الطعن رقم 2428 سنة 24 ق – جلسة 19 /02 /1955
أحكام النقض – المكتب الفني – جنائي
العدد الثاني – السنة السادسة – صـ 535
جلسة 19 من فبراير سنة 1955
برياسة السيد الأستاذ مصطفى فاضل المستشار، وبحضور السادة الأساتذة: حسن داود، ومحمود إسماعيل، ومصطفى كامل، وإسحق عبد السيد المستشارين.
القضية رقم 2428 سنة 24 القضائية
(أ)،(ب) تفتيش. المادة 91 من قانون الإجراءات الجنائية. المقصود
منها.
1ـ المقصود من المادة 91 من قانون الإجراءات الجنائية هو ألا يصدر المحقق أمراً بالتفتيش
إلا إذا سبقه اتهام صريح بجناية أو جنحة وأنه لا يجوز الالتجاء إليه إلا في تحقيق مفتوح
وبناء على تهمة موجهة إلى شخص معين، وهو ليس وسيلة من الوسائل التي يجوز لمأموري الضبطية
القضائية الالتجاء إليها لاستكشاف الجرائم وضبط مرتكبيها.
2ـ إن نص المادة 91 من قانون الإجراءات الجنائية ليس فيه ما يوجب أن يتكشف التحقيق
عن أدلة أخرى غير ما تضمنه تقرير رجل الضبطية القضائية أو أن يكون قطع مرحلة أو استظهر
قدراً معيناً من أدلة الإثبات، بل ترك ذلك لتقدير سلطة التحقيق لكيلا يكون من وراء
غل يدها احتمال فوات الفرص مما تتأثر به مصلحة الجماعة التي تسمو على مصلحة الفرد،
ويكفى أن تقر محكمة الموضوع سلطة التحقيق على وجود المبرر لإصدار الأمر بالتفتيش.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعنين بأنهما حازا جواهر مخدرة: الأول (حشيشاً وأفيوناً) والثاني (حشيشاً) بقصد الاتجار بها في غير الأحوال المصرح بها قانوناً. وطلبت من غرفة الاتهام إحالتهما على محكمة الجنايات لمعاقبتهما بالمواد 1 و2 و7 و33/ ج و35 من المرسوم بقانون رقم 351 لسنة 1952 والبند أ و12 من الجدول أ الملحق به فقررت بذلك. وفى أثناء الدعوى أمام محكمة جنايات سوهاج دفع الحضر مع المتهمين ببطلان إذن التفتيش وما ترتب عليه من إجراءات والمحكمة المذكورة بعد أن أتمت سماعها قضت حضورياً بتاريخ 26 من مايو سنة 1954 عملاً بمواد الاتهام بمعاقبة كل من المتهمين بالأشغال الشاقة المؤبدة وبتغريم كل منهما ثلاثة آلاف جنيه وبمصادرة الجواهر المخدرة وكذا جميع ما ضبط بالكيس وقد ردت في أسباب الحكم على الدفع بأنه في غير محله. فطعن الطاعنان في هذا الحكم بطريق النقض… إلخ.
المحكمة
وحيث إن السبب الأول من أسباب الطعن يتحصل في أن الحكم أخطأ في
تطبيق القانون إذ اعتمد في إدانة الطاعنين على تفتيش حاصل بأمر أصدرته النيابة العامة
بغير تحقيق مفتوح خلافاً لما تقضى به المادة 91 من قانون الإجراءات الجنائية من أن
تفتيش المنازل عمل من أعمال التحقيق ولا يجوز الالتجاء إليه إلا في تحقيق مفتوح ولا
يعتبر أن هذا الشرط قد تحقق إلا إذا أسفر تحقيق النيابة في شأن طلب الإذن بالتفتيش
المقدم لها من رجال الضبطية القضائية عن شيء جديد أكثر مما ورد في البلاغ الأمر الذي
لم يتحقق في هذا الطعن حيث اكتفت النيابة بسؤال الصاغ كامل مازن ولم تخرج أقواله أمامها
عما ورد في بلاغه.
