الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 52 لسنة 39 ق – جلسة 28 /04 /1969 

أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة 20 – صـ 572

جلسة 28 من إبريل سنة 1969

برياسة السيد المستشار/ مختار مصطفى رضوان، نائب رئيس المحكمة، وعضوية السادة المستشارين: محمد محمد محفوظ، ومحمد عبد الوهاب خليل، وحسين سعد سامح، ومحمود عباس العمراوي.


الطعن رقم 52 لسنة 39 القضائية

(أ، ب) إثبات. "شهود". حكم. "تسبيبه. تسبيب معيب". محكمة الموضوع. "سلطتها في تجزئة أقوال الشهود".
( أ ) حق محكمة الموضوع في تجزئة أقوال الشهود. حده: أن يكون فيما يمكن فيه التجزئة بأسباب خاصة بمتهم أو متهمين بذواتهم لا باعتبارات عامة تنصرف إلى كل المتهمين وتصدق في حقهم جميعاً. مثال لتسبيب معيب.
(ب) عدم التزام المحكمة ببيان المبررات التي دعتها إلى تجزئة الشهادة. تعرضها إلى بيان تلك المبررات. وجوب ألا يقع تناقض بينها وبين الأسباب الأخرى التي أوردتها في حكمها بما من شأنه أن يجعلها متخاذلة متعارضة لا تصلح لأن ينبني عليها النتائج القانونية التي رتبها الحكم عليها. مثال.
1- إنه وإن كان من حق محكمة الموضوع تجزئة أقوال الشهود، إلا أن ذلك حده أن يكون فيما يمكن فيه التجزئة بأسباب خاصة بمتهم أو متهمين بذواتهم لا باعتبارات عامة تنصرف إلى كل المتهمين وتصدق في حقهم جميعاً. وإذ ما كانت أقوال الشهود كما أوردها الحكم واستدل بها جمعت بين الطاعن (المحكوم بإدانته) وبين المتهمين الآخرين معه (المحكوم ببراءتهم) في إطار واحد، فلا يمكن إفراد الطاعن بوضع مستقل بغير مرجح لا سند له من الحكم ولا شاهد عليه. وكانت الاعتبارات التي ساقها الحكم في سبيل تبرئة المتهمين الآخرين تصدق بالنسبة إلى الطاعن التي أحاطت به نفس الظروف التي أحاطت بالمتهمين الآخرين فكانت إدانته هو وحده مع قيام ذات الاعتبارات المادية بالنسبة إليه وإلى المتهمين الآخرين المحكوم ببراءتهما تحمل معنى التناقض في الحكم.
2- إنه وإن كان الأصل أن لمحكمة الموضوع أن تأخذ من أقوال الشاهد بما تطمئن إليه وأن تطرح ما عداه دون أن تلتزم ببيان علة ما ارتأته، إلا أنها متى تعرضت إلى بيان المبررات التي دعتها إلى تجزئة الشهادة فيجب ألا يقع تناقض بينها وبين الأسباب الأخرى التي أوردتها في حكمها بما من شأنه أن يجعلها متخاذلة متعارضة لا تصلح لأن ينبني عليها النتائج القانونية التي رتبها الحكم عليها. ولما كان الحكم المطعون فيه بعد أن عول في إدانة الطاعن على أقوال الخفراء النظاميين المنقولة عن أحد الخفراء عاد بعد ذلك وأطرح شهادتهم قبل المتهمين الآخرين واستند في ذلك إلى أن أقوالهم سماعية منقولة وهي محل شك طالما أنهم لم يروا الحادث وأسس على هذا النظر قضاءه ببراءتهما وهو ما يعيب الحكم بالتناقض في التسبيب بحيث لا يبين منه إن كانت المحكمة قد كونت عقيدتها على أساس كفاية الشهادة السماعية في الإثبات أم عدم كفايتها كما فعلت بالنسبة للمتهمين الآخرين وهو ما يعجز محكمة النقض عن تفهم مراميه. ومن ثم يكون الحكم معيباً بما يبطله ويوجب نقضه.


الوقائع

اتهمت النيابة العامة الطاعن وآخرين بأنهم في يوم 17 أكتوبر سنة 1966 بدائرة مركز قنا محافظة قنا: (أولاً) قتلوا عبد الجيد محمد إبراهيم عمداً مع سبق الإصرار والترصد بأن بيتوا النية على قتله وأعدوا لذلك أسلحة نارية وتوجهوا بها إلى حيث أيقنوا بوجوده حتى إذا ما ظفروا به أطلقوا عليه عدة أعيرة نارية قاصدين من ذلك قتله فأحدثوا به الإصابات الموصوفة بتقرير الصفة التشريحية والتي أودت بحياته (ثانياً) أحرزوا أسلحة نارية غير مششخنة "بنادق وفرد خرطوش" بغير ترخيص (ثالثاً) أحرزوا ذخيرة مما تستعمل في الأسلحة النارية سالفة الذكر دون أن يكون مرخصاً لهم في حملها أو حيازتها. وطلبت من مستشار الإحالة إحالتهم على محكمة الجنايات لمعاقبتهم بالمواد 230 و231 و232 من قانون العقوبات والمواد 1/ 1 و6 و26/ 1 – 4 و30 من القانون 394 سنة 1954 المعدل بالقانونين 546 لسنة 1954 و75 سنة 1958 والجدول 2 الملحق. فقرر بذلك. ومحكمة جنايات قنا قضت حضورياً عملاً بمواد الاتهام مع تطبيق المادتين 17 و32/ 2 من قانون العقوبات بالنسبة إلى المتهم الثاني (الطاعن) والمادتين 304/ 1 و381/ 1 من قانون الإجراءات الجنائية بالنسبة إلى المتهمين الأول والثالث (أولاً) بمعاقبة المتهم الثاني بالأشغال الشاقة المؤبدة (ثانياً) ببراءة المتهمين الأول والثالث مما أسند إليهما (ثالثاً) بمصادرة السلاح المضبوط. فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض… إلخ.


