الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 810 لسنة 39 ق – جلسة 16 /06 /1969 

أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة 20 – صـ 912

جلسة 16 من يونيه سنة 1969

برياسة السيد المستشار/ مختار مصطفى رضوان نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: محمد عبد المنعم حمزاوي، ومحمد نور الدين عويس، ونصر الدين عزام، وأنور خلف.


الطعن رقم 810 لسنة 39 القضائية

(أ، ب، ج) اتفاق جنائي. رشوة. استيلاء على مال للدولة بغير حق. تزوير "أوراق رسمية". عقوبة. "الإعفاء منها". موانع العقاب. "جنون. عاهة عقلية".
(أ) وقوع الجناية قبل اعتراف المتهم بارتكابها. عدم تمتعه بالإعفاء المنصوص عليه في المادة 48 عقوبات.
(ب) اقتصار الإعفاء من العقوبة المقررة بالمادة 107 مكرراً عقوبات على حالة قبول الرشوة فحسب.
(ج) الجنون والعاهة العقلية وحدهما. هما مناط الإعفاء من العقاب وفق المادة 62 عقوبات.
(د) جريمة. "أركانها". تزوير. "الأوراق الرسمية". أوراق رسمية.
لا شأن لبيان عدد الأوراق المزورة في توافر أركان جريمة التزوير.
(هـ، و) عقوبة. "تطبيقها". "العقوبة المبررة". محكمة الموضوع. "سلطتها في تقدير العقوبة". حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب". طعن. "المصلحة في الطعن". تزوير. "أوراق رسمية". استيلاء على مال للدولة بغير حق. ارتباط.
(هـ) تقدير العقوبة في الحدود المقررة قانوناً. موضوعي.
(و) النعي على المحكمة خطؤها في عدم الاطلاع على المحررات محل جريمة التزوير. عدم جدواه. ما دامت المحكمة قد أعملت في حق المتهم المادة 32/ 2 عقوبات وآخذته بجريمة الاستيلاء بغير حق على مال جمعية تساهم الدولة في مالها بنصيب المسندة إليه وهي ذات العقوبة الأشد.
متى تنتفي المصلحة في الطعن؟
(ز، ح) رشوة. وصف التهمة. محكمة الموضوع. "سلطتها في تعديل وصف التهمة". دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره".
(ز) حق المحكمة في تعديل وصف التهمة. ما دام أن الواقعة الواردة بأمر الإحالة هي ذاتها أساس الوصف الجديد.
(ح) عدم التزام المحكمة بتنبيه الدفاع عند تعديل وصف التهمة بما ينطبق عليه المادة 109 مكرراً عقوبات. بدلاً من الوصف المنطبق عليه المادة 106 مكرراً عقوبات.
(ط، ي، ك، ل، م) إثبات. "إثبات بوجه عام". "خبرة". "اعتراف". محكمة الموضوع. "سلطتها في تقدير الدليل". حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب". تزوير. أوراق رسمية.
(ط) تقدير آراء الخبراء والفصل فيما يوجه إليها من اعتراضات ومطاعن. موضوعي. عدم قبول مصادرة المحكمة في تقديرها. مثال في أخذ المحكمة بتقرير لجنة مشكلة لمراجعة حسابات.
(ي) إحالة المحكمة في بيان الأوراق المزورة إلى ما جاء بتقرير الخبير المقدم في الدعوى كدليل. لا عيب.
(ك) تقدير الأدلة إلى كل متهم. من اختصاص محكمة الموضوع. حقها في الاطمئنان إليها قبل متهم دون آخر.
(ل) الاعتراف في المسائل الجنائية. من عناصر الاستدلال. تقديره. موضوعي. ما دام سائغاً.
(م) أخذ المحكمة باعتراف المتهم في حق نفسه وحق غيره في أي دور من أدوار التحقيق. صحيح. ولو عدل عنه بعد ذلك.
(ن، س، ع، ف) دفاع. "الإخلال بحق الدفاع. ما لا يوفره". تزوير. "الطعن بالتزوير". إجراءات المحاكمة. محكمة الموضوع. "سلطتها في تقدير الدليل". حكم. "تسبيبه. تسبيب غير معيب".
(ن) حق المحكمة في الإعراض عن دفاع المتهم وعن تحقيقه. متى كان غير منتج. وبشرط بيان علة إعراضها.
(س) الطعن بالتزوير في أوراق الدعوى. من وسائل الدفاع. خضوعه لتقدير المحكمة. عدم التزامها بإجابته. أساس ذلك؟
(ع) عدم التزام المحكمة بتعقب المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي.
اطمئنان المحكمة إلى الأدلة. يفيد إطراحها ما ساقه الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها.
(ف) الدفاع القانوني الظاهر البطلان. لا يستوجب رداً.
1 – إذا كان الحكم المطعون فيه قد أثبت وقوع جنايتي تسهيل الاستيلاء على مال الجمعية التعاونية للبترول والتزوير، قبل اعتراف الطاعن بارتكابهما – وهو ما لا يجادل فيه الطاعن – فإن في هذا ما يتضمن بذاته الرد على ما أثاره الطاعن في شأن الإعفاء من العقوبة المنصوص عليه في المادة 48 من قانون العقوبات، بما يدل على إطراحه.
2 – إن العذر المعفي من عقوبة الرشوة المقررة بالمادة 107 مكرراً من قانون العقوبات، مقصور على حالة وقوع جريمة المرتشي بقبوله الرشوة المعروضة عليه دون حالة امتناع الموظف عن قبول الرشوة.
3 – مناط الإعفاء من العقاب لفقدان الجاني لشعوره واختياره في عمله وقت ارتكاب الفعل، هو أن يكون سبب هذه الحالة راجعاً – على ما تقضي به المادة 62 من قانون العقوبات – لجنون أو عاهة في العقل دون غيرهما. وإذ كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت بأدلة سائغة، سلامة إدراك الطاعن وقت ارتكابه للجرائم التي دين بها ووقت اعترافه بارتكابها في التحقيقات، فإن النعي عليه في هذا الصدد لا يكون له محل.
4 – بيان عدد الأوراق المزورة لا شأن له في توفر أركان جريمة التزوير.
5 – تقدير العقوبة في الحدود المقررة في القانون، مما يدخل في سلطة محكمة الموضوع، وبغير أن تكون ملزمة ببيان الأسباب التي دعتها إلى توقيع العقوبة بالقدر الذي ارتأته.
6 – إذا كان صحيحاً على ما ثبت من مراجعة محاضر الجلسات ومدونات الحكم المطعون فيه، ما قال به الطاعن من أن المحكمة أغفلت الاطلاع على الأوراق المزورة، وهو مسلك من الحكم كان يؤذن بتعييب إجراءات المحاكمة إلا أن ما يرد هذا العيب عن الحكم – في صورة الطعن الحالي – هو انعدام جدواه، ذلك بأن العقوبة التي أوقعتها المحكمة على الطاعن عن مجموع الجرائم المسندة إليه هي العقوبة المقررة في الفقرة الأولى من المادة 113 من قانون العقوبات التي طبقتها المحكمة عن جريمة تسهيل الاستيلاء بغير حق على مال الجمعية التعاونية للبترول التي تساهم الدولة في مالها بنصيب، ومن ثم فلا مصلحة للطاعن في النعي على الحكم بأوجه طعن تتصل بجريمة التزوير في محررات الجمعية، طالما أن المحكمة قد طبقت المادة 32 من قانون العقوبات وقضت بمعاقبته بالعقوبة الأشد وهي المقررة للجريمة الأولى.
7 – الأصل أن المحكمة لا تتقيد بالوصف القانوني الذي تسبغه النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم لأن هذا الوصف ليس نهائياً بطبيعته وليس من شأنه أن يمنع المحكمة من تعديله متى رأت أن ترد الواقعة بعد تمحيصها إلى الوصف الذي ترى أنه الوصف القانوني السليم، وذلك بشرط أن تكون الواقعة المادية المبينة بأمر الإحالة والتي كانت مطروحة بالجلسة هي بذاتها الواقعة التي اتخذها الحكم المطعون فيه أساساً للوصف الجديد.
8 – متى كانت الواقعة التي اتخذها الحكم المطعون فيه أساساً للوصف الجديد هي أن الطاعن عرض رشوة على موظف عمومي ولم تقبل منه، هي ذات الواقعة التي تضمنها أمر الإحالة، وكانت المحكمة قد طبقت مادة القانون على الوجه الصحيح في واقعة الدعوى وهي المادة 109 مكرراً من قانون العقوبات بدلاً من المادة 106 مكرراً منه التي طلبتها النيابة العامة، فإن هذا التعديل لا يعطي الطاعن حقاً في إثارة دعوى الإخلال بحق الدفاع، إذ أن المحكمة لا تلتزم في مثل هذه الحالة تنبيه المتهم أو المدافع عنه إلى ما أجرته من تعديل في الوصف ومادة القانون.
9 – إن تقدير آراء الخبراء والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من اعتراضات ومطاعن، مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير، شأنه في هذا شأن سائر الأدلة، ولا يقبل مصادرة المحكمة في هذا التقدير، وكانت المحكمة قد اطمأنت إلى تقرير اللجنة بشأن قيام الطاعن بتزوير المحررات التي نسبها إلى مستودع الجمعية وتفيد استرداد كميات بترولية من المتعهدين الذين من بينهم الطاعن الثاني إلى المستودع حتى يتسنى له تخفيض رصيد حساباتهم الجارية، فإنه لا يجوز مجادلة المحكمة في ذلك ولا مصادرة عقيدتها فيه أمام محكمة النقض.
10 – ليس ما يمنع المحكمة من أن تكتفي بحكمها في صدد بيان عدد الأوراق المزورة إلى مجرد الإحالة إلى ما جاء في تقرير الخبير في شأنها متى كان هذا التقرير مقدماً في ذات الدعوى كدليل.
11 – جرى قضاء محكمة النقض على أن تقدير الأدلة بالنسبة إلى كل متهم، هو من اختصاص محكمة الموضوع وحدها، وهي حرة في تكوين اعتقادها حسب تقديرها تلك الأدلة، واطمئنانها إليها بالنسبة إلى متهم، وعدم اطمئنانها بالنسبة إلى ذات الأدلة بالنسبة إلى متهم آخر.
12 – الاعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات بغير معقب، ما دامت تقيمه على أسباب سائغة.
13 – من المقرر في قضاء محكمة النقض أن لمحكمة الموضوع سلطة مطلقة في الأخذ باعتراف المتهم في حق نفسه وعلى غيره من المتهمين في أي دور من أدوار التحقيق، وإن عدل عنه بعد ذلك، متى اطمأنت إلى صحته ومطابقته للحقيقة والواقع.
14 – لئن كان القانون قد أوجب سماع ما يبديه المتهم من أوجه دفاع وتحقيقه، إلا أن المحكمة إذا كانت قد وضحت لديها الواقعة، أو كان الأمر المطلوب تحقيقه غير منتج في الدعوى، أن تعرض عن ذلك، بشرط أن تبين علة عدم إجابتها هذا الطلب.
15 – الطعن بالتزوير في ورقة من أوراق الدعوى المقدمة فيها، هو من وسائل الدفاع التي تخضع لتقدير محكمة الموضوع، والتي لا تلتزم بإجابته، لأن الأصل أن المحكمة لها كامل السلطة في تقدير القوة التدليلية لعناصر الدعوى المطروحة على بساط البحث.
16 – ليست المحكمة ملزمة بتعقب المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي في كل جزئية يثيرها، واطمئنانها إلى الأدلة التي عولت عليها يدل على إطراحها جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها.
17 – لا تلتزم المحكمة بالرد على دفاع قانوني ظاهر البطلان.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة كلاً من 1 – …… (الطاعن الأول) 2 – …… 3 – (الطاعن الثاني) بأنهم في الفترة من شهر يونيو سنة 1965 حتى آخر أبريل سنة 1966 بدائرة قسم قصر النيل محافظة القاهرة: المتهم الأول (أولاً) بصفته موظفاً عمومياً بإدارة الحسابات بفرع القاهرة بالجمعية التعاونية للبترول التابعة للقطاع العام سهل للمتهم الثالث وآخرين الاستيلاء بغير حق على مبلغ 8672 ج و493 م من مال الجمعية المذكورة بأن قام باصطناع خطابات مزورة نسب صدورها إلى مستودع الهاكستب تفيد ارتداد كميات من البترول وتسلمها هؤلاء الأشخاص بقصد خصمها من حساب المحطات التي يقومون باستغلالها وخصمت من حسابهم الجاري بالفعل. (ثانياً) ارتكب تزويراً في محررات الجمعية التعاونية للبترول التابعة للقطاع العام بأن اصطنع الخطابات المشار إليها بالأوراق وأثبت فيها على خلاف الحقيقة أن بعض كميات من البترول التي تم تسليمها لبعض المحطات فعلاً قد ارتدت إلى مستودع الهاكستب دون تسليم تفيد خصمه قيمتها من حساب هذه المحطات. (ثالثاً) بصفته سالفة الذكر أحدث عمداً ضرر بأموال ومصالح الجمعية سالفة الذكر التي يعمل بها بأن تسبب بالطرق السابقة في ضياع أموالها والمتهمين الأول والثاني: قدما رشوة لموظف عمومي هو…… المراجع بإدارة المراجعة والتفتيش بالجمعية التعاونية للبترول التابعة للقطاع العام للإخلال بواجبات وظيفته بأن دفعا له مبلغ 100 ج (مائة جنيه) حتى لا يكشف عن تلاعبهما. المتهمان الثاني والثالث: اشتركا مع المتهم الأول بطريق الاتفاق في ارتكاب الجرائم الثلاث الأول المسندة إليه بأن اتفقا معه على اصطناع الخطابات المزورة سالفة الذكر بقصد خصم قيمة الفواتير الخاصة بها من حساب المحطات التي صدرت لصالحها فكان أن تمت الجرائم بناء على هذا الاتفاق. وطلبت من مستشار الإحالة إحالة المتهمين إلى محكمة الجنايات لمعاقبتهم بالمواد 109 مكرر و110 و111/ 6 و113 و113 مكرر و118 و119 و214 مكرر فقرة ثانية من قانون العقوبات بالنسبة إلى المتهم الأول و40/ 1 و41 و106 مكرر و110 و111/ 6 و113 و113 مكرر و118 و119 و214 مكرر فقرة ثانية من قانون العقوبات بالنسبة إلى الثاني و40/ 2 و41 و111/ 6 و113 مكرر و118 و119 و214 مكرر فقرة ثانية من قانون العقوبات بالنسبة إلى الثالث. فقرر بذلك. ومحكمة جنايات القاهرة قضت في الدعوى حضورياً عملاً بالمواد 109 مكرر و110 و111/ 6 و113/ 1 و116 مكرر أ/ 1 و118 و119 و214 مكرر 1 – 2 من قانون العقوبات بالنسبة إلى المتهم الأول و40/ 2 و41 و111/ 6 و113/ 1 و116 مكرر أ/ 1 و118 و119 و214 مكرر 1 – 2 من ذلك القانون بالنسبة إلى المتهم الثالث مع تطبيق المادة 32 منه بالنسبة إليهما (أولاً) بمعاقبة المتهم بالأشغال الشاقة مدة سبع سنوات وبعزله من وظيفته وبإلزامه برد مبلغ 8672 ج و493 م وبتغريمه مبلغ 8672 ج و493 م ومصادرة مبلغ المائة جنيه. (ثانياً) بمعاقبة المتهم الثالث بالأشغال الشاقة مدة خمس سنوات وبإلزامه برد مبلغ 4737 ج و500 م وبتغريمه مبلغ 4737 ج و500 م (ثالثاً) براءة المتهم الثاني مما أسند إليه. فطعن المحكوم عليهما في هذا الحكم بطريق النقض…. إلخ.


المحكمة

حيث إن مبنى الطعن المقدم من الطاعن الأول هو الإخلال بحق الدفاع والفساد في الاستدلال والقصور والتناقض في التسبيب والبطلان في الإجراءات ذلك بأن دفاع الطاعن قام على أن المادة 48 من قانون العقوبات تعفيه من العقاب لأن ما نسب إليه من تسهيل للطاعن الثاني وآخرين الحصول بغير حق على مال للجمعية التعاونية للبترول يوفر جريمة الاتفاق الجنائي في حقه وقد أخبر بوجود هذا الاتفاق وبمن اشتركوا فيه الأمر الذي دعاه أيضاً أن يطلب استعمال الرأفة، وقد طعن على تقرير اللجنة التي نيط بها مراجعة حسابات الجمعية بأنها ألقت مسئولية ما وقع من تزوير واختلاس في الجمعية على عاتقه حتى ما وقع أثناء غيابه كما أثار في دفاعه أن اعترافاته بالتحقيقات فضلاً عن أنها غامضة ومجهلة فهي متناقضة ومتضاربة مما حدا برجل الضبط القضائي الذي تلقى اعترافه إلى الشك في قواه العقلية، إلا أن الحكم المطعون فيه لم يعن بتحقيق دفاعه وأطرحه واستدل استدلالاً فاسداً على سلامة إدراكه ثم إن المحكمة عدلت مادة الاتهام بالنسبة لجريمة الرشوة من المادة 106 مكرراً من قانون العقوبات إلى المادة 109 مكرراً منه دون أن تنبهه إلى هذا التعديل الذي لا يجيز له أن يتمتع بالإعفاء المنصوص عليه في المادة 107 مكرراً من قانون العقوبات كما أن المحكمة عولت على أقواله وعلى تقرير اللجنة التي شكلت لمراجعة حسابات الجمعية وأهدرتهما في حق متهم آخر قضت ببراءته وأخيراً فإن المحكمة لم تطلع على المحررات المقضي بتزويرها وخلا حكمها المطعون فيه ومحاضر الجلسات من إثبات هذا الإجراء من جوهريته.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجرائم تسهيل الاستيلاء على مال لشركة تساهم الدولة في مالها بنصيب، وتزوير في محرراتها وإحداث ضرر عمدي بأموالها وعرض رشوة التي دين الطاعن بها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة سائغة من شأنها أن تؤدي إلى ما رتب عليها مستمدة من أقوال الشهود وتقرير لجنة مراجعة حسابات الجمعية التعاونية للبترول واعتراف الطاعن. لما كان ذلك، وكانت الفقرة الأخيرة من المادة 48 من قانون العقوبات تنص على أنه يعفى من العقوبات المقررة في هذه المادة كل من بادر من الجناة بإخبار الحكومة بوجود اتفاق جنائي وبمن اشتركوا فيه قبل وقوع أية جناية أو جنحة…" وإذ كان الحكم المطعون فيه قد أثبت وقوع جنايتي تسهيل الاستيلاء على مال الجمعية التعاونية للبترول والتزوير قبل اعتراف الطاعن بارتكابهما – وهو ما لا يجادل الطاعن فيه – فإن في هذا ما يتضمن بذاته الرد على ما أثاره الطاعن في شأن الإعفاء المنصوص عليه في المادة المذكورة بما يدل على إطراحه فضلاً عن أن المحكمة لم تكن ملزمة بالرد على دفاع قانوني ظاهر البطلان. أما ما يثيره الطاعن بشأن طلب استعمال الرأفة فمردود بأنه من المقرر أن تقدير العقوبة في الحدود المقررة في القانون مما يدخل في سلطة محكمة الموضوع وبغير أن تكون ملزمة ببيان الأسباب التي دعتها إلى توقيع العقوبة بالقدر الذي ارتأته. لما كان ذلك، وكان من المقرر أن تقدير آراء الخبراء والفصل فيما يوجه إلى تقاريرهم من اعتراضات ومطاعن مرجعه إلى محكمة الموضوع التي لها كامل الحرية في تقدير القوة التدليلية لتقرير الخبير شأنه في هذا شأن سائر الأدلة ولا يقبل مصادرة المحكمة في هذا التقدير، وكانت المحكمة قد اطمأنت إلى تقرير اللجنة بشأن قيام الطاعن بتزوير المحررات التي نسبها إلى مستودع الجمعية وتفيد استرداد كميات بترولية من المتعهدين الذين من بينهم الطاعن الثاني إلى المستودع حتى يتسنى له تخفيض رصيد حساباتهم الجارية وبلغت قيمة المبالغ المختلسة نتيجة لذلك مبلغ 8672 ج و493 م فإنه لا يجوز مجادلة المحكمة في ذلك ولا مصادرة عقيدتها فيه أمام محكمة النقض. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض لدفاع الطاعن في شأن عدم التعويل على اعترافه لاختلال قواه العقلية بقوله "إن الثابت من التحقيقات أن المتهم المذكور اقترف جرائمه وهو حافظ لشعوره واختياره وفي حالة عقلية سليمة ينبئ عن ذلك ما ظهر منه من تدبير وإحكام في ارتكاب جرائمه فترة تزيد عن السنة وأنه لم يعترف إلا بعد أن قويت حوله الشبهات وضيق عليه سمير أحمد حامد المراجع بإدارة المراقبة والتفتيش الخناق ومع ذلك فقد حاول رشوة المذكور ظناً منه أن مثله يتأثر بإغراء المادة فيتركه يستمر في ضلاله وليس هذا شأن الشخص المختل العقلية بل هو شأن العاقل الماكر المدبر ومن ثم تطرح المحكمة جانباً ما أثاره الدفاع عن المتهم الأول في شأن قواه العقلية وإذ كان الثابت مما أورده الحكم أن المدافع عن الطاعن لم يثر هذا الدفاع إلا للتشكيك في قيمة الاعتراف الصادر منه ولم يطلب إلى المحكمة تحقيقه بل طلب استعمال الرأفة وكان مناط الإعفاء من العقاب لفقدان الجاني لشعوره واختياره في عمله وقت ارتكاب الفعل هو أن يكون سبب هذه الحالة راجعاً على ما تقضي به المادة 62 من قانون العقوبات لجنون أو عاهة في العقل دون غيرهما وكان الحكم المطعون فيه قد أثبت بأدلة سائغة سلامة إدراك الطاعن وقت ارتكابه للجرائم التي دين بها ووقت اعترافه بارتكابها في التحقيقات، فإن النعي على الحكم في هذا الصدد لا يكون له محل. أما ما ينعاه الطاعن على اعترافه بالغموض والتجهيل فمردود بأن الاعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات. لما كان ذلك، وكان الأصل أن المحكمة لا تتقيد بالوصف القانوني الذي تسبغه النيابة العامة على الفعل المسند إلى المتهم لأن هذا الوصف ليس نهائياً بطبيعته وليس من شأنه أن يمنع المحكمة من تعديله متى رأت أن ترد الواقعة بعد تمحيصها إلى الوصف الذي ترى أنه الوصف القانوني السليم وذلك بشرط أن تكون الواقعة المادية المبينة بأمر الإحالة والتي كانت مطروحة بالجلسة هي بذاتها الواقعة التي اتخذتها المحكمة أساساً للوصف الجديد ومتى كانت الواقعة التي اتخذها الحكم المطعون فيه أساساً للوصف الجديد هي أن الطاعن عرض رشوة على موظف عمومي ولم تقبل منه وهي ذات الواقعة التي تضمنها أمر الإحالة وكانت المحكمة قد طبقت مادة القانون على الوجه الصحيح في واقعة الدعوى وهي المادة 109 مكرراً من قانون العقوبات بدلاً من المادة 106 مكرراً منه التي طلبتها النيابة العامة فإن هذا التعديل لا يعطي الطاعن حقاً في إثارة دعوى الإخلال بحق الدفاع إذ أن المحكمة لا تلتزم في مثل هذه الحالة تنبيه المتهم أو المدافع عنه إلى ما أجرته من تعديل في الوصف ومادة القانون ولا محل بعد ذلك لتمتع الطاعن بالعذر المعفي من عقوبة الرشوة المقررة بالمادة 107 مكرراً من قانون العقوبات إذ أن هذا العذر مقصور على حالة وقوع جريمة المرتشي بقبوله الرشوة المعروضة عليه دون حالة امتناع الموظف عن قبول الرشوة كما هو الحال في واقعة الدعوى. لما كان ذلك، وكان ما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه من أنه عول على أقواله وتقرير اللجنة في إدانته وأهدر هذين الدليلين في حق غيره فمردود بأن قضاء محكمة النقض قد جرى على أن تقدير الأدلة بالنسبة إلى كل متهم هو من اختصاص محكمة الموضوع وحدها وهي حرة في تكوين اعتقادها حسب تقديرها لتلك الأدلة واطمئنانها إليها بالنسبة إلى متهم وعدم اطمئنانها بالنسبة إلى ذات الأدلة بالنسبة إلى متهم آخر. لما كان ذلك، وكان صحيحاً على ما ثبت من مراجعة محاضر الجلسات ومدونات الحكم المطعون فيه ما قال به الطاعن من أن المحكمة أغفلت الاطلاع على الأوراق المزورة وهو مسلك من الحكم كأن يؤذن بتعييب إجراءات المحاكمة إلا أن ما يرد هذا العيب عن الحكم في صورة الطعن الحالي هو انعدام جدواه ذلك بأن العقوبة التي أوقعتها المحكمة على الطاعن عن مجموع الجرائم المسندة إليه هي العقوبة المقررة في الفقرة الأولى من المادة 113 من قانون العقوبات التي طبقتها المحكمة عن جريمة تسهيل الاستيلاء بغير حق على مال الجمعية التعاونية للبترول التي تساهم الدولة في مالها بنصيب. ومن ثم فلا مصلحة للطاعن في النعي على الحكم بأوجه طعن تتصل بجريمة التزوير في محررات الجمعية طالما أن المحكمة قد طبقت المادة 32 من قانون العقوبات وقضت بمعاقبته بالعقوبة الأشد وهي المقررة للجريمة الأولى. لما كان ما تقدم، فإن ما يثيره الطاعن لا يكون له محل ويتعين رفض الطعن المقدم منه.
وحيث إن مبنى الطعن المقدم من الطاعن الثاني هو البطلان في الإجراءات والقصور في التسبيب والإخلال بحق الدفاع والفساد في الاستدلال، ذلك بأن المحكمة لم تطلع على المحررات المقضي بتزويرها وخلا الحكم المطعون فيه ومحاضر الجلسات من إثبات هذا الإجراء مع جوهريته، كما خلا الحكم المطعون فيه من بيان الأوراق المزورة وعددها وطريقة تزويرها ولم تمكنه المحكمة من التقرير بالطعن بالتزوير والسير في إجراءات تحقيق الطعن في الفواتير الإثنى عشرة التي نسب إليه الاعتراف باستلام كميات البترول الثابتة بها وصدرت عنها مذكرات ارتداد مزورة ودلل الحكم تدليلاً فاسداً على صحة هذا الاعتراف وعلى عدم تناقض الطاعن الأول في تحديد المقابل الذي تقاضاه منه ولم يعرض لما ساقه من أدلة وشواهد للتزوير أو لدفاعه بشأن دعوى حساب مدنية مرفوعة منه ضد الجمعية المجني عليها وصدور حكم فيها بندب خبير لتصفية الحساب.
وحيث إنه عن الوجه الأول من النعي الخاص ببطلان الإجراءات لعدم إطلاع المحكمة على المحررات المزورة فقد سبق معالجته في الطعن المقدم من الطاعن الأول. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد بين في مدوناته أن الطاعن الأول كان يصطنع مكاتبات مزورة بخط يده نسب صدورها إلى مدير المستودع التابع للجمعية المجني عليها تفيد ارتداد كميات بترولية من المتعهد الطاعن إلى المستودع حتى يمكن تخفيض رصيد الحساب الجاري له بقيمتها واتفق الطاعنان سوياً على أن يقتسما قيمة المبالغ المختلسة وأن جملة المبالغ التي صدرت عنها هذه الاستمارات المزورة تبلغ 4737 ج و500 م فإن هذا الذي تحدث الحكم به قد بين واقعة الدعوى بما تتوافر به العناصر القانونية لجريمتي الاشتراك في التزوير والاختلاس اللتين دان الطاعن بهما – أما بيان عدد الأوراق المزورة فلا شأن له في توفر أركان الجريمة – هذا فضلاً عن أن الحكم المطعون فيه قد أحال في ذلك إلى تقرير اللجنة التي قامت بتمحيص أرصدة المتعهدين التابعين للجمعية وليس هناك ما يمنع المحكمة من أن تكتفي بحكمها في صدد بيانها إلى مجرد الإحالة إلى ما جاء في تقرير الخبير في شأنها متى كان هذا التقرير مقدماً في ذات الدعوى كدليل على الطاعنين. لما كان ذلك، وكان الحكم المطعون فيه قد عرض لدفاع الطاعن في شأن التناقض في تحديد المقابل والطعن بالتزوير بقوله "أما اختلاف المتهم الأول (الطاعن الأول) في بيان المبالغ التي حصل عليها من المتهم الثالث (الطاعن الثاني) نظير اتفاقه معه على ارتكاب ما ارتكبه من جرائم فلا يؤثر في قوة الدليل المستمد من اعترافات المتهم الأول في هذا الشأن ذلك لأن المتهم الأول لم يكن يرصد أولاً بأول ما حصل عليه من مال حرام من المتهم الثالث كما وأنه لم يكن مفروضاً عليه أن يمسك دفتراً يحصر فيه كل ما حصل عليه لتكون بياناته في تحديد هذه المبالغ دقيقة واضحة – أما طعن الدفاع بالتزوير في الفواتير المنسوب إلى المتهم الثالث الاشتراك في اختلاسها فمردود عليه بأن المتهم الثالث اعترف صراحة في تحقيقات النيابة بأنه استلم محتويات هذه الفواتير والثابت من مراجعة أقوال المتهم المذكور في تحقيقات النيابة أنه كان حاضر الإجابة يحمل معه مستندات دفاعه فقد ذكر في أقواله أرقام وتواريخ ومبالغ المبيعات التي سلمها للمحصل سداداً للمطلوب منه وهي خمسة شيكات كما أنه ذكر بدقة تواريخ مذكرات حسابه من الجمعية في نهاية سنة 1965 وفي 7/ 5/ 1966 ولذلك تطمئن المحكمة أن المتهم المذكور لم يدل بأي قول من أقواله اعتباطاً دون توفيق أو حساب ومن ثم يكون اعترافه باستلام محتويات الفواتير المنسوب إليه الاشتراك في اختلاسها قد جاء بعد تفكير وترو ويكون ما يثيره الدفاع من طعن بالتزوير في هذه الفواتير جدير بالالتفات عنه". ولما كان الاعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات بغير معقب ما دامت تقيمه على أسباب سائغة، وكان من المقرر في قضاء محكمة النقض أن لمحكمة الموضوع سلطة مطلقة في الأخذ باعتراف المتهم في حق نفسه وعلى غيره من المتهمين في أي دور من أدوار التحقيق وإن عدل عنه بعد ذلك متى اطمأنت إلى صحته ومطابقته للحقيقة والواقع، وكانت المحكمة قد خلصت في استدلال سائغ إلى سلامة الدليل المستمد من اعتراف الطاعن الأول في شأن المقابل ومن اعتراف الطاعن الثاني بتحقيقات النيابة في شأن استلامه كميات البترول المبينة بالفواتير التي طلب الطعن فيها بالتزوير في دور المحاكمة، فإنه لا يجوز مجادلتها في تقديرها. وفضلاً عن ذلك فإن الحكم المطعون فيه أورد ضمن ما عول عليه في إدانة الطاعن أنه بعد أن كان الأخير يقوم باستلام كميات البترول بموجب الفواتير يعود ويتسلم "استمارات دائنة" عنها بحجة ردها إلى الجمعية خلافاً للحقيقة الأمر الثابت بدفتر صلاح الدين حسين محصل الجمعية وبكشوف الحساب الجاري التي أرسلت من الجمعية إلى الطاعن دون أن يحرك ساكناً. وإذ كان قضاء محكمة النقض قد استقر على أنه وإن كان القانون قد أوجب سماع ما يبديه المتهم من أوجه دفاع وتحقيقه إلا أن المحكمة إذا كانت قد وضحت لديها الواقعة أو كان الأمر المطلوب تحقيقه غير منتج في الدعوى أن تعرض عن ذلك بشرط أن تبين علة عدم إجابتها هذا الطلب. ولما كان الطعن بالتزوير في ورقة من أوراق الدعوى المقدمة فيها هو من وسائل الدفاع التي تخضع لتقدير محكمة الموضوع والتي لا تلتزم بإجابته، لأن الأصل أن المحكمة لها كامل السلطة في تقدير القوة التدليلية لعناصر الدعوى المطروحة على بساط البحث، وكان ما قاله الحكم فيما تقدم سائغاًًًً ومن شأنه أن يؤدي إلى ما رتب عليه من إطراح طلب التقرير بالطعن بالتزوير والسير في إجراءات تحقيق الطعن، فإن ما يثيره الطاعن في طعنه من قالة قصور الحكم في التسبيب والإخلال بحقه في الدفاع يكون في غير محله، أما ما ينعاه الطاعن بشأن عدم رد الحكم على دفاعه في صدد دعوى الحساب المرفوعة منه، فمردود بأن المحكمة ليست ملزمة بتعقب المتهم في مناحي دفاعه الموضوعي في كل جزئية يثيرها واطمئنانها إلى الأدلة التي عولت عليها يدل على إطراحها لجميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها. لما كان ما تقدم، فإن الطعن يكون على غير أساس متعينا رفضه موضوعاً.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات