الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 245 لسنة 3 ق – جلسة 05 /12 /1959 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الخامسة – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1959 إلى آخر يناير سنة 1960) – صـ 79


جلسة 5 من ديسمبر سنة 1959

برياسة السيد/ السيد علي السيد – رئيس المجلس، وعضوية السادة: السيد إبراهيم الديواني وعلي إبراهيم بغدادي ومصطفى كامل إسماعيل والدكتور ضياء الدين صالح – المستشارين.

القضية رقم 245 لسنة 3 القضائية

فصل بسبب إلغاء الوظيفة – مناطه أن يكون ثمت إلغاء حقيقي للوظيفة التي كان يشغلها الموظف وألا يكون في الإمكان الإبقاء على الموظف في الوظيفة العامة – القانون رقم 210 لسنة 1951 أوجب نقل الموظف الذي ألغيت وظيفته بمرتبه طبقاً لأوضاع أوردتها المادة 113 منه – ما أورده القانون من أحكام في هذا الشأن لا يعدو أن يكون ترديداً للأصول العامة التي تمليها العدالة الطبيعية – تعديل النظام القانوني أو المالي للوظيفة مع الإبقاء عليها – لا ينهض ذلك إلغاء حقيقياً للوظيفة.
لئن كان إلغاء الوظيفة العامة هو سبب من أسباب إنهاء خدمة الموظف, وعلة ذلك أن المصلحة العامة يجب أن تعلو على المصلحة الخاصة, فيفصل الموظف متى اقتضت ضرورات المصلحة العامة الاستغناء عن الوظيفة, إلا أن ذلك منوط بأن يكون ثمة إلغاء حقيقي للوظيفة التي كان يشغلها الموظف, كما أن القانون من جهة أخرى يلحظ الموظف الذي ألغيت وظيفته بعين الرعاية, فيبقى عليه في الوظيفة العامة بقدر الإمكان وعلى حسب الظروف والأحوال, وهو من باب التوفيق بين المصلحة العامة ومصلحة الموظف حتى لا يصيبه ضرر من الممكن تفاديه, ذلك أن إلغاء الوظيفة ضرورة قد تقتضيها المصلحة العامة ولكن الضرورة تقدر بقدرها, وتطبيقاً لهذه الأصول الطبيعية العادلة فإن المادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951 وأن نصت في فقرتها الخامسة على انتهاء خدمة الموظف بسبب إلغاء الوظيفة, إلا أن المادة 113 منه, قد راعت في الوقت ذاته مصلحة الموظف بقدر الإمكان, فنصت على أنه "إذا ألغيت وظيفة الموظف وكانت هناك في ذات الوزارة أو المصلحة أو في غيرها من الوزارات والمصالح وظيفة أخرى خالية يلزم لشغلها توافر المؤهلات التي يتطلبها التعيين في الوظيفة الملغاة, وجب نقل الموظف إليها بمرتبه متى كانت معادلة لهذه الوظيفة في الدرجة, فإن كانت أدنى منها, فلا يعين الموظف فيها إلا إذا قبلها, وتحسب أقدميته بمراعاة مدة خدمته فيها وفى الدرجات الأعلى منها, ويمنح فيها مرتبه. وعند خلو وظيفة مماثلة لوظيفته الأولى ينقل إليها بالمرتب الذي وصل إليه. وتحتسب أقدميته فيها بمراعاة المدة التي كان قد قضاها فيها". هذا, وغنى عن القول أنه ولئن كانت الإحكام السابقة قد وردت في القانون رقم 210 لسنة 1951 الخاص بموظفي الدولة الذي جعل نفاذه اعتباراً من أول يوليه سنة 1952, أي قبل إحالة المدعي إلى المعاش بمقتضى المرسوم الصادر في 12 من يونيه سنة 1952, أي قبل نفاذه, إلا أن تلك الأحكام لا تعدو أن تكون كما سلف البيان ترديداً للأصول العامة التي تمليها العدالة الطبيعية.
ولا يقوم مبرراً انتهاء مدة خدمة الموظف إلا إذا ألغيت وظيفته حقيقية, فإذا كان ما تم لا يعدو أن يكون تعديلاً في نظامها القانوني أو المالي, مع الإبقاء عليها, فلا ينهض ذلك إلغاء حقيقياً لوظيفة يسوغ نقل الموظف لذلك السبب, لأن المعلول يدور مع علته وجوداً وعدماً, كما أنه إذا ألغيت الوظيفة فعلاً وجب الإبقاء على الموظف ما دام من المقدور نقله إلى وظيفة أخرى, ولو كانت أقل في الدرجة أو أدنى في المرتب متى قبلها, وذلك حتى يتيسر نقله إلى وظيفة مماثلة لوظيفته الملغاة. ومن باب أولى, لو أنه قبل أن يعمل في الوظيفة ذاتها بعد تعديل نظامها القانوني والمالي إلى وضع أدنى, هذا وفى جميع الأحوال يحتفظ للموظف بمرتبه السابق بصفة شخصية سواء نقل إلى وظيفة مماثلة للأولى أو إلى وظيفة أقل, أو بقى في الوظيفة ذاتها بعد تعديل نظامها إلى وضع أدنى.


إجراءات الطعن

في 14 من فبراير سنة 1957 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتارية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 245 لسنة 3 القضائية, في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري. "الهيئة الثانية" بجلسة 19 من ديسمبر سنة 1956 في الدعوة رقم 1526 لسنة 6 القضائية المقامة من الأستاذ عبد السلام النحاس ضد مجلس الوزراء الذي يقضى برفض الدعوى وبإلزام المدعي بالمصروفات. وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "قبول الطعن شكلاً, وفى الموضوع, إلغاء الحكم المطعون فيه, والقضاء بإلغاء المرسوم الصادر في 12 من يونيه سنة 1952, بشغل منصب رئيس ديوان الموظفين, وبإحالة المدعي إلى المعاش. وإلزام الحكومة بالمصروفات الخاصة بهذا الطلب. وبرفض طلب التعويض المؤقت وإلزام المدعي بالمصروفات الخاصة به". وقد أعلن هذا الطعن إلى المطعون لصالحه في 18 من إبريل سنة 1957, والى رئاسة مجلس الوزراء في 24 منه, وعين لنظره أمام هذه المحكمة جلسة 15 من فبراير سنة 1958. وقد انقضت المواعيد القانونية دون أن يقدم أي من الطرفين مذكرة بملاحظاته. وفى 26 من ديسمبر سنة 1957 أعلن الطرفان بهذه الجلسة, وفيها قررت المحكمة التأجيل لجلسة 12 من إبريل سنة 1958 بناء على طلب الحاضرين عن المدعي للاطلاع والاستعداد. ثم تداولت القضية في الجلسات. وبجلسة 17 من يناير سنة 1959 قررت الحكمة إصدار الحكم لستة أسابيع، وبجلسة 25 من إبريل سنة 1959 أصدرت المحكمة القرار الآتي "بما أن المحكمة ترى قبل الفصل في الدعوى, ضرورة الاطلاع على المذكرة المرفوعة لمجلس الوزراء بشعل منصب رئيس ديوان الموظفين وبإحالة المدعي إلى المعاش بمقتضى المرسوم الصادر في 12 من يونيه سنة 1952, وعلى هيئة المفوضين تنفيذ هذا القرار". وبجلسة 6 من يونيه سنة 1959 قررت المحكمة إعادة القضية إلى المرافعة لجلسة 13 منه لمناقشة الطرفين فيما تراه لازماً للفصل في الدعوى. وبجلسة 13 من يونيه سنة 1959 عدل المدعي طلب التعويض المؤقت إلى تعويض نهائي, وسرد عناصره على الوجه المبين بمحضر الجلسة وقدم سركي معاشه رقم 35104 الصادر إليه في 19 من ديسمبر سنة 1952, وقال أنه بلغ السن القانونية للإحالة إلى المعاش في 12 من مايو سنة 1958. وطلب الحاضر عن الحكومة التأجيل للاستعداد في طلب التعويض النهائي. فقرت المحكمة التأجيل لجلسة 3 من أكتوبر سنة 1959 للمرافعة, ورخصت للطرفين في تقديم مذكرات في الطلبات المعدلة. فقدم المدعي مذكرتين في 31 من أكتوبر سنة 1959، تضمنت الأخيرة منهما حصر عناصر التعويض النهائية المطلوب. وقدمت الحكومة مذكرة في 24 من أكتوبر سنة 1959 بدفاع مجلس الوزراء, انتهت فيها إلى طلب الحكم برفض الطعن, وإلزام الطاعن بالمصروفات ومقابل الأتعاب. وبجلسة 31 من أكتوبر سنة 1959 قررت المحكمة مد أجل النطق بالحكم إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة, حسبما يبين من أوراق الطعن تتحصل في أن المطعون لصالحه, أقام الدعوى رقم 1526 لسنة 6 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري. بصحيفتها المودعة سكرتارية تلك المحكمة في 28 من يوليه سنة 1952 طالباً الحكم: أولاً – بإلغاء المرسوم الصادر في 12 من يونيه سنة 1952 بشغل منصب رئيس ديوان الموظفين, وبإحالة المدعي إلى المعاش. ثانياً – إلزام المدعى عليه بأن يدفع للمدعي قرشاً كتعويض مؤقت. مع إلزام المدعى عليه بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.. وقال أنه صدر القانون رقم 190 لسنة 1951 في 22 من أكتوبر سنة 1951 بإنشاء ديوان الموظفين وفى 5 من يناير سنة 1952 صدر مرسوم بتعيين المدعي – وكان يشغل منصب رئيس إدارة قضايا الحكومة – رئيساً لديوان الموظفين. وفى 7 من يونيه سنة 1952 وقبل أن يحلف المدعي اليمين القانونية صدر المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1952 بشأن ديوان الموظفين, استهدف تعديل بعض الإحكام الواردة بالقانون رقم 190 لسنة 1951, وفى التاريخ عينه سنة 1952 أرسل المدعي إلى رئيس مجلس الوزراء وقتذاك كتاباً سجل فيه أنه (قرأ في الصحف المرسوم بقانون الخاص بتعديل قانون ديوان الموظفين وأنه مع احتفاظه بكامل حقوقه – على استعداد لمباشرة عمله كرئيس لديوان الموظفين). وفى 12 من يونيه سنة 1952 صدر مرسوم بتعيين الأستاذ محمد سامي مازن رئيساً لديوان الموظفين (بدلاً من المدعي الذي أحيل إلى المعاش).. واستطر المدعي إلى القول بأنه ولئن صدر المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1952 معدلاً بعض أحكام القانون رقم 190 لسنة 1951 إلا أن هذا التعديل في ظروف الحال وملابساته يكشف عن الباعث الحقيقي عليه وهو الحيلولة بن المدعي وبين الاستمرار في شغل منصبه: وهو الوضع الخاص بالهيئة السياسية التي كان يرأسها عم المدعي, بينما المدعي لا شأن له من قريب أو بعيد بالمسائل الحزبية, ولم يعرف عنه طيلة خدمته أن له ميلاً خاصاً. وقد ردت الحكومة على الدعوى بمذكرة موجزة في 30 من مايو سنة 1954 قات فيها أن الأستاذ المدعي قد أحيل إلى المعاش بمرسوم صادر في 12 من يونيه سنة 1952 عين فيه رئيس آخر لديوان الموظفين. والإحالة إلى المعاش حق لمجلس الوزراء استعمله في حدود اختصاصه. والمدعى فيما ذكره في صحيفة دعواه لم يقل أن إحالته ترد إلى تعسف إلا ما يدعيه فيها من أن لرئيس الوزارة التي أصدرت مرسوم إحالته إلى المعاش وضعاً خاصاً بالنسبة للهيئة السياسية التي يرأسها عم المدعي. وظاهر أن هذا الوضع الذي تذكره لا يدل على تعسف وهذا أمر لا يحتاج إلى بيان. ومن أجل هذا طلبت إدارة القضايا الحكم برفض الدعوى مع إلزام رافعها بالمصروفات ومقابل الأتعاب. وفى 4 من ديسمبر سنة 1955 قدمت هيئة مفوضي الدولة أمام محكمة القضاء الإداري تقريراً بالرأي القانوني في هذه المنازعة خلصت فيه إلى أن: استناد المدعي إلى المادة 41 من الدستور الملغى للطعن على المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1952 هو استناد على غير أساس إذ أن هذا المرسوم بقانون إنما هو في حقيقته قانون استند إلى قاعدة دستورية كانت قائمة وقت صدوره وأنه ليس في إصداره ما يدل على الانحراف. أن قرار إحالة المدعي إلى المعاش سليم منتج لآثاره القانونية. أنه فيما يتعلق بطلب التعويض فإن فصل المدعي من منصب رئيس ديوان الموظفين يعتبر بغير أسباب ظاهرة من الأوراق وفى وقت غير لائق, مما يتعين معه إجابته إلى طلب التعويض. وقد عقب الحاضر عن المدعي على تقرير هيئة المفوضين فقال بجلسة 18 من يناير سنة 1956 أن مثل مرسوم إحالة المدعي إلى المعاش تغالى في مخالفة القانون والانحراف, ذلك لأن المدعي تولى الوظائف القضائية وكان من غير شك من البارزين فيها وكذلك كان في كل الوظائف التي تولاها, ولا يمكن أن يؤخذ عليه أن لصلته برفعة عمه أي أثر في تصرفاته الخاصة أو العامة, وصمم على طلبات المدعي. وبجلسة 19 من ديسمبر سنة 1956 قضت محكمة القضاء الإداري "الهيئة الثانية" "برفض الدعوى, وألزمت المدعي المصروفات". وقالت عن دستورية المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1952 أن القضاء الإداري في مصر قد جرى على أن تتصدى المحكمة لبحث دستورية القوانين من ناحية الشكل, ومن ناحية الموضوع على السواء. فإذا تعارض قانون صادر من السلطة التشريعية مع الدستور وجب تطبيق الدستور دون القانون. وقد صدر في 24 من مارس سنة 1952 مرسوم بحل مجلس النواب ودعوة الناخبين للانتخاب وتعيين موعد اجتماع المجلس الجديد. وفى 12 من إبريل سنة 1952 صدر المرسوم بقانون رقم 39 لسنة 1952 ونص مادته الأولى على أن يقف العمل بأحكام الباب الثاني من قانون الانتخاب ويقف تبعاً لذلك الترشيح وسائر عمليات الانتخاب. وفى 23 من يوليه سنة 1952 قامت ثورة الجيش وفى 10 من ديسمبر سنة 1952 أعلن القائد العام لقوات المسلحة سقوط دستور سنة 1923 وتولي السلطة التنفيذية السلطات التشريعية وفي 10 من فبراير سنة 1953 صدر الدستور المؤقت وناط بمجلس الوزراء تولى السلطة التشريعية في البلاد. ولما كان المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1952 قد صدر في 7 من يونيه سنة 1952 استناداً إلى المادة 41 من دستور سنة 1923 الملغى, وكان هذا الدستور يقوم على قاعدة أساسية هي وجود سلطات ثلاث في الدولة, التشريعية والقضائية والتنفيذية, ولكن السلطة التنفيذية التي كانت قائمة في البلاد عام 1952 قد تعمدت عدم دعوة البرلمان للانعقاد في الميعاد المنصوص عليه في الدستور. فعطلت بذلك بعض أحكامه. وقامت السلطة التنفيذية باختصاصات السلطة التشريعية, وفى قيامها بهذه السلطة ضرورة تحتمها وجود الدولة إذ لا بد من وجود هيئة تصدر القوانين, ولا يغير من ذلك اتخاذ الحكومة أداة (المراسيم بقوانين) واستنادها إلى مادة في الدستور, ولاستصدار القوانين. فهذه قوانين في حقيقتها, وليست مراسيم بقوانين مما قصدت إليه المادة 41 من الدستور الملغى. وتمشياً مع هذا الأصل صدر القانون رقم 38 لسنة 1953 باعتبار المراسيم بقوانين الصادرة في المدة من 23 من يوليه سنة 1952 إلى 10 من ديسمبر سنة 1952 قائمة من تاريخ صدورها. ونصت المذكرة الإيضاحية لهذا القانون على أن الفقه قد استقر على أن نجاح الثورة يسقط الدستور القائم, وأن المراسيم بقوانين أشير في ديباجتها إلى المادة 41 من الدستور ولم يكن هذا استناداً إلى أحكام تلك المادة بل استئناسا بحالة الضرورة التي طبقتهاً في حالة بعينها, وهى حالة حل مجلس النواب. وهذا القانون رقم 38 لسنة 1953 وإن كان قد نص على اعتبار المراسيم بقوانين الصادرة في المدة من 23 يوليه سنة 1952 إلى 10 من ديسمبر سنة 1952 قائمة من تاريخ صدورها دون تلك السابقة عليها إلا أن السند واحد في الحالين, وما يسرى على المراسيم بقوانين السارية في هذه الفترة يسرى كذلك على تلك التي صدرت قبلها في فترة حل مجلس النواب والثورة على أحكامه بعدم دعوة مجلس النواب, وتعطيل السلطة التشريعية تعطيلاً تاماً. وخلص الحكم المطعون فيه, في هذا الشق منه إلى أن استناد المدعي إلى المادة 41 من الدستور الملغى لكي يطعن على المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1952 إنما هو استناد على غير أساس إذ أن هذا المرسوم بقانون إنما هو في الواقع قانون وليس مرسوماً بقانون. كما أن المادة 41 من دستور سنة 1923 سقطت مع غيرها من المواد الخاصة بالسلطة التشريعية, وذلك لتعطيل الإحكام الدستورية فيما يتعلق بوجود هذه السلطة الأخيرة, وقالت المحكمة أنه ليس في إصدار هذا القانون ما يدل على الانحراف بدعوى أنه صادر بالذات لكي يمكن من فصل المدعي من وظيفته لدافع شخصي. ذلك لأن طبيعة الأمور, بعد تعطيل السلطة التشريعية وعدم دعوة البرلمان إلى الانعقاد, وهو الذي لا يجوز عزل رئيس ديوان الموظفين أو إحالته إلى المعاش إلا بموافقته طبقاً للمادة الثالثة من قانون إنشاء ديوان الموظفين رقم 190 لسنة 1951 أن يسترد مجلس الوزراء سلطته العادية في الهيئة على شئون الموظفين ضماناً لحسن سير المرافق العامة على وجه يحقق الصالح العام. وهذا هو جوهر التعديل الذي جاء به القانون رقم 78 لسنة 1952 عندما نص على أن يكون تعيين رئيس الديوان بمرسوم. وبالتالي فإن فصله يكون بهذه الوسيلة. فليس في الأمر أي انحراف مما أشار إليه المدعي. أما عن القرار الإداري المطعون فيه وهو المرسوم الصادر في 12 من يونيه سنة 1952 بتعيين رئيس جديد لديوان الموظفين بدلاً من المدعي الذي أحيل إلى المعاش فقد قالت محكمة القضاء الإداري في ذلك أنها تلاحظ أن الديوان قد أنشئ بمقتضى القانون رقم 190 لسنة 1951 وتنفيذاً لهذا القانون صدر في 5 من يناير سنة 1952 مرسوم بتعيين المدعي رئيساً لديوان الموظفين, وأبلغ هذا التعيين للبرلمان في 6 من يناير سنة 1952. ولكنه لم يحلف اليمين, ومن ثم فلم يباشر سلطته كرئيس للديوان, إلى أن صدر القانون رقم 78 لسنة 1952 ونص في المادة السادسة منه على إلغاء القانون رقم 190 سنة 1951. وخلصت المحكمة من ذلك إلى أن القانون إلى أن القانون رقم 190 الذى عين المدعي بالتطبيق لأحكامه رئيساً للديوان, قد ألغى وصدر القانون رقم 78 لسنة 1952 بإنشاء ديوان للموظفين ألحقه بوزارة المالية والاقتصاد بعد أن كان الديوان هيئة مستقلة. كما أن رئيسه أصبح يعين بمرسوم, بناء على عرض وزير المالية والاقتصاد بلا حاجة إلى تبليغ البرلمان, وعزله كذلك يكون بمرسوم بعد أن كان لا يعزل, ولا يحال إلى المعاش, إلا بموافقة البرلمان. كما أصبح راتبه 1800 جنيه سنوياً بعد أن كان في درجة وزير بمرتب 2500 جنيه. واستطرد الحكم المطعون فيه إلى القول: (… ومن حيث إنه بصدور القانون رقم 78 سنة 1952 فقد ألغيت وظيفة رئيس الديوان التي عين المدعي فيها تنفيذاً لأحكام القانون الملغى. وقد ألغيت هذه الوظيفية براتبها, وجميع مزاياها, وأنشئ بدلاً منها – بمقتضى القانون الجديد – وظيفة لرئيس الديوان بمرتب ومزايا أخرى تختلف عن المرتب والمزايا المنصوص عليها بالقانون الملغى وقد عين في هذه الوظيفة الجديدة, الأستاذ محمد سامي مازن بمقتضى المرسوم الصادر في 12 من يونيه سنة 1952… ومن حيث إن قانون نظام الموظفين رقم 210 لسنة 1951 يقضى بإنهاء خدمة الموظف بسب إلغاء الوظيفة فتكون خدمة المدعي كرئيس لديوان الموظفين, قد انتهت بصدور القانون رقم 78 لسنة 1952, ولم تنته خدمته, كما جاءت به صحيفة الدعوى بالمرسوم الصادر في 12 من يونيه سنة 1952 بتعيين آخر رئيساً للديوان وأن كان هذا المرسوم قد أشار فعلاً إلى إحالة المدعي إلى المعاش إلا أنه لم يفعل بذلك أكثر من ترديد للوضع الذي قرره القانون رقم 78 لسنة 1952. فإحالة المدعي إلى المعاش كانت سابقة على صدور مرسوم تعيين خلفه في 12 من يونيه سنة 1952. وجاءت عبارة هذا المرسوم عن المدعي مشفوعة بعبارة: (الذي أحيل إلى المعاش) ولم ير المرسوم داعياً للتنويه بإلغاء الوظيفة وإحالة شاغلها السابق إلى المعاش لأن ذلك يعتبر من قبيل حذف المعلوم.. ومن ثم يكون الطعن المدعي في هذا المرسوم الصادر في 12 من يونيه سنة 1952 غير ذي موضوع ولا محل له, ويتعين لذلك رفضه, ورفض طلب التعويض المؤسس عليه إذ أنه بانهيار الطعن بالإلغاء, ينهار تبعاً له طلب التعويض). وجاء في ختام أسباب الحكم المطعون فيه: أنه لا وجه للقول بأن نية المدعي قد اتجهت إلى طلب إلغاء القانون رقم 78 لسنة 1952 الذي قضى بإلغاء وظيفته لأن من المقرر أن القوانين لا تعتبر من القرارات الإدارية التي يختص بها القضاء الإداري, ومن ثم فلا تختص محكمة القضاء الإداري بطلب إلغاء القوانين مهما كان فيها مخالفات دستورية. ولا يقوم اختصاصها ببحث عيب القانون ومخالفته للدستور إلا عند تطبيق أحكامه على نزاع معين وعندئذ تختص, في سبيل الفصل في المنازعة المطروحة أمامها, , ببحث مدى ما في القانون من مخالفة لأحكام الدستور ولا تنزل على المنازعة إلا ما طبق الدستور من الأحكام القانونية. ومع ذلك فإن المحكمة قد انتهت إلى أنه لا محل للطعن على القانون رقم 78 لسنة 1952 ومن الناحية الدستورية لما سبق أن أوضحته من أسباب".
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ فيما ذهب إليه من أن القانون رقم 78 لسنة 1952 قد ألغى وظيفة رئيس الديوان وما رتبه على ذلك من أن سبب إنهاء خدمة المدعي هو إلغاء الوظيفة, وليس الفصل بغير الطريق التأديبي. وفيما انتهى إليه من أن المرسوم الصادر في 12 من يونيه سنة 1952 بإحالة المدعي إلى المعاش يكون والحالة هذه قد قام على سبب مشروع هو إلغاء الوظيفة ولم يقم على أسباب أخرى، ويستند الطعن إلى أن المادة الثالثة من المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1952 وأن كانت قد عدلت في المركز القانوني العام لوظيفة رئيس ديوان الموظفين وانقضت كثيراً من مزاياها، إلا أن هذا التعديل لا يعني أن القانون الأخير قد ألغي وظيفة رئيس الديوان , فالوظيفة ما زالت قائمة, ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه إذ أقام قضاءه برفض الدعوى على أساس إلغاء الوظيفة إنما يكون قد قام على أساس خاطئ في التكييف القانوني, وتكون إحالة المدعي إلى المعاش هو في حقيقة الأمر فصلاً بغير الطريق التأديبي الذي ينعى عليه المدعي بأنه صدر ببواعث شخصية لا تمت إلى المصلحة العامة بأية نسب ذلك أنه من رجال القضاء الذين تقبلوا في مختلف مناصبه حتى وصل إلى منصب وكيل وزارة العدل فرئيساً لإدارة القضايا وأنه مشهود له بالمقدرة والاستقامة والنزاهة, فليس ثمة من سبب يبرر فصله وإنما كان الباعث الحقيقي عليه هو صلة القربى برئيس الوزارة السابق على رئيس الوزراء التي استصدرت مرسوم إحالته إلى المعاش. ويقو تقرير الطعن أن الحكومة قد امتنعت عن الإفصاح عن سبب الفصل مستندة في مذكرتها الموجزة الأولى إلى مجرد مالها من سلطة في فصل الموظفين بغير الطريق التأديبي, وإلى أن ما يقوله المدعي من قيام صلة القربى بينه وبين رئيس الوزارة الأسبق, لا ينهض بذاته دليلاً على التعسف في استعمال الحكومة لسلطتها. وإذا كانت سلطة الحكومة في إقصاء الموظفين عن وظائفهم, عن غير الطريق التأديبي، هي سلطة واسعة فإنها مع ذلك ليست بالسلطة التحكمية ولا بالسلطة المطلقة, فتفصل من تشاء وكيف تشاء حسبما تريد وتهوى, متحللة من ضمانات الموظفين الأساسية, بل أن هذه السلطة التقديرية الواسعة تجد حدها الطبيعي عند عنصري المشروعية لكل قرار إداري من حيث قيام سبب صحيح للقرار ومن حيث استهدافه وجه المصلحة العامة. ففيما يتعلق بسبب فصل المدعي, فإن الحكومة قد اعتصمت – تحت ستار عدم ذكر الأسباب – بالصمت. وإذا كان الأصل أنها غير ملزمة بذكر الأسباب, وأنه يفترض في القرار أنه قائم على سبب صحيح, هذه القرينة قابلة لإثبات العكس، وقد بان لهيئة مفوضي الدولة أن ملف خدمته يشهد له طوال حياته في الوظيفة العامة بالاستقامة والنزاهة والمقدرة, وهذا ينفى مبدئياً أن فصله كان للصالح العام ما دامت الحكومة لم تكشف عن السبب الحقيقي أن كان ثمة سبب, بل اعتصمت بالصمت. وانتهى تقرير الطعن إلى طلب الحكم بقبوله شكلاً والقضاء بإلغاء المرسوم الصادر في 12 من يونيه سنة 1952 بشغل منصب رئيس ديوان الموظفين وبإحالة المدعي إلى المعاش, وبإلزام الحكومة بالمصروفات الخاصة بهذا الطلب وبرفض طلب التعويض المؤقت, وإلزام المدعي بالمصروفات الخاصة به اكتفاء بالإلغاء الذي يرد إلى المدعي اعتباره ويزيل ما لحق بهم من أضرار مادياً وأدبياً. ومن حيث إن المدعي بجلسة 13 من يونيه سنة 1959 عدل طلب التعويض المؤقت إلى تعويض نهائي لأنه بلغ سن التقاعد منذ 12 من مايو سنة 1958 فأصبح طلب الإلغاء, والحالة هذه, غير مجد, وسرد عناصر التعويض النهائي الذي يطلبه, فقال: أن معاشه الذي يتقاضاه الآن هو 109 جنيهات و722 مليماً شهرياً عن مدة خدمة بلغت 26 سنة وأربعة أشهر و21 يوماً. كما هو مقيد بسركي المعاش رقم 35104 المؤرخ في 19/ 12/ 1952 بوصفه رئيساً لديوان الموظفين. وقد اطلعت عليه المحكمة. ومنه يتضح أن جملة معاشه السنوي هو 1316 جنيهاً و664 مليماً على أساس درجة وزير 2500 جنيه سنوياً, وقرر المدعي أن العنصر الأول من التعويض هو مبلغ سبعة آلاف جنيه عبارة عن الفرق بين المرتب الذي يتقاضاه في وظيفته الأخيرة, والمعاش الذي يقبضه اليوم فعلاً, وذلك عن المدة من 12 من يونيه سنة 1952 إلى 12 من مايو سنة 1958 وهى مدة 5 سنوات و11شهراً تقريباً. وقال في بيان العنصر الثاني أنه لو مكث في وظيفته الأخيرة إلى سن الستين لكان قد حصل على معاش سنوي قدره 1500 جنيه بدلاً من مما يقبضه اليوم ويكون الفرق في المعاش السنوي هو 183 جنيهاً و336 مليماً يبدأ من بلوغه سن الستين في 12من مايو سنة 1958 ويستمر طول حياته ثم حياة زوجته وأولاده. وقال في بيان العنصر الثالث للتعويض النهائي الذي يطالب به, انه يمثل جبر الضرر الأدبي الذي لحق به من جراء إصدار تشريع فردى غير مجرد بقصد التخلص منه وقدر المدعي هذا العنصر بمبلغ خمسة آلاف جنيه. وطلب الحاضر عن الحكومة في الجلسة أجلاً للاتصال بجهات الإدارة في شأن عناصر التعويض على النحو المتقدم.
ومن حيث إن الحكومة قدمت في 24 من أكتوبر سنة 1959 مذكرة بدفعها أوضحت فيها أوجه ردها على تقرير الطعن المقدم من هيئة المفوضين ودفاعها بالنسبة لطلب التعويض النهائي وخلصت إلى تأييد الحكم المطعون فيه لأنه جاء مطابقاً لحكم القانون سواء بالنسبة لطلب إلغاء وظيفة رئيس ديوان الموظفين التي كان يشغلها الطاعن, أو بالنسبة لطلب التعويض. وقالت فيما يتعلق بالأمر الأول أنه ليس للموظف حق مكتسب في أن يبقى بوظيفته بل تستطيع الإدارة أن تلغيها إذا اقتضى ذلك الصالح العام. وقد رأت الحكومة إلغاء وظيفة رئيس ديوان الموظفين على الوجه المنصوص عليها في القانون رقم 190 لسنة 1951 وبحسب الأحكام والشروط الواردة فيه. فأصدرت القانون رقم 78 لسنة 1952 الذي جاء بوظيفة أخرى لرئيس الديوان تغاير الوظيفة الأولى سواء من حيث المرتب أو من حيث الأحكام والمزايا والضمانات. وبذلك تكون وظيفة رئيس الديوان قد ألغيت منذ صدور القانون رقم 78 لسنة 1952 وتكون خدمة الطاعن قد انتهت لإلغاء الوظيفة. ويؤيد هذا الاتجاه عبارة المرسوم الصادر في 12 من يونيه سنة 1952 بتعيين آخر بدلاً من الطاعن الذي أحيل إلى المعاش. ومفاد ذلك أن عملية الإحالة كانت سابقة على تعيين الخلف الجديد – وقالت الحكومة في شأن ملف خدمة المدعي أنه ليس هو المصدر الوحيد لبيان صلاحية الموظف أو كفايته لشغل الوظيفة وإنما هناك وسائل أخرى ومصادر خاصة تستجمع بها الإدارة البيانات والمعلومات الخاصة بموظفيها وتكون هذه البيانات والمعلومات سرية رعاية للمصلحة العامة. وقالت الحكومة رداً على ما جاء بتقرير الطعن من أنه كان من الواجب على جهة الإدارة أن تبدى الأسباب التي حملتها على فصل الطاعن بعد أن ظهرت نصاعة ملف خدمته, أن هذا الاتجاه يخالف ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة, والطاعن من جانبه لم يقدم دليلاً يثبت عكس ما قالت به الحكومة ولم يستطع أن يقدم ما يدل على أن جهة الإدارة أساءت استعمال سلطتها في إصدار القرار المطعون فيه سوى ترديد القول بأنه قريب لرئيس الوزراء السابق الذي كان يضطغن عليه رئيس الحكومة اللاحق. وجاء في السابق الشق الثاني من دفاع الحكومة المتعلق برفض طلب التعويض أن أساس مساءلة الحكومة عن القرارات الإدارية يقوم على وجود خطأ من جانبها, بأن يكون القرار الإداري غير مشروع أي أن يشوبه عيب أو أكثر من العيوب التي نصت عليها المادة الثامنة من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة وأن يترتب على هذا الخطأ ضرر, وأن تقوم علاقة السببية بين الخطأ والضرر. فإذا كان القرار الإداري مشروعاً فلا تسأل الإدارة عنه ولا محل للمطالبة بالتعويض, ولم تتعرض الحكومة في دفاعها لعناصر التعويض النهائي التي بينها المدعي. وخلصت الحكومة إلى التصميم على أن فصل الطاعن كان لإلغاء الوظيفة ومع تسليمها جدلاً بما جاء في تقرير الطعن من أن الفصل كان بغير الطريق التأديبي فإنه لا يعدو أن يكون فصلاً مطابقاً لأحكام القانون وطلبت الحكومة رفض الطعن وإلزام الطاعن بالمصروفات ومقابل الأتعاب.
ومن حيث إنه يخلص مما سلف إيراده, أن مثار المنازعة في الدعوى هو ما إذا كان فصل المدعي قد جاء نتيجة لإلغاء وظيفة رئيس ديوان الموظفين بموجب المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1952, الصادر في 7 من يونيه سنة 1952 أم أن هذه الوظيفة لم تلغ, وغاية الأمر أنه قد عدل نظامها القانوني على وجه لا يمنع من اعتبارها باقية, وأن من حق المدعي أن يظل في الوظيفة العامة سواء في وظيفة رئيس الديوان أو غيرها ما دام لا يوجد سبب آخر يسوغ فصله.
ومن حيث إن ديوان الموظفين قد أنشئ بالقانون رقم 190 لسنة 1951 الصادر في 22 من أكتوبر سنة 1951 كهيئة مستقلة لشئون الموظفين (م 1), وجعل من اختصاصه: أولاً الإشراف على تنفيذ لوائح الموظفين وثانياً النظر في تحديد عدد الموظفين ودرجاتهم في الوزارات المختلفة بقدر ما تقضى به ضرورة العمل. وثالثاً: وضع نظم الامتحانات اللازمة للتعيين في وظائف الحكومة وتمرين الموظفين. ورابعاً: مراجعة مشروعات ميزانيات الوزارات المختلفة الاعتمادات الأخرى فيما يختص بالوظائف عددا ودرجة, وغير ذلك من شئون الموظفين, وإبداء ما قد يكون لديه من ملاحظات عليها, فإذا لم يؤخذ بهذه الملاحظات, وجب إبلاغ البرلمان وجهة نظر الديوان. وخامساً: اقتراح التشريعات الخاصة بالموظفين, وعلى وجه العموم يختص الديوان بالنظر في نظام العمل الحكومي, ووضع لاقتراحات المؤدية لضمان الأعمال على وجه مرض (م 2). ونصت المادة الثالثة منه أن يتولى إدارة الديوان رئيس من درجة وزير يعين بمرسوم بناء على عرض رئيس مجلس الوزراء, وبعد موافقة المجلس المذكور, ويبلغ هذا التعيين إلى البرلمان, ويباشر سلطته بعد حلف اليمين بين يدي – الملك (السابق) – ويعامل رئيس الديوان بالنسبة للمعاش معاملة الوزراء ولا يعزل ولا يحال إلى المعاش إلا بموافقة مجلسي البرلمان. وحظرت المادة الرابعة أن يكون رئيس الديوان عضواً في مجلس الشيوخ أو في مجلس النواب, لا أن يكون قائما بأي عمل آخر له مرتب أو مكافأة من خزانة الدولة, أو من أي شركة أو هيئة مالية أخرى, وتسرى عليه أحكام المادة 64 من الدستور – الملغى – ونظمت المادة الخامسة وضع مشروع ميزانية الديوان, وكيفية عرضه على البرلمان, وسلطات رئيس الديوان فيما يتعلق باستخدام الاعتمادات المقررة بميزانية الديوان, وفى تنظيمه وإدارة أعماله, وفى تعيين موظفيه, ومنحهم العلاوات والترقيات والأجازات وفى الجزاءات التأديبية, وألزمت المادة السادسة رئيس الديوان, وضع تقرير سنوي يرفع إلى البرلمان والى رئيس مجلس الوزراء مع مشروع الميزانية.
ومن حيث إن المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1952 قد أبقى على الهيئة, وعلى وظيفة رئيس, وغاية الأمر أنه عدل في النظام القانوني لهما على الوجه الذي حدده في هذا المرسوم بقانون. فألحقته المادة الأولى بوزارة المالية والاقتصاد, وأبقت المادة الثانية على الاختصاص كما كانت تنص عليه المادة الثانية من القانون رقم 190 لسنة 1951. وعدلت المادة الثالثة درجة وظيفة رئيس الديوان فجعلتها الدرجة الممتازة 1800 جنيه سنوياً بعد أن كانت درجة وزير أي 2500 جنيه سنوياً. كما غيرت في كيفية تعيينه, فأصبح يعين بمرسوم بناء على عرض وزير المالية والاقتصاد, بعد أن كان يعين بمرسوم بناء على عرض رئيس مجلس الوزراء, كما أنقصت سائر مزايا الوظيفة سواء من حيث المعاش أو من حيث عدم القابلية للعزل. فأصبح لا يعامل معاملة الوزراء بالنسبة للمعاش, كما أصبح جائزاً عزله بعد أن كان ذلك لا يجوز إلا بموافقة مجلسي البرلمان. وألغيت سائر الإحكام الخاصة بصلة الديون أو رئيسه بالبرلمان. وكل ذلك نتيجة طبيعية بل لازمة لما استحدثه المرسوم بقانون من تعديل يهدف إلى قطع الصلة بينهما, وإلحاق ديوان الموظفين بوزارة المالية والاقتصاد.
ومن حيث إنه ولئن كان إلغاء الوظيفة العامة هو سبب من أسباب إنهاء خدمة الموظف, وعلة ذلك أن المصلحة العامة يجب أن تعلو على المصلحة الخاصة, فيفصل الموظف متى اقتضت ضرورات المصلحة العامة الاستغناء عن الوظيفة, إلا أن ذلك منوط بأن يكون ثمة إلغاء حقيقي للوظيفة التي كان يشغلها الموظف, كما أن القانون من جهة أخرى يلحظ الموظف الذي ألغيت وظيفته بعين الرعاية, فيبقى عليه في الوظيفة العامة بقدر الإمكان وعلى حسب الظروف والأحوال, وهو من باب التوفيق بين المصلحة العامة ومصلحة الموظف حتى لا يصيبه ضرر من الممكن تفاديه, ذلك أن إلغاء الوظيفة ضرورة قد تقتضيها المصلحة العامة ولكن الضرورة تقدر بقدرها, وتطبيقاً لهذه الأصول الطبيعية العادلة فإن المادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951 وأن نصت في فقرتها الخامسة على انتهاء خدمة الموظف بسبب إلغاء الوظيفة, إلا أن المادة 113 منه, قد راعت في الوقت ذاته مصلحة الموظف بقدر الإمكان, فنصت على أنه "إذا ألغيت وظيفة الموظف وكانت هناك في ذات الوزارة أو المصلحة أو في غيرها من الوزارات والمصالح وظيفة أخرى خالية يلزم لشغلها توافر المؤهلات التي يتطلبها التعيين في الوظيفة الملغاة, وجب نقل الموظف إليها بمرتبه متى كانت معادلة لهذه الوظيفة في الدرجة. فإن كانت أدنى منها, فلا يعين الموظف فيها إلا إذا قبلها, وتحسب أقدميته بمراعاة مدة خدمته فيها وفى الدرجات الأعلى منها, ويمنح فيها مرتبه. وعند خلو وظيفة مماثلة لوظيفته الأولى ينقل إليها بالمرتب الذي وصل إليه. وتحتسب أقدميته فيها بمراعاة المدة التي كان قد قضاها فيها". هذا وغنى عن القول أنه ولئن كانت الأحكام السابقة قد وردت في القانون رقم 210 لسنة 1951 الخاص بموظفي الدولة الذي جعل نفاذه اعتباراً من أول يوليه سنة 1952, أي قبل إحالة المدعي إلى المعاش بمقتضى المرسوم الصادر في 12 من يونيه سنة 1952 أي قبل نفاذه إلا أن تلك الأحكام لا تعدو أن تكون كما سلف البيان ترديداً للأصول العامة التي تمليها العدالة الطبيعية.
ومن حيث إنه بناء على ما تقدم لا يقوم مبرراً انتهاء مدة خدمة الموظف إلا إذا ألغيت وظيفته حقيقية, فإذا كان ما تم لا يعدو أن يكون تعديلاً في نظامها القانوني أو المالي, مع الإبقاء عليها, فلا ينهض ذلك إلغاء حقيقياً لوظيفة يسوغ نقل الموظف لذلك السبب, لأن المعلول يدور مع علته وجوداً وعدماً, كما أنه إذا ألغيت الوظيفة فعلاً أوجب الإبقاء على الموظف ما دام من المقدور نقله إلى وظيفة أخرى, ولو كانت أقل في الدرجة أو أدنى في المرتب متى قبلها, وذلك حتى يتيسر نقله إلى وظيفة مماثلة لوظيفته الملغاة. ومن باب أولى, لو أنه قبل أن يعمل في الوظيفة ذاتها بعد تعديل نظامها القانوني والمالي إلى وضع أدنى, هذا وفى جميع الأحوال يحتفظ للموظف بمرتبه السابق بصفة شخصية سواء نقل إلى وظيفة مماثلة للأولى أو إلى وظيفة أقل, أو بقى في الوظيفة ذاتها بعد تعديل نظامها إلى وضع أدنى.
ومن حيث إنه يظهر من كل ما تقدم, أن حجة الحكومة في فصل المدعي بمقولة أنه جاء نتيجة لإلغاء وظيفة رئيس ديوان الموظفين, هي حجة داحضة بعد إذ تبين مما سلف إيضاحه أن وظيفة رئيس الديوان لم تلغ بل ظلت قائمة, وغاية الأمر أن نظامها القانوني والمالي عدل إلى وضع أدنى. وشتان بين إلغاء الوظيفة وبين تعديل نظامها, فمن المعلوم أن أداة التعديل تمس دائماً الوظائف العامة وألا لجمدت نظم تلك الوظائف, ولتخلفت عما يقتضيه التطور الذي يرتئيه المشرع للصالح العام. وقد جرى ذلك في شتى وظائف الدولة وكان يحتفظ للموظفين الذين عدلت درجات وظائفهم إلى وضع أدنى، بمرتباتهم الأصلية بصفة شخصية سواء قبل نفاذ قانون موظفي الدولة أو بعده. بل أنه لو ألغيت الوظيفة فعلاً, ونقل الموظف إلى وظيفة أخرى سواء أكانت مماثلة أو أدنى قبلها لاحتفظ بمرتبه الأصلي بصفه شخصية كما سلف إيضاحه, وعلى أساس هذه النظرة العادلة يعامل القانون هؤلاء الموظفين حتى لا يصيبهم ضرر من الممكن تفاديه, وبهذا يتم التوفيق بين أعمال التشريع الجديد, وبين تفادى إلحاق الضرر بالموظف على قدر المستطاع… هذا, ومما يجب التنبيه إليه, في هذا المقام, أنه لما صدر المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1952 في 7 يونيه سنة 1952, وخفض درجة وظيفة رئيس الديوان وانقص من ضماناتها ومزاياها بادر المدعي إلى إرسال كتاب في 7 من يونيه سنة 1952 إلى السيد رئيس الحكومة وقتذاك, تضمن في عبارة صريحة استعداده لمباشرة عمله كرئيس لديوان الموظفين بوضعه الجديد.
ومن حيث إنه يخلص مما تقدم, أن إحالة المدعي إلى المعاش بالرسوم الصادر في 22 من يونيه سنة 1952 للسبب الذي استندت إليه الحكومة في دفاعها, لا تقوم على سند سليم من القانون. كما أن الحكومة لم تطعن في كفايته وصلاحيته للبقاء في الوظيفة العامة سواء في الوظيفة ذاتها بعد تعديل نظامها أو في غيرها كما لم تدع بأي سبب آخر يبرر فصله. فمن ثم يكون المدعي على حق في طلب تعويضه عما لحق به من أضرار ترتبت على فصله بغير وجه حق بمراعاة أنه كان باقياً له حتى بلوغ سن الستين في 12 من مايو سنة 1958, قرابة ست سنوات حرم منها من الوظيفة, وتقدر المحكمة التعويض بمبلغ ثلاثة آلاف جنيه تعويضاً شاملاً لكل ما أصابه من أضرار مادية وأدبية بسبب فصله من وظيفته. والمحكمة إذ تقدر ذلك تراعى أن المدعي, كان يستطيع التكسب بالعمل الحر.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفى موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وألزمت الحكومة بأن تدفع للمدعى مبلغ ثلاثة آلاف جنيه على سبيل التعويض والمصاريف المناسبة وبرفض ماعدا ذلك من طلبات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات