الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 188 لسنة 34 ق – جلسة 11 /02 /1989 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة أحكام المحكمة الإدارية العليا
السنة الرابعة والثلاثون – الجزء الأول (من أول أكتوبر سنة 1988 إلى آخر فبراير سنة 1989) – صـ 546


جلسة 11 من فبراير سنة 1989

برئاسة السيد الأستاذ المستشار محمد حامد الجمل نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة: عبد اللطيف أحمد أبو الخير ويحيى السيد الغطريفي وإسماعيل صديق راشد وأحمد شمس الدين خفاجى المستشارين.

الطعن رقم 188 لسنة 34 القضائية

عاملون مدنيون بالدولة – تأديب . الواجبات الوظيفية والمخالفات التأديبية.
يعتبر واجب مراعاة الأمانة من الواجبات الوظيفية المفروضة على جميع العاملين – يتسع نطاق هذه الواجب على العاملين بالمحاكم – أساس ذلك: أن ساحة القضاء هي المحراب المقدس والملجأ الأخير أمام أفراد الشعب طلباً للحماية وتحقيقاً للعدل – مؤدى ذلك: أن انحراف العاملين بالمحاكم يكون أكثر خطراً من الانحراف في أية ساحة أخرى لذا ينبغي أن تكون مؤاخذته أشد وجوباً بما يكفل الردع والزجر – تطبيق.


إجراءات الطعن

في يوم الأحد الموافق 13 من ديسمبر سنة 1987 أودع الأستاذ/ ……. المحامي نائباً عن الأستاذ/ ….. المحامي بصفته وكيلاً عن السيد/ ….. قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها برقم 188 لسنة 34 القضائية في القرار الصادر من مجلس تأديب العاملين بمحكمة بني سويف الابتدائية بجلسة 17 من أكتوبر سنة 1987 في الدعوى رقم 2 لسنة 1987 والمنتهي إلى مجازاة الطاعن بخفض وظيفته في الدرجة الأدنى.
وطلب الطاعن – للأسباب الموضحة بتقرير الطعن – الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه وما يترتب على ذلك من آثار.
وأعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضده على الوجه المبين بالأوراق.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً مسبباً بالرأي القانوني ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً. وعين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون لهذه المحكمة جلسة التاسع من نوفمبر سنة 1988، وبجلسة 14 من ديسمبر سنة 1988 أحالت الدائرة المذكورة الطعن إلى هذه المحكمة فنظرته بجلسة 31 من ديسمبر سنة 1988 وفي هذه الجلسة قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم 11 من فبراير سنة 1989، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته مشتملة على أسبابه فور النطق به.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع المرافعة والمداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى سائر أوضاعه الشكلية فهو مقبول شكلاً.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، تتحصل حسبما يبين من الأوراق في أن (السيد/ ….) تقدم بشكوى إلى السيد الأستاذ المستشار رئيس محكمة بني سويف الابتدائية أبدى فيها أنه قام برفع دعوى ضد (….) و(……) بطلب الحكم بفسخ عقد الإيجار لتأخيرها في سداد القيمة الإيجارية بصفتهما ورثة المرحوم (….) وصدر لصالحه حكم من محكمة مركز بني سويف قضى بفسخ عقد الإيجار المؤرخ آذار 1/ 10/ 1965 وتسليم مساحة فدانين وقيراطين إليه.
وكان….. قد استشكل في تنفيذ هذا الحكم إلا أن هذا الإشكال رفض، أنه أثناء تقديمه الحكم إلى قلم المحضرين لتنفيذه فوجئ بوجود إشكال مقدم من (……) التي أبلغته بعدم تقديمها أي صحيفة إشكال، وأن هذه الصحيفة المقدمة ليست صادرة منها، وأضاف بأنه يطعن بالتزوير على هذه الصحيفة على أساس إنكار (……) للتوقيعات والأختام المدونة عليها، وعدم توقيع الصحيفة من محام.
وقد أجرت النيابة العامة تحقيقاً في هذه الوقائع انتهت فيها إلى الاكتفاء بمجازاة (………) تأديبياً.
وبتاريخ 2/ 6/ 1987 صدر قرار رئيس محكمة بني سويف بمجازاة (……..) بالإيقاف عن العمل لمدة ستة أشهر مع صرف نصف الأجر المستحق له.
وبناء على قرار السيد الأستاذ المستشار وزير العدل رقم 5334 لسنة 1987 تم سحب هذا الجزاء وتقرير محاكمة (……) أمام مجلس تأديب محكمة بني سويف الابتدائية.
وبجلسة 17/ 10/ 1987 صدر قرار مجلس تأديب العاملين بمحكمة بني سويف الابتدائية بمجازاة….. بخفض وظيفته إلى وظيفة الدرجة الأدنى مباشرة.
وقد بنى مجلس التأديب قراره على أن السيدة/ ….. قررت أنها لم تتقدم بصحيفة الإشكال لوقف تنفيذ الحكم الصادر لصالح (……..) وأن الأختام المتواجدة على الصحيفة ليست خاصة بها وأنها نسبت إليها زوراً وقد شهد (……) كاتب أول محكمة أهناسيا الجزئية بأن (……) حضر إليه في يوم 14/ 2/ 1987 وبرفقته سيدة ادعى أن اسمها (…..) وتقدم بصحيفة استشكال لوقف تنفيذ الحكم الصادر لصالح…. وتم تحديد جلسة لنظر الإشكال وقام (…..) سكرتير الجلسة بتحديد جلسة لصحيفة الإشكال، وأضاف بأنه لم يتم التحقيق من شخصية تلك السيدة اعتماداً منهم على ثقتهم في الموظف (…….) باعتباره زميلهم في العمل، وقد تواترت شهادات العاملين بالمحكمة مؤيدة لهذه الأقوال.
وقد انتهى من ذلك مجلس التأديب إلى أن التهمة ثابتة في حق المتهم، وأن هذه الواقعة كافية لإدانته جنائياً إذا ما قدم للمحاكمة أمام محكمة الجنايات.
ومن حيث إن مبني الطعن أن قرار مجلس التأديب قد أخطأ في تطبيق القانون وتأويله وتفسيره. وذلك من نواح ثلاث.
إهدار دفاع جوهري للطاعن، ذلك أنه قد أبدي شفاهة وكتابة أن عريضة الإشكال موضوع المحاكمة قد تسلمها من الأستاذ (……) المحامي ببني سويف عندما توجه لمكتبه لاستشارته في دعوى….. و….. مقامة أمام محكمة أهناسيا فطلب إليه المحامي أن يقوم بتسليم صحيفة الاستشكال بالمحكمة وتوريد الرسم عنها وهي محررة بخط يده، وقد ثبت أنه وكيل رسمي عن السيدة/ ……. وقد طلب الطاعن إلى المحكمة مواجهة المحامي بما تقدم وقد أهدر قرار مجلس التأديب هذا الدفاع. أن القرار المطعون فيه قد نسب إلى الطاعن أنه قدم صحيفة استشكال منسوبة إلى….. التي أنكرت في التحقيقات أنها تقدمت بهذه الصحيفة وكان على مجلس التأديب أن يبحث عن وجه المصلحة في نسبة الاستشكال إلى هذه السيدة زوراً، فالمرجح أن تكون هي التي طلبت إلى محاميها تقديمها ثم لجأت إلى الإنكار تهرباً من مواجهة النيابة العامة.
إن مخالفة الطعن متساوية مع مخالفة السيد/ …… الذي قبل الاستشكال دون التحقق من شخصية مقدمته وعلي ذلك فإذا كانت المساءلة لم تشمل هذا الموظف فإن مجازاة الطاعن بهذه العقوبة الغلظة يكون منطوياً على تفويت العقوبة شرعيتها.
ومن حيث إن قرار مجلس التأديب المطعون فيه قد بني قرار الجزاء على أنه قد ثبت في حق المتهم أنه أخل بواجباته الوظيفية إخلالاً جسيماً واعتمد على ثقة الموظفين فيه وخان أمانة الوظيفة العامة وقدم إليهم صحيفة إشكال مزورة نسبها زوراً إلى المدعية…….. وترتب على تلك الثقة أن أهمل الموظفون التحقق من شخص تلك السيدة وقبلوا تلك الصحيفة فترتب عليها وقف تنفيذ الحكم مما يستوجب مجازاته.
ومن حيث إنه يبين من أوراق التحقيق أن….. كتاب أول محكمة أهناسيا الجزئية قد شهد بأن الطاعن، وهو مراجع قضايا محكمة بني سويف الابتدائية قد حضر إلى محكمة أهناسيا يوم 24/ 2/ 1987 وبرفقته سيدة تدعي أنها……. وتقدمت بصحيفة استشكال لوقف تنفيذ حكم صادر لصالح…… وتم تحديد جلسة لنظره.
وقد شهد…… سكرتير جلسة بمحكمة أهناسيا بأنه تقابل مع الطاعن بديوان المحكمة يوم 14/ 2/ 1987 وبرفقته سيدة تدعي أنها……. وقدم له صحيفة استشكال خاص بها فقام بتحديد رسومها دون التحقيق من شخصيتها لصلة الزمالة التي تربطه بالطاعن.
وشهدت…… الموظفة بمحكمة أهناسيا بأن الطاعن قد قدم إليها يوم 14/ 2/ 1987 صحيفة إشكال لقيدها بالجداول فقامت بتسليمها إلى قلم المحضرين وشهد…….. الموظف بمحكمة أهناسيا، بأن الطاعن قد قدم له يوم 14/ 2/ 1987 صحيفة استشكال باسم……… محددة الرسوم، وقام الطاعن بدفع قيمة الرسوم إليه.
ومن حيث إن الطاعن قد أنكر في التحقيقات ما أسند إليه من اتهام وأضاف أنه لم يتوجه إلى ديوان محكمة أهناسيا مطلقاً يوم 14/ 2/ 1987 ثم عاد وقرر أمام مجلس التأديب أن صحيفة الاستشكال محل المسألة والمنسوب صدورها من (…….) كان قد تسلمها من الأستاذ (…….) المحامي لتسليمها إلى قلم كتاب محكمة أهناسيا وقيدها، وأنه كان يجهل تزويرها.
ومن حيث إن الثابت من أقوال الشهود أن الطاعن قد توجه إلى محكمة أهناسيا الجزئية وبرفقته سيدة ادعى أنها (…….) وأنه قد اصطحبها خلال مراحل إجراءات إقامة الاستشكال المتعددة بإدعاء أنها صاحبة هذا الاسم، وقد أجمع العاملون بالمحكمة، المختصون بمباشرة مختلف خطوات إقامة الاستشكال على أن الطاعن قد قدم إليهم هذه السيدة، على أنها (……) في حين أنكرت صاحبة الشأن المذكورة أنها توجهت معه إلى المحكمة، أو أنها حررت صحيفة الاستشكال أو وقعتها.
ومن حيث إن الطاعن قد أنكر بدءاً في التحقيقات أنه توجه أصلاً إلى محكمة أهناسيا الجزئية في يوم 14/ 2/ 1987 ثم عاد وأقر بأنه توجه إليها في هذا التاريخ وقدم استشكال وكله بتقديمه أحد المحامين.
ومن حيث أنه على فرض هذا الإدعاء الأخير الذي انتهى إليه أمام مجلس التأديب فإن الطاعن يكون قد ثبت في حقه أنه قام لصالح أحد المحامين بمهمة تخص عمل هذا المحامي أمام محكمة أهناسيا الجزئية مباشراً بذلك مهمة وكيل المحامي سواء كان ذلك بمقابل أو بغير مقابل، وقد استعان على استكمال أدائه لهذه المهمة باصطحاب إحدى السيدات والإدعاء بأنها (……) التي أنكرت أنها تعلم شيئاً عن هذا الموضوع الأمر الذي يفيد أن الطاعن قد صحب سيدة انتحلت شخصية سيدة أخرى وتقدمت باسمها باستشكال لم تقدمه الأصلية ولم تعلم به أو ترتضيه.
ومن حيث إنه لا وجه للنعي على قرار مجلس التأديب بأنه قد حدد دون الاستجابة إلى طلب الطاعن مواجهة الأستاذ (…….) بأنه هو محرر الاستشكال بخط يده، وذلك لأنه على فرض أن الاستشكال محرر بيد المحامي المذكور فإن الاتهام يظل بأن الطاعن وباعترافه شخصياً أنه قد باشر لصالح هذا المحامي مهمة من مهام وكلاء المحامين لوجود علاقات خاصة بينها يصورها في وجود دعاوى خاصة به يتولاها المحامي المذكور وأنه استعان على إتمام أداء هذه المهمة لسيدة انتحلت شخصية أخري وقد أقر في مذكرة الدفاع المقدمة منه لمجلس التأديب أنه قد فوجئ عند عرض عريضة الإشكال التي قدمها في النيابة العامة بأن العريضة لم يجد بها اسم المحامي سالف الذكر فتوجه إليه وحكى له ما دار فتنكر له وقال له أنه لا يعرف شيئاً وأن على الطاعن أن يتصرف في الموضوع.
وحيث أن ما وقع من الطاعن بإقراره يعد مخالفة لما تقضيه واجبات الوظيفة العامة في مرفق القضاء والتي تقتضي من معاوني القضاء الأمانة في أداء واجباتهم والبعد عن مواطن الريب والشبهات في علاقتهم بالمتقاضين أو وكلائهم من المحامين فهم يتعين عليهم الالتزام العام في أداء واجباتهم بالدقة والعدل وهو ما أقسموا اليمين عليه طبقاً لأحكام المادة من القانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية.
ومن حيث أنه لا وجه كذلك للنعي على قرار مجلس التأديب بأنه لم يبحث وجه المصلحة فيما أقترفه الطاعن، ذلك أنه على افتراض صحة تصويره للواقعة فإن مصلحته تكون تحقيق الخدمة التي أبدي أن الأستاذ (……….) قد طلب أداءها لوجود قضايا خاصة له يباشرها المحامي المذكور إذا أخذ باعترافه وإقراره.
ومن حيث إنه لا وجه أخيراً للنعي على قرار مجلس التأديب بأنه انطوي على غلو في تقدير الجزاء لأن ما أتاه الطاعن ينطوي على مخالفة جسيمة وخيانة لأمانة الوظيفة العامة تلك الأمانة التي جعلها المشرع من أولي واجبات العاملين المدنيين بالدولة، وفقاً لنص الفقرة الأولى من المادة 76 من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة، وإذا كان واجب مراعاة الأمانة هو واجب وظيفي مفروض على جميع العاملين، فإنه يكون مفروضاً من باب أولى وعلي نطاق أوسع على العاملين بالمحاكم في ساحة القضاء، تلك الساحة، التي تمثل المحراب المقدس الذي يعد الملجأ الأخير أمام أفراد الشعب، طلباً للحماية واستشرافاً للعدل. ومن أجل ذلك فإن انحراف العامل في تلك الساحة يكون أكثر خطراً من الانحراف في أية ساحة أخرى، ومن ثم ينبغي أن يكون تقويم الانحراف الذي يقع منه أكثر إلحاحاً، وتكون مؤاخذته أشد وجوباً، ويكون تقدير الجزاء التأديبي الملائم على ضوء ذلك بما يكفل الردع والزجر مراعياً كل ما تقدم من اعتبارات.
ومن حيث إنه على ضوء ما سبق يكون الجزاء الذي قدره مجلس التأديب في قراره المطعون فيه متوافقاً صدقاً وعدلاً مع ما ثبت في حق الطاعن من مخالفة.
ومن حيث إن مؤدى ما تقدم سلامة قرار مجلس التأديب المطعون فيه وموافقته صدقاً وعدلاً لأحكام القانون، مما يتعين معه القضاء برفض الطعن الماثل.
ومن حيث إن هذا الطعن معفى من الرسوم القضائية وفقاً لحكم نص المادة من نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 لأن قرار مجلس التأديب المطعون فيه يأخذ حكم أحكام المحاكم التأديبية.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات