الطعن رقم 288 لسنة 58 ق – جلسة 28 /07 /1992
أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الأول – السنة 43 – صـ 997
جلسة 28 من يوليه سنة 1992
برئاسة السيد المستشار / محمود شوقي نائب رئيس المحكمة وعضوية السادة المستشارين/ أحمد مكي، أحمد الزواوي نائبي رئيس المحكمة، محمد جمال وأنور العاصي.
الطعن رقم 288 لسنة 58 القضائية
تعويض "التعويض عن التعذيب". تقادم "تقادم الدعوى الناشئة عن
التعذيب". مسئولية "المسئولية عن وقائع التعذيب". دستور.
الدعاوي الناشئة عن التعذيب الذي ترتكبه السلطة ضد الأفراد. عدم سقوطها بالتقادم. مسئولية
الدولة عنها دون قصرها على مرتكبي التعذيب والجهات التي يتبعونها. علة ذلك. م 57 من
الدستور والمادتان 2، 14 من اتفاقية مناهضة التعذيب الموافق عليها بقرار رئيس الجمهورية
رقم 154 لسنة 1986.
دعوى "الصفة في الدعوى". دستور.
رئيس الجمهورية. صاحب الصفة في تمثيل الدولة في دعاوي التعويض عن وقائع التعذيب والاعتداء
على الحقوق والحريات العامة. تمثيل الوزير للدولة في الشئون المتعلقة بوزارته لا يسلب
صفة رئيس الجمهورية في تمثيل الدولة. علة ذلك. م 73، 137، 138 من الدستور.
تعويض "تقدير التعويض". محكمة الموضوع. مسئولية. حكم "عيوب التدليل: ما يعد قصوراً".
نقض.
التعويض. استقلال قاضي الموضوع بتقديره. تعيين عناصر الضرر التي تدخل في حساب التعويض.
من المسائل القانونية التي تخضع لرقابة محكمة النقض. قضاء الحكم بالتعويض بصورة مجملة
دون بيان عناصر الضرر. قصور.
1- النص في المادة 57 من الدستور على أن "كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة
الخاصة للمواطنين وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون جريمة
لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتكفل الدولة تعويضاً
عادلاً لمن وقع عليه الاعتداء" وفي المادة الثانية من اتفاقية مناهضة التعذيب – التي
أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10/ 12/ 1984 ووافقت مصر عليها بقرار رئيس
الجمهورية رقم 154 لسنة 1986. على أن "تتخذ كل دولة إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية
فعالة أو أية إجراءات أخرى لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي….
ولا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أياً كانت سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو
تهديداً بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة كمبرر
للتعذيب…… ولا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة
كمبرر للتعذيب" وفي المادة الرابعة على أن "تضمن كل دولة طرف أن تكون جميع أعمال التعذيب
جرائم بموجب قانونها الجنائي…… مستوجبة للعقاب بعقوبات مناسبة تأخذ في الاعتبار
طبيعتها الخطيرة" وفي المادة الرابعة عشر على أن "تضمن كل دولة طرف في نظامها القانوني
إنصاف من يتعرض لعمل من أعمال التعذيب وتمتعه بحق قابل للتنفيذ في تعويض عادل ومناسب"
يدل على أن المشرع قدر أن التعذيب الذي ترتكبه السلطة ضد الأفراد هو عمل إجرامي ذو
طبيعة خطيرة أياً كانت الظروف التي يقع فيها أو السلطة الآمرة بارتكابه وأن الدعاوي
الناشئة عنه قد يتعذر الوصول إلى الحق فيها ما بقيت الظروف السياسية التي وقع في ظلها
قائمة ولذلك استثنى المشرع هذه الدعاوي من القواعد العامة فمنع سقوطها بالتقادم ولم
يقصر المسئولية فيها على مرتكبي التعذيب والجهات التي يتبعونها بل جعل هذه المسئولية
على عائق الدولة بأسرها.
2- لما كان مفاد المواد 73، 137، 138 من الدستور أن رئيس الدولة هو رئيس الجمهورية
وهو الذي يتولى السلطة التنفيذية فيها، ويضع بالاشتراك مع مجلس الوزراء السياسة العامة
للدولة ويشرفان على تنفيذها، ومن ثم فهو ذو الصفة في تمثيل الدولة ولا يغير من ذلك
أن الوزير يمثل الدولة في الشئون المتعلقة بوزارته باعتباره المتولي الإشراف على شئونها
والمسئول عنها والذي يقوم بتنفيذ سياسة الحكومة فيها. فذلك ليس من شأنه أن ينفي صفة
رئيس الجمهورية في تمثيل الدولة ذاتها في دعاوي التعويض عن وقائع التعذيب وغيرها من
الاعتداءات على الحقوق والحريات العامة والتي تسأل الدولة عنها بنص الدستور.
3- لئن كان تقدير التعويض عن الضرر من مسائل الوقائع التي يستقل بها قاضي الموضوع إلا
أن تعيين عناصر الضرر التي تدخل في حساب التعويض هو من مسائل القانون التي تخضع لرقابة
محكمة النقض وكان الحكم المطعون فيه قد اقتصر على القول بأن مبلغ…… مناسب لجميع
الأضرار المادية والأدبية التي لحقت بالطاعن دون بيان لعناصر هذه الأضرار فإنه يكون
مشوباً بالقصور.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار
المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل في أن الطاعن
أقام الدعوى 240 لسنة 1986 مدني جنوب القاهرة الابتدائية على المطعون ضدها بطلب الحكم
بإلزامهما متضامنين أن يدفعا إليه مبلغ خمسين ألف جنيه، وقال بياناً لذلك إنه عُذِّبَ
خلال فترة اعتقاله من أوائل أغسطس سنة 1959 حتى 4/ 4/ 1964 وأصابته من جراء التعذيب
أضرار مادية وأدبية يقدر التعويض الجابر لها بذلك المبلغ فأقام الدعوى طلباً له، ومحكمة
أول درجة حكمت بتاريخ 28/ 2/ 1987 بإلزام المطعون ضدهما متضامنين بأن يدفعا إلى الطاعن
مبلغ عشرة آلاف جنيه، استأنف الخصوم هذا الحكم بالاستئنافين 4957، 5172 لسنة 104 ق
القاهرة، وبتاريخ 30/ 11/ 1987 قضت المحكمة بتعديله إلى إلزام المطعون ضده الثاني بأن
يدفع إلى الطاعن مبلغ ألف جنيه، طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة
مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن، وعرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة مشورة فحددت
جلسة لنظرها وفيها التزمت النيابة رأيها.
وحيث إن الطعن أقيم على سببين ينعي الطاعن بالسبب الأول على الحكم المطعون فيه أنه
قضى بعدم قبول دعواه بالنسبة لرئيس الجمهورية – لرفعها على غير ذي صفة – تأسيساً على
أن رجال الشرطة مرتكبي التعذيب يتبعون وزير الداخلية في حين أن التعويض عن التعذيب
هو مسئولية الدولة ورئيس الجمهورية هو رئيسها الأمر الذي يعيب الحكم بالخطأ في القانون
ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك أن النص في المادة
57 من الدستور على أن "كل اعتداء على الحرية الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للمواطنين
وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها الدستور والقانون جريمة لا تسقط الدعوى
الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتكفل الدولة تعويضاً عادلاً لمن وقع
عليه الاعتداء" وفي المادة الثانية من اتفاقية مناهضة التعذيب – التي أقرتها الجمعية
العامة للأمم المتحدة بتاريخ 10/ 12/ 1984 ووافقت مصر عليها بقرار رئيس الجمهورية رقم
154 لسنة 1986 – على أن "تتخذ كل دولة إجراءات تشريعية أو إدارية أو قضائية فعالة أو
أية إجراءات أخرى لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي.. ولا يجوز
التذرع بأية ظروف استثنائية أياً كانت سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديد بالحرب
أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة كمبرر للتعذيب…..
ولا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة كمبرر للتعذيب"
وفي المادة الرابعة على أن "تضمن كل دولة طرف أن تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب
قانونها الجنائي……. مستوجبة للعقاب بعقوبات مناسبة تأخذ في الاعتبار طبيعتها الخطيرة"
وفي المادة الرابعة عشر على أن "تضمن كل دولة طرف في نظامها القانوني إنصاف من يتعرض
لعمل من أعمال التعذيب وتمتعه بحق قابل للتنفيذ في تعويض عادل ومناسب" يدل على أن المشرع
قدر أن التعذيب الذي ترتكبه السلطة ضد الأفراد هو عمل إجرامي ذو طبيعة خطيرة أياً كانت
الظروف التي يقع فيها أو السلطة الآمرة بارتكابه وأن الدعاوي الناشئة عنه قد يتعذر
الوصول إلى الحق فيها ما بقيت الظروف السياسية التي وقع في ظلها قائمة ولذلك استثنى
المشرع هذه الدعاوي من القواعد العامة فمنع سقوطها بالتقادم ولم يقتصر المسئولية فيها
على مرتكبي التعذيب والجهات التي يتبعونها بل جعل هذه المسئولية على عائق الدولة بأسرها.
لما كان ذلك وكان مفاد المواد 73، 137، 138 من الدستور أن رئيس الدولة هو رئيس الجمهورية
وهو الذي يتولى السلطة التنفيذية فيها، ويضع بالاشتراك مع مجلس الوزراء السياسة العامة
للدولة ويشرفان على تنفيذها، ومن ثم فهو ذو الصفة في تمثيل الدولة ولا يغير من ذلك
أن الوزير يمثل الدولة في الشئون المتعلقة بوزارته باعتباره المتولي الإشراف على شئونها
والمسئول عنها والذي يقوم بتنفيذ سياسة الحكومة فيها. فذلك ليس من شأنه أن ينفي صفة
رئيس الجمهورية في تمثيل الدولة ذاتها في دعاوي التعويض عن وقائع التعذيب وغيرها من
الاعتداءات على الحقوق والحريات العامة والتي تسأل الدولة عنها بنص الدستور وإذ خالف
الحكم المطعون فيه هذا النظر فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون بما يوجب نقضه.
وحيث إن حاصل السبب الثاني أن الحكم المطعون فيه شابه القصور في التسبيب ذلك أن خفض
التعويض المقضي به بصورة جزافية دون أن يبين عناصر الضرر التي أدخلها في حسابه وهو
ما يعيبه ويستوجب نقضه.
وحيث إن هذا النعي في محله ذلك أنه ولئن كان تقدير التعويض عن الضرر من مسائل الوقائع
التي يستقل بها قاضي الموضوع إلا أن تعيين عناصر الضرر التي تدخل في حساب التعويض هو
من مسائل القانون التي تخضع لرقابة محكمة النقض. ولما كان ذلك، وكان الحكم المطعون
فيه قد اقتصر على القول بأن مبلغ ألف جنيه مناسب لجميع الأضرار المادية والأدبية التي
لحقت بالطاعن دون بيان لعناصر هذه الأضرار فإنه يكون مشوباً بالقصور بما يوجب نقضه.
