الرئيسية الاقسام القوائم البحث

قاعدة رقم الطعن رقم 17 لسنة 11 قضائية “دستورية” – جلسة 06 /04 /1991 

أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء الرابع
من يناير 1987 حتى آخر يونيو 1991م – صـ 311

جلسة 6 إبريل سنة 1991

برئاسة السيد المستشار/ ممدوح مصطفى حسن – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور عوض محمد المر والدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولي الدين جلال ونهاد عبد الحميد خلاف وفاروق عبد الرحيم غنيم وحمدي محمد علي – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ السيد عبد الحميد عمارة – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.

قاعدة رقم
القضية رقم 17 لسنة 11 قضائية "دستورية"

1- ملكية "صونها" – مصادرة – قضاء – مبدأ الفصل بين السلطات.
حظر الدستور المصادرة العامة للأموال – تقييده المصادرة الخاصة في كافة صورها بأن تكون أداتها حكماً قضائياً وليست قراراً إدارياً – علته، صون الملكية الخاصة من أن تصادر إلا بحكم قضائي تتوافر فيه لصاحب الحق إجراءاته وضماناته التي تنتفي بها مظنة العسف والافتئات، وتوكيد لمبدأ الفصل بين السلطات باعتبار السلطة القضائية هي السلطة الأصلية التي أقامها الدستور على شئون العدالة وخصها بتصريفها فتنفرد دون غيرها بما يدخل في اختصاصها بما في ذلك توقيع المصادرة.
2- تشريع "تفسيره" – قرارات لائحية – لوائح تفويضية – لوائح تنفيذية.
إيراد المشرع مصطلحاً في نص ما لمعنى معين، يوجب صرفه إلى هذا المعنى في كل نص آخر يردد ذلك المصطلح – ترديد المادة (66/ 2) من الدستور الحالي ما نصت عليه المادة من دستور سنة 1923 من أنه "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون"، والذي أفصحت أعماله التحضيرية عن أن المقصود بها توكيد ما جرى عليه العمل في التشريع من جواز أن يتضمن القانون ذاته تفويضاً خاصاً إلى السلطة المكلفة بسن اللوائح في تحديد بعض جوانب التجريم وتقرير العقوبات حالة اشتراط الدستور ذاته أن يتم تنظيم مسائل معينة "بقانون" – مؤداه إجازة المادة من الدستور أن يعهد القانون إلى السلطة التنفيذية بإصدار قرارات لائحية تحدد بها بعض جوانب التجريم أو العقاب – هذه القرارات ليست من قبيل اللوائح التفويضية المنصوص عليها في المادة – من الدستور أو اللوائح التنفيذية التي نظمتها المادة منه.
3- اختصاص – تموين – تسعير جبري – تدابير – عقوبة.
إناطة المشرع في المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 والمرسوم بقانون رقم 163 لسنة 1950 بوزير التموين دون غيره اتخاذ التدابير المتعلقة بنقل أي مادة أو سلعة من جهة إلى أخرى وتنظيم تداولها أو استهلاكها وتقرير عقوبات أقل من المنصوص عليها فيهما على مخالفة تلك التدابير – تجريم البند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 نقل أو الشروع في نقل بعض هذه السلع ينطوي على اغتصاب لسلطة عهد بها المشرع لوزير التموين في الحدود التي بينتها المادة من الدستور مما يقع في حومة المخالفة الدستورية.
4- اختصاص – إدارة محلية – قرارات لائحية – لوائح تنفيذية.
النص في المادة (27/ 1) من قانون نظام الإدارة المحلية على أن يتولى المحافظ في دائرة اختصاصه، جميع السلطات والاختصاصات التنفيذية المقررة للوزراء بمقتضى القوانين واللوائح، ورئاسته لجميع الأجهزة والمرافق المحلية – استهدافه أن يباشر المحافظون بوصفهم رؤساء الأجهزة والمرافق العامة التابعة لهم السلطات والصلاحيات المقررة للوزراء ذات الطبيعة الإدارية دون أن يتعدى ذلك إلى الاختصاص بإصدار قرارات لائحية تحدد بعض جوانب التجريم والعقاب أو إصدار اللوائح التنفيذية، وذلك كلما كانت القوانين المعمول بها قد عهدت بهذا الاختصاص في أي من هاتين الحالتين إلى الوزراء.
5- اختصاص – إدارة محلية – قرارات لائحية – لوائح تنفيذية – تفويض
تعيين القانون وزيراً معيناً، لإصدار القرارات اللائحية أو اللوائح التنفيذية – الاختصاص في الحالتين لا تشمله عبارة "السلطات والاختصاصات التنفيذية" التي ناطت المادة (27/ 1) من قانون نظام الإدارة المحلية بالمحافظين مباشرتها – عدم جواز تفويض الوزير غيره في هذا الاختصاص.
6- مصادرة – البند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985.
مكافأة القائمين بالضبط في حدود خمسين في المائة من حصيلة بيع الكميات المضبوطة ووسيلة النقل المنصوص عليها في البند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 لا تقوم إلا مرتبطة بمصادرة هذه المضبوطات – قضاء المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية المصادرة، أثره، زوال جميع الآثار التي ترتبت على إعمالها بما في ذلك المكافأة المشار إليها.
1- إن البين من الاطلاع على قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 أنه حظر الشروع في نقل أي كمية من الأسماك داخل محافظة السويس بغير الحصول على تصريح معتمد من مديرية التموين، وكان ذلك القرار قد نص أيضاً في البند (ب) من المادة منه على أن تصادر الكميات موضوع المخالفة ووسيلة النقل، ويصرف منها في حدود 50% للقائمين بالضبط، ويعاقب مرتكبو المخالفة بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، فإن القرار المذكور يكون قد دل بالعقوبة التي فرضها على الشروع في نقل الأسماك داخل محافظة السويس دون تصريح من مديرة التموين، على تجريمه لهذه الواقعة التي تنحصر فيها المخالفة المنسوبة إلى المتهمين لما كان ذلك وكانت محكمة الموضوع قد أحالت إلى المحكمة الدستورية العليا نص البند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 المشار إليه وذلك للفصل في دستوريته، وكان مما تنعاه محكمة الموضوع على الأحكام التي تضمنها هذا البند، تقريره مصادرة كميات الأسماك موضوع المخالفة فضلاً عن وسيلة النقل بغير حكم قضائي وذلك بالمخالفة لنص المادة من الدستور، وكان هذا النعي في محله، ذلك أن الدستور أرسى الأحكام الخاصة بالمصادرة بما نص عليه في المادة من أن "المصادرة العامة للأموال محظورة ولا تجوز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي" فنهى بذلك نهياً مطلقاً عن المصادرة العامة، وحدد الأداة التي تتم بها المصادرة الخاصة وأوجب أن تكون حكماً قضائياً وليست قراراً إدارياً، وذلك حرصاً منه على صون الملكية الخاصة من أن تصادر إلا بحكم قضائي كي تتوافر – في إطاره لصاحب الحق إجراءات التقاضي وضماناته التي تنتفي بها مظنة العسف والافتئات على هذا الحق، وتوكيداً لمبدأ الفصل بين السلطة القضائية والسلطتين التشريعية والتنفيذية باعتبار أن السلطة القضائية هي السلطة الأصلية التي أقامها الدستور على شئون العدالة وخصها بتصريفها بحيث تنفرد دون غيرها بما يدخل في اختصاصها بما في ذلك توقيع المصادرة. إذ كان ذلك، وكان نص المادة من الدستور الذي حظر المصادرة الخاصة للأموال إلا بحكم قضائي قد جاء مطلقاً من غير قيد وذلك حين أجرى المشرع النص على إطلاقه ليعم حكمه ويشمل المصادرة الخاصة في كافة صورها، فإن ما تضمنه النص الطعين من مصادرة الأسماك المضبوطة وكذلك وسيلة نقلها – بغير حكم قضائي – يكون مخالفاً لنص المادة من الدستور.
2- إن المادة من الدستور تنص على أن "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون" وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أنه إذا أورد المشرع مصطلحاً معيناً في نص ما لمعنى معين، تعين صرفه إلى هذا المعنى في كل نص آخر يردد ذلك المصطلح، وأن الدستور الحالي إذ ردد في المادة منه عبارة "بناء على قانون" الواردة في المادة من دستور سنة 1923 والذي أفصحت أعماله التحضيرية عن أن المقصود بها توكيد ما جرى عليه العمل في التشريع من أن يتضمن القانون ذاته تفويضاً إلى السلطة المكلفة بسن لوائح التنفيذ في تحديد الجرائم وتقرير العقوبات…… وذلك في حين استعمل هذا الدستور ذاته عبارة مغايرة في نصوص أخرى اشترط فيها أن يتم تحديد أو تنظيم مسائل معينة "بقانون" مثل التأميم في المادة وإنشاء الضرائب وتعديلها في المادة – فإن مؤدى ذلك كله أن المادة من الدستور تجيز أن يعهد القانون إلى السلطة التنفيذية بإصدار قرارات لائحية تحدد بها بعض جوانب التجريم أو العقاب، وذلك لاعتبارات تقدرها سلطة التشريع وفي الحدود وبالشروط التي يعينها القانون الصادر منها. ولا تعتبر القرارات التي تصدرها الجهة التي عينها المشرع لممارسة هذا الاختصاص من قبيل اللوائح التفويضية المنصوص عليها في المادة من الدستور، ولا تندرج كذلك تحت اللوائح التنفيذية التي نظمتها المادة من الدستور، وإنما مرد الأمر فيها إلى نص المادة من الدستور التي تنطوي على تفويض بالتشريع يتناول بعض جوانب التجريم أو العقاب.
3- لما كان المشرع قد خول وزير التموين اتخاذ كل أو بعض التدابير المنصوص عليها في كل من المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 والمرسوم بقانون رقم 163 لسنة 1950، وكان المشرع قد عهد إلى وزير التموين – في نطاق التدابير التي يتخذها لضمان تموين البلاد من المواد والسلع ولتحقيق العدالة في توزيعها مع الالتزام بجداول الأسعار الخاصة بها – بسلطة تقرير عقوبات على مخالفة القرارات التي يتخذها في هذا الصدد تكون أقل من تلك المنصوص عليها في القانون، فإن ما تضمنه البند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 من تقرير عقوبة على الشروع في نقل الأسماك داخل محافظة السويس وخارجها بغير تصريح من مديرية التموين، لا يعدو أن يكون انتحالاً لاختصاص مقرر لوزير التموين في شأن التدابير التي ينفرد باتخاذها على مقتضى ما تقدم، وتقريراً لعقوبة على مخالفة القيود التي فرضها هذا القرار في شأن نقل الأسماك من جهة إلى أخرى أو الشروع في ذلك، وهي عقوبة لا يملك تقريرها إلا وزير التموين وذلك عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة من الدستور التي تقضى بأنه "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون". إذ كان ذلك كذلك، وكان وزير التموين – على مقتضى ما تقدم – هو الجهة التي عهد إليها المشرع بنصوص صريحة في اتخاذ التدابير المتعلقة بنقل أية مادة أو سلعة من جهة إلى أخرى وكذلك تنظيم تداولها واستهلاكها وبتقرير العقوبة الأقل على مخالفة التدابير التي يتخذها في نطاق اختصاصاته تلك، فإن تجريم البند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 للواقعة محل الاتهام الجنائي يكون منطوياً على اغتصاب لسلطة عهد بها المشرع لوزير التموين في الحدود التي بينتها المادة من الدستور، ومن ثم يقع البند (ب) من المادة المطعون عليه – في إطار هذا التجريم – في حومة المخالفة الدستورية لتعارضه ونص المادة من الدستور آنفة البيان.
4، 5- النص في الفقرة الأولى من المادة من قانون نظام الحكم المحلي الصادر بالقرار بقانون رقم 43 لسنة 1979 المعدل بالقانون رقم 50 لسنة 1981 على أن "يتولى المحافظ – بالنسبة إلى جميع المرافق العامة التي تدخل في اختصاص وحدات الحكم المحلي وفقاً لأحكام هذا القانون – جميع السلطات والاختصاصات التنفيذية المقررة للوزراء بمقتضى القوانين واللوائح، ويكون المحافظ، في دائرة اختصاصه، رئيساً لجميع الأجهزة والمرافق المحلية" استهدف تنظيم الأمور المتعلقة بنظام الحكم المحلي بإنشاء وحدات إدارية تتولى ممارسة السلطات والاختصاصات التنفيذية ذات الطبيعة الإدارية اللازمة لإدارة الأعمال المنوطة بالمرافق العامة الواقعة في دائرتها نقلاً إليها من الحكومة المركزية بوزاراتها المختلفة، وقصد المشرع بنص المادة (27/ 1) المشار إليها أن يباشر المحافظون – بوصفهم رؤساء الأجهزة والمرافق العامة التابعة لهم – السلطات والاختصاصات المقررة للوزراء في هذا الصدد، دون أن يتعدى ذلك إلى الاختصاصات بإصدار اللوائح التنفيذية ولا إلى الاختصاص بإصدار قرارات لائحية تحدد بعض جوانب التجريم أو العقاب وذلك كلما كانت القوانين المعمول بها قد عهدت بهذا الاختصاص في أي من هاتين الحالتين إلى الوزراء، إذ تستقل الجهة التي عينها المشرع بممارسته ولا يجوز أن تفوض غيرها فيه، وهو في كل الأحوال اختصاص لا تشمله عبارة "السلطات والاختصاصات التنفيذية" الواردة بنص المادة (27/ 1) المشار إليها.
6- إن البند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 بعد أن نص على مصادرة الأسماك موضوع المخالفة ووسيلة النقل، قضى بأن يصرف من حصيلة بيعها في حدود 50% للقائمين بالضبط، وإذ كانت هذه المصادرة قد تعلقت بأفعال جرمها ذلك القرار بالعقوبة التي فرضها على ارتكابها، فإن قضاء هذه المحكمة بعدم دستورية المصادرة وسائر العقوبة التي تضمنها القرار المشار إليه لمخالفتها للمادتين ، من الدستور على التوالي، يستتبع زوال جميع الآثار التي ترتبت على أعمالها بما في ذلك مكافأة الضبط التي قضى النص المطعون عليه بصرفها إلى القائمين عليه والتي لا يتصور قيامها إلا مرتبطة بالمصادرة المستوفية لشرائطها الدستورية، وهي في النزاع الراهن مصادرة باطلة أصلاً.


الإجراءات

بتاريخ 3 أبريل سنة 1989 وردت إلى قلم كتاب المحكمة الدعوى رقم 49 لسنة 1986 جنح أمن دولة طوارئ السويس بعد أن قضت المحكمة بتاريخ 30 يناير 1989 بوقفها وإحالة أوراقها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية البند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة برأيها طلبت فيها رفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات والمداولة.
وحيث إن الوقائع – على ما يبين من قرار الإحالة وسائر الأوراق – تتحصل في أن النيابة العامة كانت قد اتهمت كلاً من…….. وآخرين بأنهم في يوم 20 يناير سنة 1986 بدائرة قسم السويس قاموا بتفريغ مركب الصيد من الأسماك في غير الزمان والمكان المحددين وبدون حضور اللجنة المنصوص عليها قانوناً، وطلبت عقابهم بالمواد 1، 2، 6 من قرار محافظ السويس رقم 21 لسنة 1985.
وحيث إن محكمة جنح أمن الدولة طوارئ السويس بعد تكييفها الواقعة محل الاتهام الجنائي بأنها جنحة الشروع في نقل الأسماك داخل محافظة السويس بغير تصريح، أغفلت تنبيه المتهمين إلى أنها عدلت القيد والوصف للتهمة المنسوبة إليهم وقضت بجلسة 15 مارس سنة 1986 بتغريم المتهم الأول مائتي جنيه وإلزامه المصروفات الجنائية ومصادرة المضبوطات وببراءة المتهمين الثاني والثالث وذلك عملاً بنص المادة والبند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 بشأن صيد الأسماك الطازجة بميناء الأتكة للموسم السمكي 1985/ 1986.
وحيث إنه لدى التصديق على هذا الحكم، تقرر إعادة محاكمة المتهمين أمام هيئة أخرى على أساس أن المرافعة في الدعوى الجنائية جرت وفقاً للقيد والوصف المرفوعة به هذه الدعوى مما يعد إخلالاً بحق الدفاع. وإذ أعيدت محاكمة المتهمين أمام هيئة أخرى، قررت المحكمة بجلسة 30 يناير سنة 1989 وقف نظر الدعوى وإحالتها إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية البند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 المشار إليه، وذلك قولاً منها بمخالفة هذا البند لنص المادة من الدستور فيما تضمنه من تقرير عقوبة المصادرة بغير حكم قضائي ولنصوص المواد 66، 86، 112 من الدستور لتقريره عقوبات عن أفعال أثمها دون أن يكون ذلك بتشريع صادر عن مجلس الشعب أو رئيس الجمهورية.
وحيث إن البين من الاطلاع على قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 المشار إليه، أن هذا القرار وضع تنظيماً لصيد الأسماك وتوزيعها داخل محافظة السويس، وهو تنظيم استهدف أحكام الرقابة على عملية تفريغ حصيلة الصيد وعرضها للبيع بعد تحديد حصة المحافظة منها ومراجعة هذه الحصة من حيث كميتها ونوعها وجودتها ووزنها. وإذ حظر هذا القرار كذلك الشروع في نقل أي كمية من الأسماك داخل محافظة السويس بغير الحصول على تصريح معتمد من مديرية التموين، وكان ذلك القرار قد نص أيضاً في البند (ب) من المادة منه على أن تصادر الكميات موضوع المخالفة ووسيلة النقل، ويصرف منها في حدود 50% للقائمين بالضبط، ويعاقب مرتكبو المخالفة بالحبس مدة لا تتجاوز ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على خمسمائة جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، فإن القرار المذكور يكون قد دل بالعقوبة التي فرضها على الشروع في نقل الأسماك داخل محافظة السويس دون تصريح من مديرة التموين، على تجريمه لهذه الواقعة التي تنحصر فيها المخالفة التي نسبتها محكمة الموضوع إلى المتهمين على ما سلف البيان.
وحيث إن محكمة الموضوع أحالت إلى المحكمة الدستورية العليا نص البند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 المشار إليه وذلك للفصل في دستوريته، فإن نطاق الطعن الماثل يتحدد بهذا البند وينحصر فيه.
وحيث إن مما تنعاه محكمة الموضوع على الأحكام التي تضمنها هذا البند، تقريره مصادرة كميات الأسماك موضوع المخالفة فضلاً عن وسيلة النقل بغير حكم قضائي وذلك بالمخالفة لنص المادة من الدستور.
وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك أن الدستور أرسى الأحكام الخاصة بالمصادرة بما نص عليه في المادة منه من أن "المصادرة العامة للأموال محظورة ولا تجوز المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي" فنهى بذلك نهياً مطلقاً عن المصادرة العامة، وحدد الأداة التي تتم بها المصادرة الخاصة وأوجب أن تكون حكماً قضائياً وليست قراراً إدارياً، وذلك حرصاً منه على صون الملكية الخاصة من أن تصادر إلا بحكم قضائي كي تتوافر – في إطاره – لصاحب الحق إجراءات التقاضي وضماناته التي تنتفي بها مظنة العسف والافتئات على هذا الحق، وتوكيداً لمبدأ الفصل بين السلطة القضائية والسلطتين التشريعية والتنفيذية باعتبار أن السلطة القضائية هي السلطة الأصلية التي أقامها الدستور على شئون العدالة وخصها بتصريفها بحيث تنفرد دون غيرها بما يدخل في اختصاصها بما في ذلك المصادرة. إذ كان ذلك، وكان نص المادة من الدستور الذي حظر المصادرة الخاصة للأموال إلا بحكم قضائي قد جاء مطلقاً من غير قيد وذلك حين أجرى المشرع النص على إطلاقه ليعم حكمه ويشمل المصادرة الخاصة في كافة صورها، فإن ما تضمنه النص الطعين من مصادرة الأسماك المضبوطة وكذلك وسيلة نقلها – بغير حكم قضائي – يكون مخالفاً لنص المادة من الدستور.
وحيث إن محكمة الموضوع تنعي كذلك على النص المطعون عليه أنه ينحل إلى تنظيم لائحي قرر عقوبات عن أفعال أثمها دون أن يكون ذلك بتشريع صادر عن مجلس الشعب أو رئيس الجمهورية.
وحيث إن الواقعة محل الاتهام الجنائي في الدعوى الراهنة تتمثل في الشروع في نقل أسماك داخل محافظة السويس دون تصريح معتمد من مديرية التموين، ومن ثم يعتبر هذا التصريح قيداً على تداول تلك السلعة داخل هذه المحافظة، وهو قيد ناطت السلطة التشريعية اتخاذه بوزير التموين دون غيره، إذ يختص هذا الوزير – لضمان تموين البلاد وتوفير العدالة في توزيع المواد التموينية، وبعد موافقة لجنة التموين العليا – بإصدار القرارات المنصوص عليها في المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين، ويندرج تحتها فرض القيود على إنتاج أية مادة أو سلعة وتداولها أو استهلاكها بما في ذلك توزيعها لضمان تموين البلاد وتحقيق العدالة في توزيعها، وله كذلك فرض قيود على نقل أية مادة أو سلعة من جهة إلى أخرى، وتنص الفقرة الأولى من المادة من المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 المشار إليه على أن:
"يعاقب على كل مخالفة أخرى لأحكام هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن ثلاثمائة جنيه ولا تجاوز ألف جنيه، ويعاقب على كل مخالفة ترتبط بسلعة من السلع التي تدعمها الدولة ويحددها وزير التموين والتجارة الداخلية بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألف جنيه……." كما تنص الفقرة الرابعة من المادة ذاتها على أن: "ويعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في هذه المادة على مخالفة أحكام قرارات وزير التموين والتجارة الداخلية الصادرة تنفيذاً لهذا القانون، ويجوز أن ينص في تلك القرارات على عقوبات أقل……".
وقد التزم المرسوم بقانون رقم 163 لسنة 1950 الخاص بشئون التسعير الجبري وتحديد الأرباح النهج الذي احتذاه القانون رقم 95 لسنة 1945 الخاص بشئون التموين، ذلك أن المرسوم بقانون المشار إليه بعد أن خول وزير التموين – في المادة منه – أن يتخذ بقرارات يصدرها التدابير المتعلقة بتعيين المقادير التي يجوز شراؤها أو تملكها أو حيازتها من أية سلعة، وبتقرير الوسائل اللازمة لمنع التلاعب بأسعار السلع والمواد الخاضعة لهذا المرسوم بقانون وتعيين مواصفاتها، وبإلزام أصحاب المصانع والمستوردين بتسليم مقادير معينة من أية سلعة أو مادة إلى الجمعيات التعاونية لتقوم بعرضها للبيع على أعضائها، قضى هذا المرسوم بقانون في الفقرة الأخير من المادة منه بأن "يعاقب بالعقوبات المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادة على مخالفة القرارات التي تصدر تنفيذاً للمادة من هذا القانون، ويجوز أن ينص في تلك القرارات على عقوبات أقل".
لما كان ذلك، وكان المشرع قد خول وزير التموين اتخاذ كل أو بعض التدابير المنصوص عليها في المرسوم بقانون رقم 95 لسنة 1945 والمرسوم بقانون رقم 163 لسنة 1950، وكان المشرع قد عهد إلى وزير التموين – في نطاق التدابير التي يتخذها لضمان تموين البلاد من المواد والسلع ولتحقيق العدالة في توزيعها مع الالتزام بجداول الأسعار الخاصة بها – بسلطة تقرير عقوبات على مخالفة القرارات التي يتخذها في هذا الصدد تكون أقل من تلك المنصوص عليها في القانون، فإن ما تضمنه البند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 المشار إليه من تقرير عقوبة على الشروع في نقل الأسماك داخل محافظة السويس وخارجها بغير تصريح من مديرية التموين، لا يعدو أن يكون انتحالاً لاختصاص مقرر لوزير التموين في شأن التدابير التي ينفرد باتخاذها على مقتضى ما تقدم، وتقريراً لعقوبة على مخالفة القيود التي فرضها هذا القرار في شأن نقل الأسماك من جهة إلى أخرى أو الشروع في ذلك، وهي عقوبة لا يملك تقريرها إلا وزير التموين وذلك عملاً بنص الفقرة الثانية من المادة من الدستوري التي تقضي بأنه "لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون" وقد جرى قضاء هذه المحكمة على أنه إذا أورد المشرع مصطلحاً معيناً في نص ما لمعنى معين، تعين صرفه إلى هذا المعنى في كل نص آخر يردد ذلك المصطلح، وأن الدستور الحالي إذ ردد في المادة منه عبارة "بناء على قانون" الواردة في المادة من دستور سنة 1923 والذي أفصحت أعماله التحضيرية عن أن المقصود بها توكيد ما جرى عليه العمل في التشريع من أن يتضمن القانون ذاته تفويضاً إلى السلطة المكلفة بسن لوائح التنفيذ في تحديد الجرائم وتقرير العقوبات…….. وذلك في حين استعمل هذا الدستور ذاته عبارة مغايرة في نصوص أخرى اشترط فيها أن يتم تحديد أو تنظيم مسائل معينة "بقانون" مثل التأميم في المادة وإنشاء الضرائب وتعديلها في المادة ، فإن مؤدى ذلك كله أن المادة من الدستور تجيز أن يعهد القانون إلى السلطة التنفيذية بإصدار قرارات لائحية تحدد بها بعض جوانب التجريم أو العقاب، وذلك لاعتبارات تقدرها سلطة التشريع وفي الحدود وبالشروط التي يعينها القانون الصادر منها. ولا تعتبر القرارات التي تصدرها الجهة التي عينها المشرع لممارسة هذا الاختصاص من قبيل اللوائح التفويضية المنصوص عليها في المادة من الدستور، ولا تندرج كذلك تحت اللوائح التنفيذية التي نظمتها المادة من الدستور، وإنما مرد الأمر فيها إلى نص المادة من الدستور التي تنطوي على تفويض بالتشريع يتناول بعض جوانب التجريم أو العقاب على ما سلف البيان. إذ كان ذلك كذلك، وكان وزير التموين – على مقتضى ما تقدم – هو الجهة التي عهد إليها المشرع بنصوص صريحة في اتخاذ التدابير المتعلقة بنقل أية مادة أو سلعة من جهة إلى أخرى وكذلك تنظيم تداولها واستهلاكها وبتقرير العقوبة الأقل على مخالفة التدابير التي يتخذها في نطاق اختصاصاته تلك، فإن تجريم البند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 للواقعة محل الاتهام الجنائي يكون منطوياً على اغتصاب لسلطة عهد بها المشرع لوزير التموين في الحدود التي بينتها المادة من الدستور، ومن ثم يقع نص البند (ب) من المادة المطعون عليه – في إطار هذا التجريم – في حومة المخالفة الدستورية لتعارضه ونص المادة من الدستور آنفة البيان.
ولا ينال مما تقدم، ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة من قانون نظام الحكم المحلي الصادر بالقرار بقانون رقم 43 لسنة 1979 المعدل بالقانون رقم 50 لسنة 1981 من أن "يتولى المحافظ – بالنسبة إلى جميع المرافق العامة التي تدخل في اختصاص وحدات الحكم المحلي وفقاً لأحكام هذا القانون – جميع السلطات والاختصاصات التنفيذية المقررة للوزراء بمقتضى القوانين واللوائح، ويكون المحافظ، في دائرة اختصاصه، رئيساً لجميع الأجهزة والمرافق المحلية" ذلك أن القانون المشار إليه استهدف تنظيم الأمور المتعلقة بنظام الحكم المحلي بإنشاء وحدات إدارية تتولى ممارسة السلطات والاختصاصات التنفيذية ذات الطبيعة الإدارية اللازمة لإدارة الأعمال المنوطة بالمرافق العامة الواقعة في دائرتها نقلاً إليها من الحكومة المركزية بوزاراتها المختلفة، وقصد المشرع بنص المادة (27/ 1) المشار إليها أن يباشر المحافظون – بوصفهم رؤساء الأجهزة والمرافق العامة التابعة لهم – السلطات والاختصاصات المقررة للوزراء في هذا الصدد، دون أن يتعدى ذلك إلى الاختصاص بإصدار اللوائح التنفيذية ولا إلى الاختصاص بإصدار قرارات لائحية تحدد بعض جوانب التجريم أو العقاب وذلك كلما كانت القوانين المعمول بها قد عهدت بهذا الاختصاص في أي من هاتين الحالتين إلى الوزراء، إذ تستقل الجهة التي عينها المشرع بممارسته ولا يجوز أن تفوض غيرها فيه، وهو في كل الأحوال اختصاص لا تشمله عبارة "السلطات والاختصاصات التنفيذية" الواردة بنص المادة (27/ 1) المشار إليها على ما سلف البيان.
وحيث إن البند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 بعد أن نص على مصادرة الأسماك موضوع المخالفة ووسيلة النقل، قضى بأن يصرف من حصيلة بيعها في حدود 50% للقائمين بالضبط، وكانت هذه المصادرة قد تعلقت بأفعال جرمها ذلك القرار بالعقوبة التي فرضها على ارتكابها، فإن قضاء هذه المحكمة بعدم دستورية المصادرة وسائر العقوبة التي تضمنها القرار المشار إليه لمخالفتها للمادتين ، من الدستور، يستتبع زوال جميع الآثار التي ترتبت على أعمالها بما في ذلك مكافأة الضبط التي قضى النص المطعون عليه بصرفها إلى القائمين عليه والتي لا يتصور قيامها إلا مرتبطة بالمصادرة المستوفية لشرائطها الدستورية، وهي في النزاع الراهن مصادرة باطلة أصلاً.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم دستورية البند (ب) من المادة من قرار محافظ السويس رقم 75 لسنة 1985 بشأن صيد الأسماك الطازجة بميناء الأتكة للموسم السمكي 1985/ 1986.
ملحوظة:
أصدرت المحكمة حكمها في ذات التاريخ ولذات الأسباب بعدم دستورية قرار محافظ السويس رقم 107 لسنة 1983 بشأن صيد الأسماك الطازجة بميناء الأتكة لموسم 83 – 1984.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات