الطعن رقم 404 لسنة 4 ق – جلسة 30 /01 /1960
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الخامسة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1959 إلى آخر يناير سنة 1960) – صـ
286
جلسة 30 من يناير سنة 1960
برياسة السيد/ السيد علي السيد – رئيس المجلس، وعضوية السادة: السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور محمود سعد الدين الشريف والدكتور ضياء الدين صالح – المستشارين.
القضية رقم 404 لسنة 4 القضائية
بدل سفر – قرارا مجلس الوزراء الصادران في 18 من سبتمبر و21 من
ديسمبر سنة 1949 – قرار وزير المالية الصادر في 7 من إبريل سنة 1952 – يعتبر مفسراً
لأحكام القرارين الأولين – معنى المهمة الاعتيادية في مفهوم أحكام هذه القرارات – لا
يشمل المهمات التي يوفد لها الموظفون في بعثات تدريبية – لا يستحق الموظف الموفد في
بعثة تدريبية طبقاً لبرنامج المعونة الفنية للنقطة الرابعة بدل السفر – يكفي ما تصرفه
إليه حكومة الولايات المتحدة الأمريكية – أساس ذلك.
أن قرار وزير المالية الصادر في 7 من إبريل سنة 1952 هو قرار تنظيمي عام يتمحض في الواقع
إلى كونه قراراً تفسيرياً لأحكام قراري مجلس الوزراء الصادر في 18 من سبتمبر و21 من
ديسمبر سنة 1949 لأنه استهدف إيضاح معنى خاف فيهما أراد تجليته وتفسيره، وحاصلة أن
مهمة الموظف الموفد في بعثة تدريبية تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة تخرج من إطار المهام
الاعتيادية التي عناها هذان القراران ولذلك أجرى عليها حكماً يخالف أحكامهما، ومقتضاه
حرمان هذا المبعوث من بدل السفر عند ندبه اكتفاء بما تحملته حكومة الولايات المتحدة
من نفقات معيشته وتنقله في بلادها طبقاً لاتفاق التعاون الفني وفق برنامج النقطة الرابعة
المعقود بين حكومتي مصر والولايات المتحدة الأمريكية والنافذ في مصر اعتباراً من 15
من أغسطس سنة 1951 على ما سبق إيضاحه.
فإذا كانت المهمة التي أوفد لها الموظف متصلة بأغراض دولية مدارها تبادل الدراية الفنية
والخبرة بين الدول ابتغاء إدراك مستوى أرفع للتنمية الاقتصادية والرفاهية الاجتماعية
وإشاعة حسن التفاهم بين الدول، وأنه من أجل هذه الأغراض الجليلة اتفق على تنظيم هذه
الدراسات التدريبية كي ينهل منها مندوبو الدول المتعاقدة ويشهدوا منافع لهم أوفدوا
لتحصيلها تحقيقاً لتبادل الوعي الفني بين الدول، إذا وضح ذلك، انعزلت طبيعة هذه الدراسات
التدريبية التي انتفع بها المطعون عليه عن طبيعة المهام الاعتيادية التي توفد فيها
الحكومة المصرية موظفيها في العادة لمصلحة مباشرة تعود عليها بالنفع خاصة، مما يمتنع
معه اعتبار بدل السفر منظماً لهذا المقام ومشروعاً لمواجهة نفقات أمثال تلك المهام.
فإذا ساند ما تقدم أن البعثات التدريبية وهي طويلة الأجل دائماً تتأبى على القيود والتوجيهات
التي أريد بها تحديد آجال المهام الاعتيادية والتضييق من مداها الزمني طبقاً للروح
المستلهم من قرار مجلس الوزراء الصادر في 18 من سبتمبر سنة 1949، وكان اعتبار الدراسة
التدريبية في حكم "المهمة الاعتيادية" غير متلاق مع نظرية قرار مجلس الوزراء في هذا
الخصوص.
ولا محل لقياس البعثات التدريبية التي يوفد لها المبعوثون على المهام الاعتيادية التي
يستحق عنها بدل السفر العادي بحجة أن "هذه البعثات روعي فيها الصالح العلمي العام وأنها
نظمت خدمة للمعونة الفنية للدول المختلفة" وهو قياس متعسف، لأن العلة فيه لا تعتمد
على وصف مناسب منضبط يمكن جعله مناطاً لها على تعبير الأصوليين، ومع ذلك فكلما كانت
القاعدة التنظيمية العامة من شأنها أن ترتب أعباء مالية على الخزانة يتعين أن تفسر
هذه القاعدة في أضيق حدود حتى لا يتسع الأمر للقياس والتخريج فتضطرب الأحكام في هذا
المقام.
وفضلاً عما تقدم فإن مرسوم إصدار اتفاق التعاون الفني طبقاً لبرنامج النقطة الرابعة
المعقود بين حكومتي مصر والولايات المتحدة الأمريكية القاضي في مادته الأولى بالعمل
بأحكامه من تاريخ التصديق على الاتفاق المذكور في 15 أغسطس سنة 1951 قد خصص عموم الحكم
الوارد في ذينك القرارين بما جعل عبء تحمل نفقات معيشة المبعوثين المصريين مرفوعاً
عن كاهل الحكومة المصرية ملقى على عاتق حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وبما جعل
التزام الحكومة المصرية مقصوراً على تحمل نفقات سفر هؤلاء الموفدين إلى الولايات المتحدة
وبالعكس من التاريخ المذكور، ومثل هذا التخصيص الحاصل بأداة إصدار هذا الاتفاق اعتباراً
من 15 من أغسطس سنة 1951 وقد أخرج صورة الندب للأغراض التدريبية من المهام الاعتيادية
التي ينصرف إليها بدل السفر، وتمحض، من ثم، تعديلاً لهذين القرارين التنظيميين يسري
من ذلك التاريخ على الحكومة والأفراد في نطاق القواعد التنظيمية الداخلية، قد كشف عن
طبيعة القرار الوزاري التفسيرية والتنفيذية معاً باعتباره متمشياً مع مقتضى هذا التعديل،
ومنفذاً لأحكامه، ومتوائماً مع نظام بدل السفر القانوني القائم آنذاك، وعلى ذلك لا
وجه لتضعيف القيمة القانونية لقرار وزير المالية المشار إليه، ولا للتحدي بأن سفر المدعي
في المهمة التي أوفد لها كان سابقاً على صدور القرار الوزاري، ما دام قد صدر هذا القرار
كاشفاً لنطاق الحكم الذي أتى به هذان القراران التنظيميان ومردداً في الآن ذاته لأحكام
الاتفاق العام للتعاون الفني بين حكومتي مصر والولايات المتحدة الأمريكية وهو ذلك الاتفاق
الذي أصبحت أحكامه حجة على الأفراد والسلطات الداخلية في مصر من تاريخ العمل به في
15 من أغسطس سنة 1951 وعالج بدل السفر للموظفين المصريين الموفدين للدراسة التدريبية
بالولايات المتحدة معالجة قانونية صريحة، يحرم معها القول بأنهم يظلون – بعد نفاذه
على تلك السلطات والأفراد على سواء – منتفعين بأحكام قراري مجلس الوزراء الصادرين في
18 من سبتمبر و21 من ديسمبر سنة 1949 حتى لو سلم في الجدل المحض بأن هذه البعثات هي
من قبيل المهام الاعتيادية التي عرض لها هذان القراران.
إجراءات الطعن
في 12 من إبريل سنة 1958 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتارية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 404 لسنة 4 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري (الهيئة الرابعة "ب") بجلسة 10 من فبراير سنة 1958 في الدعوى رقم 2186 لسنة 9 القضائية المقامة من السيد/ صالح إسماعيل صالح ضد وزارة الشئون الاجتماعية والقاضي "باستحقاق المدعي لصرف فرق بدل السفر ومصاريف الانتقال عن المدة من 2 من إبريل سنة 1952 إلى 4 من يناير سنة 1953 بين ما كان يتقاضاه من هيئة الأمم المتحدة وبين الفئة المحددة طبقاً لقراري مجلس الوزراء في 12 من سبتمبر سنة 1949 و21 من ديسمبر سنة 1949 بعد خصم ما قبضه من هذه المبالغ عن المدة التي تجاوزها بعد 6 من ديسمبر سنة 1952 حتى تاريخ وصوله إلى الإسكندرية في 4 من يناير سنة 1953 وإلزام الحكومة بالمصروفات". وقد طلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء برفض الدعوى مع إلزام المدعي بالمصروفات". وقد أعلن الطعن إلى المطعون عليه في 24 من مايو سنة 1958 وإلى الحكومة في 27 من الشهر ذاته. وفي أول أغسطس سنة 1959 أخطر الخصوم بجلسة 28 من نوفمبر سنة 1959 المحددة لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون التي أحالته إلى المحكمة الإدارية العليا. وقد حددت له جلسة 2 من يناير سنة 1960 للمرافعة. وبجلسة 2 من يناير سنة 1960 سمعت هذه المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة ثم قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن المدعي قدم
التظلم رقم 1101 لسنة 2 القضائية إلى اللجنة القضائية لوزارة الشئون الاجتماعية بصحيفة
أودعها سكرتارية اللجنة المذكورة في 4 من يناير سنة 1954 ذكر فيه أن مصلحة الفلاح التابعة
لوزارة الشئون الاجتماعية رشحته في بعثة تدريبية تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة لدراسة
نظم تدريب الأخصائيين الاجتماعيين لمدة ثمانية أشهر، وقد اعتمد السيد وزير الشئون الاجتماعية
في 21 من ديسمبر سنة 1951 محضر لجنة الاختيار، ثم أخطرته هيئة الأمم المتحدة بكتابها
المؤرخ 12 من مارس سنة 1952 بأن يتأهب للسفر على أن يكون في نيويورك قبل يوم 7 من إبريل
سنة 1952 ميعاد بدء العمل في بعثته. وقال أنه سافر بالطائر في فجر يوم 2 من إبريل سنة
1952 بعد أن كانت المصلحة قد أرسلت كتابها رقم 4498 بتاريخ أول إبريل سنة 1952 لوزارة
المالية بطلب تحويل بدل السفر الذي يستحقه عن تلك البعثة بالدولارات إلى السفارة المصرية
بواشنطون، باعتبار أن البعثة هي مهمة عادية خارج القطر وبالفئات المقررة لذلك وفقاً
لقراري مجلس الوزراء في 12 من سبتمبر سنة 1949 و21 من ديسمبر سنة 1949. وقال أنه كان
يعتقد بعد تقدمه بطلب الموافقة على السفر وطلب تحويل الدولارات المستحقة له على عنوانه
بواشنطون أن الأمور سوف تسير سيرها العادي وأن تأخر تحويل بدل السفر إليه لن يطول ولكنه
انتظر طويلاً على غير طائل وظل يعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة التي تجاوزت منحة هيئة
الأمم المتحدة التي تبلغ 300 دولار شهرياً عند التنقل تنتقص إلى مائتي دولار عند الاستقرار
مما اضطره إلى الاستقرار لمواجهة تكاليف مستوى الحياة في أمريكا ثم قال أنه تقدم إلى
مصلحة الفلاح بطلب صرف بدل السفر المستحق له فأحالت طلبه إلى ديوان الموظفين الذي أجاب
عنه بالرفض استناداً إلى قرار السيد وزير المالية بمنح بدل السفر على أن هذا القرار
– لو فرض جدلاً بأن له قوة إلغاء قراري مجلس الوزراء المشار إليهما – قد صدر بعد سفره
فلا ينسحب على الماضي كما أنه لم يعلم به إلا بعد رجوعه وختم تظلمه بطلب صدور قرار
يقضي بأحقيته في صرف بدل السفر ومصروفات الانتقال المستحقة له وفقاً للوائح المقررة
عن المدة من 1 من إبريل سنة 1952 حتى 4 من يناير سنة 1953 وقدرها 1300 دولار أي ما
يعادل 360 م و455 ج. وقد ردت المصلحة بمذكرة مؤرخة في 23 من ديسمبر سنة 1956 أفادت
فيها بأن المدعي كان قد تقدم بطلب في 30 من يناير سنة 1950 لترشيحه في إحدى البعثات
التي تنظمها هيئة الأمم المتحدة وعلى نفقتها وقد وافق السيد مدير عام مصلحة الفلاح
التي كان يتبعها المدعي ثم السيد وزير الشئون الاجتماعية على إيفاده في بعثة تدريبية
على نفقة هيئة الأمم المتحدة وذلك في ظل النظام الخاص القاضي بعدم منح الموظفين الذين
يوفدون إلى الخارج لحضور دراسات تابعة لهيئة الأمم المتحدة بدل سفر اكتفاء بما يصرف
إليهم من نفقات تؤديها هيئة الأمم المتحدة وعلى ذلك لم يكن هناك داع لطلب ترخيص مالي
بصرف بدل السفر، وقد حددت هيئة الأمم المتحدة مدة البعثة التدريبية بثمانية أشهر تبدأ
من 7 من إبريل سنة 1952 وتنتهي في 6 من ديسمبر سنة 1952. ونظراً لضيق الوقت أعطى المدعي
تذكرة سفر بالطائرة من مصر إلى أمريكا كما سلمته مصر للسياحة تذكرة عودة من نيويورك
إلى الإسكندرية على الباخرة بشرط أن تكون العودة في 7 من ديسمبر سنة 1952 – ولكنه عند
عودته استبدل بالتذكرة المعطاة له تذكرة أخرى على باخرة أخرى غادرت نيويورك في 9 من
نوفمبر سنة 1952 فوصلت ميناء الهافر في يوم 15 من ديسمبر سنة 1952 ثم سافر المدعي إلى
نابلي وركب باخرة في أول يناير سنة 1953 فوصل الإسكندرية في يوم 4 من يناير سنة 1954
ورغم تجاوز مدة بعثته فقد طلب بدل سفر عن المدة التي قضاها في أوربا وبعد الاتصال بعدة
جهات ووفق على صرف بدل سفر عن هذه المدة التي قضاها متجولاً في أوروبا وصرف له بالفعل
بمقتضى الشيك رقم 806 – 229280 بتاريخ 13 من نوفمبر سنة 1955 – أما فيما يتعلق بموضوع
دعواه الأصلي فقد قامت هيئة الأمم المتحدة بصرف المستحق إليه شهراً بشهر بواقع ثلاثمائة
دولار عن المدة من 7 من إبريل سنة 1952 إلى 22 من يونيه سنة 1952 والمدة من 3 من أغسطس
سنة 1952 إلى 6 من ديسمبر سنة 1952 وبواقع 200 دولار شهرياً عن المدة من 23 من يونيه
إلى 2 أغسطس سنة 1952 وكانت هذه المبالغ تصرف إليه شهرياً وبانتظام وقد أقر المدعي
بتسلم جميع مستحقاته من هيئة الأمم المتحدة بإقرار موقع عليه في 12 من ديسمبر سنة 1952
بينما بصورة خاصة أن هيئة الأمم لم تصرف إليه أي مبلغ عن المدة التالية لتاريخ انتهاء
بعثته في 6 من ديسمبر سنة 1952 وختمت الجهة الإدارية مذكرتها بقولها أن المدعي صرف
جميع مستحقاته كاملة قبل هيئة الأمم المتحدة وأن الوزارة لم تكن تملك أن تصرف إليه
أي مبلغ لسفره في ظل نظام يقضي بعدم منح الموظفين الذين يوفدون إلى الخارج لحضور دراسات
تابعة لهيئة الأمم المتحدة بدل سفر اكتفاء بما يصرف إليهم من نفقات من جانب هيئة الأمم
وقد أحيلت الدعوى بعد ذلك إلى محكمة القضاء الإداري وتداولت بالجلسات. وبجلسة 10 من
فبراير سنة 1958 حكمت المحكمة المذكورة "باستحقاق المدعي لصرف فرق بدل السفر ومصاريف
الانتقال عن المدة من 2 من إبريل سنة 1952 إلى 4 من يناير سنة 1953 بين ما كان يتقاضاه
من هيئة الأمم وبين الفئة المحددة طبقاً لقراري مجلس الوزراء في 12 من سبتمبر سنة 1949
و21 من ديسمبر سنة 1949 بعد خصم ما قبضه من هذه المبالغ عن المدة التي تجاوزها بعد
6 من ديسمبر سنة 1952 حتى تاريخ وصوله إلى الإسكندرية في 4 من يناير سنة 1953 وإلزام
الحكومة بالمصروفات" وأقامت قضاءها على "أن المدعي كان قد أوفد على حساب هيئة الأمم
المتحدة لبعثة في أمريكا وكانت الموافقة على سفره في 21 من ديسمبر سنة 1951 وتم سفره
فعلاً في 2 من إبريل سنة 1952 وكانت هيئة الأمم المتحدة تصرف له راتباً بناء على اتفاقية
بينها وبين مصر غير أنه يقرر أن هذا الراتب أقل من البدل الذي يستحقه حسب القواعد التي
كان معمولاً بها وقت سفره وهي القواعد التي تضمنها قرارا مجلس الوزراء الصادران في
18 من سبتمبر و21 من ديسمبر سنة 1949……." وعلى أن "الملاحظ في تلك القواعد أنها
تقتصر في تطبيقها على من يسافرون بعد صدورها وذلك لأن الموظف يرتب شئونه على أساس القواعد
التي يعملها وقت السفر وأن مفاجأته وهو في الخارج بقواعد جديدة قد يوقعه في حرج مالي
شديد قد لا يستطيع تدبيره وهو بعيد عن موارده الطبيعية، ومن ثم فإنه ما دام أنه لا
نزاع في أن المدعي سافر في 2 من إبريل سنة 1952 أي قبل صدور القرار الجديد في 7 من
إبريل سنة 1952، فإنه من حيث السريان الزمني لا يعامل بأحكامه بل بأحكام قواعد 1947
و1949 وأن كان خاضعاً لأحكامها موضوعياً" وعلى "أنه وإن كانت هذه القرارات قاصرة على
من تنتدبهم الحكومة في مهام حكومية، إلا أنه من المعلوم أن المدعي قد سافر في بعثة
تدريبية طبقاً لبرنامج المعونة الفنية الذي تقوم به هيئة الأمم المتحدة ومن المعلوم
أنه عقب الحرب الأخيرة وبسبب ما أحدثته من دمار احتاج معه الأمر إلى معونة بعض الدول
للنهوض والرجوع إلى حالتها الطبيعية، وكذلك للأخذ بيد الدول المختلفة اقتصادياً مراعاة
للصالح العالمي العام، نظمت هيئة الأمم المتحدة خدمة للمعونة الفنية للدول المختلفة،
منها تدريب بعض الموظفين على الأعمال التي تحتاجها الدول في نهوضها، فالمهمة التي انتدب
لها المدعي هي إذن مهمة حكومية ما دام الغرض منها هو الصالح العام للدولة المصرية ولم
يسافر لصالحه الخاص كإتمام دراسة خاصة، بل سافر تنفيذاً لبرنامج دولي معد للأخذ بيد
الدول المتخلفة لإعادة حالة الرخاء إليها جميعاً. ولا يقدح في ذلك أن بعض مصرف هذه
البعثة على جهة غير الحكومة المصرية، بل أن ذلك من ضمن برنامج المساعدة ومستلزماته"
وعلى أنه "لما كان قرار 1949 قد حدد المصروفات التي يراها كافية للموظف في الخارج،
فإنه لا يحتج على المدعي بمساعدة تدفعها جهة أخرى ما دامت لا تغطى جملة ما يلزم حسب
تقدير الحكومة في قرارها المذكور، إذ أنه لا يجوز أن يكون الموظف بسبب قيام جهة أجنبية
بالمعونة، وفي مركز أقل من أقرانه الموظفين المصريين الذين يوفدون للخارج" وعلى "أن
قواعد بدل السفر تقتضي من جهة أخرى عدم الإثراء عن طريق صرفها مما يتعين معه ألا يصرف
للمدعي من الحكومة ما اقتضاه فعلاً من هيئة الأمم المتحدة فإنه والحالة هذه يكون مستحقاً
للفرق بين الفئات التي يحددها قرار 1949 وما صرفته فعلاً هيئة الأمم المتحدة، وهو عين
ما يطلبه المدعي".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن "قرار وزير المالية الصادر في 9 من إبريل سنة 1952 لم
ينشئ قاعدة جديدة استثناء من القواعد الواردة في قراري مجلس الوزراء الصادرين في سنة
1949 بشأن بدل السفر حتى يمكن أن يقال أن المدعي وقد سافر في 2 من إبريل سنة 1952 تخرج
حالته من نطاق تطبيقه" وعلى أن "سفر المدعي قبل 7 من إبريل سنة 1952 ألا يقتضي بحكم
اللزوم إفادته من قراري سنة 1949 إذ أن هذين القرارين قد نظما بدل السفر بالنسبة للموظفين
الذين تنتدبهم الحكومة لحضور المؤتمرات أو لمهام عادية ولم يكن المدعي واحداً من هؤلاء.
لقد رشحت الجهة الإدارية المدعي للتدريب بأمريكاً على حساب هيئة الأمم المتحدة وكانت
الهيئة تؤدي إليه أجراً شهرياً مقداره 300 دولار وهو بهذه المثابة ليس من الموظفين
الذين عناهم مجلس الوزراء بقراريه الصادرين سنة 1949" وعلى أنه "كلما كانت القاعدة
التنظيمية العامة ترتب أعباء مالية على الخزانة يتعين أن تفسر في أضيق الحدود فلا يتسع
الأمر للقياس والتخريج وبخاصة أن العلة ليست واحدة في حالتي ندب الموظف لمهمة رسمية
وترشيحه للتدريب على حساب الأمم المتحدة لأن الموظف في الحالة الثانية يكون في إجازة
دراسية على المفهوم الصحيح والحكم المطعون فيه فيما ذهب إليه والحالة هذه قد خالف القانون".
ومن حيث إنه بتقصي الملابسات التي أحاطت بصدور قراري مجلس الوزراء في 18 من سبتمبر
و21 من ديسمبر سنة 1949 في شأن بدل السفر الذي يصرف للموظفين الذين يندبون لمهام خارج
القطر، يبين أنهما صدرا مكملين للقواعد التنظيمية العامة التي سبق أن أرساها قرار مجلس
الوزراء في 27 من إبريل سنة 1957 في شأن بدل السفر المستحق لممثلي مصر في المؤتمرات
الدولية التي تعقد في الخارج ولمبعوثيها إلى البلاد الأجنبية في مهام اعتيادية، ويلاحظ
أن القرار الأول الصادر في 18 من سبتمبر سنة 1949 لم يدخل أي تعديل على فئات بدل السفر
المقررة لهؤلاء الممثلين والمبعوثين حسبما حددها قرار 27 من إبريل سنة 1947 وإنما رأى
تقييد المدة المستحقة عنها بدل السفر بالفئات المعينة بهذا القرار، فجعلها غير مجاوزة
الشهرين بالنسبة للمهام المؤداة في الخارج سواء أكانت لشهود مؤتمرات أم لأغراض عادية،
فإذا جاوزت مدة الندب هذا الأجل خفضت فئات بدل السفر بنسبة الربع لمدة شهرين آخرين
فإن زادت المهمة عن أربعة أشهر خفضت إلى النصف بالنسبة لباقي المدة.
ومن حيث إن السياسة التشريعية التي قام عليها منح بدل السفر عن المهام التي يندب لها
الموظفون خارج القطر طبقاً لقرار مجلس الوزراء الصادر في 18 من سبتمبر سنة 1949 هي
الحد جهد الطاقة عن المدد التي يوفد خلالها الموظفون لتأدية المهام الرسمية التي يكلفون
بها في الخارج كيلا يتخذ الندب وسيلة لكسب مدرار بسبب فئات البدل الباهظة التي يقتضيها
هؤلاء المبعوثون وهذا هو عين ما يستنبط من الروح العام الذي ألهم هذا القرار حسبما
يستظهر من مذكرة اللجنة المالية المرفوعة إلى مجلس الوزراء لاستصداره، فقد ورد في تلك
المذكرة المحررة في 10 من سبتمبر سنة 1949 ما يلي: "وقد لاحظت وزارة المالية أن وزارات
الحكومة ومصالحها تكثر من إيفاد الموظفين لحضور المؤتمرات والاجتماعات والمعارض الدراسية
أو في مهام عادية خارج القطر خصوصاً في فترة الصيف، ولما كانت هذه الانتدابات تكلف
الحكومة نفقات باهظة يجب أن تعود على الدولة بالنفع المرجو منها. وترى وزارة المالية
أن تتأكد كل وزارة أولاً من أن نفعاً محققاً سيعود على الدولة من هذا الإيفاد وعلى
أن يقصر الندب على أقل عدد من المندوبين سواء في المؤتمرات أو في غيرها، كذلك ينبغي
ألا تزيد فترة الانتداب على الأيام المقررة للمؤتمرات أو الاجتماع الدولي مضافاً إليها
فترة لا تزيد على 3 أيام قبل وبعد المؤتمر أو الاجتماع. أما في المهام العادية فتحدد
أقل فترة لازمة لأدائها..". وقد صدر قرار مجلس الوزراء في 18 من سبتمبر سنة 1949 بالموافقة
على هذا الرأي المبين في مذكرة اللجنة المالية سالفة الذكر. ثم جد بعد ذلك ما دعا الحكومة
المصرية إلى خفض فئات بدل السفر المحددة بقرار 27 من إبريل سنة 1947 وإلى تعميم فئات
بدل السفر المتعلقة بالانتدابات في أوربا على المهام المختلفة التي تؤدي في القارات
الأخرى عدا أمريكا، فصدر قرار من مجلس الوزراء في 21 من ديسمبر سنة 1949 بهذه التعديلات،
وقد أبقى هذا القرار على القواعد العامة في استحقاق بدل السفر من حيث تفاوته تبعاً
لما إذا كانت المهمة الموفد فيها الموظف تؤدي في أمريكا أو في أوروبا، ومن جهة تباينه
على قدر المركز الوظيفي للمبعوث، ومن ناحية خفضه إذا استطالت مدة الإيفاد على النحو
الذي رسمه قرار مجلس الوزراء في 18 من سبتمبر سنة 1949.
ومن حيث إنه على أثر قبول الحكومة المصرية للقرار رقم 304 الذي أصدرته الجمعية
العمومية لهيئة الأمم المتحدة في 16 من نوفمبر سنة 1949 بالموافقة على قرار المجلس
الاقتصادي والاجتماعي الخاص بتبادل المعونة الفنية والخبرة وما يتصل بذلك من أوجه النشاط
الفني التي ترمى إلى الإسهام في تحقيق التنمية الاقتصادية وبالمبادئ الأساسية لتقديم
تلك المعونة اتفقت الحكومة المصرية من ناحية وحكومة الولايات المتحدة من ناحية أخرى
على تبادل الدراية الفنية والخبرة ابتغاء إدراك مستوى أرفع للتنمية الاقتصادية والرفاهية
الاجتماعية وإشاعة حسن التفاهم بين الدول وعقدتا من أجل هذه الأغراض "اتفاقاً عاماً
للتعاون الفني طبقاً لبرنامج النقطة الرابعة وقعتاه في 5 من مايو سنة 1951"، وجاء في
الفقرة (ب) من مادته الثانية أن حكومة الولايات المتحدة توافق على "أن تتكفل بتدريب
المصرين الذين تختارهم الحكومة المصرية في الولايات المتحدة على أن يشمل ذلك نفقات
تعليمهم وسفرهم ومعيشتهم في الولايات المتحدة". كما ورد في الفقرة (جـ) من المادة الثالثة
من الاتفاق المذكور أن الحكومة المصرية "لكي تتحمل نصيباً عادلاً في نفقات البرنامج
توافق على أن تدفع نفقات انتقال الخبراء ومواصلاتهم داخل مصر وكذلك نفقات انتقال المصريين
المعنيين بمقتضى الفقرة (ب) من المادة الثانية إلى الولايات المتحدة ومنها" ونص البند
من المادة الثالثة من الاتفاق المشار إليه على أن "يعمل بهذا الاتفاق ابتداء من
يوم تصديق الحكومة المصرية عليه". وقد تم التصديق على هذا الاتفاق بموجب القانون رقم
125 لسنة 1951 الصادر في 15 من أغسطس سنة 1951 بعد الرجوع إلى البرلمان والاستحصال
على موافقته عليه عملاً بالمادة 46 من الدستور المصري الملغى – فأصبح من ذلك التاريخ
ملزماً للدولة المصرية ونافذاً عليها، وأعقب ذلك اتخاذ إجراء تشريعي داخلي لإصدار هذا
الاتفاق كي تصبح أحكامه مقيدة للسلطات الداخلية وللأفراد على السواء وتم ذلك بالمرسوم
بإصدار الاتفاق العام للتعاون الفني طبقاً لبرنامج النقطة الرابعة بين مصر والولايات
المتحدة الصادر في 8 من يناير سنة 1953 بناء على موافقة رأي مجلس الوزراء، وقد نص هذا
المرسوم في مادته الأولى على أن "يعمل اعتباراً من 15 من أغسطس سنة 1951 بالاتفاق العام
للتعاون الفني طبقاً لبرنامج النقطة الرابعة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية"
كما قضت مادته الثانية بأنه يتعين "على الوزراء تنفيذ هذا المرسوم كل فيما يخصه". وبهذا
النص أصبحت السلطات الداخلية في مصر ملزمة تلقاء الأفراد بتحمل نفقات انتقال المبعوثين
المصريين المختارين – طبقاً لهذا الاتفاق – إلى الولايات المتحدة وبالعكس كما سقط عن
كاهلها حيالهم التزامها بنفقات تعليمهم ومعيشتهم وتنقلاتهم داخل الولايات المتحدة متى
كانوا موفدين في بعثات تدريبية اعتباراً بأن هذا الالتزام قد حملته حكومة الولايات
المتحدة الأمريكية بموجب الاتفاق المشار إليه منذ 15 من أغسطس سنة 1951 على ما سلف
البيان.
ومن حيث إن وزير المالية قصداً منه إلى تنفيذ حكم القانون رقم 125 لسنة 1951 الصادر
في 15 من أغسطس سنة 1951 بالموافقة على الاتفاق العام للتعاون الفني طبقاً لبرنامج
النقطة الرابعة الحاصل بين الحكومتين وحرصاً على إبانة ما غمض من عبارة "المهام العادية"
المسوقة في قراري مجلس الوزراء الصادرين في 18 من سبتمبر و21 من ديسمبر سنة 1949 أصدر
في 7 من إبريل سنة 1952 قراراً وزارياً تنظيمياً وافق فيه على مقترحات تقدمت بها المراقبة
العامة لمستخدمي المالية الواردة بالملف رقم ف 172 – 34/ م 75 في خصوص كيفية معاملة
أعضاء البعثات من موظفي الوزارة في سفرهم ممن رشحوا لحضور دراسات مختلفة على حساب هيئة
الأمم المتحدة وهي موافقة عمم مبدؤها بالنسبة لكافة موظفي الوزارات الأخرى الذين يندبون
لمتابعة هذه الدراسات وفي ضمن هذه المقترحات التي وافق عليها وزير المالية بموجب قراره
التنظيمي المتقدم الذكر اقتراح "بالاقتصار على ما تمنحه هيئة الأمم المتحدة للمرشحين
من نفقات تتراوح بين 153 و300 دولار شهرياً للبعثات العلمية" واقتراح ثان بأن "تتحمل
الحكومة المصرية نفقات السفر ومصاريف استخراج الجوازات" واقتراح ثالث "بعدم منح بدل
السفر" لهؤلاء المبعوثين. ووافق وزير المالية أيضاً على "أن الموفدين الذين سبق أن
ووفق على سفرهم على أساس منحهم بدل السفر العادي بعد خصم ما يصرف من هيئة الأمم المتحدة
وسافروا بالفعل أو لم يسافروا بعد لا تشملهم القاعدة الجديدة لسفرهم أو ارتباطهم بالسفر
على أساس معين" وعلى "معاملة موظفي الوزارات الأخرى الذين يندبون لهذه الدراسات نفس
المعاملة التي تقررت لموظفي المالية".
ومن حيث إن ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه من أن المطعون عليه لا تطبق عليه القاعدة
التنظيمية المانعة التي تضمنها القرار الوزاري الصادر في 7 من إبريل سنة 1952 بحجة
أنه سافر قبل هذا التاريخ، مردود بأن مناط تطبيق هذا القرار ليس هو السفر بعد تاريخ
صدوره لأنه قد يقع السفر قبل تاريخ صدوره ولا يحول ذلك دون تنزيل أحكامه إذا لم يوافق
على سفر المبعوث على أساس منحه بدل السفر المنظم بقراري مجلس الوزراء الصادرين في 18
من سبتمبر و21 من ديسمبر سنة 1949 كما قد يقع سفر الموفد بعد صدور القرار الوزاري ويكون
مسبوقاً بموافقة من هذا القبيل تمت قبل صدوره، فيفلت بذلك من تطبيق أحكامه عليه، وهذه
الشواهد قاطعة في أن المناط في تطبيقه أو عدم تطبيقه ليس هو تاريخ السفر بل هو تحقق
الشروط الموضوعية التي يتوقف عليها الخضوع لأحكام قرار وزير المالية أو التنصل منها
حسبما رسم هذا القرار.
ومن حيث إنه إذا جاز لوزير المالية أن يخرج من حكم قراره الصادر في 7 من إبريل سنة
1952 حالة موظف موفد في بعثة تدريبية تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة إذا ما حصلت الموافقة
على إيفاده على أساس استحقاقه لبدل السفر العادي بشرط أن تتم هذه الموافقة قبل تاريخ
اتخاذ قراره التنظيمي العام، فإن هذا الشرط الذي يتوقف عليه التنصل من حكم القرار غير
متحقق في حالة المطعون عليه، إذ كان لا بد من استئذان وزير المالية في السفر على هذا
الأساس، كما لا بد من موافقته قبل هذا السفر على تطبيق قراري مجلس الوزراء المشار إليهما
عليه وهو أمر لم يتحقق في شأنه بلا مراء. إذ الثابت أن الإجراء الذي يستلزم الحصول
على موافقة وزير المالية على سفر المطعون عليه إلى الولايات المتحدة الأمريكية على
أساس استحقاقه بدل السفر العادي لم يتخذ قبل سفره حتى كان يحق له التنصل من حكم قرار
وزير المالية المذكور ومبلغ ما تم في هذا السبيل هو طلب تقدمت به مصلحة الفلاح في 30
من مارس سنة 1952 قبل سفر المطعون عليه باستئذان المالية في "اتخاذ الإجراءات اللازمة
لصرف بدل السفر المقرر له (أي المطعون عليه) وفقاً لقراري مجلس الوزراء الصادرين في
سنة 1941" ولكن موافقة المالية لم تتم فعلاً لا قبل السفر ولا بعده على ما جاء في كتاب
رئيس ديوان الموظفين المرقم 121 – 19/ 4 والمؤرخ 12 من أكتوبر سنة 1953.
ومن حيث إنه لا جدال في أن لقرار وزير المالية – باعتباره قراراً تنظيمياً عاماً –
تأثيراً مباشراً في الحوادث والحالات القانونية التي تقع في زمن العمل به وتبرز تحت
سلطانه بحيث ينبغي تطبيق أحكامه على كل إيفاد لدراسة تدريبية امتدت مدتها بعد تاريخ
العمل به بقطع النظر عن تاريخ سفر المبعوث لتلك الدراسة، يؤيد ذلك أن القرار الوزاري
لم يستثن من حكمه المانع من استحقاق بدل السفر، إلا ندباً سابقاً ووفق فيه على سفر
المندوب على أساس منحه بدل السفر العادي فإذا استبان من الأوراق أن مدة ندب المطعون
عليه للانتظام في الدراسة التدريبية بالولايات المتحدة الأمريكية لم تبدأ فعلاً إلا
من تاريخ صدور قرار وزير المالية بالذات لم يكن مقبولاً أن لا يسري عليه حكمه بالنسبة
إلى دراسة بدأت في 7 من إبريل سنة 1952 حين صدر هذا القرار وبلغت غايتها في ظل أحكامه
وتحت سلطانه.
ومن حيث إن حكم هذا القرار التنظيمي العام إنما يتمخض في الواقع إلى كونه قراراً تفسيرياً
لأحكام قراري مجلس الوزراء الصادر في 18 من سبتمبر و21 من ديسمبر سنة 1949 لأنه استهدف
إيضاح معنى خاف فيهما أراد تجليته وتفسيره، وحاصله أن مهمة الموظف الموفد في بعثة تدريبية
تحت إشراف هيئة الأمم المتحدة تخرج من إطار المهام الاعتيادية التي عناها هذان القراران
ولذلك أجرى عليها حكماً متعارضاً مع أحكامهما، ومقتضاه حرمان هذا المبعوث من بدل السفر
عند ندبه اكتفاء بما تحملته حكومة الولايات المتحدة من نفقات معيشته وتنقله في بلادها
طبقاً لاتفاق التعاون الفني وفق برنامج النقطة الرابعة المعقود بين حكومتي مصر والولايات
المتحدة الأمريكية والنافذ في مصر اعتباراً من 15 من أغسطس سنة 1951 على ما سبق إيضاحه.
ومن حيث إنه إذا كان الحق أخذاً من ديباجة هذا الاتفاق – أن المهمة التي أوفد فيها
المطعون عليه إنما تتصل مقاصدها بأغراض دولية مدارها تبادل الدراية الفنية والخبرة
بين الدول ابتغاء إدراك مستوى أرفع للتنمية الاقتصادية والرفاهية الاجتماعية وإشاعة
حسن التفاهم بين الدول وأنه من أجل هذه الأغراض الجليلة واتفق على تنظيم هذه الدراسات
التدريبية كي ينهل منها مندوبو الدول المتعاقدة ويشهدوا منافع لهم أوفدوا لتحصيلها
تحقيقاً لتبادل الوعي الفني بين الدول، إذا وضح ذلك، انعزلت طبيعة هذه الدراسات التدريبية
التي انتفع بها المطعون عليه عن طبيعة المهام الاعتيادية التي توفد فيها الحكومة المصرية
موظفيها في العادة لمصلحة مباشرة تعود عليها بالنفع خاصة، مما يمتنع معه اعتبار بدل
السفر منظماً لهذا المقام ومشروعاً لمواجهة نفقات أمثال تلك المهام. فإذا ساند ما تقدم
أن البعثات التدريبية وهي طويلة الأجل دائماً تتأبى على القيود والتوجيهات التي أريد
بها تحديد آجال المهام الاعتيادية والتضييق من مداها الزمني طبقاً للروح المستلهم من
قرار مجلس الوزراء الصادر في 18 من سبتمبر سنة 1949، وكان اعتبار الدراسة التدريبية
في حكم "المهمة الاعتيادية" غير متلاق مع نظرية قرار مجلس الوزراء في هذا الخصوص.
ومن حيث إن ما عمد إليه الحكم المطعون فيه من قياس البعثات التدريبية التي يوفد لها
المبعوثون على المهام الاعتيادية التي يستحق عنها بدل السفر العادي بحجة أن "هذه البعثات
روعي فيها الصالح العالمي العام وأنها نظمت خدمة للمعونة الفنية للدول المختلفة" وهو
قياس متعسف، لأن العلة فيه لا تعتمد على وصف مناسب منضبط يمكن جعله مناطاً لها على
تعبير الأصوليين، ومع ذلك فكلما كانت القاعدة التنظيمية العامة من شأنها أن ترتب أعباء
مالية على الخزانة يتعين أن تفسر هذه القاعدة في أضيق حدود حتى لا يتسع الأمر للقياس
والتخريج فتضطرب الأحكام في هذا المقام.
ومن حيث إنه مع الأخذ بالأحوط والتسليم جدلاً بأن البعثات التدريبية المنظمة تحت إشراف
هيئة الأمم المتحدة يجوز أن تندرج تحت مدلول عبارة "المهام العادية" طبقاً لمقصود قراري
مجلس الوزراء المشار إليهما فإن مرسوم إصدار اتفاق التعاون الفني طبقاً لبرنامج النقطة
الرابعة المعقود بين حكومتي مصر والولايات المتحدة الأمريكية القاضي في مادته الأولى
بالعمل بأحكامه من تاريخ التصديق على الاتفاق المذكور في 15 أغسطس سنة 1951 قد خصص
عموم الحكم الوارد في ذنيك القرارين بما جعل عبء تحمل نفقات معيشة المبعوثين المصريين
مرفوعاً عن كاهل الحكومة المصرية ملقى على عاتق حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وبما
جعل التزام الحكومة المصرية مقصوراً على تحمل نفقات سفر هؤلاء الموفدين إلى الولايات
المتحدة وبالعكس من التاريخ المذكور، ومثل هذا التخصيص الحاصل بأداة إصدار هذا الاتفاق
اعتباراً من 15 من أغسطس سنة 1951، وقد أخرج صورة الندب للأغراض التدريبية من المهام
الاعتيادية التي ينصرف إليها بدل السفر، وتمحض، من ثم، تعديلاً لهذين القرارين التنظيميين
يسري من ذلك التاريخ على الحكومة والأفراد في نطاق القواعد التنظيمية الداخلية، قد
كشف عن طبيعة القرار الوزاري التفسيرية والتنفيذية معاً باعتباره متمشياً مع مقتضى
هذا التعديل، ومنفذاً لأحكامه، ومتوائماً مع نظام بدل السفر القانوني ordonnance Juridique
القائم آنذاك، وعلى ذلك لا وجه لتضعيف القيمة القانونية لقرار وزير المالية المشار
إليه، ولا للتحدي بأن سفر المدعي في المهمة التي أوفد لها كان سابقاً على صدور القرار
الوزاري ما دام قد صدر هذا القرار كاشفاً لنطاق الحكم الذي أتى به هذان القراران التنظيميان
ومردوداً في الآن ذاته لأحكام الاتفاق العام للتعاون الفني بين حكومتي مصر والولايات
المتحدة الأمريكية، وهو ذلك الاتفاق الذي أصبحت أحكامه حجة على الأفراد والسلطات الداخلية
في مصر من تاريخ العمل به في 15 من أغسطس سنة 1951 وعالج بدل السفر للموظفين المصرين
الموفدين للدراسة التدريبية بالولايات المتحدة معالجة قانونية صريحة، يحرم معها القول
بأنهم يظلون – بعد نفاذه على تلك السلطات والأفراد على سواء – منتفعين بأحكام قراري
مجلس الوزراء الصادرين في 18 من سبتمبر و21 من ديسمبر سنة 1949 حتى لو سلم في الجدل
المحض بأن هذه البعثات هي من قبيل المهام الاعتيادية التي عرض لها هذان القراران.
ومن حيث إنه لما سلف من أسباب يكون الطعن قد قام على أساس مكين من القانون ويكون الحكم
المطعون فيه قد جانب الصواب إذ قضى باستحقاق المدعي لبدل السفر إعمالاً لقراري مجلس
الوزراء المشار إليهما ويتعين من أجل ذلك إلغاؤه والقضاء برفض الدعوى مع إلزام المدعي
بالمصروفات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض الدعوى وألزمت الحكومة بالمصروفات.
