الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 9 لسنة 16 قضائية “تنازع”لم يتم التعرف على تاريخ الجلسة

المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 968

جلسة 15أبريل سنة 1995

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحمن غنيم وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين ومحمد عبد القادر عبد الله – أعضاء، وحضور السيد المستشار حنفي على جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.

(القاعدة رقم 24)
القضية رقم 9 لسنة 16 قضائية "تنازع"

1 – تفسير تشريعي "الفقرة الأولى من المادة 6 من القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة".
كشفت المحكمة الدستورية العليا بقرارها الصادر بتاريخ 12/ 4/ 1988 في طلب التفسير, المقيد بجداولها برقم 2 لسنة 5 قضائية، عن المقصود بنص الفقرة الأولى من المادة السادسة من القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 المشار إليه, وذلك بما انتهت إليه من أن المنازعات المتعلقة بالحراسات – والتي أحالتها الفقرة الأولى المشار إليه إلى محكمة القيم – لا تشمل الطعون المطروحة أمام محكمة النقض في الأحكام الصادرة في تلك المنازعات. وهو تفسير تشريعي ملزم, يتقيد الكافة بمقتضاه وتنزل عليه كل سلطة في الدولة.
2 – تفسير تشريعي "مضمونه".
القرار الصادر بالتفسير التشريعي, يعتبر محدداً لمضمون النص المفسر، مندمجا فيه، وكاشفا عن إرادة المشرع الحقيقة التي حمل عليها النص المطلوب تفسيره.
3 – تفسير تشريعي "القرار الصادر بالتفسير. ماهيته وأثره".
لا يعتبر قرار المحكمة الدستورية العليا بالتفسير منشئا حكماً جديداً، أو مبتدعاً لقاعدة قانونية منقطعة الصلة بمحيطها, بل ملتزماً المقاصد التي توخي المشرع بلوغها عند تقرير القاعدة القانونية محل التفسير, وبه تتقيد السلطات العامة، والناس جميعاً.
1 – سبق أن كشفت المحكمة الدستورية العليا بقرارها الصادر بتاريخ 12 إبريل سنة 1988 – في طلب التفسير المقيد بجدولها برقم 2 لسنة 5 قضائية – عن المقصود بنص الفقرة الأولى من المادة السادسة من القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة، وذلك بما قررته من "أن المنازعات المتعلقة بالحراسات, والتي أحالتها الفقرة الأولى المشار إليها إلى محكمة القيم, لا تشمل الطعون المطروحة أمام محكمة النقض في الأحكام الصادرة في تلك المنازعات". وقد صدر قرارها في هذا الطلب تأسيساً على [أن المنازعات التي تنص هذه الفقرة، على إحالتها إلى محكمة القيم, هي تلك المنازعات الموضوعية التي تدور حول تقرير الحق أو نفيه, ولا تندرج تحتها خصومة الطعن بالنقض, التي تعتبر طريق طعن غير عادي, لا يؤدي إلى طرح ذات الخصومة التي كانت مرددة بين أطرافها أمام محكمة الموضوع, بل إلى طرح خصومة أخرى لها ذاتيتها الخاصة, تدور حول صحة تطبيق القانون على الوقائع التي خلص إليها الحكم المطعون فيه وأثبتها, ولا تستهدف أصلاً إحلال حكم جديد محل الحكم المطعون فيه, بل يقتصر الأمر فيها على أن تبحث محكمة النقض – وفي أحوال محددة على سبيل الحصر – مدة توافق هذا الحكم مع التطبيق الصحيح للقانون. وقد استثنت تلك الفقرة كذلك, من الإحالة إلى محكمة القيم، الدعاوى التي قفل فيها باب المرافعة, ومن ثم ينسحب هذا الاستثناء – من باب أولى – إلى الدعاوى التي تم الفصل فيها بحكم نهائي. والقول بانصراف اثر الإحالة المنصوص عليها في الفقرة الأولى المذكورة، إلى الطعون المقامة أمام محكمة النقض، مؤداه الحتمي أن تخول محكمة القيم نظر الموضوع من جديد إذا أحيل إليها الطعن بحالته من محكمة النقض, بما ينطوي عليه ذلك من إسقاط للأحكام النهائية التي سبق صدورها في هذا الموضوع، وهو أمر لا يملكه المشرع, ولا يتصور أن تكون إرادته قد اتجهت إليه, لخروجه عن حدود ولايته التي بينها الدستور, والتي لا تمتد بحال إلى إهدار الأحكام القضائية – ولو لم تكن نهائية – بإنهاء آثارها القانونية. ذلك أن الدستور كفل – بنص المادة 165 – للسلطة القضائية استقلالها في مواجهة السلطتين التشريعية والتنفيذية, وجعل هذا الاستقلال عاصماً من التدخل في أعمالها, أو التأثير في مجرياتها, باعتبار أن شئون العدالة هو مما تستقل به السلطة القضائية، وأن عرقلتها أو إعاقتها, عدوان على ولايتها الدستورية بنقضها أو بالانتقاص منها. ومن ثم تظل لأحكامها – ولو لم تكن نهائية – حجيتها, وهي حجية لا يستطيع المشرع أن يسقطها على ما سلف البيان. كما أن مجرد الطعن بالنقض في الأحكام النهائية لا ينال منها. ذلك أن هذا الطعن لا يترتب عليه في الأصل إعادة عرض النزاع من جديد على محكمة النقض, ولا يؤثر بذاته في قوة الأمر المقضي التي تحوزها الأحكام النهائية, بل تظل القوة – التي تعلو على اعتبارات النظام العام – ملازمة لها, ولا تزايلها أو تنحسر عنها, إلا بنقض الحكم المطعون فيه].
2 – إذ كان القرار الصادر عن المحكمة الدستورية العليا بتفسير نص الفقرة الأولى المشار إليها, قد نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 14 من أبريل سنة 1988، وكانت قراراتها في شأن تفسير النصوص التشريعية, سواء في ذلك التي أقرتها السلطة التشريعية, أو التي أصدرها رئيس الجمهورية في شكل قرار بقانون وفقاً لأحكام الدستور, لا تنفصل عن النصوص التي تقوم بتفسيرها, بل تندمج فيها, باعتبارها كاشفة عن المعنى المقصود منها, ومحددة بالتالي لمضموناتها. ومن ثم تأخذ حكمها وتكون لها قوتها, ذلك أن المحكمة الدستورية العليا إنما تتناول النصوص محل التفسير، لتصدر في شأنها تفسيراً تشريعياً ملزماً، يكون بذاته كاشفاً عن المقاصد الحقيقة المبتغاة من وراء تقريرها منظوراً في ذلك – لا إلى الإرادة المتوهمة أو المفترضة للسلطة التي أقرتها أو أصدرتها – بل إلى مقاصدها الحقيقة التي يفترض في هذه النصوص أن تكون معبرة عنها مبلورة لها, محمولة عليها. ولا تعدو مهمة المحكمة الدستورية العليا في مجال تفسير النصوص التشريعية، حد النزول على هذه المقاصد, كي تعكسها هذه النصوص, من خلال المعنى الذي حددته المحكمة نطاقاً لمضمون كلاً منها.
3 – لا يعتبر قرار المحكمة الدستورية العليا بتفسير نص تشريعي معين, منشئاً حكماً جديداً, أو مبتدعاً لقاعدة قانونية منقطعة الصلة بمحيطها, بل ملتزماً المقاصد التي توخي المشرع بلوغها من وراء تقريره, كي يحمل النص بعد تفسيره حملاً على المعنى الذي تضمنه قرار التفسير. ومن ثم لا يكون لهذا النص – ومنذ إقراره أو إصداره – وعملاً بالطبيعة الكاشفة لقرار التفسير, غير المعني الذي خلص إليه هذا القرار, ليتقيد الكافة بمقتضاه, ولتزول عليه كل سلطة في الدولة، إعمالاً لمبدأ خضوع الدولة للقانون المنصوص عليه في المادة 64 من الدستور، وتطبيقاً للمادة 49 من قانون المحكمة الدستورية العليا, التي تنص على أن قراراتها بالتفسير ملزمة للكافة والدولة سواء بسواء.


الإجراءات

بتاريخ 16 يونيو 1994 أقامت المدعيات الدعوى الماثلة بإيداع صحيفتها قلم كتاب المحكمة, طالبات الحكم بتعيين جهة القضاء المختصة بنظر الطعن بالنقض رقم 2189 لسنة 51 قضائية, والمقيد بجدول محكمة القيم برقم 7 لسنة 1 قضائية وبجدول المحكمة العليا للقيم برقم 8 لسنة 1 قضائية قيم عليا. وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعيات، سبق لهن أن أقمن الدعوى رقم 6077 لسنة 1978 مدني كلي إسكندرية, على سند من القول أن الحراسة فرضت على أموالهن إعمالاً لنص الأمر العسكري رقم 138 لسنة 1961، وتسلمت الحراسة هذه الأموال لإدارتها وتحصيل غلتها, وردها وحصيلة الغلة عند انتهاء الحراسة. وكان من بين الأموال التي فرضت عليها الحراسة قطعة أرض تبلغ مساحتها أربعين فداناً وثمانية عشر قيراطاً وثمانية عشر سهماً كائنة بناحية برية أبو قير قسم المنتزه محافظة الإسكندرية, وقد رأت الحراسة تسليم جزء من هذه المساحة – مقداره أربعة عشر فداناً وثلاثة وعشرون قيراطاً وواحد وعشرون سهماً – إلى الشركة المدعي عليها الأولى لتتولى استغلاها نيابة عنها. وبصدور القانون رقم 69 لسنة 1974 انتهت الحراسة، وسويت الأوضاع الناشئة عنها, حيث قضت المادة الثانية منه برد الممتلكات إلى أصحابها ما لم يكن قد تم بيعها ولو بعقود ابتدائية قبل العمل بذلك القانون، وبذلك يحق للمدعيات استرداد الأعيان التي استولت عليها الحراسة عيناً, وإذ رفضت الشركة المدعية عليها الأولى – ودون سند – تسليمهن قطعة الأرض المشار إليها, فقد أقمن تلك الدعوى بطلب الحكم بطردها منها. وقام دفاع الشركة المدعي عليها على القول بأن قرار رئيس الجمهورية رقم 396 لسنة 1968 قضى بأيلولة ارض النزاع إليها, الأمر الذي يخرجها عن نطاق الأموال الجائز ردها طبقاً لأحكام القانون رقم 69 لسنة 1974. وبجلسة 17 يناير 1980، قضت المحكمة الابتدائية برفض الدعوى تأسيساً على أن مضمون القرار رقم 396 لسنة 1968، هو أيلولة أرض النزاع إلى الشركة المدعي عليها الأولى, الأمر الذي يخرجها من نطاق الأراضي المتعين ردها طبقاً لحكم القانون رقم 69 لسنة 1974، ويجعل تنفيذ ذلك الرد مستحيلاً. وقد استأنفت المدعيات هذا الحكم بالاستئناف رقم 205 لسنة 36 قضائية, أمام محكمة استئناف الإسكندرية التي قضت بتاريخ 27 مايو 1981 برفضه وتأييد قضاء الدرجة الأولى. فأقامت المدعيات عنه طعناً بالنقض قيد برقم 2189 لسنة 51 قضائية. وقد أحيل هذا الطعن إلى محكمة القيم, إعمالاً لنص الفقرة الأولى من المادة السادسة من القانون رقم 141 لسنة 1981 بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة, حيث قيد برقم 7 لسنة 1 قضائية "قيم". ودفعت المدعيات بعدم اختصاص محكمة القيم ولائياً بنظر هذا الطعن, بمقولة: إن الاختصاص بالفصل فيه ينعقد لمحكمة النقض دون غيرها. وقد قبلت محكمة القيم هذا الدفع بحكمها الصادر في 25 أكتوبر 1981، مما حدا بالمدعي عليهم إلى الطعن فيه أمام المحكمة العليا للقيم التي قيد أمامها برقم 8 لسنة 1 قضائية قيم عليا, وقضت فيه بتاريخ 13 فبراير سنة 1982 بإلغاء الحكم المطعون فيه, وباختصاص محكمة القيم بنظر الدعوى، وإعادتها إليها للفصل في موضوعها. وإذ أعيد عرض الدعوى على محكمة القيم، فقد عاودت المدعيات الدفع بعدم اختصاص محكمة القيم ولائياً بنظره, وبإحالة النزاع إلى محكمة النقض, فقضت محكمة القيم بتاريخ 15 يونيو سنة 1991 برفض الدفع, وبعدم قبول الدعوى بالنسبة لطلب المدعيات طرد الشركة المتحدة للإنتاج الداجني من أرض النزاع, وقبل الفصل في الموضوع بندب مكتب خبراء وزارة العدل بالإسكندرية، لتقدير قيمة التعويض المستحق عنها.
وإذ ارتأت المدعيات أن كلاً من جهتي القضاء – محكمة النقض ومحكمة القيم – لم تتخل إحداهما عن نظر الطعن المشار إليه، فقد أقمن الدعوى الماثلة بطلب الحكم بتعيين جهة القضاء المختصة بنظر الطعن بالنقض, رقم 2189 لسنة 51 قضائية والمقيد بجدول محكمة القيم برقم 7 لسنة 1 قضائية، وبجدول المحكمة العليا للقيم برقم 8 لسنة 1 قضائية قيم عليا.
وحيث إن مناط قبول دعوى الفصل في تنازع الاختصاص الإيجابي, وفقاً للبند "ثانياً" من المادة 25 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 هو أن تطرح الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتين من جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي, ولا تتخلي إحداهما عن نظرها.
وحيث إن الثابت من الأوراق أن الخصومة الناشئة عن الطعن بالنقض المقيد برقم 2189 لسنة 51 "قضائية" في الحكم الصادر من محكمة استئناف الإسكندرية بتاريخ 27 مايو 1981، هي ذاتها المرددة أمام محكمة القيم والمقيدة بجدولها برقم 142 لسنة 3 قضائية "قيم"، ولا تزال هذه الخصومة قائمة أمام هاتين الجهتين في آن واحد, حيث سبق للمحكمة العليا للقيم أن قضت بتاريخ 13 فبراير سنة 1982 باختصاص محكمة القيم بنظر الدعوى, وبإعادتها إليها للفصل في موضوعها، بينما لم تحدد محكمة النقض بعد جلسة لنظر الطعن, وهو ما يفصح عن تمسك كل من هاتين الجهتين بنظر واقعة النزاع الماثل, وأن مناط قبول الفصل في تنازع الاختصاص الإيجابي قد تحقق في شأنها.
وحيث إن القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 ينص في الفقرة الأولى من المادة السادسة منه على أن "تختص محكمة القيم المنصوص عليها في قانون حماية القيم من العيب الصادر بالقانون رقم 95 لسنة 1980، دون غيرها، بنظر المنازعات المتعلقة بتحديد الأموال وقيمة التعويضات المنصوص عليها في المادة السابقة، وكذلك المنازعات الأخرى المتعلقة بالحراسات التي فرضت قبل العمل بالقانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب أو المترتبة عليها, وتحال إليها المنازعات المطروحة على المحاكم الأخرى بجميع درجاتها, وذلك بقرار من رئيس المحكمة ما لم يكن قد قفل فيها باب المرافعة قبل العمل بأحكام هذا القانون.
وحيث إن هذه المحكمة سبق أن كشفت بقرارها الصادر بتاريخ 12 إبريل سنة 1988 – في طلب التفسير المقيد بجدولها برقم 2 لسنة 5 قضائية، عن المقصود بنص الفقرة الأولى من المادة السادسة من القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981، وذلك بما قررته هذه المحكمة من "أن المنازعات المتعلقة بالحراسات, والتي أحالتها الفقرة الأولى المشار إليها إلى محكمة القيم, لا تشمل الطعون المطروحة أمام محكمة النقض في الأحكام الصادرة في تلك المنازعات". وقد صدر قرارها في هذا الطلب محمولا على نظر حاصلة، أن المنازعات التي تنص الفقرة الأولى سالفة البيان على إحالتها إلى محكمة القيم, هي تلك المنازعات الموضوعية التي تدور حول تقرير الحق أو نفيه, ولا تندرج تحتها خصومة الطعن بالنقض التي تعتبر طريق طعن غير عادي, لا يؤدي إلى طرح ذات الخصومة التي كانت مرددة بين أطرافها أمام محكمة الموضوع, بل إلى طرح خصومة أخرى لها ذاتيتها الخاصة, تدور حول صحة تطبيق القانون على الوقائع التي خلص إليها الحكم المطعون فيه وأثبتها, ولا تستهدف أصلاً إحلال حكم جديد محل الحكم المطعون فيه, بل يقتصر الأمر فيها على أن تبحث محكمة النقض – وفي أحوال محددة على سبيل الحصر – مدة توافق هذا الحكم مع التطبيق الصحيح للقانون. هذا إلى أنه وقد استثنى المشرع من الإحالة إلى محكمة القيم طبقاً لنص الفقرة الأولى من المادة السادسة من القانون المشار إليه، الدعاوى التي قفل فيها باب المرافعة, فإن هذا الاستثناء ينسحب من باب أولى إلى الدعاوى التي تم الفصل فيها بحكم نهائي. ومن جهة أخرى، فإن القول بانصراف اثر الإحالة المنصوص عليها في الفقرة الأولى المذكورة، إلى الطعون المقامة أمام محكمة النقض، مؤداه الحتمي أن تخول محكمة القيم نظر الموضوع من جديد إذا أحيل إليها الطعن بحالته من محكمة النقض. بما ينطوي عليه ذلك من إسقاط للأحكام النهائية التي سبق صدورها في هذا الموضوع، وهو أمر لا يملكه المشرع ولا يتصور أن تكون إرادته قد اتجهت إليه. لخروجه عن حدود ولايته التي بينها الدستور, والتي لا تمتد بحال إلى إهدار الأحكام القضائية – ولو لم تكن نهائية – بإنهاء آثارها القانونية، ذلك أن الدستور كفل – بنص المادة 165 منه – للسلطة القضائية استقلالها في مواجهة السلطتين التشريعية والتنفيذية, وجعل هذا الاستقلال عاصماً من التدخل في أعمالها, أو التأثير في مجرياتها, باعتبار أن شئون العدالة هو مما تستقل به السلطة القضائية، وأن عرقلتها أو إعاقتها, على أي وجه، عدوان على ولايتها الدستورية بنقضها أو بالانتقاص منها. ومن ثم تظل لأحكامها – ولو لم تكن نهائية – حجيتها, وهي حجية لا يستطيع المشرع أن يسقطها على ما سلف البيان. كما أن مجرد الطعن بالنقض في الأحكام النهائية لا ينال منها, ذلك أن هذا الطعن لا يترتب عليه في الأصل إعادة عرض النزاع من جديد على محكمة النقض, ولا يؤثر بذاته في قوة الأمر المقضي التي تحوزها الأحكام النهائية, بل تظل القوة – التي تعلو على اعتبارات النظام العام – ملازمة لها, ولا تزايلها أو تنحسر عنها, إلا بنقض الحكم المطعون فيه.
متى كان ذلك، وكان القرار الصادر عن هذه المحكمة بتفسير نص الفقرة الأولى المشار إليها, قد نشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 14 من أبريل سنة 1988، وكانت قرارات هذه المحكمة في شأن تفسير النصوص التشريعية, سواء في ذلك التي أقرتها السلطة التشريعية, أو التي أصدرها رئيس الجمهورية في شكل قرار بقانون وفقاً لأحكام الدستور, لا تنفصل عن النصوص التي تقوم بتفسيرها, بل تندمج فيها, باعتبارها كاشفة عن المعنى المقصود منها, ومحددة بالتالي لمضموناتها. ومن ثم تأخذ حكمها وتكون لها قوتها. ذلك أن المحكمة الدستورية العليا إنما تتناول النصوص محل التفسير، لتصدر في شأنها تفسيراً تشريعياً ملزماً، يكون بذاته كاشفاً عن المقاصد الحقيقة المبتغاة من وراء تقريرها منظوراً في ذلك – لا إلى الإدارة المتوهمة أو المفترضة للسلطة التي أقرتها أو أصدرتها – بل إلى مقاصدها الحقيقة التي يفترض في هذه النصوص أن تكون معبرة عنها مبلورة لها, محمولة عليها. ولا تعدو مهمة المحكمة في مجال تفسير النصوص التشريعية حد النزول على هذه المقاصد, كي تعكسها هذه النصوص, من خلال المعنى الذي حددته المحكمة نطاقاً لمضمون كلاً منها. وبالتالي لا يعتبر قرار المحكمة الدستورية العليا بتفسير نص تشريعي معين, منشئاً حكماً جديداً, أو مبتدعاً لقاعدة قانونية منقطعة الصلة بمحيطها, بل ملتزماً المقاصد التي توخي المشرع بلوغها من وراء تقريره, كي يحمل النص بعد تفسيره حملاً على المعنى الذي تضمنه قرار التفسير. ومن ثم لا يكون لهذا النص – ومنذ إقراره أو إصداره – وعملاً بالطبيعة الكاشفة لقرار التفسير, غير المعني الذي خلص إليه هذا القرار, ليتقيد الكافة بمقتضاه, ولتنزل عليه كل سلطة في الدولة، إعمالاً لمبدأ خضوع الدولة للقانون، المنصوص عليه في المادة 64 من الدستور، وتطبيقاً للمادة 49 من قانون هذه المحكمة التي تنص على أن قراراتها بالتفسير ملزمة للكافة والدولة سواءً بسواء.
وحيث إن حكم محكمة استئناف الإسكندرية بتاريخ 27 مايو 1981 في الاستئناف رقم 205 لسنة 36 "قضائية" قد صدر في منازعة مترتبة على الحراسات التي فرضتها الدولة قبل العمل بالقانون رقم 34 لسنة 1971 بتنظيم فرض الحراسة وتأمين سلامة الشعب, وهي من المنازعات التي عنتها الفقرة الأولى من المادة السادسة من القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981، وكان الطعن بالنقض رقم 2189 لسنة 51 قضائية, والقيد في الوقت ذاته بجدول محكمة القيم برقم 7 لسنة 1 قضائية, وبجدول المحكمة العليا للقيم برقم 8 لسنة 1 قضائية، ثم أمام محكمة القيم برقم 142 لسنة 3 ق – قد رفع إلى محكمة النقض وظل مطروحاً أمامها إلى أن أدركه القرار بقانون رقم 141 لسنة 1981 المشار إليه, فإن الاختصاص بنظره – وعملاً بالقرار التفسيري المشار إليه – يكون منعقداً لمحكمة النقض دون غيرها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة باختصاص محكمة النقض بنظر الطعن المقيد بجدولها برقم 2189 لسنة 51 "قضائية"، والمقيد بجدول محكمة القيم برقم 7 لسنة 1 قضائية قيم, وبجدول المحكمة العليا للقيم برقم 8 لسنة 1 "قضائية قيم عليا, ثم برقم 142 لسنة 3 "قضائية" قيم.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات