الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 23 لسنة 9 قضائية “دستورية” – جلسة 04 /05 /1991 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الرابع
من يناير 1987 حتى آخر يونيو 1991م – صـ 335

جلسة 4 مايو سنة 1991

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مصطفى حسن – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور عوض محمد المر والدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولي الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ محمد خيري عبد المطلب – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 23 لسنة 9 قضائية "دستورية"

1- قانون "تفسيره" – دعوى دستورية "المصلحة فيها".
النص في الفقرة الأولى من المادة من قانون الزراعة على قاعدة حظر البناء في الأراضي الزراعية واستثناء خمس حالات من هذا الحظر، ثم النص في فقرتها الأخيرة على أنه فيما عدا الحالة المنصوص عليها في البند (جـ) من الحالات المشار إليها يشترط صدور ترخيص مسبق من المحافظ المختص قبل إقامة أي مبان – مؤداه أنه فيما عدا البند المذكور فإن نص الفقرة الأخيرة من المادة يشكل جزءاً لا يتجزأ من نص كل بند من البنود الأخرى فلا يقرأ دونها – طعن المدعي بعدم دستورية الفقرة الأولى من المادة والبندين ب، هـ منها، يرتبط بحكم اللزوم بفقرتها الأخيرة، وكونه متهماً في الدعوى الجنائية بتهمة إقامة مبان على أرض زراعية بغير ترخيص – توافر مصلحته في الطعن.
2- ملكية خاصة "صونها – وظيفتها الاجتماعية" – قانون الزراعة "قيود البناء على الأرض الزراعية" – حراسة.
الملكية الخاصة ليست حقاً ملقاً، وإنما كفل الدستور صونها، وأقامها على أساس أن لها وظيفة اجتماعية ينظم القانون أداءها – توخي التنظيم التشريعي بقيود البناء على الأرض الزراعية مواجهة ظاهرة البناء عليها بما ينتقص من رقعتها ويحد من غلتها وباعتبار الحفاظ عليها لازماً للتنمية الاقتصادية والاضطلاع بأهم تبعات الإنتاج الزراعي متمثلة في إشباع احتياجات المواطنين للغذاء، وكون هذا التنظيم لا يغل يد المالك عن إدارة أرضه أو التصرف فيها ولا يحول كلية دون البناء عليها، وإنما يجيز ذلك في أحوال محددة تمليها الضرورة وبترخيص ضماناً لأن تظل الأرض الزراعية مرصودة في استخداماتها على الأغراض المهيأة لها أصلاً – قالة الإخلال بالحماية الدستورية لحق الملكية وفرض الحراسة عليها، على غير أساس.
3- شريعة إسلامية – حق الملكية – قانون الزراعة "قيود البناء على الأرض الزراعية".
مظاهرة مبادئ الشريعة الإسلامية للتنظيم التشريعي بقيود البناء على الأرض الزراعية، اعتباراً بأن لولي الأمر التدخل بتنظيم الملكية إذا أساء الناس استخدام أموالهم ليوجهه لمصلحة الجماعة ووفاء احتياجاتها ودفع الضرر عنها، واستهدف التنظيم مصالح مشروعة بحسبان الأرض الزراعية أحد الروافد الرئيسية للتنمية الشاملة فلا ينبغي تقليص مساحتها أو إخراجها عن استخداماتها.
4- مبدأ تكافؤ الفرص – قانون الزراعة "قيود البناء على الأرض الزراعية".
قيام التنظيم التشريعي بقيود البناء على الأرض الزراعية على قواعد عامة مجردة لا تمييز فيها بين المخاطبين بأحكامها وفي مواجهة أصحاب الأراضي الزراعية دون تمايز – لا إخلال بمبدأ تكافؤ الفرص.
5- حق الملكية – سلطة التشريع – قانون الزراعة "قيود البناء على الأرض الزراعية" – قيم وتقاليد الأسرة.
سلطة المشرع في تنظيم الحقوق تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة وجوهر هذه السلطة المفاضلة بين البدائل المختلفة لاختيار ما يقرر أنه أنسبها لمصلحة الجماعة في خصوص الموضوع الذي يتناوله التنظيم – النعي على التنظيم التشريعي بقيود البناء على الأرض الزراعية أنه يخالف المادة التاسعة من الدستور التي تقرر الحفاظ على الطابع الأصيل للأسرة، وأنه كان يغني عنه التوسع في استصلاح الأراضي الصحراوية وزيادة الإنتاج بالطرق العلمية الحديثة، ينحل إلى موازنة بين البدائل المختلفة وتعقيب على ما ارتآه المشرع منها ملبياً لصالح الجماعة في إطار تنظيمه لحق الملكية بما لا مخالفة فيه للحماية الدستورية المقررة له.
1- لما كان المستفاد من صحيفة الدعوى الدستورية أن المدعي يطعن بعدم دستورية المادة من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966 معدلاً بالقانون رقم 116 لسنة 1983 وذلك فيما يتضمنه صدرها من حظر إقامة أي مبان أو منشآت في الأرض الزراعية وكذلك البندين ب، هـ من هذه المادة. وكانت هيئة قضايا الدولة قد دفعت بعدم قبول الدعوى على سند من أن البنود من أ إلى هـ من المادة المشار إليها إنما تتضمن استثناءات من قاعدة حظر إقامة المباني والمنشآت الواردة بصدر المادة، وأنه من ثم فإن القضاء بعدم دستورية البندين ب، هـ يؤدي بالضرورة إلى اتساع دائرة الحظر الواردة على إقامة المباني والمنشآت على الأرض الزراعية، وهو ما يتعارض ومصلحة المدعي. وكان النص في المادة المطعون عليها على أن "يحظر إقامة أي مبان أو منشآت في الأراضي الزراعية…… وتعتبر في حكم الأراضي الزراعية، الأراضي البور القابلة للزراعة داخل الرقعة الزراعية، ويستثنى من هذا الحظر:
أ – …….. ب – الأراضي الداخلة في نطاق الحيز العمراني للقرى، والذي يصدر بتحديده قرار من وزير الزراعة بالاتفاق مع وزير التعمير. جـ – ……… د – ……… هـ – الأراضي الواقعة بزمام القرى التي يقيم عليها المالك مسكناً خاصاً به أو مبنى يخدم أرضه، وذلك في الحدود التي يصدر بها قرار من وزير الزراعة. وفيما عدا الحالة المنصوص عليها في الفقرة (جـ) يشترط في الحالات المشار إليها آنفاً صدور ترخيص من المحافظ المختص قبل البدء في إقامة مبان أو منشآت أو مشروعات، ويصدر بتحديد شروط وإجراءات هذا الترخيص قرار من وزير الزراعة بالاتفاق مع وزير التعمير"، مؤداه أن ما ورد بالفقرة الأخيرة منه من اشتراط الحصول على ترخيص مسبق من المحافظ المختص قبل البدء في إقامة أي مبان أو منشآت أو مشروعات في الأراضي الزراعية، إنما يلحق كل بند من البنود الواردة بالمادة عدا البند (جـ) الخاص بالمشروعات ذات النفع العام التي تقيمها الحكومة، بحيث لا يتسنى ممارسة أي من الاستثناءات الواردة بالبنود أ، ب، د، هـ، من المادة سالفة الذكر إلا مشروطاً بالحصول على الترخيص المنصوص عليه بتلك الفقرة الأخيرة، ومن ثم يشكل نص هذه الفقرة جزءاً لا يتجزأ من نص كل بند من البنود الأربعة المشار إليها فيقرأ كل بند مقترناً بما تضمنه من ضرورة سبق الحصول على ترخيص من المحافظ المختص يحدد شروط وإجراءات منحه قرار من وزير الزراعة بالاتفاق مع وزير التعمير. وإذ كان مؤدى ما تقدم أن المدعي إنما يستهدف من دعواه الدستورية الحكم بعدم دستورية ما يتضمنه صدر المادة المشار إليها من حظر إقامة أية مبان أو منشآت في الأرض الزراعية وبعدم دستورية البندين ب، هـ من هذه المادة فيما يتضمنه كل منهما – مرتبطاً بحكم اللزوم بالفقرة الأخيرة من ذات المادة – من اشتراط الحصول على ترخيص مسبق من المحافظ المختص قبل البدء في إقامة أي مبان أو منشآت على الأرض الزراعية، ومن ثم فإن نعي المدعي على البندين ب، هـ المشار إليهما لا ينصب على ما يتضمنه كل منهما من استثناء من قاعدة حظر إقامة المباني والمنشآت, وإنما على اشتراط الحصول على ترخيص مسبق قبل إقامتها. لما كان ذلك، وكان الفصل في دستورية النص المطعون عليه – بالتحديد السالف – من شأنه التأثير في الاتهام الموجه إلى المدعي والمطروح على محكمة الموضوع، فإن الدفع بعدم قبول الدعوى الذي أبدته هيئة قضايا الدولة يكون فاقداً لأساسه حقيقاً بالالتفات عنه.
2- الملكية الخاصة التي كفل الدستور صونها بنص المادة منه ليست حقاً مطلقاً وإنما أقامها الدستور على أساس أن لها وظيفة اجتماعية ينظم القانون أداءها. وقد حددت المادة من الدستور ملامح هذه الوظيفة باستلزامها أن تعمل الملكية الخاصة – وبوصفها ملكية غير مستغلة – في خدمة الاقتصاد القومي وفي إطار خطة التنمية وألا تتعارض في طرق استخدامها مع الخير العام للشعب، وتقتضي الوظيفة الاجتماعية للملكية وجوب مراعاة اعتبارات المصلحة العامة عند ممارسة السلطات التي يخولها حق الملكية، وتبرز هذه الوظيفة بوجه خاص في مجال الإنتاج حيث يتدخل المشرع لتنظيم النشاط الفردي ضماناً لعدم انحرافه عن الغايات المقصودة من مباشرته. لما كان ذلك، وكان التنظيم التشريعي المنصوص عليه في المادة من قانون الزراعة محل الطعن الماثل قد توخي مواجهة ظاهرة البناء في الأرض الزراعية بما ينتقص في النهاية من رقعتها ويحد من غلتها ويحول دون استغلالها الكامل في أغراضها الإنتاجية التي يعتبر الحفاظ عليها لازماً للتنمية الاقتصادية في مجال الإنتاج الزراعي، تعميقاً لدوره في تحقيق التقدم والرخاء واضطلاعاً بأهم تبعاته متمثلة في إشباع احتياجات المواطنين للغذاء، وكان هذا التنظيم التشريعي – من جهة أخرى – لا يحول كلية دون البناء على الأرض الزراعية وإنما تغيا أن يكون استغلالها في هذا النطاق أحوال محدودة تمليها الضرورة وبعد الحصول على ترخيص من الجهة الإدارية المختصة، وذلك ضماناً لأن تظل الأرض الزراعية مرصودة في استخداماتها على الأغراض المهيأة لها أصلاً والمقصودة منها أساساً، وكان هذا التنظيم لا يؤدي بحال إلى غل يد مالك هذه الأرض عن إدارتها أو التصرف فيها – وإن استلزم عدم بنائه عليها إلا في أحوال محددة وبعد الحصول على ترخيص – فإن قالة إخلال النص المطعون عليه بالحماية التي فرضها الدستور للملكية الخاصة وفرضه الحراسة عليها، تكون على غير أساس.
3- إن النص في المادة من قانون الزراعة على حظر البناء على الأرض الزراعية إلا في أحوال محددة وبترخيص، لا ينتقص من الحماية الدستورية لحق الملكية ولا يجاوز نطاق الوظيفة الاجتماعية له، وأن مبادئ الشريعة الإسلامية – التي كفل الدستور رد النصوص التشريعية إليها لضمان توافقها معها – لا تتعارض والتنظيم التشريعي محل الطعن الماثل، بل أنها تظاهره، اعتباراً بأن لولي الأمر أن يتدخل لتنظيم الملكية إذا أساء الناس استخدام أموالهم كي يوجهه وجهة رشيدة تحقيقاً لمصلحة الجماعة ووفاء باحتياجاتها ودفعاً للضرر عنها وهي مصالح مشروعة يستهدفها النص المطعون عليه بما تضمنه من قيود على البناء في الأرض الزراعية التي لا ينبغي تقليص مساحتها أو إخراجها عن استخداماتها الأصلية التي يتعين التركيز عليها وعدم الحد منها، بحسبان أن الأرض الزراعية تمثل أحد الروافد الرئيسية للتنمية الشاملة.
4- النص في المادة من قانون الزراعة على تنظيم البناء على الأرض الزراعية، إذ قام على قواعد عامة مجردة لا تتضمن تمييزاً بين المخاطبين بأحكامها، وأن القيود التي فرضها هذا التنظيم – فضلاً عن قيامها على سند من الوظيفة الاجتماعية للملكية – تسري في مواجهة أصحاب الأرض الزراعية دون تمييز باعتبارهم جميعاً في مراكز قانونية متماثلة بالنسبة للالتزام بتلك القيود والخضوع لأحكامها، ومن ثم فإن الادعاء بإخلال النص المطعون عليه بالفرص المتكافئة يكون قائماً على غير أساس.
5- نعى المدعي على نص المادة من قانون الزراعة إخلاله بالمادة التاسعة من الدستور التي تتطلب الحفاظ على الطابع الأصيل للأسرة المصرية وما يتمثل فيه من قيم وتقاليد، قولاً منه بأن مواجهة ضرورات الحياة مع التزايد المستمر في عدد السكان، كانا يقتضيان من المشرع عدم فرض القيود على البناء في الأرض الزراعية، تلك القيود التي كان يغني عنها التوسع في استصلاح الأراضي الصحراوية وزيادة الإنتاج بالطرق العلمية الحديثة، مردود بأن الأصل في سلطة المشرع في تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة، وجوهر هذه السلطة التقديرية يتمثل في المفاضلة التي يجريها المشرع بين البدائل المختلفة لاختيار ما يقدر أنه أنسبها لمصلحة الجماعة وأكثرها ملاءمة للوفاء بمتطلباتها في خصوص الموضوع الذي يتناوله بالتنظيم، ومن ثم فإن ما ينعاه المدعي في هذا الصدد إنما ينحل إلى موازنة بين البدائل المختلفة وتعقيباً من جانبه على ما ارتآه المشرع منها ملبياً لصالح الجماعة في إطار تنظيمه لحق الملكية بما لا مخالفة فيه للحماية الدستورية المقررة له، الأمر الذي يجعل منعي المدعي في هذا الشأن فاسد الأساس حرياً بالالتفات عنه.


الإجراءات

بتاريخ 26 مارس سنة 1987 أودع المدعي قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة طالباً "القضاء بعدم دستورية القانون رقم 116 لسنة 1983 بخصوص المادة وخاصة بالنسبة للفقرتين ب، هـ من هذه المادة".
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها أصلياً عدم قبول الدعوى واحتياطياً برفضها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفتها وسائر أوراقها – تتحصل في أن النيابة العامة أحالت المدعي إلى المحاكمة الجنائية متهماً في الجنحة رقم 572 لسنة 1985 منيا القمح بإقامة مبان على أرض زراعية بغير ترخيص، فقضى غيابياً – في 2 يونيو سنة 1986 – بحبسه ستة أشهر مع الشغل وتغريمه عشرة آلاف جنيه والإزالة، فعارض في هذا الحكم، وبجلسة 19 أكتوبر سنة 1986 قضي بقبول المعارضة شكلاً وفي الموضوع بتأييد الحكم المعارض فيه، فطعن في هذا الحكم بالاستئناف رقم 12596 لسنة 1986 جنح مستأنف الزقازيق، وبجلسة 2 مارس سنة 1987 دفع بعدم دستورية القانون رقم 116 لسنة 1983، فقررت محكمة الموضوع التأجيل لجلسة 30 مارس لسنة 1987 وصرحت له برفع الدعوى الدستورية، فأقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن المستفاد من صحيفة الدعوى الدستورية أن المدعي يطعن بعدم دستورية المادة من قانون الزراعة الصادر بالقانون رقم 53 لسنة 1966 معدلاً بالقانون رقم 116 لسنة 1983 وذلك فيما يتضمنه صدرها من حظر إقامة أي مبان أو منشآت في الأرض الزراعية وكذلك البندين ب، هـ من هذه المادة.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت بعدم قبول الدعوى على سند من أن البنود من أ إلى هـ من المادة المشار إليها إنما تتضمن استثناءات من قاعدة حظر إقامة المباني والمنشآت الواردة بصدر المادة، ومن ثم فإن القضاء بعدم دستورية البندين ب، هـ يؤدي بالضرورة إلى اتساع دائرة الحظر الوارد على إقامة المباني والمنشآت على الأرض الزراعية، وهو ما يتعارض ومصلحة المدعي.
وحيث إن المادة المطعون عليها على أن "يحظر إقامة أي مبان أو منشآت في الأراضي الزراعية…… وتعتبر في حكم الأراضي الزراعية، الأراضي البور القابلة للزراعة داخل الرقعة الزراعية، ويستثنى من هذا الحظر:
أ- ……. ب- الأراضي الداخلة في نطاق الحيز العمراني للقرى، والذي يصدر بتحديده قرار من وزير الزراعة بالاتفاق مع وزير التعمير. جـ- ……. د- …….. هـ- الأراضي الواقعة بزمام القرى التي يقيم عليها المالك مسكناً خاصاً به أو مبنى يخدم أرضه، وذلك في الحدود التي يصدر بها قرار من وزير الزراعة. وفيما عدا الحالة المنصوص عليها في الفقرة (جـ) يشترط في الحالات المشار إليها آنفاً صدور ترخيص من المحافظ المختص قبل البدء في إقامة مبان أو منشآت أو مشروعات، ويصدر بتحديد شروط وإجراءات منح هذا الترخيص قرار من وزير الزراعة بالاتفاق مع وزير التعمير". ومؤدى هذا النص أن ما ورد بالفقرة الأخيرة من المادة من اشتراط الحصول على ترخيص مسبق من المحافظ المختص قبل البدء في إقامة أي مبان أو منشآت أو مشروعات في الأرض الزراعية، إنما يلحق كل بند من البنود الواردة بالمادة عدا البند (جـ) الخاص بالمشروعات ذات النفع العام التي تقيمها الحكومة، بحيث لا يتسنى ممارسة أي من الاستثناءات الواردة بالبنود أ، ب، د، هـ من المادة سالفة الذكر إلا مشروطاً بالحصول على الترخيص المنصوص عليه بتلك الفقرة الأخيرة، ومن ثم يشكل نص هذه الفقرة جزءاً لا يتجزأ من نص كل بند من البنود الأربعة المشار إليها فيقرأ كل بند منها مقترناً بما تتضمنه من ضرورة سبق الحصول على ترخيص من المحافظ المختص يحدد شروط وإجراءات منحه قرار من وزير الزراعة بالاتفاق مع وزير التعمير.
ومن حيث أن مؤدى ما تقدم أن المدعي إنما يستهدف من دعواه الدستورية الماثلة الحكم بعدم دستورية ما يتضمنه صدر المادة المشار إليهما من حظر إقامة أي مبان أو منشآت في الأرض الزراعية وبعدم دستورية البندين ب، هـ من هذه المادة فيما يتضمنه كل منهما – مرتبطاً بحكم اللزوم بالفقرة الأخيرة من ذات المادة – من اشتراط الحصول على ترخيص مسبق من المحافظ المختص قبل البدء في إقامة أي مبان أو منشآت على الأرض الزراعية، ومن ثم فإن نعي المدعي على البندين ب، هـ المشار إليهما لا ينصب على ما يتضمنه كل منهما من استثناء من قاعدة حظر إقامة المباني والمنشآت, وإنما على اشتراط الحصول على ترخيص مسبق قبل إقامتها. لما كان ذلك، وكان الفصل في دستورية النص المطعون عليه – بالتحديد السالف – من شأنه التأثير في الاتهام الموجه إلى المدعي والمطروح على محكمة الموضوع، فإن الدفع بعدم قبول الدعوى الذي أبدته هيئة قضايا الدولة يكون فاقداً لأساسه حقيقاً بالالتفات عنه.
وحيث إن المدعي ينعي على النص المطعون عليه إخلاله بالحماية التي كفلها الدستور للملكية الخاصة وذلك من خلال ما فرضه النص من قيود على البناء في الأرض الزراعية مما يحول دون استعمالها واستغلالها على الوجه الأكمل وبما يعتبر فرضاً ضمنياً للحراسة عليها.
وحيث إن هذا النعي مردود بأن الملكية الخاصة التي كفل الدستور صونها بنص المادة منه ليست حقاً مطلقاً وإنما أقامها الدستور على أساس أن لها وظيفة اجتماعية ينظم القانون أداءها. وقد حددت المادة من الدستور ملامح هذه الوظيفة باستلزامها أن تعمل الملكية الخاصة – وبوصفها ملكية غير مستغلة – في خدمة الاقتصاد القومي وفي إطار خطة التنمية وألا تتعارض في طرق استخدامها مع الخير العام للشعب، وتقتضي الوظيفة الاجتماعية للملكية وجوب مراعاة اعتبارات المصلحة العامة عند ممارسة السلطات التي يخولها حق الملكية، وتبرز هذه الوظيفة بوجه خاص في مجال الإنتاج حيث يتدخل المشرع لتنظيم النشاط الفردي ضماناً لعدم انحرافه عن الغايات المقصودة من مباشرته. لما كان ذلك، وكان التنظيم التشريعي محل الطعن الماثل قد توخي مواجهة ظاهرة البناء في الأرض الزراعية بما ينتقص في النهاية من رقعتها ويحد من غلتها ويحول دون استغلالها الكامل في أغراضها الإنتاجية التي يعتبر الحفاظ عليها لازماً للتنمية الاقتصادية في مجال الإنتاج الزراعي، تعميقاً لدوره في تحقيق التقدم والرخاء واضطلاعاً بأهم تبعاته متمثلة في إشباع احتياجات المواطنين للغذاء، وكان هذا التنظيم التشريعي – من جهة أخرى – لا يحول كلية دون البناء على الأرض الزراعية وإنما تغيا أن يكون استغلالها في هذا النطاق في أحوال محددة تمليها الضرورة وبعد الحصول على ترخيص من الجهة الإدارية المختصة، وذلك ضماناً لأن تظل الأرض الزراعية مرصودة في استخداماتها على الأغراض المهيأة لها أصلاً والمقصودة منها أساساً، وكان هذا التنظيم لا يؤدي بحال إلى غل يد مالك هذه الأرض عن إدارتها أو التصرف فيها – وإن استلزم عدم بنائه عليها إلا في أحوال محددة وبعد الحصول على ترخيص – فإن قالة إخلال النص المطعون عليه بالحماية التي فرضها الدستور للملكية الخاصة وفرضه الحراسة عليها، تكون على غير أساس.
وحيث إن المدعي ينعي على النص المطعون عليه مخالفته مبادئ الشريعة الإسلامية التي اعتبرتها المادة الثانية من الدستور المصدر الرئيسي للتشريع، وذلك بمقولة أن حظر البناء على الأرض الزراعية يقيد حق الملكية بما يناقض هذه المبادئ.
وحيث إن هذا النعي بدوره مردود بأن النص المطعون عليه لا ينتقص – على ما سلف البيان – من الحماية الدستورية لحق الملكية ولا يجاوز نطاق الوظيفة الاجتماعية له، وأن مبادئ الشريعة الإسلامية – التي كفل الدستور رد النصوص التشريعية إليها لضمان توافقها معها – لا تتعارض والتنظيم التشريعي محل الطعن الماثل، بل أنها تظاهره، اعتباراً بأن لولي الأمر أن يتدخل لتنظيم الملكية إذا أساء الناس استخدام أموالهم كي يوجهه وجهة رشيدة تحقيقاً لمصلحة الجماعة ووفاء باحتياجاتها ودفعاً للضرر عنها وهي مصالح مشروعة يستهدفها النص المطعون عليه بما تضمنه من قيود على البناء في الأرض الزراعية التي لا ينبغي تقليص مساحتها أو إخراجها عن استخداماتها الأصلية التي يتعين التركيز عليها وعدم الحد منها، بحسبان أن الأرض الزراعية تمثل أحد الروافد الرئيسية للتنمية الشاملة.
وحيث إن المدعي ينعي كذلك على النص المطعون عليه حرمانه ملاك الأراضي الزراعية من البناء عليها مما يشكل إخلالاً بمبدأ تكافؤ الفرص المنصوص عليه في المادة الثامنة من الدستور.
وحيث إن هذا النعي مردود بأن النص المطعون عليه وقد وضع تنظيماً للبناء على الأرض الزراعية، فإن هذا التنظيم قد قام على قواعد عامة مجردة لا تتضمن تمييزاً بين المخاطبين بأحكامها، وأن القيود التي فرضها هذا التنظيم – فضلاً عن قيامها على سند من الوظيفة الاجتماعية للملكية – تسري في مواجهة أصحاب الأرض الزراعية دون تمييز باعتبارهم جميعاً في مراكز قانونية متماثلة بالنسبة للالتزام بتلك القيود والخضوع لأحكامها، ومن ثم فإن الادعاء بإخلال النص المطعون فيه بالفرص المتكافئة يكون قائماً على غير أساس.
وحيث إن المدعي ينعي أيضاً على النص المطعون عليه إخلاله بالمادة التاسعة من الدستور التي تتطلب الحفاظ على الطابع الأصيل للأسرة المصرية وما يتمثل فيه من قيم وتقاليد، قولاً منه بأن مواجهة ضرورات الحياة مع التزايد المستمر في عدد السكان، كانا يقتضيان من المشرع عدم فرض القيود على البناء في الأرض الزراعية، تلك القيود التي كان يغني عنها التوسع في استصلاح الأراضي الصحراوية وزيادة الإنتاج بالطرق العلمية الحديثة، وهذا النعي مردود أيضاً بأن الأصل في سلطة المشرع في تنظيم الحقوق أنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بضوابط معينة، وجوهر هذه السلطة التقديرية يتمثل في المفاضلة التي يجريها المشرع بين البدائل المختلفة لاختيار ما يقدر أنه أنسبها لمصلحة الجماعة وأكثرها ملاءمة للوفاء بمتطلباتها في خصوص الموضوع الذي يتناوله بالتنظيم، ومن ثم فإن ما ينعاه المدعي في هذا الصدد إنما ينحل إلى موازنة بين البدائل المختلفة وتعقيباً من جانبه على ما ارتآه المشرع منها ملبياً لصالح الجماعة في إطار تنظيمه لحق الملكية بما لا مخالفة فيه للحماية الدستورية المقررة له، الأمر الذي يجعل منعي المدعي في هذا الشأن فاسد الأساس حرياً بالالتفات عنه.

وحيث إن البين مما تقدم أن النص المطعون عليه – حسبما سلف بيانه – لا يتضمن مخالفة لأحكام الدستور، فإن الدعوى الماثلة تغدو حقيقة بالرفض.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى، وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ ثلاثين جنيهاً مقابل أتعاب المحاماة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات