الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 169 سنة 24 ق – جلسة 25 /12 /1958 

أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الثالث – السنة 9 – صـ 824

جلسة 25 من ديسمبر سنة 1958

برياسة السيد محمود عياد المستشار، وبحضور السادة: عثمان رمزي، وإبراهيم عثمان يوسف، ومحمد زعفراني سالم، والحسيني العوضي المستشارين.


الطعن رقم 169 سنة 24 ق

( أ ) حكم "تسبيب كاف". إقامة الحكم على أسباب صحيحة كافية لحمله وتزيده في الأسباب بعد ذلك مما كان محلاً للنعي عليه. لا يعيبه مهما كان في هذا التزيد من خطأ.
(ب) عقد "تفسير العقد" أخذ محكمة الموضوع بما تفيده ظاهر عبارات العقد. عدم التزامها إيراد أسباب لذلك. لا تؤاخذ بأنها لم تعدل عن المعنى الظاهر إلى سواه ما دام لم يوجد مسوغ العدول ولم تستبن أن نية المتعاقدين قد انصرفت إلى معنى آخر خلافه.
(ج) التزام. "تعويض". حكم "تسبيب كاف". المساءلة بالتعويض لا تقوم على الضرر فحسب. وجوب وقوع ثبوت وقوع الخطأ من جانب المدين. نفي الحكم وقوع خطأ منه. إثباته من جهة أخرى أن الدائن قد أخل بالتزامه. حسبه هذا التأسيس للقضاء برفض دعوى التعويض.
(د) إثبات. "سلطة محكمة الموضوع في تقدير الدليل" الموازنة بين الأدلة والأخذ بدليل تطمئن إليه المحكمة وإطراح دليل آخر. لا يعتبر من قبيل المسخ لواقعة الدعوى.
(هـ) خبير. أخذ محكمة الموضوع بما جاء بتقرير الخبير. عدم التزامها بالرد على الطعون التي يوجهها الخصوم إلى تقريره. أخذها بما ورد فيه دليلاً كافياً على أنها لم تجد في تلك الطعون ما يستحق التفاتها إليها.
1 – إذا كان يبين مما جاء بالحكم المطعون فيه أنه محمول في حقيقة الواقع في شأن دحض مسؤولية المطعون عليها الثالثة – جريدة ……. عن توقفها عن نشر إعلان عن جهاز طبي – على ما تفيده نصوص عقد الاتفاق المبرم بينها وبين الطاعن وما تخوله هذه النصوص للمطعون عليها الثالثة من الحق في رفض نشر أي إعلان لا توافق إدارتها على نشره وعلى إخلال الطاعن بالتزاماته الناشئة عن هذا العقد، فإن في ذلك ما يكفي لحمل الحكم – ولا يقدح في سلامته أن يكون قد تزيد في الأسباب مما كان محلاً لنعي الطاعن عليه مهما كان في هذا التزيد من خطأ.
2 – إذا كانت محكمة الموضوع قد أعملت نص عقد الاتفاق الذي يعطي للمطعون عليها الثالثة الحق في إيقاف النشر بدون أى تنبيه أو إنذار إذا تأخر الطاعن عن دفع المبالغ المستحقة عنه – وأخذت بما تفيده ظاهر عباراته، فإنها بذلك تكون قد التزمت حدود القانون في شأن تفسير العقود. ولم يكن عليها في هذا المقام أن تورد أسباباً لذلك ولا تؤاخذ بأنها لم تعدل عن المعنى الظاهر إلى سواه ما دام لم يوجد مسوغ للعدول ولم تستبن أن نية المتعاقدين قد انصرفت إلى معنى آخر خلافه.
3 – إذا كانت محكمة الموضوع قد أسست قضاءها برفض طلب التعويض الموجه للمطعون عليها الثالثة والمطعون عليها الأولى – وزارة الصحة – بالتضامن على أن المطعون عليها الثالثة لم تخالف مقتضى العقد المبرم بينها وبين الطاعن. وأنها قد التزمت في تصرفها في خصوص النشر – نصوصه – وأنها إذ توقفت عن النشر لم تكن إلا في حدود الحق المخول لها وأثبتت من الناحية الأخرى إخلال الطاعن بالالتزامات الملقاة على عاتقه طبقاً للعقد المذكور، فحسبها ذلك التأسيس للقضاء برفض دعوى التعويض المقامة من الطاعن ولم يكن عليها بعد ذلك أن تتقصى وقوع ضرر للطاعن أو تلتفت لما ساقه من أسانيد لإثبات هذا الضرر. إذ المساءلة بالتعويض لا تقوم على الضرر فحسب بل يتعين كذلك ثبوت وقوع الخطأ من جانب المدين – وقد نفى الحكم المطعون فيه وقوع خطأ منه – كما أثبت من جهة أن الدائن (وهو الطاعن) قد أخل بالتزامه فكان عدم تنفيذ الالتزام بالنشر نتيجة أيضاً لخطئه.
4 – لا تعتبر الموازنة بين الأدلة والأخذ بدليل معين منها تطمئن إليه المحكمة وإطراح دليل آخر من قبيل المسخ لواقعة الدعوى.
5 – لا تلتزم محكمة الموضوع بالرد على الطعون التي يوجهها الخصم إلى تقرير الخبير ما دام أنها قد أخذت بما جاء في هذا التقرير – إذ أن في أخذها بما ورد فيه دليلاً كافياً على أنها لم تجد في تلك الطعون ما يستحق التفاتها إليها وهي في تقديرها ذلك لا سلطان عليها لمحكمة النقض.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن الوقائع تتحصل – على ما يبين من الحكم المطعون فيه ومن سائر أوراق الطعن في أن الطاعن أقام الدعوى رقم 351 سنة 1946 كلي مصر وكانت طلباته الختامية فيها الحكم بإلزام شركة جريدة الأهرام ممثلة في رئيس مجلس إدارتها ومدير إدارة الجريدة المطعون عليهما الثاني والثالث هي وزارة الصحة (المطعون عليها الأولى) متضامنين بأن يدفعا له مبلغ 5000 جنيه والمصاريف والأتعاب والحكم أيضاً بإلزام وزارة الصحة وآخر هو الدكتور محمد عبد السلام الجندي – بأن يدفعا – له متضامنين مبلغ 45000 جنيه والمصاريف والأتعاب وقرر في بيان دعواه أنه اخترع جهازاً لمعالجة الحويصلات المنوية وتضخم البروستاتا والأمراض السرية المستعصية وسماه جهاز "فهجر" وسجله في الولايات المتحدة الأمريكية وفي المملكة المتحدة واستمر يستعمله بنجاح مدة ستة عشر عاماً ويوالي الإعلان عنه في الصحف ومن بينها صحيفة الأهرام التي كانت تنشر الإعلانات له عن هذا الجهاز منذ سنة 1931 والتي جددت الاتفاق معه أخيراً بعقد محرر في 14/ 6/ 1945 على النشر له عنه ولكنها بعد أن نفذت الاتفاق لمدة قصيرة عادت فامتنعت عن النشر فأرسل الطاعن إليها خطاباً في 11/ 8/ 1945 يطالبها فيه بتنفيذ مقتضى الاتفاق وردت عليه في 17/ 8/ 1945 بخطاب تخبره فيه بأنها قد أرسلت لوزارة الصحة تستأذنها في النشر ولم يكن للصحيفة أن تنهج هذا المنهج إذ لم يكن لوزارة الصحة عليها من سبيل في هذا الخصوص سيما وان الجهة التي وجهت الصحيفة إلى استئذانها وهي إدارة قسم الصيدليات كانت قد حررت من قبل للطاعن خطاباً تخطره فيه بأنه ليس لها اختصاص ما بالنسبة للأجهزة والاختراعات الطبية ولكن صحيفة الأهرام ارتكنت إلى الخطاب الذي ورد لها من قسم الصيدليات المؤرخ 3/ 9/ 1945 بعدم الموافقة على النشر وامتنعت نهائياً عن تنفيذ التزامها قبله لذلك ولأن وزارة الصحة اشتركت مع جريدة الأهرام في الخطأ بعدم الموافقة – على النشر – ولما لحق الطاعن من ضرر أدبي ومادي من جراء ذلك فقد طلب بدعواه مبلغ التعويض المتقدم بيانه من وزارة الصحة وشركة الأهرام متضامنين وأوضح الطاعن أيضاً أن وزارة الصحة قد ارتكبت في حقه خطأ آخر يستوجب مساءلتها بالتعويض عنه ذلك أنها قدمت ضمن مستنداتها تقريراً مؤرخاً 4/ 1/ 1943 وضعه مفتش أول قسم الأمراض التناسلية بها وهو الدكتور محمد عبد السلام الجندي – وقد ورد بهذا التقرير أن الإعلان عن الجهاز ليس إلا مظاهرة صارخة من مظاهرات للتدجيل والتشويش مع أنه سبق للطاعن أن أجاب معهد الأبحاث إلى علاج حالات المرضى الذين قدمهم له فقرر المرحوم الدكتور محمد خليل عبد الخالق (مدير المعهد) في تقرير له موجه لوكيل وزارة الصحة مؤرخ 7 يناير سنة 1940 بنفع الجهاز ووجوب استعماله في الحالات التي أعد لها – لهذا طالب الطاعن وزارة الصحة والدكتور محمد عبد السلام الجندي متضامنين بمبلغ التعويض المذكور آنفاً وبتاريخي 26/ 10/ 1950، 23/ 11/ 1950 قضت محكمة أول درجة بندب الطبيب الشرعي محمد محمود عماره وحسين عزت طبيب الأمراض السرية ومحمد عبد المنعم العقبى طبيب الأمراض التناسلية بقصر العيني بفحص جهاز الطاعن لمعرفة إن كان استعماله يشفي الأمراض التي يشير إليها دون ضرر – وهل استعماله في معالجة الأمراض السرية والتناسلية أفضل من استعمال الأصبع.. الخ. ما ورد في الحكم القاضي بالندب – وبعد أن قدم الأطباء المنتدبون تقريرهم أصدرت المحكمة الابتدائية في 4/ 12/ 1952 حكماً قضت فيه برفض دعوى الطاعن وإلزامه بالمصروفات – فاستأنف الطاعن هذا الحكم إلى محكمة استئناف القاهرة بالاستئناف رقم 132 لسنة 70 ق طالباً إلغاءه والحكم له بطلباته المبينة آنفاً مع إلزام المستأنف عليهم بالمصاريف والأتعاب عن الدرجتين وبتاريخ 28/ 2/ 1954 قضت محكمة الاستئناف برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف وألزمت الطاعن بالمصروفات فطعن في هذا الحكم بالنقض بتاريخ 9/ 5/ 1954 وبعد استيفاء الإجراءات قدمت النيابة العامة مذكرة أبدت فيها رأيها برفض الطعن وعرض الطعن على دائرة فحص الطعون بجلسة 10 من يونيه سنة 1958 فقررت إحالته إلى هذه الدائرة لنظره بجلسة 23 من أكتوبر سنة 1958 وصممت النيابة العامة على رأيها السالف الذكر.
وحيث إن الطاعن ينعي بالوجه الأول من السبب الأول على الحكم المطعون فيه الخطأ في القانون ذلك أن محكمة الموضوع وهي بصدد النظر في مسؤولية جريدة الأهرام بالتعويض لإخلالها بالتزامها التعاقدي قد رفعت عنها هذه المسئولية بمقولة أنه لم يثبت أنها تعمدت الإضرار بالطاعن بتوقفها عن نشر الإعلان المتفق على نشره بها مع أنه يكفي في ثبوت المسئولية وقوع الخطأ من جانب المدين دون نظر إلى ما إذا كان هذا الخطأ متعمداً أو غير متعمد – ويتحصل الوجه الثاني من هذا السبب في أن الحكم المطعون فيه أخطأ في تطبيق عقد الاتفاق المبرم بين الطاعن وجريدة الأهرام في 14/ 6/ 1945 على واقعة الدعوى وذلك أولاً أنه أقر جريدة الأهرام على توقفها عن نشر إعلانات الطاعن مسوغاً ذلك بقيام اشتراك بينه وبينها في المسئولية عن النشر – مع أن عقد الاتفاق – المبرم بينهما لا يحمل الجريدة أية مسؤولية والقول بهذا الاشتراك في المسئولية فيه خلط بين إلزامها بالنشر مقابل ما تتقاضاه من أجر وبين مسئولية طالب النشر بوصفه طبيباً مسئولاً عما ينشره مما قد يكون فيه مساس بأصول مهنته وثانياً أنه ما كان للحكم المطعون فيه أن يذهب إلى ما ذهب إليه من إعطاء جريدة الأهرام الحق المطلق في أن تنشر أو لا تنشر إعلانات الطاعن بمحض مشيئتها اعتماداً على ورود نص في العقد المبرم بينهما يمنحها مثل هذا الحق – الذي ليس له في واقع الأمر قيمة عملية – إذ هو من العبارات المطبوعة التي تتردد في بعض العقود دون أن يكون مراداً بها أثر إيجابي – وقد أخطأت محكمة الموضوع في تفسير عقد الاتفاق تفسيراً مخالفاً لنية المتعاقدين بأعمالها مثل هذا النص وقد قبلت به العقد المشار إليه إلى عقد إذعان يخضع في تنفيذه إلى مشيئة طرف معين من طرفيه ويتحصل الوجه الثالث من السبب المذكور في أن الحكم المطعون فيه ارتكن في نفي مسئولية – المطعون عليها الثالثة إلى أنها التزمت في تصرفها واجباً مفروضاً عليها بمقتضى القانونين 65 لسنة 1940 و5 لسنة 1941 يقتضي أن لا تنشر إعلانات خاصة بالأجهزة التي يخترعها الأطباء قبل الحصول على موافقة وزارة الصحة مع أن أول هذين القانونين خاص بالمهن الطبية وتستهدف نصوصه المحافظة على كرامة المهنة – وليس له علاقة ما بجهات النشر ولا يفرض عليها التزاماً في هذا الخصوص ولا يلقي على عاتقها أية مسئولية إذا ما وقعت مخالفة لأحكامه – وثانيهما خاص بالمستحضرات الطبية كالعقاقير وما إليها – وليس الجهاز المعدني موضوع الإعلان مما يدخل تحت أحكام هذا القانون.
وحيث إن هذا النعي بما ورد في هذه الوجوه الثلاثة مردود بما جاء في الحكم المطعون فيه من أن الثابت من الاطلاع على مستندات طرفي الخصوم ودفاعهما أن موقف جريدة الأهرام من المستأنف (الطاعن) كانت فيه على حق – ولتوقفها عن النشر مبرراته من نفس العقد المبرم بينها وبينه في 14/ 6/ 1945 وفقاً للاشتراك معه في المسئولية وما يمليه عليها الواجب في أداء رسالتها لقرائها على الوجه اللائق لسمعتها وكرامتها فلا تنشر إعلاناً عن فوائد اختراع حديث إلا بعد التحقق من نفعه ولا سبيل لها إلى ذلك إلا بأخذ رأي الجهة المختصة – وهي وزارة الصحة – ويؤيد ما تقدم – أولاً أن الامتناع عن النشر هو من حقها المطلق طبقاً لنص البند الأخير من عقد الاتفاق سالف الذكر حيث ورد به – أنها تحتفظ لنفسها بالحق في رفض كل إعلان لا توافق إدارتها على نشره" – ثانياً – تأخره عن دفع المبالغ المستحقة عن النشر في شهري يونيه ويوليه سنة 1954 وقد طالبته مراراً ولم يسدد قيمة الإعلانات إلا بعد أربع سنوات أي في سنة 1949 وإخلاله بتعاقده يعطيها الحق طبقاً للعقد في إيقاف النشر بدون أن تنبيه أو إنذار (البند الحادث عشر) ومن ذلك يبين – أولاً – أن محكمة الموضوع – إذ أعملت نص البند الأخير من عقد الاتفاق المشار إليه آنفاً وأخذت بما تفيده ظاهر عباراته – فإنها بذلك تكون قد التزمت حدود القانون في شأن تفسير العقود – ولم يكن عليها في هذا المقام – أن تورد أسباباً لذلك ولا تؤاخذ بأنها لم تعدل عن المعنى الظاهر إلى سواه ما دام لم يوجد مسوغ للعدول ولم تستبن أن نية المتعاقدين قد انصرفت إلى معنى آخر خلافه – ثانياً – وأن ما تأدى إلى فهم الطاعن من عبارة "وفقاً للاشتراك معه في المسؤولية" التي وردت بالحكم المطعون فيه – وما رتبه – الطاعن – على هذا الفهم من تخريج ليس هو مراد الحكم المطعون فيه ولا يستقيم تأويل الطاعن لهذه العبارة مع السياق الذي وردت فيه ولا يعني الحكم المطعون فيه بهذه العبارة سوى القول بأن كلاً من الطاعن والصحيفة في مقام المسؤول عن تصرفاته المتعلقة بمهنته – والعبارة التي وردت في النعي من أن الحكم أقر جريدة الأهرام على موقفها من الطاعن "بمقولة إن توقفها عن النشر له مبرراته وفقاً للاشتراك معه في المسؤولية" لا تطابق ما ورد في الحكم المطعون فيه مطابقة كاملة – لأن الحكم إنما سوغ التوقف عن النشر بمبررات من نفس العقد المبرم بينها وبينه ثم عين أن هذه المبررات المستمدة من نفس العقد إنما كانت وفقاً للاشتراك معه في المسؤولية فإسناد المبررات هو إلى العقد لا إلى شيء آخر سواه وإذ كان يبين مما جاء بالحكم المطعون فيه حسبما ذكر آنفاً أنه محمول في حقيقة الواقع في شأن دحض مسؤولية المطعون عليها الثالثة على ما تفيده نصوص عقد الاتفاق المبرم بينها وبين الطاعن وما تخوله هذه النصوص للمطعون عليها الثالثة من الحق في رفض نشر أي إعلان لا توافق إدارتها على نشره – وعلى إخلال الطاعن بالتزاماته والناشئة عن هذا العقد فإن في ذلك ما يكفي لحمل الحكم – ولا يقدح في سلامته أن يكون قد تزيد في الأسباب مما كان محلاً لنعي الطاعن عليه في الوجهين الأول والثالث – مهما كان في هذا التزيد من خطأ.
وحيث إن محصل الوجه الرابع من السبب الأول أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تطبيق القانون وذلك إذ نفى مسؤولية وزارة الصحة بالتبعية لانتفاء مسؤولية جريدة الأهرام مع أن مسؤولية هذه الوزارة ذات شقين – فهي مسئولة لأنها تدخلت في شأن تنفيذ عقد مبرم بين طرفين وأوعزت إلى أحد طرفيه بعدم تنفيذه – وخطؤها في هذا الخصوص تقوم عليه مسؤوليتها بالاشتراك مع جريدة الأهرام متضامنين وهي أيضاً مسئولة مسئولية أصلية بإصدارها القرار بعدم الموافقة على النشر وتجاوزها اختصاصها بمنع النشر – كما أنها مسئولة عن خطأ أطبائها فيما تضمنته تقاريرهم من آراء وأقوال نابية تمس الطاعن – في شخصه ومركزه العلمي والأدبي – فإعفاء الوزارة من مسئوليتها هاتين مخالف للقانون كما أن ارتكان الحكم المطعون فيه في هذا الخصوص إلى ما قرره من أن موقف وزارة الصحة لا يشوبه الغرض وقصد النكاية هو ارتكان خاطئ قانوناً – إذ لا يلزم توفر هذا القصد لتكتمل به عناصر المسئولية التقصيرية بل يكفي أن يكون ثمت خطأ نتيجة إهمال – وليس بشرط أن يكون هذا الخطأ متعمداً أو بقصد الإساءة والإضرار.
وحيث إن النعي بهذا الوجه مردود بأنه يبين من الاطلاع على الحكم المطعون فيه أنه بعد أن عرض لمسئولية المطعون عليها الثالثة التي طلب الطاعن إلزامها بالتعويض بالتضامن مع وزارة الصحة وخلص إلى انتفائها – تناول بالبحث مركز الدكتور محمد عبد السلام الجندي الذي طلب الطاعن إلزامه هو الآخر بتعويض مستقل بالتضامن مع وزارة الصحة وخلص كذلك إلى انتفاء مسؤوليته – ثم انتهى بعد ذلك إلى القول "بأنه وقد انتفت مساءلة جريدة الأهرام والمستأنف عليه الأخير فإنه يسقط أيضاً وبطريق التبعية مسئولية وزارة الصحة" – ثم استطرد بعد ذلك إلى النظر في موقف وزارة الصحة من الطاعن وأوضح في أسبابه انتفاء مسئولية هذه الوزارة تجاهه تأسيساً على أن أحداً من رجالها لم يرتكب خطأ مهنياً جسيماً – وأنها إذ أخذت برأي رجالها الفنيين فإنها لم تجانب الصواب إذ كان هذا الرأي أيضاً موضع تأييد الخبراء الذين عينتهم محكمة أول درجة وأنها إذ استفتيت في شأن الجهاز الذي اخترعه الطاعن أفتت في حدود هذه الآراء الفنية – ولم تتدخل في الأمر إلا عندما طلب منها الرأي وأن ما أثير من الجدل الفقهي وما وقع من اختلاف في الآراء عن اختراع حديث لا يمكن أن يكون محل مساءلة – ويبين مما ورد بالحكم المطعون فيه – في هذا الخصوص أنه عالج – الوجوه المختلفة التي أسس عليها الطاعن طلباته ولم يغفل أي وجه منها – كما أن النظر الذي قام عليه لا يشوبه خطأ في القانون ولا يقدح فيه ما عرض له – دفعاً لما قال به الطاعن من وجود حمله تشهير وانتقاص من جهده بين رجال وزارة الصحة – لا يقدح فيه ما عرض له من القول بأن هذه الوزارة لم تكن متجنبة عليه وأن موقفها منه لا يشوبه الغرض وقصد النكاية إذ لا يبين من الحكم المطعون فيه إذ لا يبين من الحكم المطعون فيه اعتد بهذا المعنى في دحض مسؤولية المطعون عليها الأولى.
وحيث إن الطاعن ينعي بالوجه الأول من السبب الثاني على الحكم المطعون فيه – أنه إذ قضى برفض دعوى الطاعن – تأسيساً على أنه عجز عن إثبات حصول ضرر له فعلاً من جراء عدم قيام جريدة الأهرام بنشر إعلاناته ومن أن ذلك كان نتيجة لازمة لعدم النشر أو للآراء التي أبداها أطباء وزارة الصحة فإنه لم يعن بالرد على ما أثاره الطاعن في دفاعه من تحقق وقوع الضرر المادي والأدبي به – ولم يلتفت إلى ما قدمه في هذا الخصوص من مستندات تدل على لحوق الضرر به فعلاً ويبين منها أنه قد أنفق مدخراته من عمله وألجأه الحال إلى الاستدانة – هذا بالإضافة إلى أن محكمة الموضوع لم توضح في حكمها أي نوع من الدليل تتقبله في هذا الصدد والواقع من الأمر أنه في مثل حال الجهاز الذي اخترعه الطاعن وأعده لمعالجة أمراض أغلبها من نوع الأمراض السرية فإن إيقاف النشر لا بد أن يحدث إحجاماً من جمهور المرضى عن استعمال الجهاز واللجوء إلى مخترعه – مما يتأكد معه بداهة وقوع الضرر، كذلك تقدم الطاعن إلى محكمة الموضوع – بالأسانيد الدالة على الخطأ الذي ارتكبته وزارة الصحة تجاهه وما لحق به من ضرر من جرائه فلم تعرها التفاتاً – وقد أوضح الطاعن فيها أنه كان قد كتب لوزارة الصحة بشأن الإعلان عن جهازه في يناير سنة 1942 فردت عليه بأن هذا الأمر ليس من اختصاص لجنة المستحضرات الطبية وأشارت عليه بالاتصال بنقابة الأطباء – ولكنها بعد ذلك – وفي سنة 1945 – أبلغت جريدة الأهرام بعدم موافقتها على النشر على صورة تفيد أن هذا القرار له قوة الأمر – لا أنه مجرد رأي وتجاهلت وزارة الصحة بغير مبرر تقرير معهد الأبحاث الذي نوه فيه بما للجهاز الذي اخترعه الطاعن من أثر في شفاء الحالات المعينة الواردة في ذلك التقرير وأخذت في هذا الشأن بتقرير لجنة من أطبائها أدنى علماً من واضع التقرير المشار إليه ثم تلا ذلك أن تراجعت الوزارة عن موقفها وتنصلت من منع النشر وقد أغفل الحكم المطعون فيه دلالة الأسانيد المتقدم ذكرها على خطأ المطعون عليها الأولى وعلى الضرر الذي لحق بالطاعن من جرائها مع أنها كافية لإثبات هذين الأمرين وفي الوجه الثاني من هذا السبب نعى الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه مسخ واقعة الدعوى – بأن اتخذ من تراجع المطعون عليها الأولى عن موقفها في شأن منع النشر دليلاً على سلامة قصدها وتوخيها الصالح العام بينما هو في واقع الأمر اعتراف من جانبها بالخطأ كذلك استند الحكم المطعون فيه في تسويغ موقف جريدة الأهرام – من عدم قيامها بنشر الإعلان إلى ما زعمته تلك الجريدة أخيراً – وبعد مرور سنوات من التقاضي – من أن الطاعن تأخر في الوفاء بالتزامه فلم يدفع أجر الإعلانات التي نشرتها له الجريدة بينما إنها كانت من قبل تلقي التبعة في عدم النشر على وزارة الصحة – وفي الوجه الثالث من هذا السبب نعى الطاعن على الحكم المطعون فيه – أنه اعتبر أن موضوع الإعلان الذي تعاقد عليه مع جريدة الأهرام في 14 يونيه سنة 1945 هو النشر عن جهازه وهو بذلك يخالف ما درجت عليه تلك الصحيفة من قبل من النشر عن عيادته – وقد أخذ الحكم في هذا الخصوص بقول صحيفة الأهرام قضية مسلمة – ورتب عليه أنه كان من حق تلك الجريدة أن تلتزم الحرص وتلجأ إلى وزارة الصحة طلباً لموافقتها على النشر عن الجهاز – ذلك بينما قام دفاع الطاعن على أن الإعلان موضوع التعاقد لم يتغير عما كان عليه الأمر من قبل إعلاناً عن الجهاز وبيعه واستعداد مخترعه لتمرين الراغبين في شرائه وفي الوجه الرابع نعي الطاعن على الحكم المطعون فيه على محكمة الاستئناف أنه تقدم إليها بمطاعنه على تقرير الخبراء الذين ندبتهم محكمة الدرجة الأولى – وهو طعن ينصب بطبيعة الحال على عمل أطباء وزارة الصحة – المدون في تقريرهم المؤرخ 2 من فبراير سنة 1944 – ولكن محكمة الاستئناف أغفلت الإشارة إلى هذه المطاعن – فلم تواجهها ولم ترد عليها – كما أغفلت النظر فيما تقدم به الطاعن من مستندات هي شهادات أشخاص من ذوي الاعتبار – عولجوا بهذا الجهاز فأفادهم هذا العلاج – ولم تلاق هذه المستندات من محكمة الاستئناف رداً أو تعليقاً.
وحيث إن النعي بهذا السبب مردود في الشق الأول منه – بأن محكمة الاستئناف قد أسست قضاءها برفض طلب التعويض الموجه لجريدة الأهرام ووزارة الصحة بالتضامن – على ما سلف بيانه – من أن المطعون عليها الثالثة لم تخالف مقتضى العقد المبرم بينها وبين الطاعن – وأنها قد التزمت في تصرفها في خصوص النشر – نصوصه – وأنها إذا توقفت عن النشر لم تكن إلا في حدود الحق المخول لها – وأثبتت من الناحية الأخرى إخلال الطاعن بالالتزامات الملقاة على عاتقه طبقاً للعقد المذكور فحسبها ذلك التأسيس للقضاء برفض دعوى التعويض المقامة من الطاعن ولم يكن عليها بعد ذلك أن تقتضي وقوع ضرر للطاعن أو تلتفت لما ساقه من أسانيد لإثبات هذا الضرر – إذ المساءلة بالتعويض لا تقوم على الضرر فحسب بل يتعين كذلك ثبوت وقوع الخطأ من جانب المدين – وقد نفى الحكم المطعون فيه وقوع خطأ منه – كما أثبت من جهة أخرى أن الدائن (وهو الطاعن) قد أخل بالتزامه فكان عدم تنفيذ الالتزام بالنشر نتيجة أيضاً لخطئه – ومردود في الشق الثاني منه بأن الحكم المطعون فيه قد عرض بإسهاب لموقف وزارة الصحة من الطاعن – وناقش أسانيده – ومن ثم لا يكون ما يثيره الطاعن في هذا الشق إلا جدلاً موضوعياً فيتعين إطراحه – ومردود في وجهه الثاني بأن الحكم المطعون فيه بعد أن قطع بنفي مسئولية المطعون عليها الأولى ارتكاناً إلى الأسباب السائغة التي أوردها والتي أوضح فيها أنها لم تكن في صدد النشر متجنية كما وأنها كانت في موقف المستفتي في أمر يمس الصحة العامة عاد الحكم إلى تأكيد هذا المعنى فقال: "إنها لم تتصد للمستأنف في النشر وما كانت لتحول بينه وبين إذاعته أمر جهازه بكافة الوسائل التي ارتآها ولم تتدخل إلا عندما طلب منها ذلك بكتاب جريدة الأهرام" وليس ما أورده الحكم المطعون فيه في هذا الخصوص ما يسوغ وصفه بأنه مسخ لواقعة الدعوى – وعبارات الحكم صريحة الدلالة في أن وزارة الصحة لم تكن في صدد مسألة النشر في موقف الآمر بالمنع أو المرخص بالنشر – وإنما كانت في موقف إبداء الرأي في أمر طلب إليها فيه أن تبديه – فما كان لها إلا أن تبديه لمساس الأمر بشؤون الصحة العامة في البلاد كذلك لا يعتبر مسخاً ما ذهب إليه الطاعن في ختام هذا الوجه من أخذ محكمة الموضوع بدليل تقدمت به المطعون عليها الثالثة أخيراً – إذ لا تعتبر الموازنة بين الأدلة والأخذ بدليل معين منها تطمئن إليه المحكمة وإطراح دليل آخر – من قبيل المسخ – ومردود في الوجه الثالث – بأن الحكم المطعون فيه قد أورد في خصوصه أن جريدة الأهرام دفعاً لمساءلتها وقياماً بواجبها رأت أن ما طلبه المستأنف من النشر عن فوائد جهازه خلافاً لما كانت تعلنه عن عيادته وعن بيع الجهاز يتطلب منها الحرص ووجوب الحصول على موافقة وزارة الصحة وما قرره الحكم المطعون فيه – في هذا الصدد – مطابق لما هو ثابت بمستندات الطاعن المقدمة بملف الطاعن والتي كانت تحت نظر محكمة الموضوع إذ يبين من مطالعة هذه المستندات أن محكمة الموضوع لم تخالف بتقريراتها هذه – الثابت بالأوراق – ومردود في الوجه الرابع بأن محكمة الموضوع غير ملزمة بالرد على الطعون التي يوجهها الخصم إلى تقرير الخبير ما دام أنها قد أخذت بما جاء في هذا التقرير إذ أن في أخذها بما ورد فيه دليلاً كافياً على أنها لم تجد في تلك الطعون ما يستحق التفاتها إليها وهي في تقديرها ذلك لا سلطان عليها لمحكمة النقض.
وحيث إنه لما تقدم جميعه يكون الطعن على غير أساس ويتعين رفضه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات