الرئيسية الاقسام القوائم البحث

طعن رقم 97 سنة 24 ق – جلسة 10 /04 /1958 

أحكام النقض – المكتب الفني – مدني
العدد الثاني – السنة 9 – صـ 359

جلسة 10 من أبريل سنة 1958

برياسة السيد عبد العزيز محمد رئيس المحكمة، وبحضور السادة: محمد متولي عتلم، ومحمد زعفراني سالم، والحسيني العوضي، ومحمد رفعت المستشارين.


طعن رقم 97 سنة 24 ق

عقد "ركن الرضا". إيجاب. بيع. التّزام الموجب بالبقاء على إيجابه مدة معينة. عدم جواز العدول عن هذا الإيجاب أو تعديله إلا في الفترة السابقة على وصوله إلى علم من وجه إليه. مثال في بيع. المادتان 91، 93 مدني.
مؤدى المادتين 91، 93 من القانون المدني أن التعبير عن الإرادة لا ينتج آثره إلا من وقت اتصاله بعلم من وجه إليه فإذا كان الموجب قد التزم في إيجابه بالبقاء على هذا الإيجاب مدة معينة فإن هذا الإيجاب لا يلزم الموجب إلا من وقت اتصال علم من وجه إليه به وإلى هذا الوقت يعتبر أن الإيجاب لا يزال في حوزة الموجب فله أن يعدل عنه أو أن يعدل فيه لأن التعديل ما هو إلا صورة من صور العدول لا يملكه إلا في الفترة السابقة على وصول الإيجاب إلى علم من وجه إليه. وعلى ذلك فمتى تبين أن طالب الشراء أبدى في طلبه الموجه إلى عضو مجلس الإدارة المنتدب للشركة البائعة رغبته في شراء قدر من الأطيان المملوكة لها بثمن محدد وبشروط معينة وضمن الطلب أنه لا يصبح نافذ الأثر بين الطرفين إلا بعد موافقة مجلس إدارة الشركة كما تعهد فيه بأن يظل مرتبطاً بعطائه في حالة إشهار مزاد بيع الأطيان لحين إبلاغه قرار الشركة باعتماد البيع من عدمه. فتحقق بذلك علم الشركة بمجرد وصول الطلب إلى عضو مجلس الإدارة المنتدب. فإن هذا لإيجاب يعتبر نافذ الأثر في حق الموجب لا يجوز العدول عنه أو تعديله حتى تبت الشركة في طلبه بالقبول أو الرفض وذلك عملاً بنصوص الطلب ونزولاً على حكم المادتين 91، 93 المشار إليهما. ولا يجدي الموجب التمسك بأن الموافقة المعتبرة في إتمام التعاقد هي موافقة مجلس إدارة الشركة دون غيره من موظفي الشركة ما دام أن النزاع يدور فقط حول معرفة من الذي نكل من الطرفين عن إتمام التعاقد لأن مجال البحث في هذا الذي يتمسك به الموجب هو في حالة ما إذا كانت الشركة تتمسك بتمام التعاقد والمطالبة بتنفيذه.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر، والمرافعة، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
وحيث إن الوقائع حسبما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل في أن المطعون عليه أقام الدعوى 2042 سنة 1952 كلي القاهرة طلب فيها إلزام الطاعنة بأن تدفع له مبلغ 700 جنيه والفوائد القانونية من تاريخ المطالبة الرسمية حتى السداد وأسس دعواه على أنه كان في 19 من مارس سنة 1952 قد أبدى رغبته في شراء 71 فداناً وكسور من أملاك الطاعنة بجهة كفر الدوار بثمن قدره 295 جنيهاً للفدان وأثبتت هذه الرغبة على نموذج مطبوع أعدته الطاعنة ونص في البند الثاني منه على أن الإيجاب الصادر منه لا يكون نافذاً إلا بعد موافقة مجلس إدارة الشركة الطاعنة على البيع وإخطاره بالقبول على أن يكون الإخطار بأخذ إقرار كتابي عليه أو إرسال خطاب مسجل إليه. وأضاف المطعون عليه أنه دفع إلى الطاعنة عند إبداء الرغبة المبلغ المطالب به كتأمين وأنه لما سنحت له فرصة معاينة الأطيان رأي أن يقيد العرض الصادر منه بشروط أساسية قدر أهميتها لإتمام الصفقة وبعث بخطاب إلى الطاعنة في 31 من مارس سنة 1952 ضمنه تلك الشروط – إلا أن الطاعنة أخطرته بخطاب يحمل تاريخ 5 من أبريل سنة 1952 وصل إليه في يوم 7 من نفس الشهر أنها وافقت على العرض الذي تقدم منه في 19 من مارس سنة 1952 بشروطه ولم تشر في هذا الخطاب إلى خطابه إليها في 31 من مارس سنة 1952 وإن كانت قد أوردت به وجهة نظرها في ثلاثة من الشروط التي تضمنها ذلك الخطاب. وأنه على أثر ذلك وفي 12 من أبريل سنة 1952 أرسل إلى الطاعنة خطاباً أعلن فيه تمسكه بشروطه المعدلة للعرض المقدم منه وأنذرها بأنه في حالة عدم موافقتها على تلك الشروط خلال خمسة عشر يوماً فإن العرض المقدم منه يصبح غير ذي موضوع ويكون عليها في هذه الحالة أن ترد له مبلغ التأمين. وأنه تلقى بعد ذلك من الطاعنة خطاباً محرراً في 25 من أبريل سنة 1952 أعلنت فيه تمسكها بالعرض المقدم منه في 19 من مارس سنة 1952 بشروطه وأنها تأسف لعدم قبول الشروط التي وردت في خطابه إليها بعد أن حررت له خطاب 31 من مارس سنة 1952 وذكرت أن هذا الخطاب الأخير وصل إليها بعد أن حررت له خطاب 5 من أبريل سنة 1952 بموافقتها على العرض المقدم منه وأشارت في خطابها المذكور إلى ما تضمنه البند الثالث من الطلب المقدم منه في 19 من مارس سنة 1952 من التزامه بأن يظل مرتبطاً بهذا الطلب بشروطه في حالة إشهار مزاد بيع الأطيان حتى يبلغ بقرار الطاعنة باعتماد البيع أو رفضه وذكرت أن جلسة المزاد عقدت بمقر التفتيش في 27 من مارس سنة 1952 وانتهى المطعون عليه إلى أن الطاعنة وقد رفضت قبول ما عرضه من تعديلات في خطاب 31 من مارس سنة 1952 الذي وصل إليها قبل أن يصل إليه الخطاب المؤرخ 5 من أبريل سنة 1952 الصادر منها بالموافقة على العرض الأول المقدم منه فإنها تكون ملزمة برد مبلغ التأمين المدفوع منه. دفعت الطاعنة الدعوى بأن المطعون عليه لم يكن يملك تعديل شروط الإيجاب الصادرة منه في 19 من مارس سنة 1952 وأن مجلس إدارتها قد وافق على هذا الطلب في أول أبريل سنة 1952 وأخطر المطعون عليه بتلك الموافقة في 5 منه، وأسست الطاعنة دفاعها على ما ورد بالبند الثالث من خطاب 19 من مارس سنة 1952. وفي 25 من أبريل سنة 1953 قضت المحكمة برفض الدعوى وأقامت قضاءها على أن الشروط التي أضافها المطعون عليه بخطاب 31 من مارس سنة 1952 تعتبر تعديلاً أو رجوعاً في الإيجاب الصادر منه وهو ما لا يملكه، واستندت المحكمة في ذلك إلى البند الثالث سالف الذكر وانتهت إلى أن المطعون عليه هو الذي أخل بالتزامه. استأنف المطعون عليه هذا الحكم أمام محكمة استئناف القاهرة وقيد الاستئناف برقم 543 سنة 70 ق. وفي 31 من يناير سنة 1954 حكمت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف وقضت للمطعون عليه بطلباته – وأقامت قضاءها على ما استخلصته من البند الثاني من طلب الشراء المحرر في 19 من مارس سنة 1952 الذي تضمن أن قبول الطاعنة لا يكون إلا من مجلس إدارتها، وأن هذا القبول يجب أن يبلغ إلى المطعون عليه إما بأخذ إقرار كتابي عليه أو بخطاب مسجل مما يفصح عن أن هذا التعاقد تحكمه المادة 97 من القانون المدني لأنه تعاقد بالمراسلة. وأن مؤدى ما ورد بهذا البند أن البيع لا يعتبر أنه تم بمجرد عرض طلب الشراء على مجلس الإدارة بل يجب أن يوافق المجلس على البيع وأن تبلغ هذه الموافقة إلى المطعون عليه وهو ما لم يحصل بدليل أن المستخرج الذي قدمته الطاعنة في محضر جلسة مجلس الإدارة جاء به أن المجلس أخذ علماً بالمبيعات التي تمت بتفتيش سيدي غازي وأن عبارة أخذ علماً لا يمكن أن تفسر بأنها القبول الذي نص عليه في البند الثاني سالف الذكر لأن معناها الظاهر لا يخرج عن أن المجلس أحيط بالعرض المقدم من المطعون عليه وأن المجلس لم يبد في الأمر رأياً بالقبول أو الرفض. وأن خطاب الطاعنة إلى المطعون عليه المؤرخ 5 من أبريل سنة 1952 يستفاد منه أن الطاعنة لم توافق على الشروط التي استلزمها المطعون عليه لإتمام التعاقد والتي ضمنها خطابه المحرر في 31 من مارس سنة 1952 الذي امتنعت الطاعنة عن تقديمه والذي ترجح المحكمة أنه وصل إلى الطاعنة قبل أن ترسل إلى المطعون عليه خطابها المؤرخ 5 من أبريل سنة 1952 بدليل امتناعها عن تقديمه ولأن الخطاب لا يستغرق وصوله إلى الطاعنة أكثر من يومين. وخلصت المحكمة من كل ذلك إلى أن طلب الشراء وما أدخل عليه من تعديل بخطاب 31 من مارس سنة 1952 أصبح غير ذي أثر نافذ بين الطرفين بخطاب 5 من أبريل سنة 1952 – وقد طعنت الطاعنة في هذا الحكم بطريق النقض، وعرض الطعن على دائرة فحص الطعون وأبدت النيابة رأيها بقبول الطعن، وقررت دائرة الفحص بجلسة 15 من يناير سنة 1958 إحالته إلى هذه الدائرة لجلسة 27 من فبراير سنة 1958 وفيها صممت النيابة على رأيها.
وحيث إن الطعن أقيم على سببين: يتحصل أولهما: في النعي على الحكم المطعون فيه بالخطأ في تطبيق القانون إذ أغفل حكم المادة 93 مدني التي تنص على أنه "إذا عين ميعاد للقبول التزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلى أن يتحقق الميعاد. وقد يستخلص الميعاد من ظروف الحال أو من طبيعة المعاملة". ذلك أن الفقرة الثالثة من إيجاب المطعون عليه في 19 من مارس سنة 1952 ورد بها أنه في حالة إشهار الطاعنة مزاد بيع الأرض يظل المطعون عليه مرتبطاً بعطائه لحين إبلاغه قرار الشركة باعتماد البيع من عدمه. وأن الطاعنة أشهرت مزاد الأطيان فعلاً في 27 من مارس سنة 1952 وأخطرت المطعون عليه بهذا الميعاد ثم عرض الأمر على مجلس الإدارة في أول أبريل سنة 1952 فوافق على العرض وأخطر المطعون عليه بهذه الموافقة في 5 من أبريل سنة 1952 وكان هذا الإخطار في حدود الأجل المعقول لأن هذا الأجل لم يكن ينتهي بمجرد إشهار المزاد بل يبقى الأجل ممتداً لفترة معقولة. وأن إلزام المطعون عليه بالبقاء على إيجابه حتى يحل ذلك الأجل يعني في دلالة القانون استحالة الرجوع فيه أو التعديل في شروطه لمخالفة ذلك لصريح نص المادة 93 مدني. كما أن الحكم قد مسخ عبارة البند الثاني من طلب الشراء مسخاً انحرف به عن معناه السليم لأن خطاب 5 من أبريل سنة 1952 المرسل من الطاعنة إلى المطعون عليه قد ورد به أن الشركة وافقت على الطلب المقدم منه وهذا الإخبار واضح الدلالة على أن مجلس الإدارة هو الذي وافق لأنه هو وحده المتحدث باسم الطاعنة في التصرفات. وبهذا الإخبار يتحقق المقصود من البند الثاني من طلب الشراء. وأن العبارة التي وردت بمحضر جلسة مجلس الإدارة من أنه أخذ علماً بالمبيعات التي تمت يجب أن تحمل في تفسيرها على مجموع تلك العبارة لأن التحدث عن المبيعات التي تمت وعن سعر الفدان لا يمكن أن ينصرف إلا إلى الموافقة على البيع. وأن الحكم إذا افترض أن مجلس الإدارة أرجأ الموافقة على طلب الشراء وأقام قضاءه على هذا الافتراض يكون قد وقع في خطأ مزدوج لأنه لا يصح في المسائل المدنية أن يبني الحكم إلا على الدليل القائم ولأن الحكم يكون قد أقام قضاءه على حقيقة لا دليل عليها وأعمل أثرها في قضائه، ويتحصل السبب الثاني في النعي على الحكم بالقصور وفساد الأساس استناداً إلى أن الطاعنة قد تمسكت في دفاعها أمام محكمة أول درجة وأمام محكمة الاستئناف بمؤدى الفقرة الأخيرة من البند الثالث من طلب الشراء المؤرخ 19 من مارس سنة 1952 من أن يظل المطعون عليه في حالة إشهار مزاد بيع الأطيان مرتبطاً بعطائه حتى يصدر قرار مجلس الإدارة بقبول البيع أو رفضه مما يستتبع عدم أحقيته في تعديل هذا العطاء أو سحبه قبل أن يصدر هذا القرار. وأن محكمة أول درجة قد أخذت بدفاع الطاعنة في هذا الخصوص ولكن الحكم المطعون فيه أغفل الرد على هذا الدفاع الجوهري مما يعيبه بالقصور – كما أن الحكم حين تحدث عن خطاب المطعون عليه المؤرخ 31 من مارس سنة 1952 والذي قالت عنه الطاعنة إنه لم يصل إليها إلا بعد قبولها لإيجاب المطعون عليه وتصدير هذا القبول إليه في 5 من أبريل سنة 1952 قد رجح ادعاء المطعون عليه بوصول هذا الخطاب إلى الطاعنة قبل تصدير قبولها استناداً إلى أن الخطاب يستغرق يوماً أو يومين في البريد ليصل إلى الطاعنة وبذلك يكون الحكم قد بني على دليل افتراضي وهو ما لا يجوز قانوناً بل يجب أن يقام الحكم على ما تحققه المحكمة من أدلة في الدعوى وفي هذا ما يعيب الحكم بفساد الأساس.
وحيث إن الحكم المطعون فيه أقام قضاءه على ما ورد بالبند الثاني من طلب الشراء المقدم من المطعون عليه والمؤرخ 19 من مارس سنة 1952 الذي تضمن أن قبول الطاعنة لا يكون إلا من مجلس إدارتها كما أن هذا القبول يبج أن يبلغ إلى المطعون عليه سواء بأخذ إقرار كتابي عليه أو بخطاب مسجل. وأن مؤدى هذا البند أن التعاقد بين الطرفين تحكمه المادة 97 مدني لأنه تعاقد بالمراسلة وأن إعمال هذا البند يؤدي إلى أن البيع لا يعتبر أنه تم بمجرد عرض طلب الشراء على مجلس الإدارة بل يجب أن يوافق المجلس على البيع وأن تبلغ الموافقة إلى المطعون عليه وهو ما لم يحصل إذ لم يوافق مجلس الإدارة على البيع وكل ما حدث استخلاصاً من ظاهر الصورة المستخرجة من محضر جلسة مجلس الإدارة في أول أبريل سنة 1952 أن هذا المجلس أخذ علماً بالمبيعات التي تمت ومن بينها الصفقة موضوع النزاع وأن عبارة "أخذ علماً" لا يمكن أن تحمل إلا على ظاهر لفظها وهو أن المجلس علم بالعرض المقدم من المطعون عليه ولم يصدر المجلس قراراً بالقبول أو الرفض مما قد يستفاد منه أنه رأى إرجاء بحثه للموافقة عليه أو رفضه إلى جلسة أخرى وأن خطاب 5 من أبريل سنة 1952 المرسل من الطاعنة إلى المطعون عليه والذي أخطرته فيه بقبول ما عرضه في خطاب 19 من مارس سنة 1952 بشروطه مؤداه أن الطاعنة لم توافق على التعديلات التي أدخلها المطعون عليه على هذا العرض بالخطاب المؤرخ 31 من مارس سنة 1952 الذي رجحت المحكمة وصوله إلى الطاعنة قبل أن تحرر خطاب 5 من أبريل سنة 1952 بدليل أنها ناقشت في هذا الخطاب الأخير كثيراً من التعديلات التي أوردها المطعون عليه في خطابه دون أن تشير إليه وبدليل امتناع الطاعنة عن تقديم خطاب 31 من مارس سنة 1952 ولأن وصول هذا الخطاب إليها لا يستغرق في البريد أكثر من يوم أو يومين – وأنه نتيجة لذلك يكون طلب الشراء المقدم من المطعون عليه بما أدخل عليه من تعديلات بخطاب 31 من مارس سنة 1952 قد أصبح غير ذي أثر نافذ بين الطرفين خصوصاً وأن الطاعنة أنذرت المطعون عليه في 24 من مايو سنة 1952 بإلغاء الصفقة ومن ثم فإن إيجاب المطعون عليه وما أدخل عليه من تعديلات لم يصادف قبولاً بل قوبل بالرفض الصريح بإنذار 24 من مايو سنة 1952 ويكون على الطاعنة أن ترد العربون إلى المطعون عليه.
وحيث إن المادة 91 من القانون المدني تنص على أن "ينتج التعبير أثره في الوقت الذي يتصل فيه بعلم من وجه إليه. ويعتبر وصول التعبير قرينة على العلم به ما لم يقم الدليل على عكس ذلك" كما تنص المادة 93 من نفس القانون على أنه "إذا عين ميعاد للقبول التزم الموجب بالبقاء على إيجابه إلى أن ينقضي هذا الميعاد. وقد يستخلص الميعاد من ظروف الحال أو من طبيعة المعاملة". ومؤدى هاتين المادتين أن التعبير عن الإرادة لا ينتج أثره إلا من وقت اتصاله بعلم من وجه إليه. فإذا كان الموجب قد التزم في إيجابه بالبقاء على هذا الإيجاب مدة معينة فإن هذا الإيجاب لا يلزم الموجب إلا من وقت اتصال علم من وجه إليه به وإلى هذا الوقت يعتبر أن الإيجاب لا يزال في حوزة الموجوب فله أن يعدل عنه أو أن يعدل فيه لأن التعديل ما هو إلا صورة من صور العدول لا يملكه الموجب إلا في الفترة السابقة على وصول الإيجاب إلى علم من وجه إليه.
وحيث إنه يبين من طلب الشراء المؤرخ 19 من مارس سنة 1952 أنه موجه من المطعون عليه إلى عضو مجلس إدارة الشركة الطاعنة متضمناً رغبته في شراء قدر من الأطيان المملوكة للطاعنة بثمن محدد وبشروط معينة. وتضمن البند الثاني من هذا الطلب النص على أنه لا يصبح نافذ الأثر بين الطرفين إلا بعد موافقة مجلس إدارة الشركة الطاعنة وتعهد المطعون عليه بمقتضى الفقرة الأخيرة من البند الثالث بأن يظل مرتبطاً بعطائه في حالة إشهار مزاد بيع الأطيان "لحين إبلاغه قرار الشركة باعتماد البيع من عدمه". ومؤدى هذا أن المطعون عليه عندما وجه إيجابه إلى الطاعنة قد ضمن هذا الإيجاب التزامه بأن يظل مرتبطاً به فترة من الزمن في حالة عرض الأطيان للبيع بالمزاد – ولما كانت الأطيان قد عرضت للبيع فعلاً وحدد لبيعها بالمزاد يوم 27 من مارس سنة 1952 فإن المطعون عليه لم يكن يملك قانوناً العدول عن إيجابه أو التعديل فيه بل يظل عملاً بالفقرة الأخيرة من البند الثالث مرتبطاً بإيجابه حتى تبت الطاعنة في طلبه بالقبول أو الرفض – ولا يجدي المطعون عليه ما تمسك به من أنه لم يعلن بجلسة المزاد إذ ليس في الإيجاب المقدم منه ما يلزم الطاعنة بإخطاره بتلك الجلسة – وإذ كان الإيجاب الصادر من المطعون عليه قد وجه إلى عضو مجلس الإدارة المنتدب للشركة الطاعنة وكان هذا الأخير يملك قانوناً تلقي ما يوجه إلى الطاعنة من عروض فإن علم الطاعنة بهذا الإيجاب يعتبر متحققاً بمجرد وصوله إلى عضو مجلس الإدارة المنتدب ومن ثم وعملاً بالمادة 91 مدني يعتبر هذا الإيجاب نافذ الأثر في حق المطعون عليه لا يجوز العدول عنه أو تعديله من ذلك الوقت عملاً بالبند الثالث منه ونزولاً على حكم المادة 93 مدني – ولما كان المطعون عليه قد عدل الإيجاب الصادر منه بخطابه المؤرخ 31 من مارس سنة 1952 وأصر على هذا التعديل بعد أن أخطرته الطاعنة بموافقتها على العرض المقدم منه بخطابها المؤرخ 5 من أبريل سنة 1952 وذلك بالخطاب المرسل منه إليها في 12 من أبريل سنة 1952 في حين أنه لم يكن يملك هذا التعديل قانوناً من وقت وصول إيجابه إلى علم الطاعنة بتسلمه إلى عضو مجلس الإدارة المنتدب فإنه بذلك يكون قد عدل عن إيجابه وإذا كان بعمله هذا قد خالف ما يقضي به القانون فإنه يكون غير محق في المطالبة برد العربون المدفوع منه عملاً بالبند الثالث من الإيجاب والذي نص فيه صراحة على أن هذا العربون يصبح من حق الطاعنة إذا امتنع المطعون عليه عن تنفيذ العقد أو نكل عن إتمام التعاقد – كما لا يجدي المطعون عليه ما تمسك به من مؤدى البند الثاني من أن الموافقة المعتبرة في إتمام التعاقد هي موافقة مجلس إدارة الشركة الطاعنة دون غيره من موظفي الشركة وأن العبارة التي وردت بمحضر جلسة مجلس الإدارة لا تنبئ في ظاهرها عن هذه الموافقة إذ هي لا تتضمن أكثر من أن مجلس الإدارة أخذ علماً بالإيجاب الصادر من المطعون عليه. وذلك أن مجال هذا البحث هو في حالة ما إذا كانت الشركة الطاعنة تتمسك بتمام التعاقد والمطالبة بتنفيذه – أما والنزاع في هذه الدعوى يدور حول معرفة من الذي نكل عن إتمام التعاقد وهل كان المطعون عليه على حق في تعديل الإيجاب الصادر منه والإصرار على عدم إتمام الصفقة إلا بهذا التعديل أو لا فإن البحث الذي آثاره المطعون عليه في هذا الخصوص وجاراه فيه الحكم المطعون فيه يكون غير منتج في الدعوى إذ سيان أن تفيد العبارة المدونة في محضر جلسة أول أبريل أن مجلس الإدارة علم بالإيجاب أو وافق عليه متى كان من الثابت أن المطعون عليه نكل بغير حق في 31 من مارس عن إيجابه – لما كان ذلك، فإن الحكم المطعون فيه وقد التفتت عن حكم القانون في المادتين 91 و93 وأقام قضاءه على أن المطعون عليه كان على حق في تعديل الإيجاب الصادر منه- يكون قد خالف القانون ويتعين لهذا نقضه.
وحيث إن الدعوى صالحة للفصل فيها ولما سبق بيانه وللأسباب التي استند إليها الحكم الصادر من محكمة أول درجة فإنه يتعين رفض الاستئناف وتأييد هذا الحكم.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات