الطعن رقم 1154 لسنة 33 ق – جلسة 25 /02 /1989
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة أحكام
المحكمة الإدارية العليا
السنة الرابعة والثلاثون – الجزء الأول (من أول أكتوبر سنة 1988 إلى آخر فبراير سنة
1989) – صـ 588
جلسة 25 من فبراير سنة 1989
برئاسة السيد الأستاذ المستشار محمد حامد الجمل نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة: عبد اللطيف أحمد أبو الخير ود. إبراهيم علي حسن وإسماعيل صديق راشد وأحمد شمس الدين خفاجى المستشارين.
الطعن رقم 1154 لسنة 33 القضائية
أ – عاملون مدنيون بالدولة – تأديب – ضمانات التأديب – المسئولية
الشخصية – دستور 1971 القانون رقم 47 لسنة 1978 بإصدار قانون نظام العاملين المدنيين
بالدولة.
المبدأ العام الذي يحكم التشريع العقابي الجنائي أو التأديبي هو أن المسئولية شخصية
والعقوبة شخصية – يجد هذا المبدأ أصله الأعلى في الشرائع السماوية وبصفة خاصة الشريعة
الإسلامية – ورد المبدأ في دساتير الدول المتمدينة القائمة على سيادة القانون وقداسة
حقوق الإنسان – التزام قانون العاملين المدنيين بالدولة بهذا المبدأ صراحة – من أمثلة
ذلك: ما نص عليه من أن العامل لا يسأل مدنياً إلا عن خطئه الشخصي – تطبيق.
ب – موظف – تأديب – الواجبات الوظيفية والمخالفات التأديبية (سلطة تقديرية) القاعدة
الواجبة التطبيق في مجال التأديب هي أن للموظف التحرك في حدود السلطة التقديرية المخولة
له فيما يخضع لتقدير الخبراء دون أن يترتب على ما ينتهي إليه اعتباره مرتكباً لخطأ
تأديبي – يشترط لذلك أن يمارس عمله بحسن نية متجرداً من سوء القصد أو الإهمال أو مخالفة
القوانين أو تحقيق مصلحة خاصة له أو لغيره، القول بغير ذلك مؤداه أن يحجم كل مختص عن
ممارسة سلطته التقديرية بالمرونة الواجبة فتسود البيروقراطية وتنمو روح التسيب والتسلب
عن ممارسة المسئولية تجنباً للمساءلة عن كل إجراء يتخذه الموظف في حدود سلطته التقديرية
التي تفترض القدرة على التحرك في المجال المتاح له قانوناً – تطبيق.
إجراءات الطعن
في يوم الخميس الموافق 26 من فبراير سنة 1987 أودع الأستاذ………
المحامي بصفته وكيلاً عن السيد/ ……… قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير
طعن قيد بجدولها برقم 1154 لسنة 33 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية
بطنطا بجلسة 29 من ديسمبر سنة 1986 في الدعوى رقم 561 لسنة 14 القضائية المقامة من
النيابة الإدارية ضد الطاعن، والقاضي بمجازاته بخصم شهر من راتبه.
وطلب الطاعن – للأسباب الموضحة بتقرير الطعن – الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع
بإلغاء الحكم المطعون فيه مع إلزام المطعون ضده بالمصاريف وأتعاب المحاماة.
وأعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضده على الوجه المبين بالأوراق.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً، ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن
شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وببراءة الطاعن مما أسند إليه من اتهام.
وعين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون لهذه المحكمة جلسة التاسع من نوفمبر سنة 1988،
وبجلسة 28 من ديسمبر سنة 1988 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى هذه المحكمة حيث نظرت الطعن
بجلسة 28 من يناير سنة 1989، وبهذه الجلسة استمعت المحكمة إلى مرافعة الطرفين وقررت
إصدار الحكم بجلسة اليوم 25 من فبراير سنة 1989، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة
على أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعة، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفي سائر أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل حسبما يبين من الأوراق في أنه بتاريخ السابع من
يناير سنة 1986 أقامت النيابة الإدارية الدعوى التأديبية رقم 561 لسنة 14 القضائية
بإيداع أوراقها قلم كتاب المحكمة التأديبية بطنطا منطوية على تقرير باتهام: 1 – ……..
مهندس تنظيم بالوحدة المحلية لمركز ومدينة منوف بالدرجة الثانية. 2 – ……. مدير
إدارة التنظيم بالوحدة المحلية لمركز ومدينة منوف بالدرجة الثانية. لأنهما خلال شهر
مايو سنة 1983 بالوحدة المذكورة بدائرة محافظة المنوفية لم يؤديا العمل المنوط بها
بدقة وخالفا القواعد والأحكام المالية وأتياماً من شأنه المساس بمصلحة مالية للدولة
بأن:
الأول: أ – لم يتحر الدقة لدى تقديره التمغات الهندسية على الترخيص رقم 341 لسنة 1982
مما أدى لوجود عجز مقداره 500 مليماً على النحو المبين بالأوراق.
ب – أصدر الترخيص المشار إليه على أرض زراعية غير مقسمة بالمخالفة للقانون.
الثاني: أهمل الإشراف على أعمال المتهم الأول مما أدى إلى عدم تدارك ما ارتكبه المذكور
من أخطاء سالفة البيان وبذلك ارتكب المتهمان المخالفة الإدارية المنصوص عليه بالمادتين
76/ 1، 77/ 1 من نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978
المعدل بالقانون رقم 115 لسنة 1983، وطلبت النيابة الإدارية محاكمتهما تأديبياً بالمادتين
سالفتي الذكر وتطبيقاً للمواد 80، 82 من نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون
رقم 47 لسنة 1978 والمادة 14 من القانون رقم 117 لسنة 58 المعدل بالقانون رقم 171 لسنة
1981، والمادة 15 أولاً من القانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة.
وبجلسة 29 من ديسمبر سنة 1986 أصدرت المحكمة التأديبية بطنطا حكمها بمجازاة المتهم
الأول….. بخصم شهرين من راتبه، وبمجازاة المتهم الثاني….. (الطاعن) بخصم شهر واحد
من راتبه.
وأقامت المحكمة قضاءها على أن الثابت قبل المتهم الأول أنه قام بتقدير تكاليف العقار
الصادر عنه الترخيص بمبلغ 6850 جنيهاً، وقدر التمغات الهندسية على هذا الأساس في حين
أن التكاليف تقدر بحوالي 7000 جنيه، وكان يتعين تحصيل 500 مليماً زيادة عن المحصل من
قيمة التمغات كذلك فالثابت قبل المتهم الأول أنه أصدر الترخيص رقم 341/ 82/ 83 بالمخالفة
للقانون، ولا ينال من ذلك ما انتهت إليه النيابة الإدارية من أن العقار الصادر عنه
الترخيص داخل كردون المدينة وليس أرضاً زراعية، فإن ذلك مردود عليه بأحكام القانون
رقم 52 لسنة 1940 التي حظرت إقامة مبان على أرض غير مقسمة وقد خلت الأوراق مما يفيد
صدور قرار بتقسيم المنطقة المذكورة.
وأضافت المحكمة أنه عن المتهم الثاني فإن الثابت قبله أنه أهمل الإشراف على أعمال المتهم
الأول بما أدى إلى عدم تدارك ما ارتكبه المذكور من أخطاء ثبتت قبله.
وانتهت المحكمة التأديبية إلى أنه متى كان ما تقدم، فإن المتهمين لم يؤديا العمل المنوط
بهما بدقة وخالفا القواعد والأحكام المالية وأتيا ما من شأنه المساس بمصلحة مالية للدولة
الأمر الموجب لمساءلتهما ومجازاتهما تأديبياً.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن الحكم المطعون فيه قد صدر مشوباً بالخطأ في تطبيق القانون
والإخلال بحق الدفاع. فأما عن الخطأ في تطبيق القانون فمرجعه تجاهل الحكم لوجوب تطبيق
اشتراطات البناء الواردة بقانون تنظيم البناء رقم 106 لسنة 1976 على أي قطع أرض فضاء
متخلفة بالشوارع المستجد تحولها إلى المنافع العامة شأن الشارع الذي صدر ترخيص البناء
في الحالة الماثلة لعقار مطل عليه.
وأما عن الإخلال بحق الدفاع فمرجعه أن الحكم لم يعقب على دفاع الطاعن بأن حساب تكاليف
البناء يمكن أن يختلف من مهندس لآخر داخل إطار المستوى الواحد من مستويات البناء ومن
ثم فقد ينتج عن ذلك زيادة أو نقص بسيط جداً في قيمة التمغة الواجب لصقها على الرسومات
الهندسية الأمر الذي لا يشكل مخالفة في هذه الحالات.
ومن حيث إن المادة من الدستور قد نصت في فقرتها الأولى على أن "العقوبة شخصية"
كما نصت المادة في فقرتها الأولى على أن "المتهم برئ حتى تثبت إدانته في محاكمة
قانونية تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه" ومن ثم فإن المبدأ العام الحاكم للتشريع
العقابي سواء أكان جنائياً أو تأديبياً هو أن المسئولية شخصية وكذلك "العقوبة شخصية"
– وهذا المبدأ العام الذي قررته نصوص الدستور يجد أصله الأعلى في الشرائع السماوية
وبصفة خاصة في الشريعة الإسلامية، ومن ثم فهو أصل عام من أصول المسئولية العقابية تردده
نصوص دساتير الدول المتمدينة القائمة على سيادة القانون وقداسة حقوق الإنسان وقد التزمت
به صراحة أحكام المادة من نظام العامين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم
47 لسنة 1978 عندما قضت في فقرتها الأولى بأن "كل عامل يخرج على مقتضى الواجب في أعمال
وظيفته أو يظهر بمظهر من شأنه الإخلال بكرامة الوظيفة يجازى تأديبياً". وقضت في فقرتها
الثالثة بأنه "لا يسأل العامل مدنياً إلا عن خطئه الشخصي" وكذلك المادة فقرة أولى
من ذات القانون عندما قضت بأنه لا يجوز توقيع جزاء على العامل إلا بعد التحقيق معه
كتابة وسماع أقواله وتحقيق دفاعه ويجب أن يكون القرار الصادر بتوقيع الجزاء مسبباً"
ومن ثم فإنه يتعين أن يثبت قبل العامل بيقين ارتكابه جريمة تأديبية سواء بفعل إيجابي
أو سلبي يدخل ضمن الوصف العام للجريمة التأديبية من حيث كونها مخالفة لواجبات الوظيفة
أو مقتضيتها ولا يسوغ مساءلة العامل ومجازاته تأديبياً ما لم يثبت قبله بالتحديد بعد
التحقيق معه وتحقيق دفاعه عن ذلك الفعل المؤثم الذي يبرر مجازاته تأديبياً.
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على الأوراق أن مديرية الإسكان والتعمير بالمنوفية قد
أبلغت النيابة الإدارية بشأن المخالفات التي ثبتت بفحص الترخيص رقم 341/ 82/ 1983 والمستخرج
باسم المواطن…… بمدينة منوف. وبتحقيق الموضوع بواسطة النيابة الإدارية انتهت إلى
حفظ ما نسب إلى المهندس…… مهندس تنظيم بالوحدة المحلية لمركز ومدينة منوف المستخرج
للترخيص محل التحقيق قطعياً لعدم الأهمية لتقديره الرسوم الهندسية على التراخيص المذكور
بعجز مقداره 500 مليم وأرسلت الأوراق إلى الجهة الإدارية للتصرف على ضوء قرار النيابة.
وقد عرضت إدارة الشئون القانونية بمحافظة المنوفية مذكرة على السيد المحافظ انتهت فيها
إلى طلب إعادة الأوراق إلى النيابة الإدارية لاتخاذ إجراءات إقامة الدعوى التأديبية
ضد كل من…… و…….. وقد وافق على ذلك السيد المحافظ وأعيد ملف القضية إلى النيابة
الإدارية لاتخاذ إجراءات محاكمة المذكورين. وقد انتهت فيها النيابة إلى أنه بالاطلاع
على القانون رقم 3 لسنة 1982 تبين أنه نص في المادة الثانية منه على أنه لا يجوز إقامة
أية مبان أو إنشاءات في الأراضي الزراعية أو اتخاذ أية إجراءات بشأن تقسيم هذه الأراضي،
وتعتبر في حكم الأراضي الزراعية البور والقابلة للزراعة، ويستثنى من هذا الحظر الأراضي
الواقعة داخل كردون المباني حتى 1/ 12/ 1981 وبالاطلاع على الخرائط الخاصة بكردون مدينة
منوف والصادرة في 30/ 1/ 1942 تبين أن شارع أبو شنب والواقع به العقار الصادر عنه الترخيص
محل التحقيق يقع بحوض صقر وقد شمل الكردون 50% من الحوض المذكور ومن بينها الشارع المشار
إليها كما شمل كردون المدينة الصادر في 9/ 12/ 1964 نسبة 90% من الحوض المذكور.
ومن حيث أنه بالاطلاع على تقرير لجنة الإسكان بشأن المباني التي أقيمت بالمخالفة لأحكام
القانون رقم 52 لسنة 1940 بالوحدة المحلية لمركز ومدينة منوف يبين تضمنه أن القانون
رقم 135 لسنة 1982 ينص على إعفاء المباني التي أقيمت بالمخالفة لأحكام القانون رقم
52 لسنة 1940، وتنفيذاً لذلك القانون فإن قطع الأرض المتبقية فضاء والمحصورة بين مبان
أقيمت بالمخالفة لأحكام القانون رقم 52 لسنة 1940 وأعفيت بالقانون رقم 135 لسنة 1982
يصرف لها تراخيص مباني، وذلك ما طبقته الوحدة المحلية لمركز ومدينة منوف، وتأيد ذلك
بأقوال المهندس……. مدير إدارة التنظيم بمديرية الإسكان والتعمير والذي قام ببحث
الترخيص رقم 341 لسنة 1983 محل التحقيق. وقد تبين أن الترخيص عن مبنى مقام على شارع
يقع داخل كردون المدينة الصادر في 30/ 1/ 1942 وقد تمت إحالة الشارع إلى المنفعة العامة
طبقاً للقانون رقم 135 لسنة 1982، وقد ثبت بشهادة مدير الإدارة الهندسية بالوحدة المحلية
لمركز ومدينة منوف أنه في بداية الشارع منزل…….. صدر له ترخيص قانوني قبل صدور
القانون رقم 135لسنة 1982 وفي نهاية الشارع عقار ملك السيدة/ ……. وحرر ضدها محضر
مخالفة مباني رقم 115/ 1981 بالمخالفة للقانون رقم 52 لسنة 1940 وبعد ذلك صدر القانون
رقم 135 لسنة 1982 وأعطى الشرعية للمباني المخالفة للقانون رقم 52 لسنة 1940 وأحال
الشارع إلى المنفعة العامة بدون مقابل من بداية الشارع حتى عقار السيدة المذكورة، والتراخيص
رقم 341/ 82/ 1983 يقع في منتصف المسافة بين بداية الشارع وبين ملك السيدة………
وحيث إن مؤدى ما تقدم أن المهندس……. مهندس التنظيم بالوحدة المحلية لمركز ومدينة
منوف، إذ استند إلى ما تقدم في إصداره لترخيص البناء المشار إليه، فإنه يكون قد استند
إلى أساس قانوني من الثابت – رجحان سلامته، ومن ثم يكون قد أتى بتصرف لا يتعارض مع
صريح حكم قانوني أو تعليمات تنظيمية محددة واضحة، وإنما باشر واجبات وظيفته في حدود
فهم سائغ للقواعد التنظيمية المعمول بها، وهذا ما ينفي قيام أي خطأ تأديبي في حقه،
لأن المخالفة التأديبية إنما تتمثل في الخروج على قاعدة قانونية أو تنظيمية مستقرة
المفهوم، بحيث لا يمكن أن يدخل في عداد المخالفات التأديبية الإجراء القانوني الذي
يتخذه الموظف ولا يخالف به نصاً واضح الدلالة محدد المضمون ما دام أن الموظف العمومي
في أدائه هذا العمل بم يكن سيئ النية أو قاصداً الغدر بالمصلحة العامة وتحقيق مصلحة
خاصة له أو لغيره.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد نسب للطاعن أنه قد أهمل الإشراف على أعمال المهندس…..
الذي أصدر الترخيص المشار إليه ومن ثم جازاه عن هذا الاتهام.
ومن حيث أنه قد ثبت مما تقدم أنه لا مخالفة في شأن واقعة إصدار الترخيص المنوه عنه.
فإنه تنتفي بذلك تهمة إهمال الإشراف على المهندس…….
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد ذهب خلاف هذا المذهب، فإنه يكون قد صدر معيناً واجب
الإلغاء.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد نسب للطاعن كذلك أنه أهمل الإشراف على أعمال المهندس……..
إذ لم يتحر الدقة لدي تقديره التمغات الهندسية على الترخيص المشار إليه مما أدى لوجود
عجز (مقداره 500 مليم).
ومن حيث إن المهندس…. قد دفع مسئوليته بأنه قام بتقدير تكاليف البناء بمبلغ جنيهاً في حين أن الثابت بشهادة المهندس….. أن التكاليف تقدر بحوالي 7000 جنيه وبناء
على ذلك يتعين تحصيل مبلغ 500 مليماً زيادة على المبالغ المحصلة.
ومن حيث إن المهندس……. قد دفع مسئوليته عن ذلك بأن حساب تكاليف البناء يمكن أن
يختلف من مهندس لآخر داخل إطار المستوى الواحد من مستويات البناء الأمر الذي تنتج عنه
زيادة أو نقص بسيط جداً في قيمة التمغة الواجب لصقها على الرسومات الهندسية.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد أغفل الرد على هذا الدفع الجدي.
ومن حيث إن القاعدة الواجبة المراعاة في مجال التأديب هي أن للموظف التحرك في حدود
السلطة التقديرية المخولة له فيما يخضع لتقدير الخبراء دون أن يترتب على ما ينتهي إليه
اعتباره مرتكباً لخطأ تأديبي طالما أنه يمارس عمله بحسن نية متجرداً من سوء القصد أو
الإهمال أو مخالفة القانون أو الغدر بالمصلحة العامة لتحقيق مصلحة خاصة له أو لغيره
ذلك أن القول بغير ذلك مؤداه أن يحجم كل مختص عن ممارسة سلطته التقديرية بالمرونة الواجبة.
ومن ثم تسود البيروقراطية وتنمو روح التسيب والتسلب من ممارسة المسئولية تجنباً للمساءلة
عن كل إجراء يتخذه الموظف.
في حدود سلطته التقديرية التي تفترض القدرة على التحرك في المجال المتاح له قانوناً.
ومن حيث إن المهندس….. قد قدر تكاليف البناء محل الترخيص بمبلغ جنيهاً في
حين قدر غيره التكاليف بمبلغ جنيهاً وكان كلا التقديرين يدخل في مستوى واحد
من مستويات البناء مع فارق طفيف في التقدير، فإنه يكون قد مارس سلطته التقديرية وبحسن
نية دون أن يخالف أية قاعدة تنظيمية مقررة ومن ثم لا يمكن القول بأنه ارتكب أية مخالفة
تأديبية تستوجب المساءلة والمؤاخذة، وبالتالي لا يمكن القول بنسبة إهمال من جانب الطاعن
في الإشراف عليه.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد ذهب خلاف هذا المذهب، فإنه يكون قد صدر معيباً واجب
الإلغاء مع القضاء ببراءة الطاعن مما نسب إليه.
ومن حيث إن من يخسر الدعوى يلزم بمصروفاتها تطبيقاً للمادة مرافعات، إلا أن هذا
الطعن معفى من الرسوم القضائية بصريح نص المادة من نظام العاملين المدنيين بالدولة
الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وببراءة الطاعن مما نسب إليه.