المحكمة

حيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجرائم القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد وإحراز السلاح والذخيرة قد شابه القصور والتناقض في التسبيب، ذلك بأن المحكمة برأت المتهمين الأول والثالث من الاتهام المسند إليهما في تلك الجرائم تأسيسا على اعتبارات عامة تصدق في حق الطاعن أيضاً، ودانته هو وحده على الرغم من انصراف ذات الاعتبارات التي أخذت بها إليه مما يعيب الحكم ويوجب نقضه.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بين واقعة الدعوى حسبما صورتها سلطة الاتهام بالنسبة إلى المتهمين الأول والثالث وكما استخلصتها المحكمة بالنسبة إلى الطاعن بما حاصله أنه أثناء مرور الخفير النظامي موسى حسن سليمان بدركه سمع صوت أعيرة نارية فخف إلى مصدرها فشاهد المتهمين الثلاثة ومن بينهم الطاعن يحملون أسلحة نارية يطلقون منها أعيرة صوب المجني عليه الذي كان يجلس على أريكة أمام حانوت كمال خير درباس وعلى مقربة من دكان لبيع القماش لعدلي عبد الرحيم إبراهيم وأخذ المتهمون يعدون عند رؤيتهم لهذا الخفير فتتبعهم حتى تقابل مع الخفير النظامي عارف محمود عبد الله فأبلغه بما حدث واستمر في عدوه خلف المتهمين إلا أنهم غابوا عن بصره وسط النخيل فواصل عدوه إلى أن وصل مقر النقطة الثابتة حيث قابل الخفيرين مصطفى إسماعيل محمد ومحمود حسن محمود بها وروى لهما الحادث وتوجه بعد ذلك إلى نقطة شرطة دندره حيث أخطر به وضمن الحكم واقعة الدعوى أن الحادث جرى على مرأى من كمال خير درباس صاحب الحانوت الذي وقع أمامه الحادث وعدلي عبد الرحيم إبراهيم صاحب محل القماش القريب من مكان الحادث وأن الأول منهم شاهد المتهم الأول والطاعن يحملان أسلحة ويطلقانها على المجني عليه فخر صريعاً وأبصر الثاني ثلاثة أشخاص يعدون عقب ارتكاب الحادث وهم يحملون أسلحة عرف من بينهم المتهم الثالث. كما أضاف الحكم إلى ما تقدم ما ثبت من التقرير الطبي الشرعي من أن إصابات المجني عليه نارية رشية وأن الوفاة تعزى إلى ما أحدثته الأعيرة النارية الرشية من كسور وإصابات بجسمه، وقد ساق الحكم على ثبوت الواقعة لديه على هذه الصورة في حق الطاعن أدلة استمدها من أقوال كل من الخفير النظامي موسى حسن سليمان وأحمد عبد العال منصور وكمال خير درباس وعدلي عبد الرحيم إبراهيم والخفراء عارف محمود عبد الله ومصطفى إسماعيل محمد ومحمود حسن محمود وعبد العزيز محمد إبراهيم ومما جاء بالتقرير الطبي الشرعي وبتقرير فحص السلاح، وقد حصل الحكم أقوال الخفير النظامي موسى حسن سليمان بما يفيد إبصاره المتهمين الثلاثة الأول يحمل طبنجة وكلاً من الثاني (الطاعن) والثالث يحمل بندقية وهم يطلقون أعيرة نارية منها صوب المجني عليه الذي كان يجلس على أريكة أمام حانوت كمال خير درباس وعلى مقربة من محل عدلي عبد الرحيم إبراهيم….. وأورد الحكم أقوال أحمد عبد العال منصور بما محصله أنه أثناء وجوده على مقربة من مكان الحادث سمع صوت عيار أعقبه إطلاق عيارين آخرين وشاهد المتهمين الثلاثة يفرون من مكان الحادث حاملين أسلحة وفي أثرهم الشاهد السابق والمجني عليه ملقى على الأرض صريعاً أمام حانوت كمال خير درباس، كما أورد الحكم أقوال كمال خير درباس بما مؤداه أن المجني عليه في يوم الحادث كان يجلس أمام حانوته كعادته فسمع صوت عيار ناري خرج على أثره من دكانه فشاهد المتهم الطاعن يصوب أولهما طبنجة والثاني بندقية على المجني عليه ولم يلبث أن سمع إطلاق عيارين آخرين فترك حانوته فزعاً إلى منزله ثم حصل الحكم أقوال عدلي عبد الرحيم إبراهيم بما مفاده أنه على أثر سماعه صوت إطلاق أعيرة نارية رأى المجني عليه الذي كان جالساً أمام حانوت كمال خير درباس يسقط على الأرض وثلاثة أشخاص يفرون هاربين عرف منهم الطاعن فحسب وكان يحمل بندقية بروحين وأورد الحكم أقوال الخفير النظامي عارف محمود عبد الله بما يفيد التقائه مع زميله الخفير موسى حسن سليمان وعلمه منه أن المتهمين الثلاثة ارتكبوا الحادث ولاذوا فراراً ثم حصل أقوال الخفيرين مصطفى إسماعيل محمد ومحمود حسن محمود بما مؤداه أن الخفير النظامي موسى حسن سليمان حضر إليهما بمقر النقطة الثابتة وأبلغهما بأن المتهمين الثلاثة قتلوا المجني عليه وأنه تعقبهم ولكنهم أفلتوا منه وسط النخيل كما أورد الحكم أقوال عبد العزيز محمد إبراهيم بما مفاده أنه علم بالحادث فخف إلى مكانه والتقى بالخفير النظامي موسى حسن سليمان الذي أخبره بأن المتهمين الثلاثة هم الذين قتلوا شقيقه المجني عليه. ثم عرض الحكم لتبرئة المتهمين الأول والثالث وسبب براءتهما بما نصه "ومن حيث أن دليل الثبوت الذي ترتكن إليه النيابة العامة بالنسبة للمتهمين الأول والأخير عبد الوهاب محمود عبد الرحيم وحسن علي سليمان يتمثل في أقوال الخفير النظامي موسى حسن سليمان وأحمد عبد العال منصور وكمال خير درباس وعدلي عبد الرحيم إبراهيم وعارف محمود عبد الله ومصطفى إسماعيل محمد ومحمود حسن محمود وعبد العزيز محمد إبراهيم وفيما ثبت من التقرير الطبي الشرعي وهذا الدليل محل نظر للأسباب الآتية: (أولاً) الثابت من أقوال الشهود جميعاً أن المتهم الأول عبد الوهاب محمود عبد الرحيم كان يحمل مسدساً وقد أطلق منه أعيرة نارية وقد جاء تقرير الطبيب الشرعي متناقضاً مع هذا القول ذلك بأن جميع إصابات المجني عليه رشية مما يسدل ستاراً كثيفاً من الشك حول هذا الاتهام (ثانياً) أن الشاهدين كمال خير درباس لم يذكر من المتهمين سوى الأول والثاني وأن الشاهد عدلي عبد الرحيم إبراهيم لم يعرف الثالث وهذا القول يتناقض مع أقوال الشاهد موسى محمد سليمان من أنه رأى المتهمين الثلاثة إثر الحادث مما يسدل ستاراً من الريب حول وجود المتهم الأول والأخير على مسرح الجريمة. (ثالثاً) أن أقوال الخفراء عارف محمود عبد الله ومصطفى إسماعيل محمد ومحمود حسن محمود جاءت سماعية ومنقولة عن الخفير موسى حسن سليمان وهي محل شك طالما أنهم لم يروا الحادث وطالما أن هذا الأخير شاهد المتهم الأول يحمل مسدساً وأنه أطلق منه أعيرة نارية أصابت المجني عليه متناقضاً في ذلك مع تقرير الطبيب الشرعي على ما سلف البيان" وهذا الذي ذكره الحكم تسبيباً لبراءة المتهمين مع الطاعن وإفراده إياه من دونهما بالإدانة ينطوي على التناقض والقصور، ذلك بأن الاعتبارات التي ساقها في سبيل تبرئة المتهمين الآخرين تأسيساً على كذب الشاهد حسن موسى سليمان بدلالة تعارض أقواله مع ما أثبته التقرير الطبي الشرعي ومناقضة أقوال شهود الرؤية الآخرين له في خصوص ما قرره عن عدد الجناة، وما قاله الحكم من أن أقوال باقي الشهود محل شك لأنها سماعية ومنقولة عن الخفير النظامي موسى حسن سليمان، هذه الاعتبارات التي أوردها الحكم تصدق بالنسبة إلى الطاعن التي أحاطت به نفس الظروف التي أحاطت بالمتهمين الآخرين فكانت إدانته هو وحده مع قيام ذات الاعتبارات المادية بالنسبة إليه وإلى المتهمين الآخرين المحكوم ببراءتهما تحمل معنى التناقض في الحكم، ولا يعترض بأن من حق محكمة الموضوع تجزئة أقوال الشهود، لأن ذلك حده أن يكون فيما يمكن فيه التجزئة بأسباب خاصة بمتهم أو متهمين بذواتهم لاعتبارات عامة تنصرف إلى كل المتهمين وتصدق في حقهم جميعاً، وإذ ما كانت أقوال الشهود كما أوردها الحكم واستدل بها جمعت بين الطاعن والمتهمين الآخرين معه في إطار واحد، فلا يمكن إفراد الطاعن بوضع مستقل بغير مرجح لا سند له من الحكم ولا شاهد عليه. هذا فضلاً عن أن الحكم بعد أن عول في إدانة الطاعن على أقوال الخفراء النظاميين المنقولة عن الخفير النظامي موسى حسن سليمان عاد بعد ذلك وأطرح شهادتهم قبل المتهمين الأول والثالث واستند في ذلك إلى أن أقوالهم سماعية منقولة عن الخفير النظامي موسى حسن سليمان وهي محل شك طالما أنهم لم يروا الحادث.. وأسس على هذا النظر قضاءه ببراءتهما وهو ما يعيب الحكم بالتناقض في التسبيب بحيث لا يبين منه إن كانت المحكمة قد كونت عقيدتها أيضاً على أساس كفاية الشهادة السماعية في الإثبات، أم عدم كفايتها كما فعلت بالنسبة للمتهمين الآخرين وهو ما يعجز محكمة النقض عن تفهم مراميه، ولا يصح التحدي بحق محكمة الموضوع في تجزئة أقوال الشهود، ذلك أنه وإن كان الأصل أن لمحكمة الموضوع أن تأخذ من أقوال الشاهد بما تطمئن إليه وأن تطرح ما عداه دون أن تلتزم ببيان علة ما ارتأته، إلا أنها متى تعرضت إلى بيان المبررات التي دعتها إلى تجزئة الشهادة فيجب ألا يقع تناقض بينها وبين الأسباب الأخرى التي أوردتها في حكمها بما من شأنه أن يجعلها متخاذلة متعارضة لا تصلح لأن ينبني عليها النتائج القانونية التي رتبها الحكم عليها. لما كان ما تقدم، فإن الحكم المطعون فيه يكون معيباً بما يبطله ويوجب نقضه والإحالة بغير حاجة لبحث أوجه الطعن الأخرى.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات