الطعن رقم 542 لسنة 39 ق – جلسة 19 /05 /1969
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة 20 – صـ 743
جلسة 19 من مايو سنة 1969
برياسة السيد المستشار/ مختار مصطفى رضوان نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: محمد عبد المنعم حمزاوي، ونصر الدين عزام، وأنور خلف، والدكتور أحمد محمد إبراهيم.
الطعن رقم 542 لسنة 39 القضائية
(أ، ب) سبق إصرار. قتل عمد.
(أ) سبق الإصرار. ماهيته؟
(ب) ليس في سبق استعمال الحبل مشجباً للثياب ما ينفي قيام النية على إعداده للقتل.
1 – سبق الإصرار حالة ذهنية تقوم بنفس الجاني فلا يستطيع أحد أن يشهد بها مباشرة بل
تستفاد من وقائع خارجية يستخلصها القاضي منها استخلاصاً هو من إطلاقاته، ما دام موجب
هذه الوقائع والظروف لا يتنافر عقلاً مع هذا الاستنتاج. ويشترط لتوفره في حق الجاني
أن يكون في حالة يتسنى له فيها التفكير في عمله والتصميم عليه في روية وهدوء.
2 – ليس في سبق استعمال الحبل مشجباً للثياب ما ينفي قيام النية على إعداده للقتل،
ذلك أن الاستخدام المشروع للحبل شيء واختيار الطاعن له أداة لارتكاب جريمته بعد أن
عقد العزم عليها وإعداده لهذا الغرض شيء آخر.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن بأنه في ليلة 20 من أكتوبر سنة 1966 بدائرة مركز كفر شكر: قتل صابرين عبد الرحمن فرج عمداً مع سبق الإصرار بأن بيت النية على قتلها وما أن خلا إليها في مخدعها حتى أطبق على رقبتها بحبل قاصداً إزهاق روحها فحدثت به أعراض أسفكسيا الخنق الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياتها. وطلبت إلى مستشار الإحالة إحالته إلى محكمة الجنايات لمعاقبته بالمادتين 230، 231 من قانون العقوبات فقرر، ومحكمة جنايات بنها قررت إحالة الأوراق إلى مفتي الجمهورية ثم قضت حضورياً عملاً بمادتي الاتهام بإجماع الآراء بمعاقبة المتهم بالإعدام شنقاً فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض… إلخ. وقضى بقبول عرض النيابة العامة للقضية وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية إلى محكمة جنايات بنها لتحكم فيها من جديد دائرة أخرى. ومحكمة جنايات بنها مشكلة من دائرة أخرى قضت وبإجماع الآراء عملاً بمادتي الاتهام بمعاقبة المتهم بالإعدام شنقاً. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض للمرة الثانية…. إلخ.
المحكمة
حيث إن مبنى الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ دان الطاعن بجريمة
القتل العمد مع سبق الإصرار قد شابه قصور وفساد في الاستدلال حين عول في توافر ظرف
سبق الإصرار على أن الطاعن أعد حبلاً لفه حول عنق المجني عليها ليتخلص منها حتى لا
تشهد ضده في جريمة قتل مقدمة للمحاكمة، وعلى مسلك المجني عليها حياله برفضها كتمان
الشهادة في تلك القضية وفي ذلك يقول الطاعن أنه يكفى لإهدار فكرة أن الحبل أعد خصيصاً
للقتل، أن المعاينة وأقوال زوج شقيقته قد أيدته في أن الحبل كان مثبتاً في الغرفة لاستعماله
مشجباً للثياب وفضلاً عن ذلك فإنه لا يجوز أن يتخذ من كيفية ارتكاب الحادث دليلاً على
سبق الإصرار أما استدلال الحكم بمسلك المجني عليها إزاء الطاعن في خصوص الشهادة، فيراه
الطاعن غير سائغ، لأن النيابة العامة كانت قد أفرجت عنه بالضمان المالي عقب سماع شهادة
المجني عليها فأقامت معه عدة أشهر قبل أن تهجره غاضبة إلى بيت أبيها حتى صالحها ليلة
الحادث ثم إن ظروف الحال والوقائع الثابتة بالتحقيقات عند محاولاته ثنيها عن الشهادة
تكشف عن أنه لم يكن يبغى قتلها بل كان حريصاً على حياتها لينال مطلبه منها، ذلك بأنه
لو كان القتل مراده لما توانى عن استغلال الفرص العديدة المواتية حال إقامتها معه قبل
غضبتها. ويضيف الطاعن إلى ما تقدم، أن منطق الأمور يشير إلى أنه كان ليلة الحادث في
ثورة نفسية عارمة مما ينتفي معها سبق الإصرار الذي يتطلب إعمال الفكر في هدوء وروية،
كما أنه ليس أدل على انحسار هذا الظرف من أنه كان مقدماً على الانتحار عقب حصول الواقعة،
وبذلك يكون الحكم معيباً بما يستوجب نقضه.
وحيث إنه يبين من مراجعة الحكم المطعون فيه أنه حصل واقعة الدعوى بما تتوافر العناصر
القانونية للجريمة التي دان الطاعن بارتكابها وأورد على ثبوتها في حقه أدلة من شأنها
أن تؤدي إلى ما رتبه عليها. لما كان ذلك وكان الحكم بعد أن فرغ من استدلاله على توافر
نية القتل لدى الطاعن، راح يتبع ذلك ببيان ظرف سبق الإصرار قائلاً: "وبما أن هذه النية
لم تخامر المتهم – الطاعن – لساعتها بل ساورته منذ أفرج عنه بتاريخ 6/ 6/ 1966 بالضمان
المالي في جناية قتل ابن خالته الممرض محمد الصادق سيد أحمد وبعد أن سمع في تحقيق النيابة
شهادة زوجته المجني عليها ضده فهداه تفكيره البدائي السقيم إلى أن يطلب إلى الزوجة
الجنوح عن كلمة الحق فأبى عليها ضميرها ذلك أو خشيت مغبته فرفضت طلبه فظل بالحيلة تارة
وبالتعدي تارة أخرى وبالتهديد ثالثة يدفعها إلى أن تسير في ركب غيه فلما أبت تعدى عليها
بالضرب قبل الحادث بعشرين يوما فلجأت إلى والديها شاكية باكية طالبة حمايتها منه فلما
طلبها للعودة إلى منزل الزوجية أبيا عليه ذلك حتى تنتهي جلسة محاكمته في 22/ 10/ 1967،
إلا أنه زعم لهما أنه ما دام قد أفرج عنه في إحدى الجلسات فسوف يقضى ببراءته في جلسة
المحاكمة فصدقه الوالدان وترددت المجني عليها إلا أنها أذعنت لمشيئة والديها وعاد بها
المتهم إلى منزل الزوجية ليلة الحادث لتنفيذ ما سبق أن أعتزمه من الخلاص منها حتى لا
تحضر جلسة المحاكمة فتدلي بشهادتها ضده وهي شاهدة الإثبات الأولى عليه في الجناية 1312
سنة 1965 كفر شكر وقد نجح فيما سبق أن صمم عليه منذ أن رفضت المجني عليها الإذعان له
فيه وما أن استدرجها إلى منزله وأوى معها إلى فراشهما حتى نفذ ما كان قد عقد العزم
عليه من قتلها والتخلص منها". لما كان ذلك وكان سبق الإصرار حالة ذهنية تقوم بنفس الجاني
فلا يستطيع أحد أن يشهد بها مباشرة بل تستفاد من وقائع خارجية يستخلصها القاضي منها
استخلاصاً هو من إطلاقاته، ما دام موجب هذه الوقائع والظروف لا يتنافر عقلاً مع هذا
الاستنتاج، ويشترط لتوفره في حق الجاني أن يكون في حالة يتسنى له فيها التفكير في عمله
والتصميم عليه في روية وهدوء. وكان ما أورده الحكم فيما تقدم يتحقق به توافر ظرف سبق
الإصرار في حق الطاعن، وكان ما استظهره الحكم شاهداً على ثبوته من وقائع وأمارات أنبأت
به وكشفت عنه، هو ما يسوغ به هذا استخلاص، وكان ما يثيره الطاعن من قصور الحكم وفساده
في التدليل على توافر هذا الظرف في جانبه بإعداد الحبل وطريقة ارتكاب الحادث ورغبته
في التخلص من المجني عليها للحيلولة دون أدائها الشهادة ضده مردوداً بأنه فضلاً عن
أن الحكم لم يركن إلى هذه العناصر في إقامة الحجة على قيام هذا الظرف، ولم يبين استنتاجه
بشأن ثبوته عليها، وإنما ساقها بصدد تسبيب نية القتل التي استخلصها استخلاصاً سائغاً،
والتي انحسر عنها منعى الطاعن فإن ما ساقه الحكم من عناصر لا تتنافر في شرعة العقل
وصحيح المنطق مع استنتاج اقتران القتل بسبق الإصرار استناداً إليها، إذ ليس في سبق
استعمال الحبل مشجباً للثياب ما ينفي قيام النية على إعداده للقتل، ذلك بأن الاستخدام
المشروع للحبل شيء، واختيار الطاعن له أداة لارتكاب جريمته – بعد أن عقد العزم عليها
– وإعداده لهذا الغرض شيء آخر. لما كان ذلك، وكان سائر ما ينعاه الطاعن ينحل في حقيقته
إلى محض جدل موضوعي في تصوير الحكم للحادث وتقديره لأدلة الثبوت السائغة التي استنبطت
منها المحكمة معتقدها في الدعوى مما لا يجوز مصادرتها فيه أو الخوض بشأنه لدى محكمة
النقض، فإن الطعن يكون على غير أساس متعيناً رفضه موضوعاً.
وحيث إن النيابة العامة عرضت القضية على هذه المحكمة بمذكرة برأيها في الحكم طبقاً
لما هو مقرر في المادة 46 من القانون رقم 57 سنة 1959 في شأن حالات وإجراءات الطعن
أمام محكمة النقض، وطلبت إقرار قضائه بإعدام المحكوم عليه. لما كان ذلك، وكان الحكم
قد خلا من مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله، وقد صدر من محكمة مشكلة وفقاً
للقانون ولها ولاية الفصل في الدعوى، وبإجماع الآراء، ولم يصدر بعد الحكم قانون يسري
على واقعة الدعوى بما يغير مما انتهى إليه، فإنه يتعين قبول عرض النيابة، وإقرار الحكم
الصادر بإعدام المحكوم عليه (……..)
