الطعن رقم 837 لسنة 4 ق – جلسة 02 /01 /1960
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الخامسة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1959 إلى آخر يناير سنة 1960) – صـ
126
جلسة 2 من يناير سنة 1960
برياسة السيد/ السيد علي السيد – رئيس المجلس، وعضوية السادة: الإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور ضياء الدين صالح وعبد المنعم سالم مشهور – المستشارين.
القضية رقم 837 لسنة 4 القضائية
( أ ) بعثات – الرابطة بين المبعوث والحكومة من الروابط الإدارية
التي تدخل في مجال القانون العام – التفرقة بين المبعوث الموظف والمبعوث غير الموظف
– صلة الأول بالحكومة تندرج في عموم روابط الوظيفة العامة, أما الثاني فأساس صلته بالحكومة
عقد إداري – اختصاص القضاء الإداري بنظر ما ينشأ من نزاع في الحالين.
(ب) بعثات – وجود ضامن للمبعوث في تنفيذ التزاماته – لا يؤثر في تكييف الرابطة بين
المبعوث والحكومة أو في اختصاص القضاء الإداري بنظر المنازعة برمتها – أساس ذلك.
1 – أن المبعوث في البعثات التعليمية الحكومية إما أن يكون موظفاً أو طالباً غير موظف,
والروابط في الحالين بين المبعوث وبين الحكومة هي روابط إدارية تدخل في مجال القانون
العام, فبالنسبة إلى الموظف يغلب في التكييف صلة الموظف بالوظيفة العامة وتكون الروابط
الناشئة بينه وبين الحكومة بسبب البعثة إنما تندرج في عموم روابط الوظيفة العامة, ومركز
الموظف كما جرى على ذلك قضاء هذه المحكمة هو مركز تنظيمي عام تحكمه القوانين واللوائح
وليس مركزاً تعاقدياً حتى ولو اتخذ في بعض الأحوال شكل الاتفاق كعقد الاستخدام مثلاً
بالنسبة لتوظيف المستخدم المؤقت أو التعهد المأخوذ على الموظف المبعوث طبقاً للائحة
البعثات, ذلك أن مثل هذه الاتفاقات أو التعهدات لا تغير من حيث التكييف القانوني الروابط
بين الموظف والحكومة وأنها منبثقة من المركز التنظيمي العام الذي تحكمه القوانين واللوائح,
أما بالنسبة للمبعوث غير الموظف فإن الاتفاق بينه وبين الحكومة هو عقد إداري, ذلك أن
الغرض من البعثة, كما أفصحت عن ذلك لائحة البعثات, هو القيام بدراسات عملية أو فنية
لا يتيسر انجازها في مصر أو الحصول على مؤهل علمي لا يتيسر الحصول عليه فيها, أو كسب
مران عملي غير ميسور بها, وذلك لسد نقص أو حاجة تقتضيها مصلحة عامة وتستشعرها إحدى
الإدارات أو المصالح أو الهيئات. وظاهر من ذلك أن المناط في البعثة هو احتياجات المرافق
العامة والغرض منها هو النهوض بمستوى تسيير هذه المرافق بعد إعداد المبعوثين للقيام
بتلك الدراسات أو الحصول على هذه الدرجات العلمية على أن يلتزم المبعوث بخدمة هذه المرافق
في المدة المحددة في اللائحة, كما أن الروابط لا يحكمها هذا العقد وحده بل يحكمها فوق
ذلك الأحكام التنظيمية العامة المقررة في اللائحة وللحكومة أن تعدلها, كما لها أن تعدل
في شروط الاتفاق حسبما تقتضيه المصلحة العامة.
2 – أن ضمانة المطعون عليه الثاني في تنفيذ التزامات ابنه المطعون عليه الأول لا يغير
شيئاً, سواء في التكييف القانوني للروابط على الوجه السالف إيضاحه أو في اختصاص القضاء
الإداري بنظر المنازعة برمتها, وهى إدارية بغير تبعيضها ما دام التزام الضامن هو التزام
تبعي وأن من المسلم في فقه القانون اختصام الضامن تبعاً لاختصام الأصيل أمام المحكمة
ذاتها, بل أن القضاء العادي قد أصبح غير مختص بنظر أية منازعة خاصة بعقد إداري وأصبح
الاختصاص معقوداًًًً للقضاء الإداري.
إجراءات الطعن
في يوم 9 من أغسطس سنة 1958 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتارية المحكمة طعناًً في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بجلسة 15 من يونيه سنة 1958 في الدعوى رقم 4131 لسنة 9 القضائية المقامة من وزارة التربية والتعليم ضد الدكتور مصطفى عزت طلعت وآخر والقاضي "برفض الدفع بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى وبرفض الدفع بعدم قبول الدعوى وفى الموضوع بإلزام المدعى عليهما متضامنين بأن يدفعا للوزارة المدعية مبلغ 416 مليماً 6128 جنيهاً والمصاريف". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "الحكم بقبول الطعن شكلاً وفى الموضوع بتعديل الحكم المطعون فيه على أساس إلزام المدعى عليهما متضامنين بأن يدفعا للوزارة المدعية مبلغ 807 مليمات 5977 جنيهاً مع الفوائد والمصروفات" وقد أعلن هذا الطعن للحكومة في 30 من أغسطس سنة 1958 وللخصم في 2 من سبتمبر سنة 1958 وعين لنظره أمام دائرة فحص الطعون جلسة 31 من أكتوبر سنة 1959 حيث أحيل إلى المحكمة الإدارية العليا لجلسة 5 من ديسمبر سنة 1959 ثم أرجئ إصدار الحكم لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة حسبما يبين من الأوراق تتحصل في أن وزارة التربية والتعليم
أقامت الدعوى رقم 4131 لسنة 9 القضائية طالبة إلزام المدعى عليهما متضامنين بأن يدفعا
للوزارة المدعية مبلغ 416 مليماً 6218جنيهاً والفوائد من تاريخ المطالبة القضائية الحاصلة
في 17 من سبتمبر سنة 1955 ومصروفات الدعوى ومقابل أتعاب المحاماة. وقالت الوزارة شرحاً
لدعواها أن المدعى عليه الأول أوفد في بعثة لوزارة الأشغال ثم امتنع عن خدمة الوزارة
فهو مسئول مع ضامنة عن المصاريف التي صرفت عليه, وقد دفع المدعى عليهما بعدم اختصاص
القضاء الإداري بنظر الدعوى على أساس أنها دعوى رد غير المستحق مبنية على المادة 182
من القانون المدني وغير مؤسسة على عقد إداري أو رابطة وظيفية قامت بين المدعى عليه
الأول وبين الحكومة, كما دفعا بعدم قبول الدعوى لانتفاء الصفة لدى الوزارة التي رفعتها,
وانتهى المدعى عليهما إلى طلب الحكم أصلياً بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى واحتياطياً
بعدم قبولها وعلى سبيل الاحتياط الكلى برفضها وإلزام الوزارة المدعية بالمصروفات ومقابل
أتعاب المحاماة. وبجلسة 15 من يونيه سنة 1958 قضت القضاء الإداري "برفض الدفع بعدم
اختصاص المحكمة بنظر الدعوى وبرفض الدفع بعدم قبولها وفى الموضوع بإلزام المدعى عليهما
متضامنين بأن يدفعا للوزارة المدعية مبلغ 416 مليماً 6128 جنيهاً والمصاريف". وأسست
قضاءها بالنسبة للدفع بعدم الاختصاص "على أن المدعى عليهما دفعا بعدم اختصاص محكمة
القضاء الإداري بنظر الدعوى بمقولة أنها غير مؤسسة على أي عقد إداري ولا على وجود رابطة
وظيفية قامت بين المدعى عليه الأول وبين الحكومة بعد انتهاء بعثته وأن الالتزام الذي
تقول وزارة التربية والتعليم بترتيبه في ذمة المدعى عليه الأول ليس مصدره التعاقد وإنما
مصدره "الإثراء بلا سبب" طبقاً لأحكام القانون المدني, وأوضح المدعى عليهما اختصاص
القضاء الإداري كما بينته المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة وقالا أن الدعوى الحالية
لا يطلب فيها صحة عقد إداري أو غير إداري ولا فسخه أو إبطاله أو تعديله أو تنفيذه وإنما
يطلب فيها من أحد الأفراد مبلغ بمقولة انه أصبح غير مستحق له والعبرة في تكييف الدعوى
لتحديد الجهة المختصة بها تكون بالطلبات المطلوبة فيها وبالسند القانوني الذي يلزم
المدعى عليهما بهذه الطلبات وأن الدعوى الحالية بهذا التكييف تخرج عن ولاية القضاء
الإداري وتدخل في ولاية القضاء العادي ومركز عضو البعثة في البعثات الحكومية التعليمية
ليس مركزاًً تعاقدياً وإنما هو مركز تنظيمي تحكمه لائحة البعثات, ومن ثم فلا يوجد عقد
إداري أو غير إداري بين عضو البعثة وبين الحكومة.
ومن حيث إن العلاقة بين المدعية وهى وزارة التربية والتعليم وبين المدعى عليهما أساسها
ذلك التعهد الذي وقع عليه المدعى عليه الأول قبل سفره في البعثة والذي نص في البندين
الثالث والرابع منه على أن يتعهد بخدمة الوزارة التي هو تابع لها أو في أي وظيفة أخرى
في الحكومة تعرض عليه مدة سبع سنوات من تاريخ عودته إلى مصر عقب انتهاء الدراسة وأن
يرد جميع ما تكون الحكومة قد أنفقته عليه بصفته عضواً بالبعثة وذلك إذا ترك البعثة
من تلقاء نفسه أو لم يقم بخدمة الحكومة المدة المذكورة أو فصل منها لأسباب تأديبية..
الخ. وقد أقر المدعى عليه الثاني على التعهد, وبناء على هذين التعهدين أوفدت الوزارة
المدعى عليه الأول في بعثة تعليمية إلى الولايات المتحدة بأمريكا وتولت الإنفاق عليه
طول مدة دراسته هناك.
ومن حيث إن العلاقة التي نشأت بين الطرفين على الوجه المتقدم تستهدف إعداد الموظفين
اللازمين للقيام على تسيير المرافق العامة التي تضطلع بها الحكومة إعداداً علمياً وعملياً
وهى بذلك تكون عقداً إدارياً من بين شروطه أن يلتزم عضو البعثة بأن يخدم الحكومة بمجرد
عودته مدة سبع سنوات مقابل قيامها بالإنفاق عليه أثناء وجوده بالبعثة وإلا التزام بأن
يرد لها جميع ما تكون قد أنفقته عليه في البعثة, ومن ثم فإن الدعوى الحالية وقوامها
مطالبة الحكومة للمدعى عليه الأول بما أنفقته عليه أثناء وجوده بالبعثة في أمريكا بسبب
ما تقول به من إخلاله بالتزامه لا تخرج عن كونها منازعة مترتبة على عقد إداري تختص
هذه المحكمة بنظرها طبقاً لأحكام القانون رقم 165 لسنة 1955 الخاص بتنظيم مجلس الدولة,
وتكون هذه المحكمة مختصة بنظر الدعوى بالنسبة للمدعى عليه الثاني أيضاً نظراً لأنه
ضامن للمدعى عليه الأول في تنفيذ التزاماته الناشئة عن عقد إداري.
وبالنسبة للدفع بعدم قبول الدعوى فقد قضت المحكمة برفض هذا الدفع وأسست قضاءها على
"أن الثابت من الأوراق أن المدعى عليه الأول لم يعين بخدمة وزارة الأشغال العمومية
قبل إيفاده في البعثة حتى تكون نفقات تعليمه على حسابها وإنما الجهة التي تولت الإنفاق
عليه طوال مدة البعثة هي إدارة البعثات ومن ميزانيتها وليس من ميزانية وزارة الأشغال
يدل على ذلك أنه في 24 من يناير سنة 1955 أرسلت الوزارة المذكورة الكتاب رقم 3/ 8/
1426 إلى إدارة البعثات تستفسر منها عن جميع المصاريف التي أنفقت على المدعى عليه في
أثناء البعثة تمهيداً لرفع دعوى عليه هو وضامنة لمطالبتهما بها. فأجابت الإدارة على
ذلك بالكتاب رقم 1/ 2/ 162/ 112 في 14 من فبراير سنة 1955 إلى الوكيل الدائم لوزارة
الأشغال وقد جاء به "أتشرف بإبلاغ سيادتكم أن الإدارة العامة للبعثات ستتولى من ناحيتها
باتخاذ الإجراءات لرفع الدعوى على العضو وضامنة (المدعى عليهما) لتحصل حق الإدارة طرفهما
إذ أنها هي الجهة التي صرفت على العضو من ميزانيتها.. الخ".
ومن حيث إنه إزاء ما تقدم تكون صاحبة الصفة في رفع هذه الدعوى هي إدارة البعثات وبالتالي
وزارة التربية والتعليم باعتبار أنها هي التي أنفقت على المدعى عليه الأول من ميزانيتها
المبالغ التي تطالبه بها الآن هو وضامنة المدعى عليه الثاني ومن ثم فيكون هذا الدفع
غير مستند إلى أساس سليم متعيناً الحكم برفضه".
وبالنسبة للموضوع فقد أسست المحكمة قضاءها على "أن ما يقول به المدعى عليهما من أن
المدعى عليه الأول عاد إلى مصر في 27 من أكتوبر سنة 1952 وقدم نفسه أثر عودته إلى وزارة
الأشغال العمومية فأبقته الوزارة بلا عمل أو مرتب ولم تصدر قراراً بتعيينه, هذا القول
ينقضه ما هو ثابت في الأوراق مع أنه بمجرد عودة المدعى عليه الأول الحق بمصلحة الميكانيكا
والكهرباء في 29 من أكتوبر سنة 1952 وهذا ثابت من إقرار استلام العمل الموقع عليه منه
وظل بالمصلحة المذكورة إلى أن طلبة إدارة الكهرباء والغاز ندبه للعمل بها على أساس
أنه تمرن في أثناء وجوده بالبعثة بأمريكا على أعمال لها علاقة كبيرة بالعمل الفني بالإدارة
المذكورة. وقد وافقت الوزارة على هذا الندب واستلم عمله فعلاً بتلك الإدارة في 15 من
نوفمبر سنة 1952 وهذا أيضاً ثابت من إقرار استلام العمل بتلك الإدارة الموقع عليه منه,
وفى 25 من نوفمبر سنة 1952 كتبت الوزارة إلى الإدارة المذكورة لتكليفه بتقديم باقي
مسوغات تعيينه تمهيداً لإصدار قرار تعيينه ولكنه رفض تقديم المستندات المطلوبة منه
وأجاب على كتاب الوزارة بمذكرة طويلة مؤرخة في 22 من ديسمبر سنة 1952 يتنصل من تقديم
هذه المستندات متمسكاً بأن يكون تاريخ تعيينه هو تاريخ تعيين زميله محمود ممدوح رياض
ومستنداً في ذلك إلى المذكرة المؤرخة في 11 من سبتمبر سنة 1946 التي كتبها الوزير وأرفقها
بطلب الاستخدام المقدم منه والتي أشار فيها بأن يكون تاريخ تعيينه هو نفس تاريخ تعيين
زميليه محمود رياض وإيهاب حسن.
ومن حيث إنه ما كان المدعى عليه الأول أن يقارن بينه وبين زميله محمود ممدوح رياض من
حيث تاريخ التعيين والأقدمية, ذلك لأن هذا الأخير أستوفى جميع أوراقه وصدر أمر بتعيينه
وأستلم العمل فعلاً في 11 من يوليه سنة 1946 وظل بالخدمة إلى أن سافر بالبعثة في حين
أن المدعى عليه الأول لم يصدر أمر بتعيينه وبالتالي لم يستلم أي عمل وكل ما هنالك أنه
قدم طلب استخدام إلى الوزير مباشرة فأحاله إلى إدارة المستخدمين مع تلك المذكرة المؤرخة
في 11 من سبتمبر سنة 1946 والتي أمر فيها بأن يكون تاريخ تعيين المدعى عليه الأول هو
نفس تاريخ تعيين محمود ممدوح رياض وآخر, وهذا الذي أمر به الوزير لم يكن ممكناً لأنه
كما جاء في مذكرة إدارة المستخدمين بوزارة الأشغال المؤرخة في 19 من يوليه سنة 1950
إلى وكيل الوزارة, أن العبرة في تحديد تاريخ التعيين بالنسبة لطالبي الاستخدام هي تاريخ
استلام العمل وصرف الماهية أو تاريخ الالتحاق بالبعثة بالنسبة لمن يقع عليهم الاختيار
للسفر في بعثات سواء كانوا موظفين في جهات أخرى أو غير موظفين. وينبني على ما تقدم
أنه بفرض أن إدارة المستخدمين اتخذت إجراءات تعيين المدعى عليه الأول في ذات اليوم
الذي تلقت فيه أمر الوزير وهو 11 من سبتمبر سنة 1946 لكان هذا التاريخ هو تاريخ تعيينه
في الخدمة ولما جاز بأية حال من الأحوال إرجاع هذا التاريخ إلى الوراء لمدة شهرين أي
11 من يوليه سنة 1946 حتى تاريخ تعيين المدعى عليه الأول على تاريخ تعيين محمود ممدوح
رياض, هذا كله لا لسبب سوى أن الاثنين تخرجا في وقت واحد في كلية الهندسة ولا يريد
المدعى عليه الأول أن يكون لزميله أقدمية عليه في الخدمة وما دام كان حريصاً هذا الحرص
كله على أن لا يسبقه زميله في الأقدمية فما كان عليه إلا أن يفعل ما فعله زميله فيتقدم
بطلب استخدام بمجرد ظهور النتيجة ويستوفى أوراقه, حتى يصدر أمر بتعيينه ويستلم عمله
فعلاً في الوقت الذي استلم فيه زميله, أما أن يتقاعد عن ذلك مدة شهرين ثم يطلب أن يكون
تاريخ تعيينه هو ذات تاريخ تعيين زميله فأمر لا يستسيغه العقل فضلاً عما ينطوي عليه
من مخالفة للقانون حتى ولو أقره الوزير ذلك أن قواعد الأقدمية إنما ينتظمها القانون
ولا يملك الوزير تعديلها أو الخروج عليها بقرار منه.
ومن حيث إن المدعى عليه الأول استند إلى هذا الطلب غير القانوني فرفض التوقيع على عقد
الاستخدام الذي أرسلته الوزارة في مقر دراسته بأمريكا ولم يكتف بذلك بل أنه عند عودته
واستلامه العمل فعلاً في مصر شرعت الوزارة فعلاً في إصدار قرار بتعيينه وطالبته بتقديم
مسوغات تعيينه فأرسل لها في 22 من ديسمبر سنة 1952 مذكرة رفض فيها تقديم هذه المسوغات
مستنداً في رفضه إلى ذات السبب, ولو فرض أنه كان يعتقد بعدالة طلبه فقد كان أولى به
أن يقدم المستندات المطلوبة منه حتى تصدر الوزارة أمر تعيينه ثم ينازع فيما بعد في
أقدميته, ولكنه اتخذ لنفسه موقفاً معيناً هو الحيلولة دون صدور أمر بتعيينه في الخدمة
وهذا الموقف من جانب المدعى عليه يجد تفسيره فيما عند إليه قبل تقديم مذكرته المشار
إليها بيومين فقط, فإنه في 20 من ديسمبر سنة 1952 قدم إلى مدير إدارة الكهرباء والغاز
طلباًًً ذكر فيه أنه في حاجة ماسة للعودة إلى أمريكا بالطائرة لعذر طارئ والتمس منحه
أجازة لمدة خمسة عشر يوماً تصرح له بها وسافر فعلاً في 16 من يناير سنة 1953 ولم يعد
بحجة أنه رأى أن يكمل دراسته هناك.
ومن حيث إنه يتضح مما تقدم أن المدعى عليهما لا يستطيعان الاحتجاج بأنه لم يصدر قرار
بتعيين المدعى عليه الأول في الخدمة عند عودته إلى مصر, إذ أن المدعى عليه الأول هو
الذي حال بفعله دون صدور هذا القرار بامتناعه عن التوقيع على عقد الاستخدام أولاً,
هذا العقد الذي أعدته الوزارة وحددت فيه أقدميته طبقاً للقانون وأرسلته إليه في الخارج
للتوقيع عليه فامتنع عن ذلك بغير حق, وحال دون صدور القرار بتعيينه مرة أخرى بعد استلامه
العمل فعلاً وتعلله الأسباب للسفر إلى الخارج وامتناعه عن العودة رغم تكرار طلبه وانتهت
إلى الحكم بالمبلغ وأغفلت الفصل في طلب الحكم بالفوائد".
ومن حيث إن مبنى الطعن أن الحكم أغفل القضاء بالفوائد التي وردت ضمن طلبات الوزارة
في عريضة دعواها كما أنه احتسب مبلغ 609 مليمات و150 جنيه مرتين على المدعى عليهما
تارة بالجنيه المصري وأخرى بالدولارات وبذلك يكون قد قضى للوزارة بأكثر مما هو مستحق
لها قانوناً. وانتهى إلى طلب تعديل الحكم المطعون فيه على أساس إلزام المدعى عليهما
متضامنين بأن يدفعا للوزارة المدعية مبلغ 807 مليمات و5977 جنيهاً مع الفوائد والمصاريف.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد أصاب الحق فيما انتهى إليه من رفض الدفع بعدم اختصاص
القضاء الإداري بنظر الدعوى ذلك أن المبعوث في البعثات في البعثات التعليمية الحكومية
إما أن يكون موظفاً أو طالباً غير موظف والروابط في الحالتين بين المبعوث وبين الحكومة
هي روابط إدارية تدخل في مجال القانون العام, فبالنسبة إلى الموظف يغلب في التكييف
صلة الموظف بالوظيفة العامة وتكون الروابط الناشئة بينه وبين الحكومة بسبب البعثة إنما
تندرج في عموم روابط الوظيفة العامة ومركز الموظف كما جرى على ذلك قضاء هذه المحكمة
هو مركز تنظيمي عام تحكمه القوانين واللوائح وليس مركزاً تعاقدياً حتى ولو اتخذ في
بعض الأحوال شكل الاتفاق كعقد الاستخدام مثلاً بالنسبة لتوظيف المستخدم المؤقت أو التعهد
المأخوذ على الموظف المبعوث طبقاً للائحة البعثات, ذلك أن مثل هذه الاتفاقات أو التعهدات
لا تغير من حيث التكييف القانوني الروابط بين الموظف والحكومة وأنها منبثقة من المركز
التنظيمي العام الذي تحكمه القوانين واللوائح, أما بالنسبة للمبعوث غير الموظف فإن
الاتفاق بينه وبين الحكومة هو عقد إداري, ذلك أن الغرض من البعثة, كما أفصحت عن ذلك
لائحة البعثات, هو القيام بدراسات علمية أو فنية لا يتيسر انجازها في مصر أو الحصول
على مؤهل علمي لا يتيسر الحصول عليه فيها, أو كسب مران علمي غير ميسور بها, وذلك لسد
نقص أو حاجة تقتضيها مصلحة عامة وتستشعرها إحدى الإدارات أو المصالح أو الهيئات. وظاهر
من ذلك أن المناط في البعثة هو احتياجات المرافق العامة والغرض منها هو النهوض بمستوى
تسيير هذه المرافق بعد إعداد المبعوثين للقيام بتلك الدراسات أو الحصول على هذه الدرجات
العلمية على أن يلتزم المبعوث بخدمة هذه المرافق في المدة المحددة في اللائحة كما أن
الروابط لا يحكمها هذه العقد وحده بل يحكمها فوق ذلك الأحكام التنظيمية العامة المقررة
في اللائحة. وللحكومة أن تعدلها كما لها أن تعدل في شروط الاتفاق حسبما تقتضيه المصلحة
العامة. هذا وغنى عن القول أن ضمانة المطعون عليه الثاني في تنفيذ التزامات ابنه المطعون
عليه الأول لا يغير شيئاً سواء في التكييف القانوني للروابط على الوجه السالف إيضاحه
وفى اختصاص القضاء الإداري بنظر المنازعة برمتها وهى إدارية بغير تبعيتها ما دام التزام
الضامن هو التزام تبعي وأن من المسلم في فقه القانون اختصام الضامن تبعاًًً لاختصام
الأصل أمام المحكمة ذاتها, بل أن القضاء العادي قد أصبح غير مختص بنظر أية منازعة خاصة
بعقد إداري وأصبح الاختصاص معقوداً للقضاء الإداري.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد أصاب الحق كذلك فيما انتهى إليه من رفضه الدفع بعدم
قبول الدعوى للأسباب التي استند إليها وتأخذ بها هذه المحكمة.
ومن حيث إنه فيما يتعلق بالموضوع فإن الحكم المطعون فيه قد أصاب الحق كذلك فيما انتهى
إليه من الحكم أساساً بالتعويض, غير أنه يبين من أوراق الدعوى أن الوزارة في البيان
المرسل منها لإدارة قضايا الحكومة عن المبلغ المطلوب الحكم به قد إضافة مبلغ 109 مليمات,
150 جنيهاً على أنه قيمة نفقات السفر من مصر إلى أمريكا بالطائرة, بينما احتسبت هذا
المبلغ ضمن مبلغ 548 مليماً, 5940 جنيهاً الذي يساوى بالعملة المصرية مبلغ الدولارات
الواردة بكشف البعثات بواشنطن, إذ ورد ضمن هذا الكشف الأخير في مصروفات ديسمبر سنة
1946 مبلغ 619.42 دولاراً وهذا المبلغ هو بذاته مبلغ 609 مليمات, 150 جنيهاً أجرة سفر
المدعى عليه الأول إلى أمريكا في 18 من سبتمبر سنة 1946 ولا يجوز احتساب هذا المبلغ
مرتين على المدعى عليهما بالدولارات في كشف نفقات مكتب البعثات بواشنطن ومرة أخرى بالجنيهات
في البيان المرسل إلى إدارة قضايا الحكومة, ومن ثم فإن الحكم المطعون فيه إذا قضى للوزارة
بكافة المبالغ الواردة في الكشف المذكور يكون قد قضى للوزارة بأكثر مما هو مستحق ويتعين
تعديله على أساس إلزام المدعى عليهما متضامنين بأن يدفعا للوزارة المدعية مبلغ 807
مليمات و 5977 جنيها.
ومن حيث إن الفوائد المطلوبة هي فوائد تأخيرية عن مبلغ من النقود معلوم المقدار وقت
الطلب, فيستحق الدائن الفوائد القانونية بالتطبيق للمادة 226 من القانون المدني من
تاريخ المطالبة القضائية بها, والضرر مفترض في هذه الحالة بحكم القانون وفقاً للمادة
228 من القانون المدني, ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه إذ أغفل الحكم بالفوائد قد أخطأ
في تطبيق القانون وتأويله ويتعين القضاء بها وإلزام المدعى عليهما متضامنين بدفع الفوائد
القانونية من تاريخ المطالبة القضائية الحاصلة في 17 من سبتمبر سنة 1955 حتى تمام الوفاء
مع المصروفات المناسبة.
ومن حيث إن المطعون عليه الثاني طلب احتياطاً أن يقسط المبلغ المحكوم به ولا ترى المحكمة
مانعاً من إجابته إلى هذا الطلب بمراعاة ظروف الحال وملابساته وبوجه خاص أنه هو الأب
الضامن وأن ابنه الملتزم الأصلي أقام بأمريكا بعد انتهاء بعثته بعيداً عن البلاد وعن
أبيه, فلهذا كله وتيسيراً للوفاء ترى المحكمة تقسيط المبالغ المحكوم بها على خمسة آجال
سنوية يبدأ القسط الأول منها في أول إبريل سنة 1960 بحيث إن حصل التأخير في أداء أي
قسط حلت سائر الأقساط مع سريان الفوائد حتى تمام الوفاء.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفى موضوعه بتعديل الحكم المطعون فيه وبإلزام المدعى عليهما متضامنين بأن يدفعاً للحكومة مبلغ خمسة آلاف وتسعمائة وسبعة وسبعين جنيهاً وثمانمائة وسبعة مليمات وبالفوائد بواقع أربعة في المائة سنوياً من تاريخ المطالبة القضائية الحاصلة في 17 من سبتمبر سنة 1955 حتى تمام الوفاء والمصروفات المناسبة مع تقسيط المبالغ المحكوم بها على خمسة أقساط سنوية على الوجه المبين بأسباب هذا الحكم وبتأييد الحكم المطعون فيه فيما عدا ذلك.
