الطعن رقم 3285 لسنة 33 ق – جلسة 13 /05 /1989
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة أحكام
المحكمة الإدارية العليا
السنة الرابعة والثلاثون – الجزء الثاني (من أول مارس سنة 1989 إلى آخر سبتمبر سنة
1989) – صـ 973
جلسة 13 من مايو سنة 1989
برئاسة السيد الأستاذ المستشار محمد حامد الجمل – نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة عبد اللطيف أحمد أبو الخير ود. إبراهيم علي حسن وإسماعيل صديق راشد وأحمد شمس الدين خفاجي – المستشارين.
الطعن رقم 3285 لسنة 33 القضائية
عاملون مدنيون بالدولة – التحقيق – الشروط الواجب توافرها في المحقق
(مرافعات).
القانون رقم 47 لسنة 1978 بإصدار نظام العاملين المدنيين بالدولة.
التحقيق بصفة عامة يعني الفحص والبحث والتقصي الموضوعي المحايد والنزيه لاستجلاء الحقيقة
فيما يتعلق بصحة وقائع محددة ونسبتها إلى أشخاص محددين وذلك لوجه الحق والصدق والعدالة
– لا يتأتى ذلك إلا إذا تجرد المحقق من أية ميول شخصية إزاء من يجرى التحقيق معهم سواء
كانت هذه الميول لجانبهم أو في مواجهتهم – لا ينبغي أن يقل التجرد والحيدة الواجب توافرها
في المحقق عن القدر المتطلب في القاضي – أساس ذلك: أن الحكم في المجال العقابي جنائياً
كان أو تأديبياً إنما يستند إلى أمانة المحقق واستقلاله ونزاهته وحيدته كما يستند إلى
أمانة القاضي ونزاهته وحيدته سواء بسواء – أثر ذلك: تطبيق القواعد والضمانات الواجب
توافرها في شأن صلاحية القاضي على المحقق – تطبيق.
إجراءات الطعن
في يوم السبت الموافق 18 من يوليو سنة 1987 أودع الأستاذ….. بصفته
وكيلاً عن السيد/……. قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها برقم
3285 لسنة 33 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا
بجلسة 17 من يونيو سنة 1987 في الدعوى رقم 47 لسنة 29 القضائية المقامة من النيابة
الإدارية ضد الطاعن والقاضي برفض الدفع وببطلان التحقيقات وعدم قبول الدعوى شكلاً،
وفي الموضوع بمجازاة……. بعقوبة اللوم.
وطلب الطاعن – للأسباب الموضحة بتقرير الطعن – الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع
بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء أصلياً ببطلان إجراءات التحقيق وبعدم قبول الدعوى
واحتياطياً ببراءة الطاعن مما نسب إليه.
وأعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضده على الوجه المبين بالأوراق.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً مسبباً بالرأي القانوني ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن
شكلاً ورفضه موضوعاً.
وعين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون لهذه المحكمة بجلسة 25 من يناير سنة 1989 وبجلسة
22 من يناير سنة 1989 قررت تلك الدائرة إحالة الطعن إلى هذه المحكمة فنظرته بجلسة الثامن
من إبريل سنة 1989، وفيها قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم السبت الموافق 13 من
مايو سنة 1989، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعة، والمداولة.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الأوراق – في أنه بتاريخ 29 من
يناير سنة 1987 أقامت النيابة الإدارية الدعوى التأديبية رقم 47 لسنة 29 القضائية بإيداع
أوراقها قلم كتاب المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا منطوية على تقرير باتهام
السيد/……. مدير عام الإدارة العامة لمشروعات تطوير الري ببني سويف ورئيس لجنة تخطيط
بني سويف الجديدة بشرق النيل لأنه خلال المدة من 25/ 6/ 1983 حتى 3/ 2/ 1985 بدائرة
محافظة بني سويف خرج على مقتضى الواجب الوظيفي ولم يؤد العمل المنوط به بدقة ولم يحافظ
على أموال الجهة التي يتبعها وخالف القواعد المالية وأتي ما من شأنه المساس بمالية
الدولة بأن:
1 – قام بتقديم مذكرات بوصفه رئيساً للجنة تخطيط شرق النيل ببني سويف الجديدة بشأن
صرف المبالغ المالية للمكتب الاستشاري الهندسي (بسمنود) بالمخالفة لشروط التعاقد على
النحو المبين تفصيلاً بالأوراق.
2 – قام بتقديم مذكرة لصرف مبلغ 41123 جنيهاً عند بدء التخطيط التفصيلي للمدينة بينما
المطلوب صرفه وهو مبلغ 24000 جنيهاً فقط وفقاً لشروط التعاقد على النحو المبين تفصيلاً
بالأوراق.
3 – قام بصرف مبلغ 72027 جنيهاً عند البدء في التخطيط العام بشيكات المرافق بينما المطلوب
صرف مبلغ 26000 جنيه فقط على النحو المبين تفصيلاً بالأوراق.
وبناء عليه يكون المذكور قد ارتكب المخالفة المالية المنصوص عليها في المواد 76/ 1
و5، 77/ 1 و2 و3 و4، 78/ 1 من نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم
47 لسنة 1978 والمعدل بالقانون رقم 115 لسنة 1983. وطلبت النيابة الإدارية محاكمته
بالمواد المذكورة وبالمواد المشار إليها بتقرير الاتهام.
وبجلسة 17 من يونيو سنة 1987 أصدرت المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا حكمها
برفض الدفع ببطلان التحقيقات وعدم قبول الدعوى وبقبولها، وفي الموضوع بمجازاة……..
بعقوبة اللوم.
وأقامت المحكمة قضاءها برفض الدفع ببطلان التحقيقات وعدم قبول الدعوى وبرفضها على أنه
وإن كان لا ريب في وجوب توفير الحيدة الكاملة في التحقيق وفقاً للمبادئ العامة، إلا
أن المحال لم يدفع بأنه كان من نتائج عدم حيدة المحقق المقول به إخلال بحق المحال في
إبداء ما يشاء من أقوال وأوجه دفاع أثناء التحقيق أو تقصير المحقق في تحقيق أوجه دفاعه
لهذا السبب. أما في شأن الدعوى القضائية رقم 3031 لسنة 37 القضائية التي أقامها السيد
الأستاذ…….. رئيس النيابة الإدارية المحقق ضد محافظ بني سويف وآخرين وإن كان قد
تدخل فيها السيد/……. المتهم بصفته رئيس نادي المهندسين ببني سويف إلا أنه قد تنازل
عقب ذلك عن تدخله بدلاً منه في الدعوى نقيب المهندسين، مما لا وجه معه للقول بقيام
الخصومة القضائية الشخصية بين المحال ومحقق القضية الماثلة، ومقتضى ما تقدم أنه لا
سند من الواقع والقانون للدفع ببطلان التحقيقات وبعدم قبول الدعوى.
وأقامت المحكمة قضاءها بمجازاة الطاعن بعقوبة اللوم على ما انتهت إليه من براءته من
الاتهام الأول، وثبوت الاتهامين الثاني والثالث في حقه.
الوجه الأول: أخطأ الحكم المطعون فيه إذ قضى برفض الدفع ببطلان إجراءات التحقيق وبعدم
قبول الدعوى على سند من القول بأن المحال لم يقم الدليل على أن إخلالاً بحق الدفاع
قد وقع فضلاً عن أن الخصومة المدعى بقيامها لم تكن شخصية وإنما كانت بين شخصين معنويين،
وهذا الذي ساقه الحكم ليس بصحيح لأن الدعوى التي أقامها السيد المحقق……. وآخر تدخلت
فيها نقابة المهندسين إنما كان تدخلها بصفتها تمثل النقابة الفرعية ببني سويف التي
يرأسها الطاعن وأن هناك من الأوراق ما يشير إلى أن ثمة خصومة شخصية قد قامت بسبب النزاع
محل هذه الدعوى بين المحقق والمحال، وقد تجلى أثر هذه الخصومة الشخصية فيما سجله الحكم
المطعون فيه ذاته من أن الاتهام الأول الذي أسندته النيابة الإدارية إلى المحال لا
سند له من الأوراق.
الوجه الثاني: أخطأ الحكم المطعون فيه إذ قضى بإدانة الطاعن عن المخالفتين الثانية
والثالثة على سند من القول بأنه خالف شروط العقد الصريحة والتي تنص على عدم سداد أية
مستحقات إلا بعد الانتهاء من إعداد الرسومات واعتمادها. وهذا القضاء غير سديد لأنه
لإن كان الأصل هو الاعتداد بإرادة المتعاقدين عند تفسير العقد، إلا أنه من المسلم به
أنه يجوز تعديل العقد بتقابل إرادة المتعاقدين كما وقع في الحالة الماثلة وهو إتباع
من الطرفين للعرف الجاري في تنفيذ مثل هذه العقود ومع ذلك فإن الخلاف في تفسير نص القانون
أن الفعل لا يشكل في ذاته ذنباً إدارياً حسن القصد وواضح وليس هناك ضرر أصاب المصلحة
العامة كالشأن في الحالة الراهنة.
ومن حيث إن أول ما ينعيه الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه قضى برفض الدفع ببطلان إجراءات
التحقيق وبعدم قبول الدعوى التأديبية.
ومن حيث إن من الأصول العامة لشرعية العقاب جنائياً كان أم تأديبياً أن المتهم برئ
حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية تكفل له ضمانات الدفاع عن نفسه، وإن حق الدفاع أصالة
أو بالوكالة مكفول ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضايا أو شئون العدالة (م 67/ 1،
69/ 1، 166 من الدستور) ويترتب على قداسة حق الدفاع الذي هو حق طبيعي لكل إنسان قررته
الشرائع السماوية ومواثيق إعلان حقوق الإنسان كما نص عليه الدستور أن يتعين إجراء التحقيق
المحايد الموضوعي النزيه في كل اتهام ينسب إلى أي إنسان قبل تقديم المتهم إلى المحاكمة
أو توقيع العقوبة التأديبية عليه ولذلك فقد نصت صراحة المادة من نظام العاملين
المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 على أنه لا يجوز توقيع جزاء على
العامل إلا بعد التحقيق معه كتابة وسماع أقواله وتحقيق دفاعه، ولضمان الحيدة والنزاهة
الموضوعية على أكمل وجه قرر المشرع في المادة أن النيابة الإدارية وهي هيئة مستقلة
دون غيرها بإجراء بعض التحقيقات مع بعض فئات العاملين وفي بعض أنواع الجرائم التأديبية
وقضى المشرع ببطلان أي إجراء أو تصرف يخالف ذلك.
ومن حيث إن التحقيق بصفة عامة يعنى الفحص والتقصي الموضوعي والمحايد والنزيه لاستبانة
وجه الحقيقة واستجلاءها فيما يتعلق بصحة حدوث وقائع محدودة ونسبتها إلى أشخاص محددين
وذلك لوجه الحق والصدق والعدالة.
ومن حيث إن استظهار وجه الحقيقة في أمر اتهام موجه إلى إنسان لا يتثنى إلا لمن تجرد
من أية ميول شخصية إزاء من يجرى التحقيق معهم سواء كانت هذه الميول لجانبهم أو كانت
في مواجهتهم إذ أن هذا التجريد هو الذي يحقق الحيدة والنزاهة والموضوعية التي تقود
مسار التحقيق في مجرى غايته الحق والحقيقة والصالح العام، الذي لا يتحقق إلا إذا ثبت
لكل من يمثل للتحقيق من أنه تجرد لوجه الحق والعدل والقانون في حماية ضمير يحكم سلوك
المحقق بأن يكون موجهاً في اتجاه استظهار الحقيقة أياً كان موقعها، لا يبتغي لها وجهة
يرضاها سوى مرضاة الله ملتزماً تطبيق محايد وموضوعي للقانون، ومن أجل ذلك نص قرار رئيس
الجمهورية بالقانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية
في المادة منه على أن "يحلف مدير النيابة الإدارية وجميع الأعضاء المعينين بها
قبل مباشرة أعمالهم يميناً بأن يؤدوا عملهم بالذمة والصدق وذلك انتهاجاً من المشرع
لما تطلبه في شأن القضاة في قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1972
والذي تطلب في المادة منه أنه يؤدي القضاة قبل مباشرة وظائفهم اليمين التي حددها
النص.
ومن حيث إن التجرد الواجب توافره في المحقق بحكم الأصول العامة المنتسبة إلى القواعد
العليا للعدالة لا ينبغي أن يدنو عن القدر المتطلب في القاضي لأن الحكم في المجال العقابي
جنائياً كان أو تأديبياً إنما يستند إلى أمانة المحقق واستقلاله ونزاهته وحيدته كما
يستند إلى أمانة القاضي ونزاهته وحيدته سواء بسواء.
ومن أجل ذلك فإن ذات القواعد والضمانات الأساسية الواجب توافرها في شأن صلاحية القاضي
للفصل في الدعوى هي الواجب توافرها أيضاً في شأن صلاحية المحقق الذي يتولى إجراء التحقيق
لما تقدم من اعتبارات.
ومن حيث إن المادة من قانون المرافعات تنص على أن "يكون القاضي غير صالح لنظر
الدعوى ممنوعاً من سماعها ولو لم يرده أحد الخصوم في الأحوال الآتية:
1 -…… 2 – إذا كان له أو لزوجته خصومة قائمة مع أحد الخصوم في الدعوى أو مع زوجته.
3 – إذا كان وكيلاً لأحد الخصوم في أعماله الخصوصية أو وصياً عليها أو قيماً أو نائباً
عن ورثة له أو كانت له صلة قرابة أو مصاهرة للدرجة الرابعة بوصي أحد الخصوم أو بالقيم
عليه أو بأحد أعضاء مجلس إدارة الشركة المختصة أو بأحد مديريها وكان لهذا العضو أو
المدير مصلحة شخصية في الدعوى….
ومن حيث إن مقتضى هذا النص أن القاضي لا يكون صالحاً لنظر الدعوى إذا كانت له خصومة
قائمة مع أحد الخصوم في الدعوى. وقد توسع المشرع في تحديد مفهوم معنى الخصومة مع أحد
الخصوم في الدعوى، بحيث شملت ما إذا كان القاضي وكيلاً لأحد الخصوم في الدعوى أو قريباً
لأحد ممثلي الشخص الاعتباري في الدعوى التي ينظرها.
ومن حيث إن مقتضى كل ما تقدم وبمراعاة ما قرره المشرع من وجوب اعتبار أن قيام خصومة
بين شخص اعتباري يمثله القاضي وبين شخص اعتباري يمثله أحد الخصوم في الدعوى يعد حائلاً
دون هذا القاضي وصلاحيته لنظر الدعوى، فإنه يتعين أن يطبق ذلك في شأن صلاحية المحقق
لذات الحكمة المقصودة في شأن القاضي على ما تقدم، وأساس ذلك أن القانون يضع قواعده
الأشخاص الطبيعيون لحكم العلاقات بين البشر ولا وجود ولا إرادة ولا حق أو التزام أو
مسئولية إلا بين أفراد من الناس بحكم طبيعة الأشياء ولا وجود لأشخاص اعتبارية بغير
الأشخاص الطبيعيين الذين يشكلونها ولا يغير الأشخاص الطبيعيين الذين يخصصون قانوناً
بإدارة شئونها وتمثيلها أمام القضاء وفي مواجهة الغير، وبالتالي فإن الخصومة بين الأشخاص
المعنوية تكون في حقيقتها بين الأشخاص الذين يشكل منهم ولصالحهم هذه الأشخاص المعنوية
والذين يتولون أمر إدارتها وتمثيلها أمام القضاء وفي مواجهة الغير.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على أوراق الدعوى التأديبية الصادر فيها الحكم المطعون
فيه أن السيد/…….. رئيس النيابة الإدارية الذي قام بالتحقيق مع الطاعن – قد أقام
مع آخر الدعوى رقم 3031 لسنة 37 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري ضد محافظ بني سويف
وآخرين بطلب إلغاء قرار المحافظ الصادر بتخصيص قطعة أرض من نادي بني سويف الرياضي لنقابة
المهندسين ببني سويف وقد تدخل في الدعوى أمام المحكمة السيد/……. (الطاعن) بوصفه
رئيس نادي المهندسين ببني سويف. وفي جلسة لاحقة تدخل في الدعوى السيد المهندس نقيب
المهندسين وتنازل عن التدخل السيد/…….. (الطاعن) بعد سابقة تدخله وقد ورد بصحيفة
الدعوى المقامة من رئيس النيابة المحقق هجوماً على مجلس محلي مدينة بني سويف الذي يرأسه
الطاعن – إلى جانب توليه الرئاسة للنقابة الفرعية للمهندسين ببني سويف ومن حيث إنه
يبين كذلك من الأوراق أن السيد رئيس النيابة المحقق قد تقدم بشكوى ضد نقابة بني سويف
الفرعية للمهندسين والتي يمثلها الطاعن للنيابة العامة قيدت برقم 2812 لسنة 1983 إداري
بني سويف وانتهت النيابة العامة التي حفظها إدارياً. ويبين أيضاً من الأوراق أن الطاعن
بصفته رئيساً لنادي المهندسين ببني سويف قام بتوجيه إنذار على يد محضر للسيد مدير عام
المساحة ببني سويف ينبه عليه بعدم القيام برفع قطعة الأرض المتنازع عليها لصالح نادي
بني سويف الرياضي والذي يمثله رئيس النيابة المحقق، وقد قامت جهة الإدارة بتاريخ 22/
8/ 1983 بتسليم الطاعن بصفته الأرض المتنازع عليها.
ومن حيث إن مؤدى ما تقدم أنه قد سبق قيام نزاع جدي أمام عدة هيئات قضائية مثل فيه كل
من المحقق والطاعن طرفاً من أطراف الخصومة فيه، وأن هذا النزاع وإن كان بين شخصين معنويين
من حيث الصفة القانونية إلا أن أي نزاع يكون أحد طرفيه شخصاً معنوياً إنما يكون قائماً
في الحقيقة بحسب طبائع الأشياء كما سلف البيان مع ممثل أو ممثلي هذا الشخص المعنوي
وبين الأشخاص المعنيين الذين يصبحون أعضاء في كيانه القانوني من حيث الخصومة فيه على
أرض النزاع بين القائم أو القائمين على أمر الشخص المعنوي، لأن الشخصية الاعتبارية
هي افتراض قانوني لشخص قانوني يعبر عنه أشخاص طبيعيون، هم الذين يعايشون الخصومة القضائية
ويتأثرون بها لأن الإنسان هو الذي يشعر ويغضب ويحقد ويتنازع مع غيره ولذلك فهو الذي
ينسب إليه الانحياز والتأثر في الحقيقة بالنزاع القضائي والخصومة القضائية، ومن ثم
فهو الذي يجب أن يتنحى وينحي حماية للعدالة والإنصاف من أن يكون خصماً وحكماً في أية
صورة من
الصور.
ومن حيث إن النيابة الإدارية هيئة قضائية ومن ثم فإن أعضاؤها ينبغي أن يكونوا القدوة
لسائر المحققين الإداريين في الترفع عن الجلوس على مقعد التحقيق أمام متهم جمعته بالمحقق
خصومة سابقة لأن في ذلك ليس فقط تنزيهاً لعضو النيابة الإدارية كعضو في هيئة قضائية
عن الخروج على مقتضى الحياد والواجب القانوني في مباشرة اختصاصاته وسلطاته في التحقيق
في المسئوليات التأديبية للعاملين وعدم تقيد عضو النيابة الإدارية بهذا التجرد يتضمن
بلا شك إخلالاً بالثقة الواجب توافرها بصفة حتمية وفي كل الأحوال في المحقق باعتباره
قاضي الاتهام، فإذا ما أغفل المحقق الالتزام بذلك، فإنه يكون قد فقد صفة جوهرية يترتب
على فقدها عدم صلاحيته لمباشرة التحقيق فإذا ما باشر المحقق التحقيق رغم ذلك كان التحقيق
باطلاً بقوة القانون بطلاناً من النظام العام لعدم صلاحية المحقق ولا يحول دون تحقق
البطلان القول بأن ضمانات التحقيق لم تهدر لأن الأمر لا يتعلق بمدى توافر ضمانات التحقيق
في حالة محددة بعينها فقط وإنما يتعلق بالنظام العام القضائي والأسس العامة لتحقيق
العدالة وبمدى توافر الصفة الواجب تحققها في شخص المحقق والهيئة القضائية التي ينتمي
إليها والتي قرر لها الدستور والقانون الاستقلال وضمانات الحياد والتي يحملها المحقق
معه بأن آمن من احتمال الخروج على الحيدة الواجبة والنزاهة المتطلبة من جانب من يقوم
لصالح العدالة بمهمة قاضي التحقيق والاتهام والذي يمثل بين يديه.
ومن حيث إن رئيس النيابة الذي قام بالتحقيق مع الطاعن في الطعن الماثل قد جمعته بالطاعنة
خصومة قضائية ثابتة على نحو ما تقدم ومن ثم لم يكن المحقق صالحاً للتحقيق مع الطاعن
وبالتالي فقد أضحى التحقيق الذي أجراه باطلاً الأمر الذي رتب بطلان الحكم التأديبي
المبنى عليه.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد ذهب خلاف هذا المذهب دون سند من القانون وبالمخالفة
للمبادئ والأسس العامة الحاكمة للنظام العام القضائي والمرتبطة جوهرياً بتحقيق العدالة
ومن ثم فإنه يكون قد صدر باطلاً ومخالفاً للقانون وواجب الإلغاء، وجهة الإدارة وشأنها
فيما يتعلق بمتابعة المسئولية التأديبية للطاعن بناء على تحقيق لا يشوبه البطلان.
ومن حيث إن من خسر الدعوى يلزم بمصروفاتها تطبيقاً للمادة مرافعات، إلا أن هذا
الطعن معفى من الرسوم القضائية بصريح نص المادة من قانون نظام العاملين المدنيين
بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار.
