن للأسباب الواردة في تقرير الطعن – الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من براءة المطعون ضدهم وتوقيع الجزاء المناسب على كل منهم على المخالفات المنسوبة إليه مع إلزام كل منهم بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً برأيها القانوني ارتأت فيه – للأسباب المبينة به – الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع برفضه.
وقد حدد لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون جلسة 11/ 1/ 1989 وبجلسة 22/ 2/ 1989 قررت تلك الدائرة إحالة الطعن إلى هذه المحكمة، والتي نظرته بجلسة 18/ 3/ 1989 وبها قررت حجز الطعن للحكم بجلسة 24/ 4/ 1989 مع التصريح للنيابة الإدارية بمذكرات ومستندات خلال ثلاثة أسابيع فقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة دفاع خلال الأجل المذكور، وبالجلسة الأخيرة تقرر مد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم 3/ 6/ 1989 لإتمام المداولة حيث صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع المرافعة، والمداولة.
ومن حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الأوراق – في أنه بتاريخ 21/ 2/ 1984 أودعت النيابة الإدارية سكرتارية المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا تقرير اتهام ومذكرة ضد كل من:
1 -………: مدير حسابات إدارة ري غرب الدقهلية سابقاً ومفتش مالي بالمديرية المالية بالدقهلية حالياً. (درجة ثالثة).
2 -………: وكيل حسابات إدارة ري غرب الدقهلية (الدرجة الثالثة).
3 -……..: مدير عام الإدارة العامة لري غرب الدقهلية (مدير عام).
وذلك لأنهم خلال المدة من أكتوبر 1981 وحتى سبتمبر 1982 بإدارة ري غرب الدقهلية خرجوا على مقتضى الواجب ولم يؤدوا العمل المنوط بهم بعدم مراعاة القواعد المالية والأحكام الخاصة بضبط الرقابة على تنفيذ الموازنة العامة بما يمس مصلحة الدولة المالية بأن:
الأول والثاني: أشرا بالموافقة على صرف مبلغ 5500 جنيهاً حوافز للعاملين بالإدارة من المبالغ الواردة عن أعمال قامت بتنفيذها لجهات أخرى بدلاً من إضافتها للإيرادات على الوجه المبين بالأوراق.
الثالث: اعتمد أمر صرف المبالغ المشار إليها بالأوراق رغم مخالفة الصرف لمبدأي الشمول وعمومية الموازنة العامة على النحو الموضح بالأوراق.
وارتأت النيابة الإدارية أن المتهمين المذكورين قد ارتكبوا المخالفات المالية المنصوص عليها بالمواد 67/ 1، – 77/ 1/ 2، 78/ 1 من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 والمعدل بالقانون رقم 115 لسنة 1983، والمادة 9 من القانون رقم 53 لسنة 1973 بشأن الموازنة العامة المعدل بالقانون رقم 11 لسنة 1979، والمادتين 10، 11 من القانون رقم 127 لسنة 1981 المحاسبة الحكومية ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار وزير المالية رقم 181 لسنة 1982 وبكتابيه الدوريين رقمي 95 لسنة 1982، 101 لسنة 1982 الصادرين من وزارة المالية.
وطلبت النيابة الإدارية محاكمة المتهمين المذكورين بالمواد سالفة الذكر، والمواد 80، 82 من قانون العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978، والمادة 14 من القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية والمعدل بالقانون رقم 171 لسنة 1981، والمادتين 15، 19 من القانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة.
وبجلسة 9/ 1/ 1985 حكمت المحكمة ببراءة جميع المحالين وأقامت المحكمة قضاءها على أن النعي بمخالفة مبدأي عمومية وشمول الموازنة العامة غير سديد لأن المناط في الالتزام في هذين المبدأين يتعلق بالإيرادات والنفقات المقدرة في الموازنة العامة بالدولة فإن لم تكن الإيرادات من تلك التي تم تقديرها عند اعتماد الموازنة العامة فلا مجال لإعمال قاعدة عدم تخصيص أنواع من الإيرادات لوجه معين من الإنفاق لأن المال لا يمكن اعتباره إيراد عام واستطردت المحكمة إلى أن الثابت من الأوراق أن مبلغ الخمسة آلاف جنيه التي تم توزيعها كحوافز للعاملين لإدارة ري غرب الدقهلية وجزء من مبالغ أخرى قامت جمعية 15 مايو لتنمية واستصلاح الأراضي – وهي جمعية خاصة – بصرفها مقابل تصحيح وتنفيذ أعمال خاصة لصالح الجمعية بإشراف بعض من انتدبتهم إدارة غرب الدقهلية، فمن ثم فلا تثريب على هذه الإدارة إن قامت بإدراجها في حساب خاص أو حسابات دائنة تمهيداً للصرف منها على العاملين الذين اشتركوا في أعمال الإشراف على التنفيذ، وذلك كما جاء بالحكم الطعين – أن التكييف الصحيح السليم لها لا يعدو أن يكون مجرد أداء لخدمات خاصة للغير بمقابل وأن تسلمهم لهذا المقابل تم بإشراف الجهة التي ينتمون إليها، وأن الأعمال التي قاموا بها تمت تحت بصر وإشراف المختصين بوزارة الري وعلى رأسهم الوزير وهو ما تضمنته القواعد الصادرة منه بتاريخ 28/ 2/ 1978 وما سبقها من منشورات ومنها المنشور السابق عن السيد وكيل وزارة الري بتاريخ 3/ 11/ 1975، ولا ينال من ذلك – كما جاء بالحكم الطعين – ما جاء في الكتاب الدوري رقم 101 لسنة 1982 بحظر صرف مكافآت من مبالغ سبق إضافتها للحسابات الجارية الدائنة بدلاً من إضافتها للإيرادات، ذلك لأن هذا الكتاب صدر في تاريخ لاحق على الواقعة المثارة ومن ثم فإنه يفقد أي أثر في دعم الاتهام.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون – فيما قررته المادة التاسعة من القانون رقم 53 لسنة 1973 بشأن الموازنة العامة للدولة، وما نصت عليه المادة التاسعة من التأشيرات العامة لتنظيم الموازنة العامة لعام 80/ 1981 والمادة العاشرة من القانون 127 لسنة 1981 بشأن المحاسبة الحكومية – وذلك بمخالفة مبدأ عدم تخصيص الموارد للصرف منها على غرض محدد، والفساد في الاستدلال وذلك لما ذهب إليه الحكم الطعين من أن ما قام به المتهمون (المطعون ضدهم) لا يعدوا أن يكون مجرد خدمات خاصة للغير بمقابل وأن تسلمهم لهذا المقابل ثم بإشراف الجهة التي ينتمون إليها وذلك بالتطبيق لنص المادة من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة رقم 47 لسنة 1978.
ومن حيث إنه عن الوجه الثاني للنعي على الحكم فقد جاء سديداً ذلك لأن القانون رقم 47 لسنة 1978 بإصدار قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة ينص على أنه يحظر على العامل:
12 – أن يؤدي أعمالاً للغير بأجر أو مكافأة ولو في غير أوقات العمل الرسمية إلا بإذن من السلطة المختصة ومع ذلك يجوز أن يتولى العامل بأجر أو بمكافأة أعمال القوامة أو الوصاية أو الوكالة عن الغائبين أو المساعدة القضائية إذا كان المشمول بالوصاية أو القوامة أو الغائب أو المعين له مساعد قضائي ممن تربطهم به صلة قربى أو نسب لغاية الدرجة الرابعة.
وأن يتولى أعمال الحراسة على الأموال التي يكون شريكاً أو صاحب مصلحة فيها أو مملوكة لمن تربطهم به صلة قربى أو نسب لغاية الدرجة الرابعة وذلك بشرط إخطار الجهة الرئاسية التابع لها بذلك.
ومن حيث إن إطار تطبيق هذا النص هو أداء أعمال لغير الجهة التي يعمل بها العامل أو جهة أخرى حكومية أو بإحدى الهيئات العامة أو شركات القطاع العام أو غيرها من الجهات التي تدخل في إطار الدولة في مفهومها الواسع، وهو يعني أداء أعمال لأشخاص من القانون الخاص أو لأشخاص أجنبية.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق أن إدارة غرب الدقهلية قبلت القيام بمشروع إنشاء فتحة ري وعمل مجاري الري والصرف الرئيسية اللازمة لري مساحة 6500 فدان لحساب مشروع جمعية 15 مايو لاستصلاح وتنمية الأراضي وتمليكها بالمنصورة بعد تعهد الجمعية بالوفاء بتكاليف المشروع وفقاً لكتابها المؤرخ 16/ 10/ 1979، وأنه وإن كانت هذه الأعمال تدخل في إطار الأعمال الخاصة التي لا تندرج في إطار مسئوليات واختصاصات وزارة الري، فإن قبولها القيام بهذا المشروع لصالح إحدى الجمعيات الخاصة يتصل بأهدافها العامة ومسئولياتها المرفقية عن حسن تنفيذ أعمال الري والصرف بصفة عامة، ومن ثم فإن قيام إدارة ري غرب الدقهلية بتنفيذ هذا المشروع، والتي تولت تنفيذه بالعديد من مهندسيها وعمالها من هذه الإدارة في المعاونة للقطاع الخاص ممثلاً في الجمعية المشار إليها على حسن تنفيذ أعمال الري والصرف وفيما يخرج عن النطاق الرسمي المحدد للأعمال المنوطة بهذه الإدارة والعاملين فيها وبما يحتم لتطبيق نص الفقرة من المادة سالفة الذكر والتي تخص قيام عامل بأعمال للغير بإذن من السلطة المختصة.
ومن حيث إنه عن الوجه الأول للنعي على الحكم وهو مخالفة مبدأ عدم تخصيص موارد معينة للصرف منها على غرض محدد فإنه يجدر بادئ الأمر الإشارة إلى أن المادة العاشرة من القانون رقم 127 لسنة 1981 بشأن المحاسبة الحكومية والتي تلزم ممثلي وزارة المالية والوحدات الحسابية بالامتناع عن التأشير على أي أمر بصرف مبلغ إذا لم يكن هناك اعتماد أصلاً أو إذا طلب الخصم على اعتماد غير مخصص لهذا الغرض – هذا الالتزام لا يخص ممثلي وزارة المالية فيما يتعلق بالنص صراحة على واجبهم وحقهم وسلطتهم في رفض صرف أية مبالغ غير مخصصاً لها أصلاً اعتماد بالموازنة إلا أنه يردد أحكام المبادئ العامة الضابطة للنفقات العامة والموازنة في الدستور وقانون الموازنة العامة وربط الموازنة السنوية عدم تخصيص الإيرادات وتخصيص النفقات العامة والتزام أية جهة تنفيذية بهذه المبادئ الأساسية الضابطة للموازنة العامة وللنفقات العامة وللصرف من الأموال العامة ويؤكد ما سبق به المادة من القانون المذكور والتي لا تجيز صرف أي مبالغ أو تسويتها إلا بعد اعتماد أمر الصرف أو التسوية من رئيس المصلحة بما يفيد أنه يتعين أن يوجد الاعتماد المخصص للصرف بالموازنة العامة وأن يتم الاتفاق على الغرض المخصص له بموافقة السلطة المالية المختصة وإلا كان الصرف مخالفاً للقانون.
ومن حيث إن ما ذهب إليه الحكم الطعين من النظر إلى الإيرادات التي تم تحصيلها من تنفيذ المشروع سالف الذكر باعتبارها من غير الإيرادات التي تم تقديرها عند اعتماد الموازنة العامة مما لا مجال معه لإعمال قاعدة تخصيص أنواع من الإيرادات بذاته لوجه معين من أوجه الإنفاق باعتبار أن هذا المال لا يعتبر إيراد عاماً – هذا النظر غير سديد – وذلك لأن المادة من الدستور حتمت إعداد خطة اجتماعية واقتصادية للدولة يحدد القانون طريقة إعدادها وعرضها على مجلس الشعب الذي يتعين إقراره لها، كم أنه لا تعتبر الموازنة العامة نافذة إلا بموافقة مجلس الشعب بمقتضى المادة من الدستور وهو التصديق على مشروع الموازنة باباً باباً وتصدر بقانون – ويتم إعدادها طبقاً للقانون الخاص بذلك وأوجب المشرع الدستوري موافقة مجلس الشعب على نقل أي مبلغ من باب إلى آخر من أبواب الموازنة العامة كما حتم موافقة المجلس على كل مبلغ غير وارد بها أو زائد على تقديراتها ويتم ذلك بقانون وحيث إنه بهذه النصوص يكون المشرع الدستوري قد قرر صراحة مبدأ عمومية الإيرادات العامة وتخصيص المصروفات، فلا يجوز طبقاً للدستور الصرف إلا من اعتماد مدرج بالموازنة السنوية للدولة ومخصص للجهة الإدارية التي تقوم بالصرف من جهة وللغرض الذي تنفق عليه من جهة أخرى فالصرف أو الإنفاق العام يتحتم أن يتم حسب الدستور والقانون الخاص بالموازنة العامة وقانون الربط السنوي لهذه الموازنة رقم 53 لسنة 1973، رقم 80 لسنة 81 على التوالي في الحالة الماثلة خلال السنة المالية المدرج فيها الاعتماد، وإلى السلطة الإدارية المخصص لها هذا الاعتماد، وفي الغرض الذي خصص له وأدرج لإنفاقه عليه، وطبقاً للإجراءات والأوضاع التي حددها بصفة خاصة القانون رقم 127 لسنة 1981 بشأن المحاسبة الحكومية واللوائح والقرارات التنظيمية العامة الصادرة بشأن الصرف وتنظيمه من اعتمادات الموازنة العامة – وإلا كان الإنفاق والصرف مخالفة مالية وحيث إنه بناء على ذلك – وبصرف النظر عن مدى مطابقة نص المادة التاسعة من القانون رقم 53 لسنة 1973 بشأن الموازنة العامة للدستور فيما أجازته مع باقي مواد هذا القانون من تخصيص موارد محددة لمواجهة استخدام محدد استثناء من أي عموم وشمول وسنوية الموازنة العامة الذي قررته صراحة نصوص الدستور، فإنه يتعين على الأقل أن يتم ذلك في الأحوال الضرورية التي تبرر ذلك وبقرار من السلطة المختصة وليس من سلطة أدنى هذا في حالة التسليم جدلاً بأنه لا مخالفة للدستور فيما ذهب إليه مشروع القانون رقم 53 لسنة 1973 المشار إليه من جواز هذا التخصيص استثناء الإيرادات بقرار جمهوري وما ذهب إليه نص المادة 18 من القانون رقم 127 لسنة 1981 بشأن المحاسبة الحكومية والمعمول به اعتباراً من 31 يونيه 1981 والتي تقضي بأنه "يجوز للجهات الإدارية وبموافقة وزارة المالية فتح حسابات خاصة بالبنك المركزي أو غيره من بنوك القطاع العام لما تتلقاه من تبرعات أو إعانات أو هبات أو منح أو أية موارد أخرى خارج الموازنة العامة ويفرد لكل منها حساب خاص، ويتم الصرف منه في الغرض الذي قدمت من أجله…".
ومن حيث إنه لا شك في أن أداء الجهات العامة لخدمات بمقابل للغير بأجهزتها وأدواتها وهيكلها الفني والإداري يعد مقابلة من الموارد العامة للدولة. إذ المقابل نتاج استثمار أموالها وتنظيمها وجهد العاملين فيها.
ومن حيث إن أمراً من ذلك لم يتم مراعاته بمعرفة المسئولين بإدارة ري غرب الدقهلية ومن ثم فإنه تكون قد أتت تصرفاتهم مخالفة لأحكام الدستور وقانون المحاسبة الحكومية وقانون الموازنة العامة للدولة وقانون ربط الموازنة سنة 80/ 1981 سالفة الذكر.
ومن حيث إن المطعون ضدهم قد استندوا في دفاعهم فيما أتوه من الموافقة واعتماد صرف مبلغ 5500 جنيه كحوافز للعاملين بإدارة ري غرب الدقهلية عن الأعمال التي قامت بتنفيذها لجهات أخرى بدلاً من إضافتها للإيرادات أمام المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا إلى قرار صادر من وزير الري في 15/ 3/ 1978 ينص على أن "يخصص نسبة 10% من قيمة المقايسة التي يعدها مهندس الري لتطهير المساقي والمصارف الخصوصية لحساب الجمعيات التعاونية والمحليات…. ويتم توزيعها على مهندس الري والعاملين معه وأن يكون التوزيع بمعرفة مفتش ري الإقليم…"، كما يستندوا إلى منشور صادر من وكيل أول وزارة الري في 3/ 11/ 1975 والمنظم لتنفيذ إدارات الري لأعمال تسند إليها من مختلف الجهات وقد جاء بالبند خامساً منه: "تخصص الجهة صاحبة المشروع مبلغاً يتفق عليه مع الإدارة لتغطية احتياجات المشروع من أدوات كتابية ومطبوعات والآجر الإضافي ومكافآت العاملين بها". وكذلك إلى موافقة محافظة الدقهلية على أن تتولى إدارة ري غرب الدقهلية القيام بالمشروع وعلى المقابل المخصص للمشروع بما في ذلك المقابل المخصص للعاملين بالمشروع من إدارة الري، إلى تأكيد وكيل أول وزارة الري على العمل بتعليمات الوزارة الخاصة بصرف حوافز ومكافآت للسادة المهندسين والعاملين بالوزارة وذلك نظير قيامهم بتصميم وتنفيذ أعمال تخص الجمعيات أو جهات أخرى والواردة لهم من تلك الجهات كما جاء بكتابه المؤرخ 17/ 4/ 1984 لوكيل وزارة الري بمحافظة الدقهلية.
ومن حيث إن تلك النصوص اللائحية والتعليمات والقواعد التي استند إليها الطاعنون في الموافقة واعتماد صرف مبلغ 5500 جنيه كحوافز للعاملين بإدارة ري غرب الدقهلية تتعارض مع المبادئ الدستورية والقانونية الخاصة بضرورة إدراج أية إيرادات بموارد الجهة الإدارية وإتباع القواعد والإجراءات المحددة في شأنها وفقاً لما نص عليه قانون الموازنة العامة رقم 53 لسنة 1973 وقانون المحاسبة الحكومية رقم 127 لسنة 1981، واستصدار قرارات بتخصيص مثل هذه الموارد للأغراض التي قدمت من أجلها وذلك إذا رؤى مثل هذا التخصيص وإذا ما سلم جدلاً بسلامة ما قرره من جواز هذا التخصيص في قانون الموازنة العامة استثناء من المبدأ الدستوري والمالي الأساسي القاضي بعدم جواز تخصيص الإيرادات العامة وحتمية تخصيص النفقات العامة بالغرض والجهة الإدارية والسنة المالية.
ومن حيث إنه وإن كان العامل ملزماً أساساً باحترام أحكام الدستور وبعدم مخالفة الأحكام المنصوص عليها في القوانين واللوائح المعمول بها وفقاً لنص المادة 27/ 1 من القانون رقم 47 لسنة 1978 بشأن قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة، كما أنه وفقاً لذلك النص في الفقرة الثالثة منه فإن العامل ملزم بعدم مخالفة اللوائح والقوانين الخاصة بالمناقصات والمزايدات والمخازن والمشتريات وكافة القواعد المالية.
ومن حيث إن طبقاً لما تفرضه مقتضيات التنظيم الإداري وتسلسل السلطة الإدارية في الاختصاصات التنظيمية وإعداد اللوائح والتشريعات على السلطات الرئاسية المختصة بما في ذلك الأجهزة القانونية والتشريعية المتخصصة فإن المشرع لم يفرض كقاعدة عامة على الموظف العام أن يبحث في مدى مشروعية أو دستورية القوانين وشرعية النص اللائحي بمعرفة ما إذا كان متوافقاً مع القواعد القانونية من عدمه وذلك ما لم يكن أساساً من مستوى وتخصص يفترض مع توفره الإلمام والدراية والمسئولية عن إبداء الرأي لمن يعلونه في السلطة الرئاسية في أمر مشروعات القوانين واللوائح وذلك على خلاف ما قرره المشرع كقاعدة عامة من واجب الموظف والتزامه ببحث مدى مشروعية الأمر الإداري الفردي الصادر إليه من رئيسه، والذي يتعين عليه أن يعترض كتابة على ما يراه غير مشروع فيه وبحيث يتحمل الرئيس الإداري وحده مسئولية الأمر أو القرار غير اللائحي المخالف للقانون في حالة إصراره على تنفيذ مرؤوسيه له رغم اعتراضه كتابة عليه وذلك طبقاً لما قضت به المادة من نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 سالف الذكر.
ومن حيث إنه بناء على ذلك فإن المشرع لم يفرض على الموظف الإداري والفني الذي لا اختصاص له في وضع أو تعديل النصوص اللائحية والتنظيمية أن يبحث في مدى مشروعية النص اللائحي الصادر من السلطة المختصة والتحري الدقيق عن مدى توافقه مع القواعد الدستورية والقانونية، ومن ثم فإن تنفيذ الموظف بحسن نية لنص لائحي مخالف للقواعد المذكورة التزاماً بنص المادة من قانون نظام العاملين بالدولة – يقوم مانعاً لمسئوليته التأديبية إذا ما تم هذا التنفيذ بصفة خاصة تحت إشراف العاملين بالدولة – يقوم مانعاً لمسئوليته التأديبية عن تنفيذ نص غير صحيح قانوناً إذا ما تم هذا التنفيذ بصفة خاصة تحت إشرافها ومن خلال متابعة السلطات الرئاسية التي يتبعها وبموافقتها ورضاها وذلك لأن صدور ونفاذ مثل هذه النصوص الباطلة لمخالفتها للدستور أو القانون وبقائها في مجال التطبيق يمثل عدواناً على سيادة الدستور والقانون وينطوي وقوعه وأعمال أثره في العمل التنفيذي لفترة من الزمان على خلل في تنظيم المرفق العام وفي إدارته وتسييره وتهاوناً في المتابعة والرقابة عليه وفضلاً عن إهدار الشرعية وسيادة القانون للعامل الفرد غير المتخصص على دفعه أو كشف حقيقته ووقف أثره.
ومن حيث إن المطعون ضدهم وقد وافقوا واعتمدوا صرف مبلغ 5500 جنيه كحوافز للعاملين بإدارة ري غرب الدقهلية، يكونوا قد ارتكبوا مخالفة تأديبية تتمثل في مخالفة المبادئ الأساسية الحاكمة للموارد والنفقات العامة في الدستور وقانوني الموازنة العامة والمحاسبة الحكومية بصفة خاصة إلا أنه لما كان ارتكابهم لمثل هذه المخالفة قد جاء نفاذاً لنص لائحي صادر من وزير الري وبموافقة السلطات الرئاسية لهم واعتمادهم فإن ذلك ينهض مانعاً لمساءلتهم تأديبياً وهو ما يقتضي عدم الحكم بإنزال عقاب تأديبي بهم ويكون الحكم المطعون فيه إذ انتهى إلى القضاء بعدم مجازاتهم قد انتهى إلى ما يجب القضاء به وإن اختلفت أسباب هذا القضاء عن الثابت بأسباب الحكم الماثل.
ومن حيث إن من مقتضى ما تقدم أن الطعن الماثل وما يبتغيه من مساءلة المطعون ضدهم وتوقيع الجزاء المناسب على كل منهم – يكون للأسباب سالفة البيان غير قائم على أساس سليم من القانون متعيناً رفضه.
ومن حيث إن هذا الطعن معفى من الرسوم القضائية باعتباره طعناً في حكم محكمة تأديبية وفقاً لحكم المادة 90 من القانون رقم 47 لسنة 1978 بإصدار قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع برفضه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات