الرئيسية الاقسام القوائم البحث

طعن رقم 203 سنة 23 ق – جلسة 15 /05 /1958 

أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الثاني – السنة 9 – صـ 441

جلسة 15 من مايو سنة 1958

برياسة السيد محمود عياد المستشار، وبحضور السادة: محمد متولي عتلم، ومحمد زعفراني سالم، والحسيني العوضي، ومحمد رفعت المستشارين.


طعن رقم 203 سنة 23 ق

أ – مسئولية. المسئولية التقصيرية. إثبات. التزام المضرور بإثبات وقوع الخطأ الذي نشأ عنه حادث احتراق الطائرة وارتبط معه برابطة السببية.
ب – مسئولية. القضاء برفض دعوى التعويض المؤسسة على المسئولية التقصيرية على ما ثبت للمحكمة من أن الضرر نشأ بسبب أجنبي لا يد للمدعى عليه فيه. عدم التزام المحكمة بالتحري عن وقوع خطأ من المضرور أو من الغير.
ج – مسئولية. عقد. المسئولية التقصيرية والمسئولية التعاقدية. اندفاع كل من المسئوليتين بإثبات السبب الأجنبي في وقوع الحادث. مثال.
د – حكم استئنافي "تسبيبه". النعي عليه بالقصور استناداً إلى وقائع لم يحصلها ولم يعول عليها في قضائه. لا محل له.
1 – متى كانت محكمة الاستئناف قد أقامت قضاءها برفض دعوى التعويض المؤسسة على المسئولية التقصيرية على أن وقوع الحادث للطائرة – والذي أودى بحياة طيارها – دون أن يعرف سببه لا يلزم منه اعتبار شركة الطيران مرتكبة لخطأ يقتضي الحكم عليها بالتعويض إذ يتعين على المضرور أن يثبت وقوع الخطأ المعين الذي نشأ عنه الحادث وارتبط معه برابطة السببية، وأنه متى كان سبب احتراق الطائرة في الجو غير معلوم ولا يمكن إسناده لعيب معين في تركيب الطائرة فإن مسئوليتها عن التعويض تعتبر منتفية – فإن هذا التأسيس صالح لإقامة الحكم وكاف في دفع مسئولية الشركة المذكورة.
2 – بحسب المحكمة أن تكون قد أقامت حكمها برفض دعوى التعويض المؤسسة على المسئولية التقصيرية – على ما ثبت لها من أن الضرر الذي أصاب المضرور قد نشأ عن سبب أجنبي لم يكن للمدعى عليه يد فيه وليس على المحكمة بعد ذلك أن تتحرى وقوع خطأ من المضرور أو خطأ من الغير.
3 – متى كانت محكمة الموضوع وهي بسبيل تحقيق مسئولية شركة الطيران التقصيرية قد عرضت لما أسند إليها من خطأ وما دفعت به هذا الخطأ فأوضحت أن الحادث الذي اعتبر أساساً لدعوى التعويض وهو احتراق الطائرة قد وقع بسبب أجنبي لا يد للشركة فيه يتمثل في صورة حادث مفاجئ مجهول السبب وغير متصل بأي خطأ من جانب الشركة فإنه لا مصلحة للمضرور في التمسك بعدم تعرض الحكم للبحث في المسئولية التعاقدية التي أسس عليها أحد مبلغي التعويض المطالب بهما باعتبار أنه يمثل حصته الميراثية فيما يستحقه مورثه من تعويض قبل الشركة نتيجة لخطئها التعاقدي ذلك لأن السبب الأجنبي يصلح أساساً لدفع المسئولية التقصيرية وكذلك لدفع المسئولية التعاقدية.
4 – لا محل للنعي على محكمة الاستئناف بالقصور في التسبيب استناداً إلى وقائع لم تكن من تحصيلها ولم تعول عليها في قضائها.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع تتحصل – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – في أن الطاعن أقام الدعوى رقم 3642 كلي سنة 1947 أمام محكمة مصر الابتدائية (الوطنية) على المطعون عليهما – مبيناً في صحيفتها أنه بتاريخ 15/ 9/ 1946 أصدر وزير الدفاع قراراً بندب ولده المرحوم محمود شريح طلعت وكان قائد سرب بسلاح الطيران (الملكي) للعمل بشركة مصر للطيران بناءً على طلب الشركة – ووفقاً للشروط والأوضاع التي سبق الاتفاق عليها بينهما وقد عهدت الشركة بعدة تعهدات لمصلحة الطيارين المعارين من وزارة الدفاع ومن بينهم ابن الطاعن – وقد كان من أكفأ الطيارين – فهو أول خريجي مدرسة الطيران في دفعة 29 من مايو سنة 1939 وقام بدوريات استكشافية في البحرين الأحمر والأبيض واشترك في المناورات الكبرى التي أجرتها القوات البريطانية والهندية بمنطقة السويس والإسماعيلية كما كلف القيام بدوريات استكشافية فوق القوات الإيطالية …. الخ. وفي 10 من ديسمبر سنة 1946 كلف بأن يقود إحدى الطائرات من نوع (بتشكرافت) في عودتها من بغداد للقاهرة فقام بها من بغداد قاصداً إلى دمشق – وقد تأخرت في موعد قيامها من بغداد ساعة وربعاً بسبب ما كان قد طرأ على جهاز اللاسلكي بها من خلل مما تنتج عنه أن وصلت دمشق متأخرة كذلك عن الموعد المحدد في التعليمات – وفي أثناء الرحلة من بغداد إلى دمشق عاود الخلل جهاز اللاسلكي – كما ظهر بالتليفون اللاسلكي بها خلل – وأحاط الطيار الفقيد رجال مطار دمشق بذلك – ثم غادرت الطائرة مطار دمشق في الساعة 55.5 مساء في أمان مجتازة أخطار الهبوط والصعود منه – ولكن حدث – بعد أن اجتاز منطقة الخطر التي تحف به أن أصاب الطائرة وهي في جو حيفا طارئ تخلف عنه احتراق الطائرة وتدميرها – وضياع حياة الطيار وعامل اللاسلكي والراكب الوحيد الذي كان بها مسافراً من دمشق إلى (ألماظه) – ولم يبق من حطام الطائرة أثر ولا من جميع الجثث إلا قطع صغيرة من عضلات وجلد. وبعد أن أورد الطاعن في الصحيفة – ما ذكره شهود الحادث وما جاء في التقرير الطبية والفنية – والآراء المختلفة عن سبب الحادث – قال إنه سواء كان السبب هو اختلال جهاز اللاسلكي بالطائرة أو العطب الذي بآلاتها ومحركاتها عطباً أسفر عنه التهابها ثم انفجارها في الجوفان أيهما يجعل الشركة مسئولة عن الحادث ويلزمها واجب التعويض وخاصة وأن الطيار الفقيد كان أمل البلاد المرتجى في هذا المضمار … الخ. وإن الرابطة القانونية التي كانت تربطه بالشركة هي رابطة تعاقدية – وإن وزارة الدفاع ساهمت في تقصير الشركة بعدم تحريها صلاحية طائراتها – وكان عليها أن تسهر على سلامة حياة طياريها وخصوصاً وأنها حرمتهم حق الاعتراض على هذه الإعارة وقال إنه بصفته وارثاً للفقيد يقدر التعويض المستحق من الشركة بمبلغ 20000 ج، عشرين ألفاً من الجنيهات ويقدر التعويض عن الضرر الأدبي الذي ناله بفقد ابنه والذي لا يمكن جبره بمبلغ عشرة آلاف جنيه وانتهى إلى طلب الحكم أولاً – بإلزام الشركة المطعون عليها الأولى بأن تدفع له بصفته وارثاً مبلغ 20000 جنيه مع المصاريف والأتعاب. ثانياً – إلزام الشركة ووزارة الدفاع (المطعون عليهما) بأن تدفعا إليه عن نفسه مبلغ 10000 ج والمصاريف والأتعاب وبتاريخ 24 من مايو سنة 1951 قضت محكمة الدرجة الأولى بإلزام المطعون عليها الأولى بأن تدفع للطاعن مبلغ 3000 ج والمصاريف المناسبة ومبلغ ألفي قرش أتعاباً للمحاماة ورفضت ما زاد على ذلك من الطلبات. فاستأنفت المطعون عليها الأولى هذا الحكم بالاستئناف المقيد بمحكمة استئناف القاهرة برقم 613 لسنة 68 ق طالبة إلغاء الحكم المستأنف ورفض الدعوى مع إلزام رافعها المصاريف والأتعاب عن الدرجتين، كما استأنفه الطاعن بالاستئناف رقم 635 لسنة 68 ق (استئناف القاهرة) طالباً في موضوع استئنافه تعديل الحكم المستأنف وإلزام المطعون عليهما بأن يدفعا له على وجه التضامن مبلغ 30000 جنيه والمصاريف والأتعاب عن الدرجتين – وبجلسة 12 من يناير سنة 1952 قررت المحكمة ضم الاستئناف الثاني للأول. وبتاريخ 26 من أبريل سنة 1953 أصدرت محكمة استئناف القاهرة حكمها في هذين الاستئنافين قاضياً بقبولهما شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف ورفض الدعوى وإلزام رافعها بمصروفاتها عن الدرجتين وعشرين جنيهاً أتعاباً للمحاماة بين شركة مصر للطيران ووزارة الحربية. وبتاريخ 16 من يوليو سنة 1953 طعن الطاعن في هذا الحكم بالنقض – وبعد استيفاء إجراءاته أبدت النيابة رأيها بالمذكرة المقدمة منها بطلب رفض الطعن، وعرض الأمر على دائرة فحص الطعون فصممت النيابة على رأيها السابق المبدي بمذكرتها، وقررت دائرة الفحص إحالة الطعن إلى هذه الدائرة لنظره بجلسة 20 من فبراير سنة 1958 وفيها صممت النيابة على رأيها السابق بيانه.
ومن حيث إن أسباب الطعن تضمنت تعيين الحكم فيما قضى به من رفض الدعوى في شطريها، ويقول الطاعن في السبب الثاني من أسباب نعيه على الحكم في خصوص ما قضى به من رفض طلب التعويض عن الضرر الذي أصابه شخصياً إن الحكم مشوب بالقصور في التسبيب، ومخالفة الثابت في الأوراق، وذلك من وجهين أولهما: أن كلاً من الحكمين الابتدائي والاستئنافي قد ثبت فيهما أن جهاز اللاسلكي بالطائرة التي وقع لها الحادث كان غير صالح لأداء الغرض المقصود من وجوده والذي تحتمه القواعد المرعية في الملاحة الجوية – سواء عند القيام في أول المرحلة من مطار ألماظة – أو عند مبارحة بغداد إلى دمشق أو عند القيام من مطار دمشق، وأن ذلك مما يوجب مسئولية المطعون عليها الأولى – ولكن الحكم المطعون فيه نفى هذه المسئولية تأسيساً على ما ورد فيه من أن الطيار الفقيد قد اخطأ بمغادرته مطار دمشق قبل أن يقوم بإصلاح هذا الجهاز – وهو عالم بفساده – ومن أن عدم صلاحية الجهاز المذكور لم يكن مع ذلك ليغير في مجرى الكارثة – لضآلة الفترة الزمنية بين ظهور الوهج في الطائرة وبين انفجارها ضآلة لم تكن لتسمح بالإفادة من هذا الجهاز" وأن ما قرره الحكم المطعون فيه من خطأ الطيار بفرض ثبوته – لا ينفي وقوع الخطأ أيضاً من الشركة، فكان يتعين على الحكم المطعون فيه أن يوازن بين هذين الخطأين ليقدر إن كان أيهما قد استغرق الآخر – كما أن القول بإقدام الطيار على الطيران مع علمه بعدم صلاحية الجهاز وعدم العمل على إصلاحه مخالف لما هو ثابت في الأوراق – من أن الشركة المطعون عليها كانت تقيم دفاعها على أنها تقوم بفحص أجهزة الطائرات قبل قيامها وتتحقق من سلامتها بما يفيد أن الطائرة المنكوبة لم تغادر مطار دمشق إلا بعد الفحص والإصلاح. وقد ثبت في أوراق الدعوى أن ذلك الفحص والإصلاح لم يكونا دقيقين لأن هذا الجهاز قد انتابه العطل في كل مرحلة من المراحل التي قطعتها الطائرة – ذلك إلى أن القول من جانب الحكم المطعون فيه بأن عدم صلاحية الجهاز لم يضيع على الطيار فرصة الاستعانة به لضآلة الفترة الزمنية بين ظهور الوهج والانفجار، مناقض لما هو ثابت أيضاً من ذات الحكم المطعون فيه من أنه كانت هنالك فترة كافية للاستعانة به إذ أثبت الحكم عند تحصيل الوقائع أن الطائرة بينما كانت تحلق فوق خليج حيفا طرأ عليها ما يستدعي تغيير اتجاهها فحلقت فوق جبل الكرمل واجتازت السلسلة الأولى وشاء حظها العاثر أن تصطدم بالسلسلة الثانية فحلت بها النكبة وتناثرت أشلاء راكبيها …" ومن ذلك يتبين أن زمن محنة الطائرة كان سابقاً على ظهور الوهج – بما كان يسمح للجهاز بأداء وظيفته وتجنب الكارثة لو كان صالحاً لما أعد له. ويتحصل ما ورد بالوجه الثاني من هذا السبب في أن الحكم أسند للطيار الخطأ بمخالفته لتعليمات الشركة التي تقضي بتحديد الوقت الذي يجوز فيه النزول في مطار دمشق بما لا يقل عن نصف ساعة قبل الغروب – وبأنه ليست له خبرة أو دراية بالطيران في هذه المنطقة الوعرة المتشعبة جبالها – والحال أن سبب الكارثة لا يتصل أدنى صلة بمخالفة التعليمات المشار إليها – إذ أن الطيار قد نزل إلى مطار دمشق في الوقت الذي نزل فيه إليه وبأرضه أيضاً – سالماً دون أن يقع له أو للطائرة حادث ما – فليس لهذا الخطأ المسند للطيار صلة ما بالحادث محل الدعوى – وهو بالتالي لا ينفي مسئولية الشركة – هذا إلى أن تأخره عند النزول إلى مطار دمشق عن الوقت المحدد بالتعليمات إنما كان مرده خطأ الشركة المطعون عليها وهو خطأ ابتدأ من أول رحلة الطائرة من مطار ألماظه لعدم صلاحية الطائرة الأصلية التي كان مقرراً أن تقوم بالرحلة ولما انتاب جهاز اللاسلكي في الطائرة موضوع الحادث من عطل – فضلاً عن أن التزام الطيار بالتوجه إلى دمشق كان بسبب وجود راكبين صرفت لهما الشركة تذكرتين – للسفر – وهما عقدا نقل ارتبطت بهما – إحداهما من بغداد إلى دمشق وثانيتهما من دمشق إلى القاهرة – كما أن القول من جانب الحكم المطعون فيه بخطأ الطيار الفقيد – في الطيران بالمنطقة التي وقع بها الحادث وهو لا خبرة له ولا دراية بالطيران فيها – مخالف لما هو ثابت في الأوراق المقدمة في الدعوى – وهي تقرير قائد السرب (عز الدين رمزي) ومذكرة وكيل وزارة الدفاع وشهادة كبير مفتش الطيران بالبعثة العسكرية.
وحيث إن هذا النعي بوجهيه مردود – ذلك أنه يبين من الاطلاع على الحكم المطعون فيه أن محكمة الاستئناف أقامت قضاءها برفض دعوى الطاعن في خصوص ما طلبه من التعويض عما لحق به من ضرر من جراء فقد ابنه – على ما أوردته من أن "خلاصة تقارير الفنيين سواء من كان منهم منتدباً من الوزارة أو من شركة الطيران تكاد تجمع على عدم معرفة السبب الحقيقي للحادث" وأنه "إزاء هذا الغموض الذي اكتفه ولم تكشف عنه بقايا الطائرة أو غيرها من الآثار المادية أخذ رجال الفن يتلمسون الأسباب لعلهم يجدون منفذاً يضيء أمامهم الطريق ويخرج بهم من دياجير الظلمة التي أحاطت تلك النكبة المروعة ولهذا لجأوا إلى التخمين والاستنتاج وانتهى بهم الأمر إلى القول بأن الحادث إما أن يكون وقع نتيجة احتراق الطائرة وهي تحلق في الفضاء فسقطت على غير هدى – وإما أن يكون قائد الطيارة طرأ عليه ما استدعى تغيير اتجاهه فآثر النزول في مطار حيفا مع أنه مطار صغير وغير معد لنزول الطائرات ليلاً ونظراً لأن هذه المنطقة جبلية وعرة فقد صادفته سلسلة الجبال وتمكن من أن يمر فوق السلسلة الأولى وهي الأقل ارتفاعاً بأن أدار المحرك لأقصى سرعة ولكنه ما عتم أن واجهته السلسلة الثانية فارتطمت الطائرة بها وكانت الكارثة" ثم قالت المحكمة إنها "لا ترى داعياً لاستعراض ما جاء في هذه التقارير من تفاصيل سبق أن أشار إليها الحكم الابتدائي وذلك اكتفاء بالنتيجة التي تضمنتها هذه التقارير والتي تقدم ذكرها" – وأعقبت ذلك القول "بأنه مما يجب تسجيله بادئ ذي بدء أن الخطأ لا يفترض افتراضاً إلا في أحوال المسئولية المفترضة قانوناً وليست هذه الحالة من بينها فيما عدا ما ورد في دفاع المستأنف (الطاعن) خاصاً بالمسئولية الشيئية… …". إلى أن قالت: "لا يجوز في القانون افتراض الخطأ بل يتعين على المضرور أن يثبت وقوع الخطأ وعلى المسئول أن ينفي وقوعه ويثبت حصوله بسبب أجنبي عنه – ولا يجوز أيضاً أن يبني الحكم على مجرد التخمين والاستنتاج" ومفهوم ما تقدم أن محكمة الاستئناف بعد أن تبينت من التقارير الفنية أن السبب الحقيقي للحادث غير معروف – وأنه محوط بالغموض ولم تكشف عنه الآثار المادية أشارت إلى أن رجال الفن قد لجأوا إلى التخمين والاستنتاج – ثم انتهت إلى القول بأن الحكم في صدد المسئولية التقصيرية لا يصح أن يبنى على شيء من ذلك، وإنما يتعين على من يدعي الخطأ أن يثبته – وقد عرضت محكمة الاستئناف بعد ذلك إلى ما ورد في هذه التقارير – من الاحتمالين اللذين وردا بهما تصويراً لكيفية وقوع الحادث – وأول هذين الاحتمالين هو ما تمسك به الطاعن – وثانيهما هو ما تمسكت به المطعون عليها الأولى – وقد مهدت لذلك بالقول بأنه "ومع ذلك فإن مسايرة المستأنف (الطاعن) فيما ذهب إليه – ومجاراة التقارير الفنية فيما انتهت إليه لا يؤدي شيء منها إلى ثبوت الخطأ من جانب الشركة ثبوتاً كافياً لكي يكون دعامة للحكم عليها بالتعويض". ثم تناولت الفرض الأول الذي صور فيه الطاعن الحادث بأنه وقع نتيجة احتراق الطائرة في الجو قبل أن تصطدم بالجبل فقالت: "وحيث إنه مع التسليم جدلاً، بأن الحادث وقع نتيجة احتراق الطائرة في الجو قبل أن تصطدم بالجبل فإن هذا لا يكشف عن سبب احتراق الطائرة فإن هذا لا يكشف عن سبب الحريق بل يظل سببه غير معلوم ولا يعرف هل حصل الحريق نتيجة خطأ من القائد أو مرافقيه أو نتيجة عيب في تركيب الطائرة – على أن فكرة العيب أو الخلل تكاد تكون مستبعدة لأن الطائرة من أحدث الطائرات صنعاً ولم يكن مضى على تسييرها سوى أربعة عشر يوماً وهي مجهزة بكافة الأجهزة للوقاية من الحريق كما أنها ذات محركين حتى إذا طرأ طارئ على أحدهما حل محله المحرك الآخر، ولعل هذا يشعر بأنه من المجازفة الجري وراء الاستنتاجات التي يمليها الفرض أو الخيال. يضاف إلى ذلك أن من المعروف في عالم الطيران أن الطائرة متى ارتفعت في الجو وانطلقت في الفضاء قد تتعرض لأحداث لم تكن في الحسبان ولا تدور في خلد أحد ممن يراقبون حالتها ويتأكدون من صيانتها وصلاحيتها – ذلك أن الاختراعات الحديثة مهما بلغت من التقدم والدقة فلا يغرب عن الخيال أن الطائرة لا تسير على أرض ممهدة وإنما تسبح في الفضاء وتسيطر عليها عوامل الطبيعة وهي ما زالت عصية على الإنسان يحاول دائماً أن يتحكم فيها ويتغلب عليها فتأبى إلا أن تقف شامخة في وجهه فالصراع بينهما دائم مستمر ولم يصبح بساط الريح حتى الآن مركباً ذلولاً بل لا تزال الأحداث تترى هنا وهنالك وأسرارها مجهولة وأسبابها غامضة غير معلومة فمن غير الجائز في مثل هذه الظروف أن يسند الخطأ إلى الشركة لمجرد وقوع حادث في الطائرة التي استخدمتها ولم يعرف له سبب". ويبين من ذلك أن محكمة الاستئناف قد أقامت قضاءها برفض دعوى التعويض المؤسسة على المسئولية التقصيرية على أن وقوع الحادث للطائرة دون أن يعرف سببه لا يلزم منه اعتبار الشركة "المطعون عليها" مرتكبة لخطأ يقتضي الحكم عليها بالتعويض – إذ يتعين على المضرور أن يثبت وقوع الخطأ المعين الذي نشأ عنه الحادث وارتبط معه برابطة السببية. وأنه متى كان سبب احتراق الطائرة في الجو غير معلوم ولا يمكن إسناده لعيب معين في تركيب الطائرة فإن مسئوليتها عن التعويض تعتبر منتفية. وهذا التأسيس الذي لم يورد عليه الطاعن مطعناً صالح لإقامة الحكم المطعون فيه – وكان في دفع مسئولية المطعون عليها الأولى أما ما أثاره الطاعن في وجه الطعن خاصاً بخطأ الشركة في عدم إعداد جهاز اللاسلكي إعداداً صالحاً لأداء وظيفته – فإن الحكم المطعون فيه قد أوضح في عبارة صريحة إنه "إذا صح أن النار اشتعلت في الطائرة بسبب خلل طرأ على آلاتها فإن اللاسلكي لا يمكن أن يكون هو السبب المباشر لهذا الخلل" كما أنه عرض لما يثيره الطاعن في وجه الطعن – من أنه لو كان الجهاز صالحاً لاستعان به الطيار في درء المخاطر التي تعرض لها فذكر في هذا الخصوص "أنه يكفي للرد على ذلك ما أجمع عليه شهود الرؤية من أنه لم يمض بين ظهور الطائرة وآثار الوهج بادية فيها وبين انفجارها سوى ثوان لا تسمح بتقديم أية معونة" – ومن ذلك يبين أنه لم يكن ثمت مجال للخوض في بحث خطأ الشركة بعدم إعدادها الجهاز إعداداً صالحاً – ولا لإجراء موازنة بين هذا الخطأ وخطأ الطيار الفقيد – بإقدامه على مغادرة مطار دمشق قبل إصلاح الجهاز – ولا للنظر في مدى استغراق كل من الخطأين للآخر – لم يكن ثمت مجال لهذا البحث لعدم جدواه – بعد إذ حصلت محكمة الموضوع من الوقائع – أن جهاز اللاسلكي لم يكن له أثر في حصول الحادث على النحو الذي صوره الطاعن من احتراق الطائرة في الجو قبل اصطدامها بالجبل – وأن الفترة بين ظهور الوهج والانفجار لم تكن إلا ثوان لا تمكن من الاستعانة بهذا الجهاز على أية صورة – أما ما أشار إليه الطاعن في وجه النعي من أن الحكم المطعون فيه قد حصل الوقائع على صورة مناقضة لهذه الصورة يبين منها أن زمن محنة الطائرة كان سابقاً على ظهور الوهج – وأن ذلك كان منذ حلقت الطائرة فوق خليج حيفا – ثم طرأ عليها ما يستدعي تغيير اتجاهها فحلقت فوق جبل الكرمل واجتازت السلسلة الأولى ثم شاء حظها العاثر أن تصطدم بالسلسلة الثانية فحلت بها النكبة – وأنه في هذه الصورة كان يتيسر الاستعانة بجهاز الطعن مردود بأن محكمة الاستئناف لم تورد ما أوردته في هذا الخصوص – إلا رواية عن الحكم المستأنف – إذ يبين من الاطلاع على الحكم الابتدائي أنه ساق هذه العبارات في مقام بيان دعوى الطاعن وسرداً لوقائعها – أما محكمة الاستئناف فإنها نهجت في إيراد الأدلة الواقعية منهجاً آخر بدأته بذكر خلاصة تقارير الفنيين عن الحادث، ثم عرضت لما جاء في هذه التقارير من الاحتمالين السابق الإشارة إليهما تعليلاً لكيفية وقوع الحادث – وليس فيما حصلته محكمة الاستئناف من الوقائع ما يتفق مع تلك العبارات المقتبسة من الحكم المستأنف ولا ما يفيد اعتمادها وإقرارها وإذ كان ذلك فليس ثمت محل للنعي على محكمة الاستئناف بالقصور في التسبيب استناداً إلى وقائع لم تكن من تحصيلها ولم تعول عليها في قضائها – ولا مجال بعد ما تقدم إيراده للنظر فيما نعى به الطاعن على الحكم المطعون فيه خاصاً بما أسندته محكمة الاستئناف للطيار الفقيد من أخطاء ارتكبها إذ بحسبها أن تكون أقامت حكمها على ما ثبت لها من أن الضرر الذي أصاب الطاعن قد نشأ عن سبب أجنبي لم يكن للمطعون عليها الأولى يد فيه وليس على المحكمة بعد ذلك أن تتحرى وقوع خطأ من المضرور أو خطأ من الغير ولا مجال كذلك للنظر فيما نعى به الطاعن في السبب الأول من أسباب طعنه (في صدد التعويض عن الضرر الذي أصابه شخصياً) بخطأ الحكم المطعون فيه في تطبيق نصوص المرسوم الصادر في 23 من مايو سنة 1935 والقرار الوزاري الصادر في 26 من مايو سنة 1942 بشأن ما ورد فيهما من إلزام كل طائرة تقوم بالنقل الدولي في مصر أو مارة بها بأن يكون فيها شخص حاصل على إجازة ملاح ليقوم بأعمال الملاحة فيها إذا كانت تطير بدون هبوط لمسافة تزيد على 160 كيلو متراً نهاراً أو 25 كيلو متراً ليلاً – لا مجال للنظر فيما ورد في هذا النعي – لأن التعرض له عقيم – ما دام أن الوقائع التي أثبتها الحكم المطعون فيه – على ما سبق بيانه – لا تؤدي إلى أن ما أصاب الطائرة كان نتيجة مباشرة لغياب الملاح أو أن الملاح كان في استطاعته أن يمنع الحادث لو كان موجوداً.
وحيث إن الطاعن ينعي على الحكم المطعون فيه – في خصوص ما طلبه من التعويض ميراثاً عن ابنه (الطيار الفقيد) – الخطأ في القانون من وجهين: حاصل ما ورد بها – أن محكمة الاستئناف قد أقامت قضاءها في خصوص المسئولية التعاقدية على القول بأنها غير ذات موضوع إذ لم ينشأ للطيار الفقيد حق في التعويض لأنه وقد مات فور الحادث فهو لا يستطيع أن يكسب حقاً ينقله إلى وارثه وقد أخطأت محكمة الاستئناف في هذا القضاء الذي أخذت فيه برأي لا يعرض إلا في صدد المسئولية التقصيرية – لا المسئولية التعاقدية – وهو على أية حال رأي لا تقره جمهرة الفقهاء ولا أحكام المحاكم ذلك أن حق المصاب في التعويض ينشأ بمجرد حصول الحادث وهو أسبق من الوفاة حتماً – وهو يكون منها بمنزلة السبب من المسبب فهو سابق عليها – ومهما يكن من قصر الفترة الزمنية بين الحادث ونتيجته – إلا أنه لا يحل مطلقاً إهدار حق المصاب في التعويض عما لحقه من جراء إصابته – وفي انتقال حقه في ذلك إلى ورثته وإذ لم يكن المجال في خصوص هذا المطلب إلا مجال المسئولية التعاقدية، فقد كان يتعين على محكمة الاستئناف أن تعتد بما تمسك به الطاعن من أن ثمت التزاماً على عاتق الشركة بسلامة الطيار نشأ منذ التعاقد – وحقاً للطيار في اقتضاء هذا الالتزام عيناً أو بما يعادله – نشأ من ذلك الوقت أيضاً – وبات معتبراً عنصراً من عناصر ذمته المالية وهو سابق (بطبيعة الحال) على وقوع الكارثة – التي لم يكن وقوعها إلا إخلالاً من الشركة بالتزامها بضمان السلامة – وحدوث الوفاة لا يترتب عليه انقضاء هذا الالتزام فإذا كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه لم يسبب قضاءه برفض التعويض في خصوص المسئولية التعاقدية إلا على الأساس الخاطئ المتقدم فإنه يكون مخطئاً في القانون متعيناً نقضه.
وحيث إن النعي بما ورد في هذا السبب في خصوص الدعوى الحالية غير مجد ذلك أن الطاعن قد طلب بدعواه الحكم له بمبلغي التعويض الموضحين من قبل على أساس أن أحدهما يقابل ما ناله من ضرر بسبب خطأ تقصيري وأن المبلغ الثاني يمثل حصته الميراثية فيما يستحقه مورثه من تعويض قبل المطعون عليها الأولى نتيجة خطئها التعاقدي – وقد عرضت محكمة الموضوع وهي بسبيل تحقيق مسئولية المطعون عليها الأولى – التقصيرية – لما أسند إليها من خطأ – وما دفعت به هذا الخطأ – فأوضحت – كما سبق بيانه – أن الحادث الذي اعتبر أساساً لدعوى التعويض وهو احتراق الطائرة – قد وقع بسبب أجنبي – لا يد للمطعون عليها الأولى فيه – يتمثل في صورة حادث مفاجئ مجهول السبب وغير متصل بأي خطأ من جانب المطعون عليها الأولى – ولما كان ذلك وكانت المسئولية التعاقدية تندفع بإثبات السبب الأجنبي فإنه لا جدوى من إثارة البحث الذي عرض له الطاعن في سبب الطعن إذ مهما يكن وجه الرأي فيه فإن عدم تعرض الحكم المطعون فيه للبحث في المسئولية التعاقدية لا تتحقق به – في خصوص المنازعة الحالية – أي مصلحة للطاعن – ما دامت المسئولية التقصيرية المسندة للمطعون عليها الأولى مندفعة بما يصلح أساساً لدفع المسئولية التعاقدية.
وحيث إن الطاعن قد عرض في تقرير طعنه لما قرره الحكم المطعون فيه انقضاء مسئولية المطعون عليها الثانية – وعيب الحكم المطعون فيه – في هذا الخصوص – بمخالفة القانون إذا لم يعتد – في صدد مسئولية المطعون عليها الثانية بتقصيرها في عدم الإشراف على تنفيذ المرسوم والقرار الوزاري المنظمين للملاحة الجوية بالرغم من أنها هي الجهة المكلفة بتنفيذها – وتقصيرها في أن تقتضي من المطعون عليها الأولى التزامها بسلامة الطيار – في حين أنها مسئولة عن سلامته أثناء العمل الذي ندب له قسراً عنه.
وحيث إن هذا النعي مردود بما سبق بيانه في الرد على باقي أسباب الطعن.
وحيث إنه لما تقدم يكون الطعن على غير أساس متعيناً رفضه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات