الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 4 لسنة 14 قضائية “تنازع” – جلسة 21 /01 /1995 

المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 934

جلسة 21 يناير سنة 1995

برئاسة السيد المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور عادل عمر شريف – المفوض، وحضور السيد رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.

(القاعدة رقم 21)
القضية رقم 4 لسنة 14 قضائية "تنازع"

1 – دعوى تنازع تنفيذ الأحكام المتناقضة "مفهوم التناقض"
التناقض الذي يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه, هو ذلك الذي يقوم بين حكمين نهائيين صادرين من جهتين قضائيتين مختلفتين, وذلك إذا تعامدا على محل واحد، وتعذر تنفيذهما معاً.
2 – دعوى تنازع تنفيذ الأحكام المتناقضة "أساس فض التناقض بينهما".
لا تفصل المحكمة الدستورية العليا في التناقض المدعي به بين حكمين نهائيين, إلا على ضوء قواعد الاختصاص الولائي التي أرساها المشرع ليحدد بها كل هيئة أو جهة قضائية قسطها من المنازعات التي اختصها بالفصل فيها.
3 – دعوى تنازع تنفيذ الأحكام المتناقضة "عدم تقيدها بميعاد".
لا يتقيد رفع هذه الدعوى إلى المحكمة الدستورية العليا بميعاد محدد, ذلك أن مواعيد السقوط التي يزول بفواتها الحق في الدعوى، لا تفترض.
4 – دعوى تنازع تنفيذ الأحكام المتناقضة "الصعوبة القانونية التي تثيرها".
تثير هذه الدعوى, صعوبة قانونية لا دخل لأطراف الخصومة فيها, ولا يزيلها إلا إعمال القواعد التي ينبغي أن تدار العدالة في نطاقها إدارة فعالة, وتتحصل هذه القواعد – إذا كان التنازع على الاختصاص سلبيا – في أن يكون للخصومة التي تسلب الحكمين المتنازعين من الفصل فيها – قاض يفصل فيها, فإذا كان تنازعهما إيجابياً، وجب ألا يتزاحم حكمان على الفصل في الخصومة القضائية عينها, توقياً لاحتمال تناقضهما.
5 – دعوى تنازع تنفيذ الأحكام المتناقضة "من يملك الحق في رفعها" "عدم جواز إعمال مواعيد الطعن بالنقض في شأنها".
لكل ذي شأن أن يطلب من المحكمة الدستورية العليا, فض النزاع القائم حول التناقض في الحدود التي بينتها المادة 25 من قانونها. لا يجوز إعمال مواعيد الطعن بالنقض في شأن هذا الطلب, لمنافاتها لطبيعة النزاع القائم حول التناقض.
6 – دعوى تنازع تنفيذ الأحكام المتناقضة "الاعتداد في توافر شروط قبولها بوقت رفعها".
الأمر المعول عليه في شأن هذه الدعوى, هو بوقت رفعها إلى المحكمة الدستورية العليا،لا اعتداد بأي إجراء لاحق تتخذه الجهتان القضائيتان المتنازعتان أو إحداهما في شأن النزاع الموضوعي محل التناقض.
7 – دعوى تنازع تنفيذ الأحكام المتناقضة "لا يثير الفصل فيها مسائل أولية".
لا يثير الفصل في النزاع حول التناقضين, مسائل أولية, أو يتصل بها.
8 – وقف تنفيذ أحد الحكمين المدعي تناقضهما أو كليهما "مناط سلطة رئيس المحكمة الدستورية العليا في ذلك".
مناط هذه السلطة, أن يكون التنفيذ ملحقاً بالمصالح التي يدعيها المضرور, مخاطر جسيمة يتعذر تداركها.
9 – طلب وقف تنفيذ أحد الحكمين المدعي تناقضهما أو كليهما "الشروط التي يقوم عليها هذا الطلب".
تقوم هذه الشروط على مخاطر التنفيذ إذا تم بمقتضى حكم يكون اختصاص الجهة القضائية التي صدر عنها, مشكوكاً فيه, وهي تتحصل بوجه عام فيما يأتي:
مدى ملائمة المضي في تنفيذ أحد الحكمين أو كليهما ألا يكون التنفيذ قد اكتملت حلقاته جميعها أو بعضها أن يثبت طالب وقف التنفيذ – ومن وجهة نظر مبدئية – أن شكوكاً تحوم حول اختصاص إحدى الجهتين القضائيتين المتنازعتين أو كلتيهما بالفصل في النزاع أن يكون طلب وقف التنفيذ متوخياً إرجاء أعمال آثار أحد الحكمين أو كليهما ليتراخي التنفيذ مؤقتاً تتداخل في طلب وقف التنفيذ – مع العوامل القانونية – عناصر واقعية.
10 – طلب وقف تنفيذ أحد الحكمين المدعي تناقضهما أو كليهما "ليس شرطاً إفراغ هذا الطلب في صحيفة دعوى التناقض ذاتها".
لا يعتبر هذا الطلب طلباً جديداً, ويجوز بالتالي أن يقدم ابتداء إلى هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا. وهو يكون مقبولاً سواء أفرغ في صحيفة دعوى التناقض ذاتها, أم كان مستقلاً عنها.
11 – طلب وقف تنفيذ أحد الحكمين المدعي تناقضهما أو كليهما "زوال موجبه إذا أصبح النزاع حول التناقض مهيئاً للفصل فيه".
اختصاص رئيس المحكمة الدستورية العليا بوقف التنفيذ, يكون غير ذي موضوع إذا تهيأ النزاع حول التناقض للفصل فيه.
12 – رجال البحر أو البحارة "طبيعة عملهم ونظمهم".
لا تتكافأ المهام التي يتولونها مع غيرهم من العمال البريين بالنظر إلى ارتباطها بسلامة الرحلة البحرية، ومن ثم حرص المشرع على تنظيم أوضاعهم بما يكفل انضباطهم وتأهيلهم تأهيلاً فنياً كافياً.
13 – تشريع – قانون التجارة البحرية "ترتيب أوضاع السلطة التأديبية على البحارة بما يلاءم طبيعة الرحلة البحرية".
حرص قانون التجارة البحرية على أن يكون تأديب البحارة وفقاً لتنظيم خاص يرعى طبيعة الرحلة البحرية, ويردع بالجزاء المخالفين من البحارة لواجباتهم, بما يؤمن وصول السفن إلى وجهتها ويكفل سلامة الأرواح والأموال الموجودة عليها.
14 – تشريع – قانون التجارة البحرية "موازنة السلطة التأديبية التي يملكها مجهز السفينة أو مالكها, قبل الربان وغيره من البحارة, بمسئوليتهم عما يقع منهم من أفعال".
السلطة التأديبية التي يملكها مجهز السفينة أو مالكها قبل ربانها وغيره من البحارة، يقابلها مسئوليتهم عما يقع من هؤلاء من أفعال أثناء تأدية وظائفهم أو بسببها, وكذلك طبيعة الحقوق التي خولها قانون التجارة البحرية للبحارة جميعاً.
15 – تشريع – القانون رقم 167 لسنة 1960 في شأن الأمن والنظام والتأديب في السفن "نطاق سلطة الربان".
خول هذا القانون ربان السفينة – في مواجهة الأشخاص الموجودين بها – السلطة التي يقتضيها ضبط نظامها وسلامتها بما ذلك استعمال القوة عند الاقتضاء.
16 – بحارة السفن "نكولهم عن واجباتهم – أثره".
سلامة السفن بما عليها من الأشخاص والأموال, رهن بالحزم في إدارتها مما استلزم إخضاع البحارة لنظام قانوني صارم يُحملون عليه حملاً, ولا يفرق بين السفن تبعاً لملكيتها، ولا يعتد كذلك بطبيعة العلاقة القانونية التي كان البحار مرتبطاً بها قبل العمل في السفينة.
17 – تشريع "نظام العاملين بالقطاع العام" "عدم سريانه على البحارة".
مناط إعمال الأحكام التي تضمنها التنظيم العام للعاملين بالقطاع العام, هو أن تقع المخالفة التأديبية من عامل بالوحدة الاقتصادية أثناء خدمته فيها أو بسببها. فإذا وقعت المخالفة من بحار أثناء عمله بإحدى السفن التي تحمل جنسية جمهورية مصر العربية, سرت في شأنه أحكام التنظيم الخاص التي بينها أصلاً القرار بقانون رقم 167 لسنة 1960 في شأن الأمن والنظام والتأديب في السفن.
18 – تشريع – قانون التجارة البحرية "عقد العمل البحري – أثره".
نظم قانون التجارة البحرية عقد العمل البحري باعتباره من عقود القانون الخاص، فإذا أخل الربان أو البحارة بواجباتهم الناشئة عن هذا العقد, كان الفصل في النزاع الدائر حولها، مما يدخل في اختصاص جهة القضاء العادي.
1 – إن التناقض الذي يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه وفقاً لنص البند ثالثاً من المادة 25 من قانونها, هو ذلك الذي يقوم بين حكمين نهائيين صادرين من جهتين قضائيتين مختلفتين, إذا كانا متعامدين على محل واحد, وتعذر تنفيذها معاً. فإذا كانا غير متحدين محلاً أو مختلفين نطاقاً, فلا تناقض.
2 – اختصاص المحكمة الدستورية العليا بالفصل في التناقض بين حكمين نهائيين وفقاً للبند ثالثاً من المادة 25 من قانونها, ليس مقرراً لها بوصفها جهة الطعن, تفصل فيما يعرض عليها من الطعون خلال ميعاد محدد بقاعدة آمرة لا تجوز مخالفتها, ذلك أن النزاع الموضوعي لا ينتقل إليها لتجيل بصرها في العناصر التي قام عليها – واقعية كانت أم قانونية – ولكنها – وأياً كانت الأخطاء التي يمكن نسبتها إلى الحكمين المدعي تناقضهما, أو أحدهما – لا تفصل في شأن التناقض بينهما إلا على ضوء قواعد الاختصاص الولائي التي ضبطها المشرع, ليحدد بها لكل هيئة قضائية قسطها أو نصيبها من المنازعات التي اختصها بالفصل فيها, وهي قواعد أرساها المشرع إعمالاً للتفويض المقرر بمقتضى المادة 167 من الدستور التي تنص على أن "يحدد القانون الهيئات القضائية، ويبين اختصاصاتها, وطريقة تشكيلها".
3 – الأصل في المواعيد التي يضربها المشرع لرفع الدعوى أو الطعن, أنها لا تفترض. ذلك أن قوامها قواعد آمرة لا يجوز التحلل منها, وهي بطبيعتها وبالنظر إلى خصائصها، مواعيد سقوط يزول بفواتها الحق في الخصومة أياً كانت المرحلة التي قطعتها. كذلك فإن إعمال المحكمة الدستورية العليا للقواعد المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية في شأن ما يعرض عليها من الدعاوى والطلبات, مشروط بألا يكون قانونها متضمناً لنص خاص يحكمها, وأن يكون تطبيقها في شأنها غير مناقض لطبيعة المسائل التي تدخل في ولايتها, والأوضاع المقررة أمامها.
4 – الأصل في النزاع القائم حول التناقض, هو أن مداره حكمان نهائيان صادران عن جهتين قضائيتين مختلفتين، ويتعذر تنفيذهما معاً، ومن ثم يثير هذا النزاع – بالضرورة – صعوبة قانونية لا دخل لأطراف الخصومة فيها, ولا يزيلها إلا إعمال القواعد التي ينبغي أن تُدار العدالة في نطاقها إدارة فعالة, صوناً لمراميها. وتتحصل هذه القواعد – إذا كان التنازع على الاختصاص سلبياً – في أن يكون لكل خصومة قضائية قاض يكون هو مرجعها, وإليه يعود أمر الفصل فيها. فإذا كان التنازع إيجابياً, تعين ألا تتزاحم جهتان قضائيتان على الفصل في عين الخصومة المرددة أمامها، توقياً لاحتمال تناقض الحكمين الصادرين عنهما فإن وقع هذا التناقض بينهما, وكان تنفيذهما معاً متعذراً, فإن هذين الحكمين يكونان متصادمين في مفهوم أحكام قانون المحكمة الدستورية العليا. وليس أمامها – إذا ما رفع الأمر إليها – إلا أن تتدخل لفض التنازع بين جهتين قضائيتين على الفصل في موضوع واحد, وهو تنازع نجم عن عدوان إحداهما على الولاية التي أثبتها المشرع للأخرى, بما يناقض مبدأ خضوع الدولة للقانون, وينتقض من مهابة الأحكام القضائية واحترامها، ويعرض الحقوق التي تناولتها للضياع.
5 – لكل ذي شأن – وعملاً بالمادة 32 من قانون المحكمة الدستورية العليا – أن يطلب منها فض النزاع القائم حول التناقض في الحدود التي بينتها المادة 25 من قانونها, وإذ كانت الشروط التي تحكم قبول هذا الطلب وفقاً لهذا القانون، لا تقيد رفعه إليها بميعاد محدد, فإن إعمال مواعيد الطعن بالنقض في شأن ذلك الطلب لا يكون محمولاً على سند, وينافي طبيعة النزاع القائم حول التناقض، وكذلك عموم العبارة التي أفرغ المشرع فيها نص المادة 32 السالف بيانها, والتي لا يجوز تخصيصها بغير دليل.
6 – الأمر المعول عليه بشأن دعاوى تنازع الاختصاص أو تناقض الأحكام, هو بوقت رفعها إلى المحكمة الدستورية العليا، ودون ما اعتداد بأي إجراء لاحق تتخذه الجهتان القضائيتان أو إحداهما في شأن النزاع الموضوعي محل التنازع أو التناقض.
7 – ليس ثمة محل طلب وقف الفصل في النزاع الراهن, تربصاً بقضاء المحكمة الإدارية العليا في شأن الطعن المنظور أمامها, ذلك أو وقف الدعوى عملاً بالمادة 129 من قانون المرافعات، يفترض أن يكون الفصل في النزاع حول التناقض, متوقفاً على مسألة أولية يدخل الفصل فيها في اختصاص هيئة قضائية غير المحكمة الدستورية العليا. ولا كذلك الأمر في شأن النزاع حول التناقض، إذ لا يثير الفصل فيه مسائل أوليه, أو يتصل بها.
8 – إن سلطة وقف التنفيذ التي يملكها رئيس المحكمة الدستورية العليا وفقاً لنص الفقرة الثالثة من المادة 32 من قانونها السالف بيانها, مناطها ألا يفيد أحد الحكمين جبراً في مواجهة من يعترض عليه إذا لم يكن – من وجهة مبدئية – أولى بالتنفيذ, وكان من شأنه تنفيذه, أن يلحق بالمصالح التي يدعيها المضرور مخاطر جسيمة يتعذر تداركها. ولا يعدو الأمر الصادر من رئيس المحكمة في هذا الشأن – وهو أمر لا يجوز الطعن فيه – أن يكون إجراء وقتياً Interum measure، فلا يجوز النظر إليه باعتباره محدداً أو مرشحاً لقضاء المحكمة الدستورية العليا الفاصل في النزاع حول التناقض. وإن ظل هذا الأمر – طوال فترة نفاذه – مانعاً من القيام بأي عمل يناقض فحواه, أو يقيد مداه.
9 – الاعتبار الملحوظ في الأمر الصادر عن رئيس المحكمة الدستورية العليا – بوقف تنفيذ أحد الحكمين المدعي تناقضهما أو كليهما – أن الشروط التي يرتبط بها إصدار هذا الأمر, أقل صرامة من تلك التي يتطلبها قانون المحكمة الدستورية العليا في مجال فصلها في النزاع حول التناقض, بل هي تغايرها بوجه خاص، من زوايا خمس:
أولاها: أن السلطة التي يملكها رئيس المحكمة الدستورية العليا عند إصدار الأمر, لا تحكمها ضوابط جامدة, نص عليها المشرع وحددها تفصيلاً، بل مناط إعمالها ما يتوافر من الدلائل لديه على ملائمة المضي في تنفيذ أحد
الحكمين المدعي تناقضهما أو كليهما. ومن ثم يكون معيار تطبيقها مرناً لا متزمتاً. ثانيتها: أن الأمر الصادر عنه – باعتباره إجراء وقتياً يتوخى صون الحقوق المتنازع عليها على ضوء ظاهر الأمر فيها – لا يتصور أن يكون متراخياً، كي لا تتعرض للضياع الحقوق التي يمكن أن تهددها مخاطر التنفيذ, فيما لو اكتملت حلقاته جميعاً، أو كان التنفيذ قد امتد لبعض جوانبها. ثالثتهما: أن صدور الأمر لا يقتضي ممن يطلبه، أن يبرهن على أن الاختصاص الولائي لأحد الحكمين المقول بتناقضهما منتحل بما لا شبهة فيه, وأن انتفاءه بالتالي مقطوع به. بل يكفيه أن يبين من وجهة نظر أوليه prima facie، أن شكوكاً لها وزنها تحوم حول هذا الاختصاص. رابعتهما: أن طلب وقف تنفيذ أحد الحكمين، فرع من أصل النزاع حول فض التناقض بينهما, ذلك أن أولهما يتوخى إرجاء إعمال آثار أحدهما ليتراخى التنفيذ مؤقتاً، حال أن ثانيهما يتغيا تعطيل إنفاذه بصفة باتة لا رجوع فيها. خامستهما: إذ يقرر رئيس المحكمة الدستورية العليا إصدار الأمر وفقاً لنص الفقرة الثالثة من المادة 32 من قانونها، فإن تقديره تتداخل فيه مع العناصر القانونية، عوامل واقعية لها شأنها, من بينها تلك الآثار التي يمكن أن تنجم عن تنفيذ أحد الحكمين المدعي تعارضهما أو كليهما. وعلى خلاف ذلك, قضاء المحكمة الدستورية العليا في شأن تعيين أولاهما بالتنفيذ, إذ لا يتصور أن يُحمل قضاؤها في هذا الشأن إلا على عناصر قانونية بحته, قوامها أن الحكم الأحق بالتنفيذ, هو ذلك الذي يصدر عن جهة قضاء اختصها المشرع دون غيرها بالفصل في النزاع الموضوعي.
10 – متى كان طلب وقف تنفيذ أحد الحكمين المتناقضين أو كليهما – على ما تقدم – فرع من أصل النزاع حول فض التناقض بينهما, فإن الفصل في هذا التناقض، يتناول طلب وقف التنفيذ المتفرع عنه, دون أن يعتبر إبداء هذا الطلب مباشرة أمام هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا، طلباً جديداً مخالفاً للأوضاع التي نص عليها قانونها، وذلك سواء أفرغ هذا الطلب في صحيفة دعوى التناقض ذاتها, أم كان مستقلاً عنها, غير مندرج فيها.
11 – إذا كان النزاع الأصلي حول التناقض – الذي تفرع عنه طلب وقف تنفيذ أحد الحكمين المتناقضين أو كليهما – قد تهيأ للفصل فيه, فإن مباشرة رئيس المحكمة الدستورية العليا اختصاص البت في هذا الطلب الفرعي, يكون قد صار غير ذي موضوع.
12 – من المقرر أن رجال البحر أو البحارة، إنما يقومون لقاء أجر بعمل يتصل بإدارة السفن التي يعملون عليها وملاحتها, وهم يمثلون طاقمها. ولا تتكافأ المهام التي يتولونها مع غيرهم من العمال البريين, وذلك بالنظر إلى دقتها وخطورتها وتكاملها تبعاً لاتصالها بالرحلة البحرية, وارتباطها بضمان سلامتها من المخاطر التي تهددها، وهي مخاطر لا تؤمن عواقبها، وغالباً ما تؤول إلى حوادث بحرية يكون تحمل تبعاتها أمراً مرهقاً. وقد يكون من شأنها غرق السفن ذاتها, أو تعييبها، أو تأخر وصول حمولاتها، أو إتلافها أو إعدامها.
وكان على المشرع بالتالي, أن يتدخل لتنظيم أوضاع العاملين فيها, وأن يعدل فيها بما يلاءم روح العصر، ويكون كافلاً لانضباطها, وضمان طاعتهم لأوامر رؤسائهم، وعدم الإعراض عنها, أو التراخي في الانصياع لها, ولم يعد مبدأ الحرية التعاقدية – في إطار هذا التنظيم – مهيمناً على الآثار القانونية التي ترتبها عقود علمهم، ولا محيطاً بها, بل صار تنظيم الحقوق التي يتمتعون بها، وما يقابلها من القيود المحددة لواجباتهم, أمراً ضرورياً ولازماً. وآل أمر الرحلة البحرية كذلك على إعلاء متطلباتها, والنزول على الحقائق الاقتصادية والعملية التي تتصل بتسييرها, وضرورة ضبطها بمقاييس صارمة لا ترخص فيها, لتكون إدارتها عملاً مهنياً يقتضي من القائمين عليها, تلك الخبرة العريضة التي تشهد بالتمرس في فنونها، والتعمق في مهاراتها.
ومن ثم حرص المشرع على ضمان تأهيل المسئولين عنها تأهيلاً فنياً كافياً, فأصدر القانون رقم 38 لسنة 1982 في شأن المؤهلات, وإعداد الربابنة وضباط الملاحة والمهندسين البحريين, ليكون مفصلاً للشهادات البحرية اللازمة لحسن إدارة السفينة, والسيطرة على آلاتها وصيانتها, آخذاً في الاعتبار نوع السفينة وحمولتها، وقدرة محركاتها، وطبيعة رحلتها، ومداها.
13 – إذ نصت المادة الأولى من قانون إصدار قانون التجارة البحرية الصادر بالقانون رقم 8 لسنة 1990, على أن يعمل بالأحكام التي تضمنها بما لا يخل بالقوانين الخاصة, وكانت المادتان 3 و9 من قانون التجارة البحرية, قد عهدتا إلى هذه القوانين – في مجال تطبيقها على السفن التي تحمل علم جمهورية مصر العربية – بتنظيم بعض المسائل لضمان مرونتها, وضرورة مواكبتها للتقدم في فنون الملاحة وإدارتها, كتلك المتعلقة بتسجيل السفن والرقابة عليها, وصون سلامتها وتحديد الوثائق التي يجب أن تحملها. وكذلك تلك التي يكون موضوعها كافلاً لصون النظام على السفن وتأديب المعاملين فيها, مع خضوعهم – فيما يقع منهم من الجرائم على ظهرها – للقوانين الجزائية المصرية دون غيرها، وكان ما تغياه قانون التجارة البحرية في مجال السلطة التأديبية – ترتيباً لأوضاعها من خلال التنظيم الخاص لموضوعها – هو أن يكون هذا التنظيم – بأبعاده – موائماً لطبيعة الرحلة البحرية، ورادعاً كافياً يؤمن وصول السفن إلى جهتها ويرعى سلامتها, فإن هذا التنظيم يكون مُقيداً لكل النظم المعمول بها – بوجه عام – في شأن العاملين المدنيين بالدولة، أو بوحداتها الاقتصادية.
14 – السلطة التأديبية التي يملكها مجهز السفينة أو مالكها، قبل الربان وغيره من البحارة، باعثها فرض النظام عليها لتأمين الرحلة البحرية, ودرء المخاطر عنها, وضمان بلوغها لأهدافها من خلال محاسبة المسئولين عن إدارتها, إلا أن هذه السلطة التأديبية، تقابلها وتوازنها, مسئولية من يمارسونها, عما يقع من الربان أو البحارة من أفعال أثناء تأدية وظائفهم أو بسببها [مادة 80 من قانون التجارة البحرية] ويقتضيها كذلك طبيعة الحقوق التي كفلها المشرع لهؤلاء، حين أعتبر الديون الناشئة عن عقد عمل الربان, أو البحارة حقوقاً ممتازة لا تخضع في إثباتها لشرط خاص ولا في نشوئها لشكلية أياً كان نوعها [المادتان 29, 30 من قانون التجارة البحرية]، وتوجبها من ناحية ثالثة, ضرورة مواجهة مخالفاتهم بالحزم والصرامة اللازمتين لقمعها أو توقيها, باعتبار أن التهاون في محاسبتهم عنها يحمل أخطر النذر, وأبعدها أثراً على سلامة السفن وركابها والبضائع التي تحملها. ومن ثم كان أمراً محتوماً إفراد مساءلتهم تأديبياً بتنظيم خاص يستقل – بذاتيته – عن النظم المعمول بها في شأن العاملين بالدولة أو بالقطاع العام.
15 – خولت المادة الأولى من القانون رقم 167 لسنة 1960 في شأن الأمن والنظام والتأديب في السفن, ربان السفينة – في مواجهة الأشخاص الموجودين بها – السلطة التي يقتضيها ضبط نظامها وأمنها وسلامة الرحلة البحرية, مستعيناً في ذلك بالقوة اللازمة عند الاقتضاء.
16 – نكول بحارة السفن عن واجباتهم، أو التقصير فيها، كالتراخي في خدمتها أو حراستها, أو إتيانهم عملاً يعد تحدياً لربانها, أو عصياناً لأوامره, أو تمرداً على سلطته, أو عرَاكهم فيما بينهم, أو إتلافهم لأدواتها, أو مغادرتها دون إذن من ربانها, أو تخلي ربانها عن قيادتها قبل وصولها إلى مكان, أو مرفأ مأمون، أو إخلالهم بوجه عام بأصول الملاحة البحرية وأعرافها، إنما يشكل ذنباً مؤاخذاً عليه قانوناً, ويناقض حقيقة، أن سلامة السفن بما عليها من الأنفس والأموال, رهن بالحزم في إدارتها, ويرتبط لزوماً بحسن أداء طاقهما لالتزاماتهم بما يحول دون غرقها أو تعويمها أو جنوحها, أو هجرها، أو الإضرار بشحنتها, أو الأشياء الموجودة عليها، إلى غير ذلك من المخاطر التي قد تنجم عن أخطائهم، سواء وقعت أثناء وجودها في عُرض البحر, أو عند اقترابها من المواني البحرية, أو مغادرتها لها, أو رسوها فيها, أو خلال اجتيازها الممرات البحرية, أو مواجهتها عوائق ملاحية من نوع خاص, مما يستلزم نظاماً قانونيا صارماً يحملون عليه حملاً يكفل حُسن استغلالها, ولا يفرق بين السفن تبعاً لملكيتها، ولا يعتد كذلك بطبيعة العلاقة القانونية التي كان البحار مرتبطاً بها, قبل تعلق عمله بخدمتها.
17 – لئن كان نظام العاملين بالقطاع العام الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1978, قد حدد الأعمال التي حظرها عليهم، وبين واجباتهم، وأفرد لممارساتهم نظاماً تأديبياً قصره عليهم بالفصل الحادي عشر منه, إلا أن مناط إعمال الأحكام التي تضمنها التنظيم العام, أن تقع المخالفة التأديبية المدعي بها من عامل بالوحدة الاقتصادية أثناء خدمته فيها، أو بسببها, فإذا كان قد ارتكبها باعتباره من البحارة الذين يعملون في إحدى السفن التي تحمل جنسية جمهورية مصر العربية، فإن الأحكام التي تضمنها التنظيم الخاص – والتي بينها أصلاً القرار بقانون رقم 167 لسنة 1960 المشار إليه – هي وحدها التي يمكن تطبيقها بالنسبة إليه. ذلك أن التنظيم الخاص يمتد نطاقاً إلى المسائل التي يحكمها، منحياً بذلك التنظيم العام, باعتبار أن الخاص يقيد العام.
18 – البين من أحكام المواد 113 و136 من قانون التجارة البحرية, أنها تنظم عقد العمل البحري باعتباره من عقود القانون الخاص, وكان إخلال الربان, أو البحارة بواجباتهم الناشئة عن هذا العقد – كذلك التي ثار بشأنها النزاع الموضوعي – مما يدخل أصلاً في ولاية جهة القضاء العادي, فإن الحكم الأولى بالتنفيذ يكون هو الحكم الصادر عن هذه الجهة دون غيرها.


الإجراءات

بتاريخ التاسع من يونيو سنة 1992 أودع المدعي قلم كتاب المحكمة صحيفة الدعوى الماثلة طالباً الحكم "بعدم اختصاص المحكمة التأديبية بالإسكندرية بالفصل في المنازعات المتعلقة بالعاملين في البحر، وما يترتب على ذلك من آثار".
وتقدم المدعي عليه بمذكرة دفع فيها بسقوط حق المدعي في إقامة هذه الدعوى، وبعدم قبولها لرفعها قبل الأوان, واحتياطياً الحكم برفضها.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي عليه, كان يعمل بإحدى السفن التي تملكها الشركة المدعية. ثم اختلف مع ربانها أثناء رحلتها البحرية, وتطور الأمر بينهما إلى مشادة مع تبادل الاعتداء, مما حمل الشركة المدعية على فصلهما من خدمتها, فأقام المدعي عليه ضدها, دعواه رقم 743 لسنة 1990 التي نعي فيها على قرار الفصل – وأمام محكمة الإسكندرية الابتدائية – مخالفة للقانون, مما يستوجب إعادته إلى الخدمة، وإلزام الشركة أن تؤدي إليه متجمد راتبه وبدلاته ومكافآته, إلا أن محكمة الإسكندرية الابتدائية – التي تأيد حكمها استئنافياً – ألزمت الشركة بأن تؤدي له مبلغ ثلاثمائة وواحد وعشرين جنيهاً وستين قرشاً, ورفضت ما عدا ذلك من الطلبات.
ومن جهة أخرى، كان المدعي عليه قد طعن في القرار الصادر من الشركة بفصله من خدمتها, وذلك بالدعوى رقم 565 لسنة 32 قضائية أمام المحكمة التأديبية بالإسكندرية, التي قضت برفض الدفع المبدى من الشركة بعدم اختصاصها ولائياً بالفصل في النزاع المعروض عليها، وباختصاصها بنظره, وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه, فيما تضمنه من فصل المدعي من خدمة الشركة.
وإذ تراءى للشركة أن ثمة تناقضاً بين حكمين أولهما: الصادر من جهة القضاء العادي بصحة قرار الفصل من الخدمة، ورفض طلب اعتباره كأن لم يكن، وثانيهما: ذلك الصادر عن جهة القضاء الإداري بعدم مشروعية هذا القرار، فقد أقامت الدعوى الماثلة بطلب فض التناقض بين هذين الحكمين.
وحيث إن التناقض الذي يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه وفقاً لنص البند ثالثاً من المادة 25 من قانونها, هو ذلك الذي يقوم بين حكمين نهائيين صادرين من جهتين قضائيتين مختلفتين, إذا كانا متعامدين على محل واحد, وتعذر تنفيذها معاً, فإذا كانا غير متحدين محلاً أو مختلفين نطاقاً, فلا تناقض.
وحيث إن وحدة الموضوع التي تعلق بها الحكمان النهائيان المدعي تناقضهما، تتحصل في انضبابهما على محل واحد, ممثلاً فيما تضمنه القرار الصادر عن المدعية من إنهاء خدمة المدعي عليه بها, ذلك أن الحكم الصادر من المحكمة الابتدائية – المؤيد استئنافياً – اعتد بالقرار الصادر عن المدعية، والمتضمن مجازاة المدعي عليه بإنهاء خدمته بها, قولاً من منها بأن هذا القرار لا يتصل بمباشرة العامل لنشاط نقابي، ولا يعدو بالتالي أن يكون إنهاء فورياً لعقد العمل المبرم بينهما. فضلاً عن أن حقوق العامل في شأن هذا القرار – إذا ما كان تعسفياً – لا تزيد على مقابل مهلة الإخطار, والحق في التعويض عن الأضرار التي أحدثها, إن كان لذلك مقتض. وعلى خلاف ذلك, خلص قضاء المحكمة التأديبية في ذات النزاع, إلى رفض الدفع بعدم اختصاصها ولائياً بنظره, وباختصاصها بالفصل فيه، وإلغاء القرار المطعون فيه.
وحيث إنه متى كان ذلك, وكان الحكم الصادر من المحكمة التأديبية يعتبر نهائياً عملاً بالمادة 22 من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972, وكان الحكمان المدعي تناقضهما, يتعذر تنفيذهما معاً، باعتبار أن أولهما أعتد بقرار إنهاء خدمة المدعي عليه, بينما قضى ثانيهما بعدم مشروعية هذا القرار, فإن مناط الفصل في النزاع القائم حول تناقضهما يكون متحققاً.
وحيث إن المدعي عليه, دفع بسقوط حق الشركة المدعية في إقامة دعوى التناقض تأسيساً على تفويتها الميعاد المقرر بقانون المرافعات للطعن بالنقض ومقداره ستون يوماً, ذلك أن قانون المحكمة الدستورية العليا، يحيل إلى قانون المرافعات، فيما لم يرد بشأنه نص خاص, ومن ثم يكن لازماً إعمال مواعيد الطعن بالنقض التي نص عليها هذا القانون.
وحيث إن اختصاص المحكمة الدستورية العليا بالفصل في التناقض بين حكمين نهائيين وفقاً للبند ثالثاً من المادة 25 من قانونها, ليس مقرراً لها بوصفها جهة الطعن, تفصل فيما يعرض عليها من الطعون خلال ميعاد محدد بقاعدة آمرة لا تجوز مخالفتها, ذلك أن النزاع الموضوعي لا ينتقل إليها لتجيل بصرها في العناصر التي قام عليها – واقعية كانت أم قانونية – ولكنها – وأياً كانت الأخطاء التي يمكن نسبتها إلى الحكمين المدعي تناقضهما, أو أحدهما – لا تفصل في شأن التناقض بينهما إلا على ضوء قواعد الاختصاص الولائي التي ضبطها المشرع, ليحدد بها لكل هيئة قضائية قسطها أو نصيبها من المنازعات التي اختصها بالفصل فيها, وهي قواعد أرساها المشرع إعمالاً للتفويض المقرر بمقتضى المادة 167 من الدستور التي تنص على أن "يحدد القانون الهيئات القضائية، ويبين اختصاصاتها, وطريقة تشكيلها".
وحيث إنه فضلاً عما تقدم, فإن الأصل في المواعيد التي يضربها المشرع لرفع الدعوى أو الطعن, إنها لا تفترض. ذلك أن قوامها قواعد آمرة لا يجوز التحلل منها, وهي بطبيعتها وبالنظر إلى خصائصها، مواعيد سقوط يزول بفواتها الحق في الخصومة، أياً كانت المرحلة التي قطعتها. كذلك فإن إعمال المحكمة الدستورية العليا للقواعد المنصوص عليها في قانون المرافعات المدنية والتجارية في شأن ما يعرض عليها من الدعاوى والطلبات, مشروط بألا يكون قانونها متضمناً لنص خاص يحكمها, وأن يكون تطبيقها في شأنها غير مناقض لطبيعة المسائل التي تدخل في ولايتها, والأوضاع المقررة أمامها.
وحيث إنه متى كان ما تقدم, وكان الأصل في النزاع القائم حول التناقض, هو أن مداره حكمان نهائيان صادران عن جهتين قضائيتين مختلفتين، ويتعذر تنفيذهما معاً، فإن هذا النزاع يثير بالضرورة صعوبة قانونية لا دخل لأطراف الخصومة فيها, ولا يزيلها إلا إعمال القواعد التي ينبغي أن تُدار العدالة في نطاقها إدارة فعالة, صوناً لمراميها. وتتحصل هذه القواعد – إذا كان التنازع على الاختصاص سلبياً – في أن يكون لكل خصومة قضائية قاض يكون هو مرجعها, وإليه يعود أمر الفصل فيها. فإذا كان التنازع إيجابياً, تعين ألا تتزاحم جهتان قضائيتان على الفصل في عين الخصومة المرددة أمامها توقياً لاحتمال تناقض الحكمين الصادرين عنهما. فإن وقع هذا التناقض بينهما, وكان تنفيذهما معاً متعذراً, فإن هذين الحكمين يكونان متصادمين في مفهوم أحكام قانون المحكمة الدستورية العليا. وليس أمامها – إذا ما رفع الأمر إليها – إلا أن تتدخل لفض هذه الصعوبة التي أثارها تنازع جهتين قضائيتين على الفصل في موضوع واحد, وهي صعوبة مردها عدوان إحداهما على الولاية التي أثبتها المشرع للأخرى, بما يناقض مبدأ خضوع الدولة للقانون, وينتقض من مهابة الأحكام القضائية واحترامها، ويعرض الحقوق التي تناولتها للضياع.
وحيث إنه متى كان ذلك, وكانت المادة 32 من قانون المحكمة الدستورية العليا تخول كل ذي شأن أن يطلب منها فض النزاع القائم حول التناقض في الحدود التي بينتها المادة 25 من قانونها, وكانت الشروط التي تحكم قبول هذا الطلب، لا تُقيد رفعه إليها بميعاد محدد, فإن إعمال مواعيد الطعن بالنقض في شأن هذا الطلب، لا يكون محمولاً على سند, وينافي طبيعة النزاع القائم حول التناقض، وكذلك عموم العبارة التي أفرغ المشرع فيها نص المادة 32 السالف بيانها, والتي لا يجوز تخصيصها بغير دليل.
وحيث إن المدعي عليه, دفع الدعوى الماثلة بعدم قبولها لرفعها قبل الأوان, بمقولة: إن حكم المحكمة التأديبية مطعون فيه أمام المحكمة الإدارية العليا بالطعن رقم 1432 لسنة 38 قضائية, وإذ كان هذا الطعن لا زال منظوراً أمامها, فإن الدعوى الماثلة تكون قد أقيمت قبل الأوان. كذلك طلب المدعي عليه أن تأمر المحكمة الدستورية العليا بوقف الفصل في النزاع حول التناقض عملاً بالمادة 129 من قانون المرافعات.
وحيث إن هذا الدفع مردود بما استقر عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا، من أن الأمر المعول عليه بشأن دعاوى تنازع الاختصاص أو تناقض الأحكام, هو بوقت رفعها إلى المحكمة الدستورية العليا، ودون ما اعتداد بأي إجراء لاحق تتخذه الجهتان القضائيتان أو إحداهما في شأن النزاع الموضوعي محل التنازع أو التناقض. كذلك ليس ثمة محل طلب وقف الفصل في النزاع الراهن تربصاً بقضاء المحكمة الإدارية العليا في شأن الطعن المنظور أمامها. ذلك أن وقف الدعوى عملاً بالمادة 129 من قانون المرافعات، يفترض أن يكون الفصل في النزاع حول التناقض, متوقفاً على مسألة أولية يدخل الفصل فيها في اختصاص هيئة قضائية غير المحكمة الدستورية العليا. ولا كذلك الأمر في شأن النزاع حول التناقض، إذ لا يثير الفصل فيه مسائل أوليه, أو يتصل بها.
وحيث إن الشركة المدعية – وأثناء تحضير دعواها الماثلة أمام هيئة المفوضين – تقدمت بمذكرة إلى هذه الهيئة صدرتها بطلبها وقف تنفيذ الحكم الصادر من المحكمة التأديبية, وذلك ارتكاناً منها على نص الفقرة الثالثة من المادة 32 من قانون المحكمة الدستورية العليا التي تخول رئيسها – وبناء على طلب ذوي الشأن – أن يأمر بوقف تنفيذ أحد الحكمين المدعي تناقضهما أو كليهما حتى الفصل في النزاع.
وحيث إن سلطة وقف التنفيذ التي يملكها رئيس المحكمة الدستورية العليا وفقاً لنص الفقرة الثالثة من المادة 32 من قانونها السالف بيانها, مناطها ألا يفيد أحد الحكمين جبراً في مواجهة من يعترض عليه إذا لم يكن من جهة مبدئية أولى بالتنفيذ, وكان من شأنه تنفيذه, أن يلحق بالمصالح التي يدعيها المضرور مخاطر جسيمة يتعذر تداركها. ولا يعدو الأمر الصادر من رئيس المحكمة في هذا الشأن – وهو أمر لا يجوز الطعن فيه – أن يكون إجراءً وقتياً Interum measure، فلا يجوز النظر إليه باعتباره محدداً أو مرشحاً لقضاء المحكمة الدستورية العليا الفاصل في النزاع حول التناقض, وإن ظل هذا الأمر – طوال فترة نفاذه – مانعاً من القيام بأي عمل يناقض فحواه, أو يقيد مداه.
وحيث إن الاعتبار الملحوظ في الأمر، هو أن الشروط التي يرتبط بها إصداره، أقل صرامة من تلك التي يتطلبها قانون المحكمة الدستورية العليا في مجال فصلها في النزاع حول التناقض, بل هي تغايرها بوجه خاص من زوايا خمس: أولها: أن السلطة التي يملكها رئيس المحكمة الدستورية العليا عند إصدار الأمر, لا تحكمها ضوابط جامدة, نص عليها المشرع وحددها تفصيلاً، بل مناط إعمالها ما يتوافر من الدلائل لديه على ملائمة المضي في تنفيذ أحد الحكمين المدعي تناقضهما أو كليهما. ومن ثم يكون معيار تطبيقها مرناً لا متزمتاً. ثانيها: أن الأمر الصادر عنه – باعتباره إجراءً وقتياً يتوخى صون الحقوق المتنازع عليها على ضوء ظاهر الأمر فيها – لا يتصور أن يكون متراخياً، كي لا تتعرض للضياع الحقوق التي يمكن أن تهددها مخاطر التنفيذ, فيما لو اكتملت حلقاته جميعاً، أو كان التنفيذ قد امتد لبعض جوانبها. ثالثتهما: أن صدور الأمر لا يقتضي ممن يطلبه، أن يبرهن على أن الاختصاص الولائي لأحد الحكمين المقول بتناقضهما منتحل بما لا شبهة فيه, وأن انتفاءه بالتالي مقطوع به. بل يكفيه أن يبين من وجهة نظر أوليه prima facie، أن شكوكاً لها وزنها تحوم حول هذا الاختصاص، لا يحتمل معها ثبوته. رابعهما: أن طلب وقف تنفيذ أحد الحكمين، فرع من أصل النزاع حول فض التناقض بينهما, ذلك أن أولهما يتوخى إرجاء إعمال آثار أحدهما بصفة مؤقتة، حال أن ثانيهما يتغيا تنحية إنفاذه بصفة باتة لا رجوع فيها. خامستهما: إذ يقرر رئيس المحكمة الدستورية العليا إصدار الأمر وفقاً لنص الفقرة الثالثة من المادة 32 من قانونها، فإن تقديره تتداخل فيه مع العناصر القانونية، عوامل واقعية لها شأنها من بينها تلك الآثار التي يمكن أن تنجم عن تنفيذ أحد الحكمين المدعي تعارضهما أو كليهما. وعلى خلاف ذلك قضاء المحكمة الدستورية العليا في شأن تعيين أولاهما بالتنفيذ, إذ لا يتصور أن يُحمل قضاؤها في هذا الشأن، إلا على عناصر قانونية بحته, قوامها أن الحكم الأحق بالتنفيذ, هو ذلك الذي يصدر عن جهة قضاء اختصها المشرع دون غيرها بالفصل في النزاع الموضوعي.
وحيث إنه متى كان ذلك, وكان طلب وقف تنفيذ أحد الحكمين المتناقضين أو كليهما – على ما تقدم – فرع من أصل النزاع حول فض التناقض بينهما, فإن الفصل في هذا التناقض، يتناول طلب وقف التنفيذ المتفرع عنه, دون أن يعتبر إبداء هذا الطلب مباشرة أمام هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا، طلباً جديداً مخالفاً للأوضاع التي نص عليها قانونها، وذلك سواء أفرغ هذا الطلب في صحيفة دعوى التناقض ذاتها, أم كان مستقلاً عنها, غير مندرج فيها.
وحيث إن النزاع الأصلي حول التناقض – الذي يتفرع عنه طلب وقف تنفيذ أحد الحكمين المتناقضين أو كليهما – قد تهيأ للفصل فيه, فإن مباشرة رئيس المحكمة الدستورية العليا اختصاص البت في هذا الطلب الفرعي, يكون قد صار غير ذي موضوع.
وحيث إن رجال البحر أو البحارة، إنما يقومون لقاء أجر بعمل يتصل بإدارة السفن التي يعملون عليها وملاحتها, وهم يمثلون طاقمها. ولا تتكافأ المهام التي يتولونها مع غيرهم من العمال البريين, وذلك بالنظر إلى دقتها وخطورتها وتكاملها تبعاً لاتصالها بالرحلة البحرية, وارتباطها بضمان سلامتها من المخاطر التي تهددها، وهي مخاطر لا تؤمن عواقبها، وغالباً ما تؤول إلى حوادث بحرية يكون تحمل تبعاتها أمراً مرهقاً. وقد يكون من شأنها غرق السفن ذاتها, أو تعييبها، أو تأخر وصول حمولاتها، أو إتلافها أو إعدامها.
فكان على المشرع بالتالي أن يتدخل لتنظيم أوضاع العاملين فيها وأن يعدل فيها بما يلاءم روح العصر، ويكون كافلاً لانضباطها, وضمان طاعتهم لأوامر رؤسائهم، وعدم الإعراض عنها, أو التراخي في الانصياع لها. ولم يعد مبدأ الحرية التعاقدية – في إطار هذا التنظيم – مهيمناً على الآثار القانونية التي ترتبها عقود علمهم، ولا محيطاً بها, بل صار تنظيم الحقوق التي يتمتعون بها، وما يقابلها من القيود المحددة لواجباتهم, أمراً ضرورياً ولازماً. وآل أمر الرحلة البحرية كذلك على إعلاء متطلباتها, والنزول على الحقائق الاقتصادية والعملية التي تتصل بتسييرها, وضرورة ضبطها بمقاييس صارمة لا ترخص فيها, لتكون إدارتها عملاً مهنياً، يقتضي من القائمين عليها, تلك الخبرة العريضة التي تشهد بالتمرس في فنونها، والتعمق في مهاراتها.
ومن ثم حرص المشرع على ضمان تأهيل المسئولين عنها تأهيلاً فنياً كافياً, فأصدر القانون رقم 38 لسنة 1982 في شأن المؤهلات, وإعداد الربابنة وضباط الملاحة والمهندسين البحريين, ليكون مفصلاً للشهادات البحرية اللازمة لحسن إدارة السفينة, والسيطرة على آلامها وصيانتها, آخذاً في الاعتبار نوع السفينة وحمولتها، وقدرة محركاتها، وطبيعة رحلتها، ومداها.
وحيث إن قانون التجارة البحرية الصادر بالقانون رقم 8 لسنة 1990, قد نص في المادة الأولى من قانون إصداره، على أن يعمل بالأحكام التي تضمنها بما لا يخل بالقوانين الخاصة, وكانت المادتان 3 و9 من قانون التجارة البحرية, قد عهدتا إلى هذه القوانين – في مجال تطبيقها على السفن التي تحمل علم جمهورية مصر العربية – بتنظيم بعض المسائل لضمان مرونتها, وضرورة مواكبتها للتقدم في فنون الملاحة وإدارتها, كلتك المتعلقة بتسجيل السفن والرقابة عليها, وصون سلامتها وتحديد الوثائق التي يجب أن تحملها. وكذلك تلك التي يكون موضوعها كافلاً لصون النظام على السفن وتأديب العاملين فيها, مع خضوعهم – فيما يقع منهم من الجرائم على ظهرها – للقوانين الجزائية المصرية دون غيرها، وكان ما تغياه قانون التجارة البحرية في مجال السلطة التأديبية – ترتيبا لأوضاعها من خلال التنظيم الخاص لموضوعها – هو أن يكون هذا التنظيم – بأبعاده – موائماً لطبيعة الرحلة البحرية، ورادعاً كافياً يؤمن وصول السفن إلى وجهتها، ويرعى سلامتها, فإن هذا التنظيم يكون مُقيداً لكل النظم المعمول بها – بوجه عام – في شأن العاملين المدنيين بالدولة, أو بوحداتها الاقتصادية.
وحيث إن السلطة التأديبية التي يملكها مجهز السفينة، أو مالكها، قبل الربان وغيره من البحارة، باعثها فرض النظام عليها لتأمين الرحلة البحرية, ودرء المخاطر عنها, وضمان بلوغها لأهدافها من خلال محاسبة المسئولين عن إدارتها, إلا أن هذه السلطة التأديبية، تقابلها مسئولية من يمارسونها, عما يقع من الربان أو البحارة من أفعال أثناء تأدية وظائفهم أو بسببها [مادة 80 من قانون التجارة البحرية] ويقتضيها كذلك طبيعة الحقوق التي كفلها المشرع لهؤلاء، حين أعتبر الديون الناشئة عن عقد عمل الربان, أو البحارة حقوقاً ممتازة لا تخضع في إثباتها لشرط خاص ولا في نشوئها لشكلية أياً كان نوعها [المادتان 29, 30 من قانون التجارة البحرية] وتوجبها من ناحية ثالثة, ضرورة مواجهة مخالفاتهم بالحزم والصرامة اللازمين لقمعها أو توقيها, باعتبار أن التهاون في محاسبتهم عنها يحمل أخطر النذر, وأبعدها أثراً على سلامة السفن وركابها، والبضائع التي تحملها. ومن ثم كان أمراً محتوماً إفراد مساءلتهم تأديبياً بتنظيم خاص يستقل – بذاتيته – عن النظم المعمول بها في شأن العاملين بالدولة أو بالقطاع العام.
وحيث إن المادة الأولى من القانون رقم 167 لسنة 1960 في شأن الأمن والنظام والتأديب في السفن, قد خولت ربان السفينة – في مواجهة الأشخاص الموجودين بها – السلطة التي يقتضيها ضبط نظامها وأمنها وسلامة الرحلة البحرية, مستعيناً في ذلك بالقوة اللازمة عند الاقتضاء.
وحيث إن نكول بحارة السفن عن واجباتهم، أو التقصير فيها، كالتراخي في خدمتها أو حراستها, أو إتيانهم عملاً يعّد تحدياً لربانها, أو عصياناً لأوامره, أو تمرداً على سلطته, أو عِرَاكهم فيما بينهم, أو إتلافهم لأدواتها, أو مغادرتها دون إذن من ربانها, أو تخلي ربانها عن قيادتها قبل وصولها إلى مكان, أو مرفأ مأمون، أو إخلالهم بوجه عام بأصول الملاحة البحرية وأعرافها، إنما يشكل ذنباً مؤاخذاً عليه قانوناً, ويناقض حقيقة، أن سلامة السفن بما عليها من الأنفس والأموال, رهن بالحزم في إدارتها, ويرتبط لزوماً بحسن أداء طاقمها لالتزاماتهم بما يحول دون غرقها أو تعويمها أو جنوحها, أو هجرها، أو الإضرار بشحنتها, أو الأشياء الموجودة عليها، إلى غير ذلك من المخاطر التي قد تنجم عن أخطائهم، سواء وقعت أثناء وجودها في عُرض البحر, أو عند اقترابها من المواني البحرية, أو مغادرتها لها, أو رسوها فيها, أو خلال اجتيازها الممرات البحرية, أو مواجهتها عوائق ملاحية من نوع خاص, مما يستلزم نظاماً قانونياً صارماً يُحَملون عليه حملاً يكفل حُسن استغلالها, ولا يفرق بين السفن تبعاً لملكيتها، ولا يعتد كذلك بطبيعة العلاقة القانونية التي كان البحار مرتبطاً بها, قبل تعلق عمله بخدمتها.
وحيث إنه متى كان ذلك, وكان نظام العاملين بالقطاع العام الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1978. قد حدد الأعمال التي حظرها عليهم، وبين واجباتهم، وأفرد بالفصل الحادي عشر منه, نظاماً تأديبيا قصره عليهم، إلا أن مناط إعمال الأحكام التي تضمنها التنظيم العام, أن تقع المخالفة التأديبية المدعي بها من عامل بالوحدة الاقتصادية أثناء خدمته فيها أو بسببها. فإن كان حين ارتكبها باعتباره من البحارة الذين يعملون في إحدى السفن التي تحمل جنسية جمهورية مصر العربية، فإن الأحكام التي تضمنها التنظيم الخاص – والتي بينها أصلاً القرار بقانون رقم 167 لسنة 1960 المشار إليه – هي وحدها التي يمكن تطبيقها بالنسبة إليه. ذلك أن التنظيم الخاص يمتد نطاقاً إلى المسائل التي يحكمها، منحياً بذلك التنظيم العام, باعتبار أن الخاص يقيد العام.
وحيث إن البين من أحكام المواد 113 إلى 136 من قانون التجارة البحرية, أنها تنظم عقد العمل البحري باعتباره من عقود القانون الخاص, وكان إخلال الربان, أو البحارة بواجباتهم الناشئة عن هذا العقد – كتلك التي ثار بشأنها النزاع الموضوعي – مما يدخل أصلاً في ولاية جهة القضاء العادي, فإن الحكم الأولى بالتنفيذ، يكون هو الحكم الصادر عن هذه الجهة دون غيرها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بالاعتداد بالحكم النهائي من جهة القضاء العادي في النزاع الموضوعي.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات