جلسة 19 يونيه سنة 1988لم يتم التعرف على تاريخ الجلسة
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء
الرابع
من يناير 1987 حتى آخر يونيو 1991م – صـ 454
جلسة 19 يونيه سنة 1988
برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مصطفى حسن – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: منير أمين عبد المجيد ورابح لطفي جمعة ومحمد كمال محفوظ وشريف برهام نور والدكتور عوض محمد المر وواصل علاء الدين – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ الدكتور أحمد محمد الحنفي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.
قاعدة رقم
القضية رقم 5 لسنة 7 قضائية "منازعة تنفيذ"
1- دعوى – تكييفها.
تكييف الدعوى هو مما يخضع لرقابة المحكمة التي تعطيها وصفها الحق، وتكييفها القانوني
الصحيح – إقامة المدعي دعوى منازعة تنفيذ في حكم سابق للمحكمة الدستورية العليا مستهدفاً
تحديد نطاق هذا الحكم على سند مما ظنه غموضاً أو إبهاماً فيه – حقيقة الدعوى أنها طلب
تفسير لهذا الحكم.
2- قانون "القانون الواجب التطبيق".
شرط انطباق القواعد المقررة في قانون المرافعات على الدعاوي التي تدخل في اختصاص المحكمة
الدستورية العليا، والأحكام الصادرة منها، أن يكون إعمال هذه القواعد غير متعارض مع
طبيعة اختصاص المحكمة والأوضاع المقررة أمامها.
3- دعوى دستورية – الحكم فيها "حجيته".
الدعاوي الدستورية عينية بطبيعتها، والأحكام الصادرة فيها حجيتها مطلقة قبل الكافة،
وتلتزم بها جميع سلطات الدولة سواء أكانت قد انتهت إلى عدم دستورية النص التشريعي المطعون
عليه أم إلى دستوريته.
4- دعوى دستورية – الحكم فيها – طلب تفسيره "الخصوم فيه".
قصر الحق في طلب تفسير الأحكام على الخصوم فيها، طبقاً للمادة مرافعات، لا يستقيم
إلا في إطار قاعدة نسبية الأحكام التي لا تقوم حجيتها إلا بين من كان طرفاً فيها والتي
تناقضها الحجية المطلقة المتعدية إلى الكافة التي تحوزها الأحكام الصادرة في المسائل
الدستورية – انسحاب هذا الحق إلى غير أطراف الدعوى ممن يكون الحكم المطلوب تفسيره ذا
أثر مباشر على مصالحهم الشخصية.
5- طلب التفسير – إجراءات تقديمه.
طلب التفسير الذي يقدم إلى المحكمة الدستورية العليا يعتبر دعوى يتعين أن ترفع إليها
وفقاً للأوضاع المقررة في قانونها.
6- طلب التفسير – المصلحة فيه.
شرط قبول طلب التفسير، توافر المصلحة فيه، بأن يكون ثمة ارتباط بينه وبين المصلحة في
الدعوى الموضوعية التي أثير طلب التفسير بمناسبتها والتي يؤثر الحكم فيه على الحكم
فيها.
7- المحكمة الدستوري العليا – أحكامها – محكمة الموضوع.
إعمال آثار الأحكام التي تصدرها المحكمة الدستورية العليا في المسائل الدستورية هو
من اختصاص محكمة الموضوع.
8- دعوى دستورية – الحكم فيها – طلب تفسيره "إجراءاته".
طلبات تفسير الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية تكون بناء على ادعاء من أحد الخصوم
أمام محكمة الموضوع غموض الحكم أو انبهامه وتستبين وجهه، فتمنحه أجلاً لتقديم طلبه،
أو أن تطلب من تلقاء نفسها من المحكمة الدستورية العليا ذلك التفسير.
9- طلب التفسير "إجراءاته".
طلب تفسير حكم المحكمة الدستورية العليا لا يقدم إلا من ذي شأن بمناسبة دعوى موضوعية
يتوقف الفصل فيها على الحكم الصادر في المسألة الدستورية، وتقدر محكمة الموضوع غموض
الحكم الصادر فيها – الطلب الذي يقدم إلى المحكمة الدستورية العليا مباشرة لا يكون
قد اتصل بالمحكمة وفقاً للأوضاع المقرر.
1- من المقرر قانوناً أن تكييف الدعوى هو مما يخضع لرقابة المحكمة التي تعطي الدعوى
وصفها الحق، وتكييفها القانوني الصحيح، متقصية في سبيل ذلك طلبات المدعي فيها، مستظهرة
حقيقة مراميها وأبعادها، وإذ كان ما تغياه المدعي بدعواه – التي أعطاها وصف المناعة
في التنفيذ – وعلى ما صرح به في طلباته، هو أن تقرر المحكمة الدستورية العليا عدم امتداد
مضمون حكمها الصادر في الدعوى رقم 20 لسنة 1 قضائية "دستورية" إلى الفوائد التي فرضتها
النصوص التشريعية المعمول بها بعد تعديل المادة الثانية من الدستور، وإذ أسس المدعي
هذا الطلب على أن قضاء هذه المحكمة في تلك الدعوى كان محل تفسيرات متعددة تدور جميعها
حول تباين وجهات النظر في شأن حقيقة ما قصدته المحكمة منه، وكان تصوير المدعي لطلباته
وبيانه لدواعيها يرمي إلى تحديد نطاق قضاء المحكمة في الدعوى المشار إليها باستجلاء
ما ظن المدعي وقوعه في منطوق الحكم الصادر فيها أو في أسبابه المرتبطة بهذا المنطوق
من غموض أو إبهام، فإن دعواه تنحل في واقع الأمر إلى طلب تفسير هذا القضاء إعمالاً
لحكم المادة من قانون المرافعات المدنية والتجارية التي تنص على أن للخصوم أن
يطلبوا إلى المحكمة التي أصدرت الحكم تفسير ما وقع في منطوقه من غموض أو إبهام، على
أن يقدم الطلب بالأوضاع المعتادة لرفع الدعوى.
2- مؤدى حكم المادتين ، من قانون المحكمة الدستورية العليا أن شرط انطباق
القواعد المقررة في قانون المرافعات المدنية والتجارية على الدعاوي التي تدخل في اختصاص
هذه المحكمة، وكذلك بالنسبة إلى الأحكام الصادر فيها، هو أن يكون إعمال هذه القواعد
غير متعارض مع طبيعة اختصاص المحكمة والأوضاع المقررة أمامها.
3- الدعاوي الدستورية بطبيعتها دعاوي عينية توجه الخصومة فيها إلى النصوص التشريعية
المطعون عليها بعيب دستوري، والأحكام الصادرة فيها تحوز حجية مطلقة بحيث لا يقتصر أثرها
على الخصوم في الدعاوي الدستورية التي صدرت فيها، وإنما ينصرف هذا الأثر إلى الكافة،
وتلتزم بها جميع سلطات الدولة، وسواء أكانت تلك الأحكام قد انتهت إلى عدم دستورية النص
التشريعي المطعون عليه، أم إلى دستوريته، ورفض الدعوى على هذا الأساس.
4- قصر الحق في طلب تفسير الأحكام الصادرة في الدعاوي الدستورية على الخصوم فيها وفقاً
لما تقضي به المادة من قانون المرافعات المدنية والتجارية، إنما يتعارض وطبيعة
الأحكام الصادرة في تلك الدعاوي، إذ لا يستقيم هذا القصر إلا في إطار قاعدة نسبية الأحكام
التي لا تقوم حجيتها إلا بين من كان طرفاً فيها، وهي قاعدة تناقضها الحجية المطلقة
المتعدية إلى الكافة التي تحوزها الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية، والتي تتطلب
– ترتيباً عليها – ألا يكون الحق في طلب تفسيرها وقفاً على الخصوم في الدعاوي الدستورية،
وإنما يتعين أن ينسحب هذا الحق كذلك إلى غيرهم ممن يكون الحكم المطلوب تفسيره – بتطبيقه
عليهم – ذا أثر مباشر على مصالحهم الشخصية.
5- طلب التفسير الذي يقدم إلى هذه المحكمة، لا يعدو أن يكون دعوى يتعين أن ترفع إليها
وفقاً للأوضاع المقررة في قانونها.
6- لا يتصور أن تكون المصلحة في طلب التفسير محض مصلحة نظرية غايتها إرساء حكم القانون
مجرداً توكيداً للشرعية الدستورية وإعمالاً لمضمونها، وإنما يجب أن تعود على المدعي
في الطلب منفعة يقرها القانون حتى تتحقق بها ومن خلالها مصلحته الشخصية، وترتبط المصلحة
في طلب التفسير بالمصلحة في الدعوى الموضوعية التي أثير طلب التفسير بمناسبتها، والتي
يؤثر الحكم فيه على الحكم فيها، ذلك أن الحكم الصادر بالتفسير يعتبر متمماً من كل الوجوه
للحكم الذي يفسره، وكلاهما لازم للفصل في الدعوى الموضوعية لا ينفكان عنها، لأنهما
يتعلقان بالقاعدة القانونية التي يقوم عليها أو يستند إليها الفصل في النزاع الموضوعي.
7، 8- استقر قضاء هذه المحكمة على أن إعمال أثار الأحكام التي تصدرها في المسائل الدستورية
هو من اختصاص محكمة الموضوع، وذلك ابتناء على أن محكمة الموضوع هي التي تنزل بنفسها
على الوقائع المطروحة عليها قضاء المحكمة الدستورية العليا في شأن المسألة الدستورية
باعتباره مفترضاً أولياً للفصل في النزاع الموضوعي الدائر حولها، وبمراعاة ما قد يبديه
الخصوم من دفوع أو أوجه دفاع في شأنها، فإذا ادعى أحد الخصوم أمامها غموض قضاء المحكمة
الدستورية العليا أو انبهامه، وتبين لها أن لهذا الدفاع وجهاً، كان لها أن تمنحه أجلاً
يطلب خلاله من المحكمة الدستورية العليا تفسير قضائها المختلف على مضمونه، ذلك أن تقدير
محكمة الموضوع غموض هذا القضاء يولد لديها صعوبة قانونية تحول في اعتقادها دون تطبيقه
بالحالة التي هو عليها على واقعة النزاع، ومن ثم يظل أمر حسمها معلقاً إلى أن تدلي
المحكمة الدستورية العليا بكلمتها النهائية في شأن حقيقة قضائها ومراميه. ولمحكمة الموضوع
كذلك، وقد خولتها المادة من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم
48 لسنة 1979، الحق في أن تحيل إلى هذه المحكمة النصوص القانونية التي يتراءى لها عدم
دستوريتها واللازمة للفصل في النزاع الموضوعي المعروض عليها، أن تطلب من تلقاء نفسها
من المحكمة الدستورية العليا ذلك التفسير، باعتبار أن غموض قضائها يثير خلافاً حول
معناه ويعوق بالتالي مهمتها في شان إعمال أثره على الوقائع المطروحة عليها.
9- طلب تفسير حكم المحكمة الدستورية العليا لا يقدم إلا من ذي شأن بمناسبة دعوى موضوعية
يتوقف الفصل فيها على الحكم الصادر في المسألة الدستورية، وتقدر محكمة الموضوع غموض
الحكم الصادر فيها، وإذ كان المدعي بعد أن أقام دعواه الموضوعية قد تقدم مباشرة إلى
هذه المحكمة بطلب تفسير حكمها الصادر في الدعوى رقم 20 لسنة 1 قضائية "دستورية" فإن
هذا الطلب لا يكون قد اتصل بالمحكمة وفقاً للأوضاع المقررة قانوناً، ويغدو الطلب من
ثم غير مقبول.
الإجراءات
بتاريخ 29 يونيو سنة 1985 أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب
المحكمة، وذلك باعتبار أنها منازعة في تنفيذ الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا
في الدعوى رقم 20 لسنة 1 قضائية "دستورية" بجلسة 4 مايو سنة 1985 طالباً الحكم في مواجهة
المدعى عليهم بعدم امتداد قضاء هذه المحكمة في الدعوى المشار إليها إلى الفوائد القانونية
التي قررتها النصوص التشريعية الصادرة بعد 22 مايو سنة 1980 – وهو تاريخ نفاذ تعديل
المادة الثانية من الدستور.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي
– بصفته المهنية كمحام وباعتباره واحداً من الكافة المخاطبين بأحكام المحكمة الدستورية
العليا – أقام هذه الدعوى بحسبانها منازعة في تنفيذ الحكم الصادر من المحكمة الدستورية
العليا في الدعوى رقم 20 لسنة 1 قضائية "دستورية" بجلسة 4 مايو 1985 قولاً منه بأنه
إثر صدور هذا الحكم، اختلف الرأي حول ما إذا كان قضاء هذه المحكمة في الدعوى المشار
إليها لا يمتد إلى الفوائد التي فرضتها النصوص التشريعية بعد العمل بتعديل المادة الثانية
من الدستور في 22 مايو سنة 1980 وتندرج تحتها القرارات التي أصدرها المدعى عليهما الأول
والثاني بتقرير فائدة مقدارها 15% على السندات الحكومية وكذلك الفوائد التي قررتها
المادة 172 من قانون الضرائب على الدخل الصادر بالقانون رقم 157 لسنة 1981، وأضاف المدعي
أنه أقام أمام محكمة جنوب القاهرة الابتدائية دعوى موضوعية يطلب فيها الحكم ببراءة
ذمته من أية ضرائب أو فوائد أو غرامات فرضتها النصوص التشريعية بعد تاريخ 22 مايو 1980
تأسيساً على أن الغرامات هي في حقيقتها فوائد، وأن الضرائب ذاتها غير دستورية لانطوائها
على مصادرة للأموال بغير حكم قضائي، وأن نطاق قضاء المحكمة الدستورية العليا في الدعوى
رقم 20 لسنة 1 قضائية "دستورية" يقتصر على الفوائد المقررة بمقتضى المادة 226 من القانون
المدني، ولا يمتد إلى الفوائد التأخيرية التي عمل بها بعد تعديل المادة الثانية من
الدستور، وهو ما يتعين بالتالي على هذه المحكمة أن تقضي به.
ومن حيث إنه من المقرر قانوناً أن تكييف الدعوى هو مما يخضع لرقابة المحكمة التي تعطي
الدعوى وصفها الحق، وتكييفها القانوني الصحيح، متقصية في سبيل ذلك طلبات المدعي فيها،
مستظهرة حقيقة مراميها وأبعادها.
وحيث إن ما تغياه المدعي بدعواه – وعلى ما صرح به في طلباته – هو أن تقرر المحكمة الدستورية
العليا عدم امتداد مضمون حكمها الصادر في الدعوى رقم 20 لسنة 1 قضائية "دستورية" إلى
الفوائد التي فرضتها النصوص التشريعية المعمول بها بعد تعديل المادة الثانية من الدستور،
وإذ أسس المدعي هذا الطلب على أن قضاء هذه المحكمة في تلك الدعوى كان محل تفسيرات متعددة
تدور جميعها حول تباين وجهات النظر في شأن حقيقة ما قصدته المحكمة منه، وكان تصوير
المدعي لطلباته وبيانه لدواعيها يرمي إلى تحديد نطاق قضاء المحكمة في الدعوى المشار
إليها باستجلاء ما ظن المدعي وقوعه في منطوق الحكم الصادر فيها أو في أسبابه المرتبطة
بهذا المنطوق من غموض أو إبهام، فإن دعواه تنحل إلى واقع الأمر إلى طلب تفسير هذا القضاء
إعمالاً لحكم المادة 192 من قانون المرافعات المدنية والتجارية التي تنص على أن للخصوم
أن يطلبوا إلى المحكمة التي أصدرت الحكم، تفسير ما وقع في منطوقه من غموض أو إبهام،
على أن يقدم الطلب بالأوضاع المعتادة لرفع الدعوى.
وحيث إن المادة 28 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة
1979 تنص على أنه "فيما عدا ما نص عليه في هذا الفصل، تسري على قرارات الإحالة والدعاوي
والطلبات التي تقدم إلى المحكمة، الأحكام المقررة في قانون المرافعات المدنية والتجارية
بما لا يتعارض وطبيعة اختصاص المحكمة والأوضاع المقررة أمامها".
كما تقضي المادة 51 من القانون المشار إليه، بأن "تسري على الأحكام والقرارات الصادرة
من المحكمة – فيما لم يرد به نص في هذا القانون – القواعد المقررة في قانون المرافعات
المدنية والتجارية بما لا يتعارض وطبيعة تلك الأحكام والقرارات".
وحيث إن مؤدى حكم هاتين المادتين أن شرط انطباق القواعد المقررة في قانون المرافعات
المدنية والتجارية على الدعاوي التي تدخل في اختصاص هذه المحكمة، وكذلك بالنسبة إلى
الأحكام الصادر فيها، هو أن يكون إعمال هذه القواعد غير متعارض مع طبيعة اختصاص المحكمة
والأوضاع المقررة أمامها. لما كان ذلك، وكانت الدعاوي الدستورية بطبيعتها دعاوي عينية
توجه الخصومة فيها إلى النصوص التشريعية المطعون عليها بعيب دستوري، وكانت الأحكام
الصادرة في هذه الدعاوي – وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة – تحوز حجية مطلقة بحيث
لا يقتصر أثرها على الخصوم في الدعاوي الدستورية التي صدرت فيها، وإنما ينصرف هذا الأثر
إلى الكافة وتلتزم بها جميع سلطات الدولة وسواء أكانت تلك الأحكام قد انتهت إلى عدم
دستورية النص التشريعي المطعون عليه، أم إلى دستوريته ورفض الدعوى على هذا الأساس.
لما كان ذلك، فإن قصر الحق في طلب تفسير الأحكام الصادرة في الدعاوي الدستورية على
الخصوم فيها وفقاً لما تقضي به المادة 192 من قانون المرافعات المدنية والتجارية، إنما
يتعارض وطبيعة الأحكام الصادرة في تلك الدعاوي، إذ لا يستقيم هذا القصر إلا في إطار
قاعدة نسبية الأحكام التي لا تقوم حجيتها إلا بين من كان طرفاً فيها، وهي قاعدة تناقضها
الحجية المطلقة المتعدية إلى الكافة التي تحوزها الأحكام الصادرة في المسائل الدستورية،
والتي تتطلب – ترتيباً عليها – ألا يكون الحق في طلب تفسيرها وقفاً على الخصوم في الدعاوي
الدستورية، وإنما يتعين أن ينسحب هذا الحق كذلك إلى غيرهم ممن يكون الحكم المطلوب تفسيره
– بتطبيقه عليهم – ذا أثر مباشر على مصالحهم الشخصية، ذلك أن طلب التفسير الذي يقدم
إلى هذه المحكمة، لا يعدو أن يكون دعوى يتعين أن ترفع إليها وفقاًً للأوضاع المقررة
في قانونها، ولا يتصور أن تكون المصلحة فيها محض مصلحة نظرية غايتها إرساء حكم القانون
مجرداً توكيداً للشرعية الدستورية وإعمالاً لمضمونها، وإنما يجب أن تعود على المدعي
في الطلب، منفعة يقرها القانون حتى تتحقق بها ومن خلالها مصلحته الشخصية. وترتبط المصلحة
في طلب التفسير بالمصلحة في الدعوى الموضوعية التي أثير طلب التفسير بمناسبتها، والتي
يؤثر الحكم فيه على الحكم فيها، ذلك أن الحكم الصادر بالتفسير يعتبر متمماً من كل الوجوه
للحكم الذي يفسره، وكلاهما لازم للفصل في الدعوى الموضوعية لا ينفكان عنها، لأنهما
يتعلقان بالقاعدة القانونية التي يقوم عليها أو يستند إليها الفصل في النزاع الموضوعي.
لما كان ذلك، وكانت المحكمة الدستورية العليا لا تتصل بالدعاوي والطلبات التي تدخل
في اختصاصها، إلا وفقاً للأوضاع المنصوص عليها في قانونها، وكان قضاء هذه المحكمة قد
استقر على أن إعمال أثار الأحكام التي تصدرها في المسائل الدستورية هو من اختصاص محكمة
الموضوع، وذلك ابتناء على أن محكمة الموضوع هي التي تنزل بنفسها على الوقائع المطروحة
عليها قضاء المحكمة الدستورية العليا في شأن المسألة الدستورية باعتباره مفترضاً أولياً
للفصل في النزاع الموضوعي الدائر حولها، وبمراعاة ما قد يبديه الخصوم من دفوع أو أوجه
دفاع في شأنها، فإذا ادعى أحد الخصوم أمامها غموض قضاء المحكمة الدستورية العليا أو
انبهامه، وتبين لها أن لهذا الدفاع وجهاً، كان لها أن تمنحه أجلاً يطلب خلاله من المحكمة
الدستورية العليا تفسير قضائها المختلف على مضمونه، ذلك أن تقدير محكمة الموضوع غموض
هذا القضاء يولد لديها صعوبة قانونية تحول في اعتقادها دون تطبيقه بالحالة التي هو
عليها على واقعة النزاع، ومن ثم يظل أمر حسمها معلقاً إلى أن تدلي المحكمة الدستورية
العليا بكلمتها النهائية في شأن حقيقة قضائها ومراميه.
ولمحكمة الموضوع كذلك – وقد خولتها المادة 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر
بالقانون رقم 48 لسنة 1979، الحق في أن تحيل إلى هذه المحكمة النصوص القانونية التي
يتراءى لها عدم دستوريتها واللازمة للفصل في النزاع الموضوعي المعروض عليها – أن تطلب
من تلقاء نفسها من المحكمة الدستورية العليا ذلك التفسير، باعتبار أن غموض قضائها يثير
خلافاً حول معناه ويعوق بالتالي مهمتها في شأن إعمال أثره على الوقائع المطروحة عليها.
لما كان ذلك، وكان طلب التفسير – وعلى ما سلف البيان – لا يقدم إلا من ذي شأن بمناسبة
دعوى موضوعية يتوقف الفصل فيها على الحكم الصادر في المسألة الدستورية، وتقدر محكمة
الموضوع غموض الحكم الصادر فيها، وكان المدعي بعد أن أقام دعواه الموضوعية قد تقدم
مباشرة إلى هذه المحكمة بطلب تفسير حكمها الصادر في الدعوى رقم 20 لسنة 1 قضائية "دستورية"
فإن هذا الطلب لا يكون قد اتصل بالمحكمة وفقاً للأوضاع المقررة قانوناً على ما سلف
البيان ويغدو الطلب من ثم غير مقبول.
لهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى وألزمت المدعي المصاريف ومبلغ ثلاثين جنيهاً مقابل أتعاب المحاماة.