وحيث إن هذا السبب مردود بأن المقصود من المادة 91 من قانون الإجراءات الجنائية ألا
يصدر المحقق أمراً بالتفتيش إلا إذا سبقه اتهام صريح بجناية أو جنحة وأنه لا يجوز الالتجاء
إليه إلا في تحقيق مفتوح وبناء على تهمة موجهة إلى شخص معين وليس وسيلة من الوسائل
التي يجوز لمأموري الضبطية القضائية الالتجاء إليها لاستكشاف الجرائم وضبط مرتكبيها،
لما كان ذلك وكان نص المادة المذكورة ليس فيه ما يوجب أن يتكشف التحقيق عن أدلة أخرى
غير ما تضمنه تقرير رجل الضبطية القضائية أو أن يكون قطع مرحلة أو استظهر قدراً معيناً
من أدلة الإثبات بل ترك ذلك لتقدير سلطة التحقيق لكيلا يكون من وراء غل يدها احتمال
فوات الفرص مما تتأثر به مصلحة الجماعة التي تسمو على مصلحة الفرد، وكانت محكمة الموضوع
قد أقرت سلطة التحقيق على وجود المبرر لإصدار الأمر بالتفتيش. لما كان ذلك فإن هذا
السبب يكون على غير أساس.
وحيث إن السبب الثاني يتحصل في أن الحكم شاب أسبابه التناقض وخالف الثابت في الأوراق
إذ قالت المحكمة في معرض تحدثها عن المعاينة التي أجرتها غرفة الاتهام إنها لا تخرج
عما جاء بمعاينة النيابة مع أن الثابت أن المعاينتين متناقضتان فقد أثبت مساعد النيابة
في معاينته أن الضابطين – رئيس فرع مكتب المخدرات ووكيله ـ يستطيعان رؤية المتهم حال
حمله كيس المخدرات من المكان الذي كانا به في حين قررت غرفة الاتهام في معاينتها أن
الواقف في مكان الضابطين لا يستطيع أن يرى من المتهم سوى ساقيه حتى الركبتين إلا إذا
نظر من الشراعة. وأن رئيس مكتب المخدرات قرر أنه لم ينظر إلى هذه الشراعة ولم تعرض
النيابة لآثار الغلال في جدران الحجرة التي قال إن الطاعن الأول ألقى الكيس من نافذتها
في حين ثبت من معاينة غرفة الاتهام أن بالحجرة كمية كبيرة من الذرة تعوق السير وأنه
بفحص جدران هذه الحجرة من جهاتها الأربع لم تبين غرفة الاتهام أثراً مغايراً بل تركت
الغلال بكل جدار أثراً مماثلاً وأنه ليس في هذه الآثار ما يدل على أن كمية قد وضعت
في تاريخ مغاير للكمية الأخرى وعرض الحكم لذلك فقال إنه ليس لاختلاف أثر الذرة في الجدران
ما يقطع بأنها وضعت في وقت واحد لمضى مدة طويلة بين تاريخ الحادث وبين معاينة غرفة
الاتهام والخبير الاستشاري تكفى لاختلاط هذه الآثار خصوصاً إذا كانت الإضافة تمت عقب
الحادث إعداداً للدليل على أن وجود الذرة بالارتفاع الوارد في المعاينة لا يعوق الوصول
إلى النافذة إعاقة تذكر وهذا الذي ذكره الحكم لا أصل له في الأوراق. ويتحصل السبب الثالث
في أن الحكم لم يعتد بالمعاينة التي أجرتها غرفة الاتهام والتي ثبت منها أن الواقف
مكان الضابطين لا يمكنه أن يرى سوى ساقي الطاعن الأول لم تعتد المحكمة بذلك بناء على
خطأ وقعت فيه هو أنها توهمت وجود خلاف بين معاينة النيابة ومعاينة غرفة الاتهام في
هذا الشأن فقالت إن رؤية الضابطين للمتهم (الطاعن الأول) وهو يصعد السلم كانت ممكنة
في الوضع الذي أرشدا إليه وهو منتصف لدرجات السبع وما جاء من قيد على مدى هذه الرؤية
في معاينة غرفة الاتهام وإن كان لا ينفيها بالقدر الكافي لإمكان رؤية كيس كبير فقد
كان نتيجته أن الضابط أرشد إلى وضع مختلف للمتهم هو الدرجة الحادية عشرة من السلم وهو
ما قد يرجع إلى تأثر ذاكرته بطول المدة التي مضت بين هذه المعاينة والحادث أو إلى عدم
إمكان تحديد الوضع على وجه الدقة لأن الجميع كانوا في حركة متصلة توهمت المحكمة وجود
هذا الخلاف مع أن الواقع أنه لا خلاف في هذا الصدد بين المعاينتين ذلك بأنه جاء بالمحضر
الأصلي لمعاينة النيابة أن السلم يبتدىء بدرجة عند حافة الباب يليها أربع درجات أخرى
للناحية البحرية ثم ينحني السلم للجهة الشرقية لأربع درجات ثم ينحني بعد ذلك للجهة
القبلية بسبع درجات أخرى وأن الشاهدين قررا أنهما رأيا المتهم يعبر هذه الدرجات السبع
في منتصفها ومؤدى هذا الوصف أن المتهم كان في الدرجة الحادية عشرة من السلم وهو ما
جاء بمحضر معاينة غرفة الاتهام ولكن قلم النسخ أسقط من محضر المعاينة عبارة ثم ينحني
بعد ذلك للجهة القبلية بسبع درجات أخرى، فكان هذا الخطأ المادي سبباً لأن يبنى الحكم
رأيه على ما اطلع عليه في الملف المنسوخ ولو أن المحكمة فطنت إلى تطابق المعاينتين
في هذا الشأن لتغير وجه رأيها في الدعوى. ويتحصل السبب الرابع في أن الحكم شابه القصور
إذ أغفل الرد على دفاع جوهري تقدم به الطاعن الأول هو أنه قرر أن الكيس الحاوي للمخدرات
لو أنه ألقى من المنزل إلى سطح الزريبة وهو من البوص الهش لاخترقه ولو أن المحكمة حققت
هذا الدفاع لبان لها عدم صدق الضابط فيما قرره من أن الكيس ألقى من النافذة واستقر
على سطح الزريبة ولتغير وجه الرأي في الدعوى خصوصاً وأن الثابت من أقوال الشهود بمحضر
الجلسة أن عدداً كبيراً من رجال البوليس كانوا منتشرين حول المنزل ولم يقل أحد منهم
إنه شاهد الكيس وقت إلقائه.
وحيث إن الحكم حصل واقعة الدعوى فيما أثبته من "أن الصاغ كامل مازن رئيس فرع مكافحة
المخدرات بالوجه القبلي قدم محضراً إلى النيابة جاء به أنه علم من تحرياته أن المتهمين
(الطاعنين) وآخرين يتجرون في المواد المخدرة وطلب الإذن بتفتيشهم وتفتيش منازلهم بنجع
عويس مركز جرجا ففتحت النيابة تحقيقاً سألته فيه فقرر أنه استقى معلوماته من مصادر
سرية تأيدت بمراقبته للمتهمين فأذنت له النيابة بالتفتيش. وبتاريخ 26 من أكتوبر سنة
1953 انتقل هو اليوزباشى أحمد حسن إبراهيم وكيل الفرع واليوزباشي محمد رشاد جعفر رئيس
مباحث المديرية على رأس قوة من مكتب المخدرات وجنود البوليس فوصلوا إلى نجع عويس الساعة
الثالثة والدقيقة أربعين مساء وقابلوا وهم في طريقهم إلى المنازل المطلوب تفتيشها المتهم
الثاني (الطاعن الثاني) فاصطحبه معه وتوجه هو ووكيل الفرع إلى منزل المتهم الأول تاركاً
باقي القوة برياسة رئيس المباحث للحراسة من الخارج فلما دخلاه شاهداه يحمل كيساً كبيراً
من القماش ويصعد به السلم جرياً فتبعه وكيل الفرع ومن ورائه رئيسه وشاهدا الأول وقد
ألقى بالكيس من نافذة حجرة بالطابق الأول على سقف زريبة مواش مجاورة فقبض عليه وأخبر
بذلك الرئيس عندما لحق بهما وأشار له على الكيس فكلفه بالنزول لإحضاره في حين وقف هو
لحراسته. وبعد أن اطمأن إلى أنه التقطه نزل مصطحباً المتهمين حيث قابل الوكيل ومعه
الكيس وشاهد كلاهما محتوياته فإذا هي كمية كبيرة من الأفيون والحشيش وأدوات البيع فسلم
المتهم الأول لأفراد القوة وأخذ الكيس وأسرع ومعه وكيل الفرع والمتهم الثاني إلى منزل
هذا الأخير المجاور لمنزل المتهم الأول وفتشه فوجد بصندوق بحجرة نومه تربتين من الحشيش
وختماً نقش عليه اسمه ومبلغ 900 جنيه فضبطها " ثم أورد الحكم الأدلة التي استخلص منها
هذه الواقعة، ولما كانت هذه الأدلة من شأنها أن تؤدى إلى ما رتبه الحكم عليها وكان
الحكم بعد أن تحدث عن معاينتي غرفة الاتهام والنيابة بشأن إمكان رؤية الطاعن الأول
وهو يصعد السلم استبعد هذا الدليل وقال إنه يكفى لقيام الإحراز أن أحدهما (أحد الضابطين)
شاهد (الطاعن الأول) وهو يلقى بالكيس من النافذة وأن الآخر شاهد الكيس عقب ذلك فوراً
وقد استقر على سقف الزريبة وهما واقعتان بعيدتان عن دائرة الخلاف بين المعاينتين، فأنه
لا يكون هناك جدوى من الطعن باختلاف المعاينتين في هذا الشأن، ولما كان الحكم في شأن
امتلاء الحجرة بالذرة قد أخذ بما قرره الضابطان من أنها لم تكن بهذه الكثرة وقت الحادثة
وأضاف" أنه ليس لاختلاف أثرها على الجدران قيمة إذ حالة الأتربة الموجودة على سطحه
ما يقطع بأنها وضعت في وقت واحد لمضى مدة طويلة من تاريخ الحادث وبين معاينة غرفة الاتهام
والخبير الاستشاري تكفى لاختلاط هذه الآثار واتحاد مفعولها خصوصاً إذا كانت الإضافة
قد تمت عقب الحادث إعداداً للدليل، على أن وجود الذرة بالارتفاع الوارد في المعاينة
لا يعوق الوصول إلى النافذة إعاقة تذكر " وكان ما قرره الحكم من ذلك سائغاً ويدخل في
حدود سلطة المحكمة التقديرية. لما كان ذلك، وكانت المحكمة غير مكلفة بتعقب أوجه الدفاع
في كافة مناحيها والرد على كل واحد منها على استقلال إذ في قضائها بالإدانة للأدلة
التي ذكرتها ما يفيد اطراحها ضمناً لما عداها من أوجه الاستدلال فإنه لا يكون ثمة محل
لما يأخذه الطاعنان على الحكم من أنه أغفل التحدث عما ذكره الدفاع من أن الكيس لو ألقى
من النافذة لاخترق سقف الزريبة متى كان يصح في الذهن أنه قد يستقر على سطحها ولا يخترقه.
وحيث إنه لذلك يكون الطعن على غير أساس ويتعين رفضه.
