الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 22 لسنة 18 قضائية “دستورية”لم يتم التعرف على تاريخ الجلسة

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الثامن
من أول يوليو 1996 حتى آخر يونيو 1998 – صـ 195

جلسة 30 نوفمبر 1996

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر -رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد علي سيف الدين وعدلي محمود منصور وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي علي جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 22 لسنة 18 قضائية "دستورية"

1- دعوى دستورية "تعديل الطلبات"
للخصوم – وإلى ما قبل باب المرافعة – أن يعدلوا طلباتهم فلا يبقى ماثلاً منها إلا ما يكون محدداً لصورتها النهائية.
2- رسوم قضائية "تحصيلها"
الرسوم القضائية تفترض لجواز تحصيلها من المكلفين بها أن يكون المشرع قد فرضها وفقاً لأحكام الدستور – النصوص القانونية المنشئة لها هي وحدها التي يتصور النعي عليها بمخالفتها للدستور – من غير المتصور أن تكون واقعة تحصيل الرسوم القضائية في ذاتها محل طعن بعدم الدستورية.
3- دعوى دستورية "الحكم فيها: حجيته المطلقة – أثرها" – تشريع "الفقرة الثانية من المادة 14 من قانون الرسوم القضائية"
الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 27 لسنة 16 قضائية والذي خلص إلى عدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 14 من قانون الرسوم القضائية – قبل تعديلها بالقانون رقم 7 لسنة 1995- يعتبر قولاً فصلاً لا يقبل تعقيباً أو تأويلاً من أية جهة – طلب الحكم بعدم دستورية النص المشار إليه ذاته في دعوى لاحقة يكون لغواً.
4- دعوى دستورية "الحكم فيها: حجيته"
الأحكام التي تصدرها المحكمة الدستورية العليا لا تنحصر حجيتها في خصوم الدعوى الدستورية، بل تمتد إلى الدولة بكل أفرعها وإلى الناس كافة دون تمييز.
5- تشريع "المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا" – دعوى دستورية "الحكم فيها: أثره"
ما قصد إليه هذا القانون بنص المادة 49، لا يعدو تجريد النصوص القانونية التي قضى بعدم دستوريتها من قوة نفاذها، فلا يقوم من بعد ثمة مجال لتطبيقها.
6- دعوى دستورية "حكم: أثره الرجعي"
انسحاب قضاء المحكمة الدستورية العليا بإبطال النص التشريعي المطعون فيه إلى الأوضاع والعلائق السابقة عليه والتي مسها هذا النص مؤثراً في بنيانها – إعادتها – من ثم – إلى الحالة التي كانت عليها قبل سريان النص الباطل في شأنها.
7- دعوى دستورية "حكم: أثره الرجعي" – رقابة قضائية
لا مجافاة في تقرير الأثر الرجعي للحكم الصادر في المسائل الدستورية لقواعد الرقابة القضائية على الشرعية الدستورية – إبطال المحكمة الدستورية العليا النصوص القانونية المخالفة للدستور، يعتبر تقريراً لزوالها نافياً وجودها منذ ميلادها.
8- دعوى دستورية "حكم: أثره الرجعي"
مؤدى القول بأن النص الباطل لا يكون منعدماً إلا اعتباراً من اليوم التالي لنشر الحكم الصادر بعدم دستوريته، أن يكون التقاضي جهداً ضائعاً – وأن للنص القانوني الواحد مجالين زمنيين يكون صحيحاً في أحدهما وباطلاً في ثانيهما – حال أن بطلان النصوص القانونية لا يتجزأ والساقط لا يعود أبداً.
9- تشريع "المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا – نصوص عقابية"
ما نصت عليه هذه المادة من أنه إذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقاً بنص جنائي، فإن أحكام الإدانة الصادرة استناداً إليه تعتبر كأن لم تكن، يعتبر رجعية كاملة لا قيد عليها ولا عاصم منها.
10- دعوى دستورية "حكم: أثره الرجعي: عدم سريانه"
انسحاب قضاء المحكمة الدستورية العليا بإبطال نص غير جنائي، إلى الأوضاع والعلائق التي أتصل بها حتى ما كان منها سابقاً على نشره – عدم سريان الأثر الرجعي على الحقوق والمراكز التي استقر أمرها بناءً على حكم قضائي بات.
11- دعوى دستورية: "حكم: إعمال أثره"
محكمة الموضوع دون غيرها هي التي تتولى إعمال آثار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية ويندرج تحتها رجعيتها.
12- دعوى دستورية "حكم فيها: حجية – عدم قبول الدعوى"
رفع دعوى لاحقة بعدم دستورية نص قانوني بعد نشر الحكم الصادر بعدم دستوريته، مؤداه: عدم قبول الدعوى.
1- من المقرر أن نزول أحد الخصوم عن بعض طلباته، يعتبر تعديلاً لها، وليس تركاً للخصومة، إذ يفترض تركها التخلي عنها برمتها دون حكم في موضوعها بما مؤداه إلغاء إجراءاتها بتمامها وزوال كل الآثار المترتبة على قيامها، ليعود الخصوم إلى الحالة التي كانوا عليها قبل بدئها، فلا يكون لطلباتهم ودفوعهم من أثر؛ وكان من المقرر كذلك أن للخصوم – وإلى ما قبل قفل باب المرافعة في الدعوى – أن يعدلوا طلباتهم، فلا يبقى ماثلاً منها إلا ما يكون محدداً لصورتها النهائية.
2- الرسوم القضائية التي تقتضيها الدولة ممن حملهم المشرع بها، تفترض لجواز تحصيلها أن يكون المشرع قد فرضها وفقاً لأحكام الدستور، ليكون اقتضاؤها دائراً معها وجوداً وعدماً. فإذا ثار نزاع حول دستوريتها – وسواء تعلق بأصل الحق فيها أو بمبلغها – فإن النصوص القانونية التي أنشأتها وحددتها، هي وحدها التي يتصور النعي عليها بمخالفتها للدستور، فلا تدور الخصومة الدستورية إلا حولها، وبها يتحدد موضوعها. بما مؤداه انفصالها عن التدابير التي قد تتخذها جهة إدارية في مجال تطبيقها لهذه النصوص، وكذلك عن الأحكام التي تصدر عن هيئة قضائية إعمالاً لها، ذلك أن المسائل الدستورية التي يطرحها خصم على المحكمة الدستورية العليا، ينبغي أن تتعلق بنصوص قانونية تتولى هذه المحكمة دون غيرها الفصل في صحتها أو بطلانها وفق أحكام الدستور، استصحاباً للطبيعة العينية للخصومة الدستورية وتوكيداً لها. ولا يتصور بالتالي أن تكون واقعة تحصيل الرسوم القضائية – في ذاتها – محل طعن بعدم دستوريتها، إذ هي واقعة مادية يستحيل إدراجها في إطار الأعمال القانونية التي تصدر عن السلطتين التشريعية أو التنفيذية في مجال إقرار النصوص التشريعية أو إصدارها.
3- قضاء هذه المحكمة الصادر بتاريخ 15 أبريل 1995 في القضية رقم 27 لسنة 16 قضائية "دستورية" كان قد خلص إلى عدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 14 من قانون الرسوم القضائية تأسيساً على أن لمصاريف الدعوى أصلاً يحكمها ويهيمن عليها يتحصل في ألا يحكم بها – سواء بأكملها أو في جزء منها – إلا على الخصم الذي خسر الدعوى – سواء بتمامها أو في بعض جوانبها – وأن اقتضاء أقلام الكتاب لها من غير المحكوم عليهم بها، لا يعدو أن يكون تعديلاً من جانبها للآثار التي يرتبها الحكم القضائي – ولو لم يكن نهائياً، وعدواناً على ولاية السلطة القضائية واستقلالها، وتعطيلاً لدورها في مجال صون الحقوق والحريات على اختلافها، وعقاباً من خلال جزاء مالي لغير خطأ، والتزاماً ذا قيمة سلبية واقعاً عبؤه على غير المدين، ومجرداً ذمته المالية من بعض عناصرها الإيجابية باقتطاعها بالمخالفة لنصوص الدستور التي تمد حمايتها إلى الأموال جميعها، باعتبار أن المال هو الحق ذو القيمة المالية – سواء أكان حقاً شخصياً أم عينياً أم كان من حقوق الملكية الأدبية أو الفنية أو الصناعية – بما مؤداه امتناع التمييز بين الحقوق الشخصية والحقوق العينية في مجال صونها من العدوان، بما يردع مغتصبيها، ويحول دون اغتيالها أو تقويضها.
متى كان ذلك، وكان الحكم الصادر عن هذه المحكمة في القضية رقم 27 لسنة 16 قضائية المشار إليها، قد نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 27 من أبريل 1995؛ وكان هذه الحكم يعتبر قولاً فصلاً لا يقبل تعقيباً ولا تأويلاً من أية جهة – أياً كان موقعها – فإن طلب الحكم بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 14 من قانون الرسوم القضائية – قبل تعديلها بالقانون رقم 7 لسنة 1995 – يكون لغواً؛ إذ لا يتصور أن يرد حكمان بعدم الدستورية على محل واحد.
4- الأحكام التي تصدرها هذه المحكمة في المسائل الدستورية، لا تنحصر حجيتها في خصوم الدعوى الدستورية، بل تمتد إلى الدولة بكل أفرعها وتنظيماتها، وتقيد – إلى جانبها – الناس أجمعين باعتبارها تطبيقاً أميناً للدستور، ونزولاً على قواعده الآمرة التي تعلو غيرها من القواعد القانونية حتى ما كان منها واقعاً في دائرة النظام العام، بما مؤداه سريان الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية قبلهم جميعاً، فلا يملكون لها تبديلاًً، ولا يستطيعون عنها حولاً، ليكون الاحتجاج بها – تنفيذاً لمضمونها – حقاً لكل من يلوذ بها، ولو لم يكن طرفاً في الخصومة الدستورية.
وليس ذلك إلا تقيداً بقضاء المحكمة الدستورية العليا، والتزاماً بأبعاده، من خلال إعمال أثره على الناس كافة دون تمييز، وبإخضاع الدولة لمضمونه دون قيد.
5- ما نصت عليه المادة 49 من قانون هذه المحكمة من أن النصوص القانونية المحكوم بعدم دستوريتها، لا يجوز تطبيقها اعتباراً من اليوم التالي لنشر الأحكام الصادرة بشأنها في الجريدة الرسمية، لا يعني أن لهذه الأحكام أثراً مباشراً لا تتعداه، وأنها بذلك لا ترتد إلى الأوضاع والعلائق السابقة عليها، ذلك أن كل ما قصد إليه هذا القانون بنص المادة 49 المشار إليها، لا يعدو تجريد النصوص القانونية التي قضى بعدم دستوريتها من قوة نفاذها التي صاحبتها عند إقرارها أو إصدارها، لتفقد بالتالي خاصية الإلزام التي تتسم بها القواعد القانونية جميعها، فلا يقوم من بعد ثمة مجال لتطبيقها.
6- 7- الآثار التي ترتبها الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية، لا يمكن فصلها عن الأوضاع والعلائق السابقة عليها بعد أن مسها النص المطعون فيه مؤثراً في بنيانها. ومن ثم كان تصويبها من خلال الدعوى الدستورية لازماً لرد الأضرار التي لحقتها أو التي تتهددها. ويقتضي ذلك بالضرورة أن يكون قضاء المحكمة الدستورية العليا بإبطال النص المطعون فيه، منسحباً إليها، ليعيدها إلى الحالة التي كانت عليها قبل سريان النص الباطل في شأنها.
ولا مجافاة في ذلك لقواعد الرقابة القضائية على الشرعية الدستورية، ولا لمقاصد الدستور، ذلك أن مباشرة هذه المحكمة لتلك الرقابة، غايتها تقرير اتفاق النصوص القانونية المطعون عليها مع الدستور أو مجاوزتها للضوابط التي فرضها. وتقييمها لهذه النصوص لا ينفصل عما يكون قد اعتراها من عوار عند إقرارها أو إصدارها، فلا تكون عيوبها أمراً طارئاً عارضاً علتها، بل كامناً فيها، ولصيقاً بها منذ ميلادها، ومتصلاً بها – لزوماً -اتصال قرار بما يشوهها – وكشفها عن عيوبها هذه ليس إلا إعلاناً عن حقيقتها، وإثباتاً لها. ولا يتصور بالتالي أن تضيفها إليها، ولا أن تكون من خلقها أو تصورها، ولا أن تقحمها على نصوص قانونية خلت منها، بل هي تجليها، محددة من خلال حكمها – وعلى ضوء أحكام الدستور – القاعدة القانونية التي يجب تطبيقها في النزاع الموضوعي، وهي بعد قاعدة ينبغي إعمالها بافتراض أن النص الباطل منعدم ابتداءً لا انتهاءً، فلا يكون قابلاً للتطبيق أصلاً منذ أن نشأ معيباً.
ذلك أن إبطال هذه المحكمة للنصوص القانونية المخالفة للدستور، يعتبر تقريراً لزوالها نافياً وجودها منذ ميلادها. وقضاؤها بصحتها، يؤكد استمرار نفاذها تبعاً لخلوها من كل عوار يدينها.
وليس مفهوماً أن تكون واقعة نشر الأحكام الصادرة بعدم دستورية بعض النصوص القانونية – في ذاتها – حداً زمنياً فاصلاً بين صحتها وبطلانها، فلا يكون النص الباطل منعدماً إلا اعتباراً من اليوم التالي لهذا النشر.
والقول بذلك مؤداه أن يكون التقاضي جهداً ضائعاً وعملاً عبثيا، وأن للنص القانوني الواحد مجالين زمنيين، يكون صحيحاً في أحدهما، وباطلاً في ثانيهما، حال أن بطلان النصوص القانونية لا يتجزأ، ويستحيل أن ينقلب العدم وجوداً، ولا أن يكون مداه متفاوتاً أو متدرجاً، فالساقط لا يعود أبداً.
9- 10- إن قانون المحكمة الدستورية العليا – ضماناً لصون الحرية الشخصية التي كفلها الدستور واعتبرها من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز الإخلال بها عدواناً – قد نص في المادة 49 منه، على أنه إذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقاً بنص جنائي، فإن أحكام الإدانة الصادرة استناداً إليه، تعتبر كأن لم تكن، وهو ما يعني سقوطها بكل آثارها، ولو صار الطعن فيها ممتنعاً، لتفارقها قوة الأمر المقضي التي قارنتها.
وتلك هي الرجعية الكاملة التي أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية. وهي بعد رجعية لا قيد عليها ولا عاصم منها، بل يكون أثرها جارفاً لكل عائق على خلافها، ولو كان حكماً باتاً.
فإذا كان قضاء المحكمة مبطلاً لنص غير جنائي، فإن أثره الرجعي يظل جارياً، ومنسحباً إلى الأوضاع والعلائق التي اتصل بها مؤثراً فيها، حتى ما كان منها سابقاً على نشره في الجريدة الرسمية، ما لم تكن الحقوق والمراكز التي ترتبط بها قد استقر أمرها بناءً على حكم قضائي توافر فيه شرطان: أولهما: أن يكون باتاً وذلك باستنفاده لطرق الطعن جميعها: ثانيهما: أن يكون صادراً قبل قضاء المحكمة الدستورية العليا، ومحمولاً على النصوص القانونية عينها التي قضى ببطلانها.
11- 12- من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا – أن محكمة الموضوع دون غيرها هي التي تتولى بنفسها إعمال آثار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية، ويندرج تحتها رجعيتها محددة نطاقاً على النحو المتقدم، فإن دعوة المحكمة الدستورية العليا إلى إعمال الأثر الرجعي للحكم الصادر عنها في القضية رقم 27 لسنة 16 قضائية "دستورية" تجاوز حدود ولايتها. وإذ نشر حكمها في هذه القضية، قبل رفع الدعوى الماثلة، فإن الحكم بعدم قبولها يكون لازماً.


الإجراءات

بتاريخ 12 مارس سنة 1996، أودعت الشركة المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبة الحكم أصلياً بعدم دستورية جميع مطالبات أقلام الكتاب المستندة إلى المادة 14 من القانون رقم 90 لسنة 1944 في شأن الرسوم القضائية ورسوم التوثيق في المواد المدنية، وذلك إعمالاً لحكم المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 27 لسنة 16 قضائية "دستورية" واحتياطياً، الحكم بعدم دستورية المادة 14 من القانون رقم 90 لسنة 1944 المشار إليه.
قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم بعدم قبول الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن الشركة الهندسية لخدمات التشييد، كانت قد أقامت عدداً من الدعاوى قضى فيها جميعها لصالحها مع إلزام خصومها بمصروفاتها، إلا أن أقلام الكتاب المختصة حملتها هي برسومها إعمالاً من جانبها للفقرة الثانية من المادة 14 من القانون رقم 90 لسنة 1944 بالرسوم القضائية ورسوم التوثيق في المواد المدنية – قبل تعديلها بالقانون رقم 7 لسنة 1995- التي تخولها – إذا صار الحكم انتهائياً – تحصيل الرسوم المستحقة من المحكوم عليه.
ولضمان اقتضاء هذه الأقلام للرسوم القضائية التي طلبتها منها، أوقعت حجزاً على منقولات للغير كانت في حيازتها، مما حمل أصحابها على طلب استردادها، فأقاموا لذلك الدعوى رقم 220 لسنة 1995 أمام محكمة عابدين الجزئية.
وأثناء نظر هذه الدعوى – دفعت الشركة الهندسية لخدمات التشييد – وباعتبارها أحد الخصوم المدعى عليها فيها – بعدم دستورية المادة 14 من القانون رقم 90 لسنة 1944 المشار إليه. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية الدفع بعدم الدستورية، فقد صرحت برفع الدعوى الدستورية، فأقامت المدعية دعواها الماثلة.
وحيث إن المدعية بعد أن تقدمت في الدعوى الراهنة بطلبين أحدهما أصلي وثانيهما احتياطي، نزلت – وقبل قفل باب المرافعة – عن طلبها الأصلي ممثلاً في الحكم بعدم دستورية مطالبات أقلام الكتاب لها بالرسوم القضائية المحكوم بها على خصومها في الدعاوى التي أقامتها ضدهم، والتي تستند هذه الأقلام في تحصيلها منها إلى الفقرة الثانية من المادة 14 من القانون رقم 90 لسنة 1944 بالرسوم القضائية ورسوم التوثيق في المواد المدنية – قبل تعديلها بالقانون رقم 7 لسنة 1995.
وحيث إن من المقرر أن نزول أحد الخصوم عن بعض طلباته، يعتبر تعديلاً لها، وليس تركاً للخصومة، إذ يفترض تركها التخلي عنها برمتها دون حكم في موضوعها، بما مؤداه إلغاء إجراءاتها بتمامها وزوال كل الآثار المترتبة على قيامها، ليعود الخصوم إلى الحالة التي كانوا عليها قبل بدئها، فلا يكون لطلباتهم ودفوعهم من أثر. وكان من المقرر كذلك أن للخصوم – وإلى ما قبل قفل باب المرافعة في الدعوى – أن يعدلوا طلباتهم، فلا يبقى ماثلاً منها إلا ما يكون محدداً لصورتها النهائية. متى كان ذلك، فإن الطلب الاحتياطي للمدعية، يكون وحده كاشفاً عن نطاق الخصومة الماثلة، وبه يتحدد موضوعها.
وحيث إن المدعية قررت في مذكرتها بتاريخ 16/ 11/ 1996 أن الأصل في الأحكام الصادرة بعدم الدستورية أن يكون لها أثر رجعي، ترتيباً على طبيعتها الكاشفة. ومن ثم لا تثريب على المحكمة الدستورية العليا إن هي أعملت الأثر الرجعي لحكمها الصادر في الدعوى رقم 27 لسنة 16 قضائية، ذلك إن هذا الأثر لا تقيده إلا الأحكام القضائية التي لا تندرج تحتها أوامر تقدير الرسوم القضائية الصادرة ضدها.
وحيث إن الرسوم الأولى من المادة 14 من القانون رقم 90 لسنة 1944 المشار إليه، تقضي بأن يلزم المدعي بأداء الرسوم القضائية، كما يلزم بدفع الباقي منها عقب صدور الحكم ولو استؤنف. وتنص فقرتها الثانية على أنه: [ومع ذلك إذا صار الحكم نهائياً، جاز لقلم الكتاب تحصيل الرسوم المستحقة من المحكوم عليه].
وحيث إن الرسوم القضائية التي تقتضيها الدولة ممن حملهم المشرع بها، تفترض لجواز تحصيلها أن يكون المشرع قد فرضها وفقاً لأحكام الدستور، ليكون اقتضاؤها دائراً معها وجوداً وعدماً. فإذا ثار نزاع حول دستوريتها – وسواء تعلق بأصل الحق فيها أو بمبلغها – فإن النصوص القانونية التي أنشأتها وحددتها، هي وحدها التي يتصور النعي عليها بمخالفتها للدستور، فلا تدور الخصومة الدستورية إلا حولها، وبها يتحدد موضوعها. بما مؤداه انفصالها عن التدابير التي قد تتخذها جهة إدارية في مجال تطبيقها لهذه النصوص، وكذلك عن الأحكام التي تصدر عن هيئة قضائية إعمالاً لها، ذلك أن المسائل الدستورية التي يطرحها خصم على المحكمة الدستورية العليا، ينبغي أن تتعلق بنصوص قانونية تتولى هذه المحكمة دون غيرها الفصل في صحتها أو بطلانها وفق أحكام الدستور، استصحاباً للطبيعة العينية للخصومة الدستورية وتوكيداً لها. ولا يتصور بالتالي أن تكون واقعة تحصيل الرسوم القضائية – في ذاتها – محل طعن بعدم دستوريتها، إذ هي واقعة مادية يستحيل إدراجها في إطار الأعمال القانونية التي تصدر عن السلطتين التشريعية أو التنفيذية في مجال إقرار النصوص التشريعية أو إصدارها.
وحيث إن الطلب الاحتياطي للمدعية – وقد صار بعد نزولها عن طلبها الأصلي – طلباً وحيداً، يتغبا الحكم بعدم دستورية نص الفقرة الثانية من المادة 14 من قانون الرسوم القضائية – قبل تعديلها بالقانون رقم 7 لسنة 1995- تأسيساً على ارتكان أقلام الكتاب إليها في مطالبتها بالرسوم القضائية المحكوم بها على خصومها.
وحيث إن قضاء هذه المحكمة الصادر بتاريخ 15 أبريل 1995 في القضية رقم 27 لسنة 16 قضائية "دستورية" كان قد خلص إلى عدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 14 من قانون الرسوم القضائية، تأسيساً على أن لمصاريف الدعوى أصلاً يحكمها ويهيمن عليها يتحصل في ألا يحكم بها – سواء بأكملها أو في جزء منها – إلا على الخصم الذي خسر الدعوى – سواء بتمامها أو في بعض جوانبها – وأن اقتضاء أقلام الكتاب لها من غير المحكوم عليهم بها، لا يعدو أن يكون تعديلاً من جانبها للآثار التي يرتبها الحكم القضائي – ولو لم يكن نهائياً، وعدواناً على ولاية السلطة القضائية واستقلالها، وتعطيلاً لدورها في مجال صون الحقوق والحريات على اختلافها، وعقاباً من خلال جزاء مالي لغير خطأ، والتزاماً ذا قيمة سلبية، واقعاً عبؤه على غير المدين، ومجرداً ذمته المالية من بعض عناصرها الإيجابية باقتطاعها بالمخالفة لنصوص الدستور التي تمد حمايتها إلى الأموال جميعها، باعتبار أن المال هو الحق ذو القيمة المالية – سواء أكان حقاً شخصياً أم عينياً أم كان من حقوق الملكية الأدبية أو الفنية أو الصناعية – بما مؤداه امتناع التمييز بين الحقوق الشخصية والحقوق العينية في مجال صونها من العدوان، بما يردع مغتصبيها، ويحول دون اغتيالها أو تقويضها.
وحيث إن الحكم الصادر عن هذه المحكمة في القضية رقم 27 لسنة 16 قضائية المشار إليها، قد نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 27 من أبريل 1995؛ وكان هذه الحكم يعتبر قولاً فصلاً لا يقبل تعقيباً ولا تأويلاً من أية جهة – أياً كان موقعها – فإن طلب الحكم بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 14 من قانون الرسوم القضائية – قبل تعديلها بالقانون رقم 7 لسنة 1995 – يكون لغواً إذ لا يتصور أن يرد حكمان بعدم الدستورية على محل واحد.
حيث إن الأحكام التي تصدرها هذه المحكمة في المسائل الدستورية، لا تنحصر حجيتها في خصوم الدعوى الدستورية، بل تمتد إلى الدولة بكل أفرعها وتنظيماتها، وتقيد – إلى جانبها – الناس أجمعين باعتبارها تطبيقاً أميناً للدستور، ونزولاً على قواعده الآمرة التي تعلو غيرها من القواعد القانونية حتى ما كان منها واقعاً في دائرة النظام العام، بما مؤداه سريان الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية قبلهم جميعاً، فلا يملكون لها تبديلاً، ولا يستطيعون عنها حولاً، ليكون الاحتجاج بها – تنفيذاً لمضمونها – حقاً لكل من يلوذ بها، ولو لم يكن طرفاً في الخصومة الدستورية.
وليس ذلك إلا تقيداً بقضاء المحكمة الدستورية العليا، والتزاماً بأبعاده، من خلال إعمال أثره على الناس كافة دون تمييز، وبإخضاع الدولة لمضمونه دون قيد.
وحيث إن ما نصت عليه المادة 49 من قانون هذه المحكمة من أن النصوص القانونية المحكوم بعدم دستوريتها، لا يجوز تطبيقها اعتباراً من اليوم التالي لنشر الأحكام الصادرة بشأنها في الجريدة الرسمية، لا يعني أن لهذه الأحكام أثراً مباشراً لا تتعداه، وأنها بذلك لا ترتد إلى الأوضاع والعلائق السابقة عليها، ذلك أن كل ما قصد إليه هذا القانون بنص المادة 49 المشار إليها، لا يعدو تجريد النصوص القانونية التي قضى بعدم دستوريتها من قوة نفاذها التي صاحبتها عند إقرارها أو إصدارها، لتفقد بالتالي خاصية الإلزام التي تتسم بها القواعد القانونية جميعها، فلا يقوم من بعد ثمة مجال لتطبيقها.
يؤيد ذلك أن الآثار التي ترتبها الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية، لا يمكن فصلها عن الأوضاع والعلائق السابقة عليها بعد أن مسها النص المطعون فيه مؤثراً في بنيانها. ومن ثم كان تصويبها من خلال الدعوى الدستورية لازماً لرد الأضرار التي لحقتها أو التي تتهددها. ويقتضي ذلك بالضرورة أن يكون قضاء المحكمة الدستورية العليا بإبطال النص المطعون فيه، منسحباً إليها، ليعيدها إلى الحالة التي كانت عليها قبل سريان النص الباطل في شأنها.
ولا مجافاة في ذلك لقواعد الرقابة القضائية على الشرعية الدستورية، ولا لمقاصد الدستور، ذلك أن مباشرة هذه المحكمة لتلك الرقابة، غايتها تقرير اتفاق النصوص القانونية المطعون عليها مع الدستور أو مجاوزتها للضوابط التي فرضها. وتقييمها لهذه النصوص لا ينفصل عما يكون قد اعتراها من عوار عند إقرارها أو إصدارها، فلا تكون عيوبها أمراً طارئاً عارضاً عليها، بل كامناً فيها، ولصيقاً بها منذ ميلادها، ومتصلاً بها – لزوماً -اتصال قرار بما يشوهها – وكشفها عن عيوبها هذه ليس إلا إعلاناً عن حقيقتها، وإثباتاً لها. ولا يتصور بالتالي أن تضيفها إليها، ولا أن تكون من خلقها أو تصورها، ولا أن تقحمها على نصوص قانونية خلت منها، بل هي تجليها، محددة من خلال حكمها – وعلى ضوء أحكام الدستور – القاعدة القانونية التي يجب تطبيقها في النزاع الموضوعي، وهي بعد قاعدة ينبغي إعمالها بافتراض أن النص الباطل منعدم ابتداءً لا انتهاءً، فلا يكون قابلاً للتطبيق أصلاً منذ أن نشأ معيباً.
ذلك أن إبطال هذه المحكمة للنصوص القانونية المخالفة للدستور، يعتبر تقريراً لزوالها نافياً وجودها منذ ميلادها. وقضاؤها بصحتها، يؤكد استمرار نفاذها تبعاً لخلوها من كل عوار يدينها.
وليس مفهوماً أن تكون واقعة نشر الأحكام الصادرة بعدم دستورية بعض النصوص القانونية – في ذاتها – حداً زمنياً فاصلاً بين صحتها وبطلانها، فلا يكون النص الباطل منعدماً إلا اعتباراً من اليوم التالي لهذا النشر.
والقول بذلك مؤداه أن يكون التقاضي جهداً ضائعاً وعملاً عبثياً، وأن للنص القانوني الواحد مجالين زمنيين، يكون صحيحاً في أحدهما، وباطلاً في ثانيهما، حال أن بطلان النصوص القانونية لا يتجزأ، ويستحيل أن ينقلب العدل وجوداً، ولا أن يكون مداه متفاوتاً أو متدرجاً، فالساقط لا يعود أبداً.
وحيث إن قانون المحكمة الدستورية العليا – ضماناً لصون الحرية الشخصية التي كفلها الدستور واعتبرها من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز الإخلال بها عدواناً – قد نص في المادة 49 منه، على أنه إذا كان الحكم بعدم الدستورية متعلقاً بنص جنائي، فإن أحكام الإدانة الصادرة استناداً إليه، تعتبر كأن لم تكن، وهو ما يعني سقوطها بكل آثارها، ولو صار الطعن فيها ممتنعاً، لتفارقها قوة الأمر المقضي التي قارنتها.
وتلك هي الرجعية الكاملة التي أثبتها قانون المحكمة الدستورية العليا لأحكامها الصادرة بإبطال النصوص العقابية. وهي بعد رجعية لا قيد عليها ولا عاصم منها، بل يكون أثرها جارفاً لكل عائق على خلافها ولو كان حكماً باتاً.
فإذا كان قضاؤها مبطلاً لنص غير جنائي، فإن أثره الرجعي يظل جارياً، ومنسحباً إلى الأوضاع والعلائق التي اتصل بها مؤثراً فيها، حتى ما كان منها سابقاً على نشره في الجريدة الرسمية، ما لم تكن الحقوق والمراكز التي ترتبط بها قد استقر أمرها بناءً على حكم قضائي توافر فيه شرطان: أولهما: أن يكون باتاً وذلك باستنفاده لطرق الطعن جميعها: ثانيهما: أن يكون صادراً قبل قضاء المحكمة الدستورية العليا، ومحمولاً على النصوص القانونية عينها التي قضى ببطلانها.
وحيث إن من المقرر – وعلى ما جرى به قضاء المحكمة الدستورية العليا – أن محكمة الموضوع دون غيرها، هي التي تتولى بنفسها إعمال آثار الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية، ويندرج تحتها رجعيتها محددة نطاقاً على النحو المتقدم، فإن دعوة المحكمة الدستورية العليا إلى إعمال الأثر الرجعي للحكم الصادر عنها في القضية رقم 27 لسنة 16 قضائية "دستورية" تجاوز حدود ولايتها. وإذ نشر حكمها في هذه القضية، قبل رفع الدعوى الماثلة، فإن الحكم بعدم قبولها يكون لازماً.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى، وبمصادرة الكفالة مع إلزام المدعية المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات