الطعن رقم 2 لسنة 15 قضائية “تنازع” – جلسة 17 /12 /1994
المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 911
جلسة 17 ديسمبر سنة 1994
برئاسة السيد المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف ومحمد على سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور حنفي على جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.
(القاعدة رقم 18)
القضية رقم 2 لسنة 15 قضائية "تنازع"
1 – دعوى "تكييفها".
المحكمة الدستورية العليا هي التي تعطي الدعوى تكييفها القانوني الصحيح، غير مقيدة
ببنيان ألفاظ أطرافها.
2 – عقود الإدارة "تكييفها".
عقود الإدارة قد تكون عقوداً إدارية، أو من العقود المدنية، مرد الأمر في تكييفها القانوني
إلى مقوماتها، على الأخص ما تدل عليه شروطها من انتهاجها لوسائل القانون الخاص أو العام.
3 – عقود الإدارة "القرارات المنفصلة".
القرارات المنفصلة عن العقد – أياً كان – سواء من ناحية الإذن به أو إبرامه أو اعتماده،
يجوز الطعن فيها أمام قاضي الإلغاء استقلالاً عن العلاقة التعاقدية ذاتها, باعتبارها
قرارات إدارية.
1 – إن هذه المحكمة بما لها من هيمنه على الدعوى, هي التي تعطيها وصفها الحق, وتكييفها
القانوني الصحيح, مستظهرة في سبيل ذلك حقيقة ما قصد إليه أطرافها, وما رموا إليه من
وراء ادعاءاتهم, غير مقيدة ببنيان ألفاظهم، بل وقوفها عند معانيها.
2, 3 – من المقرر قانوناً أن العقود التي تكون الإدارة طرفاً فيها، لا تعتبر جميعها
من العقود الإدارية, ولا هي من العقود المدنية بالضرورة، وإنما مرد الأمر في تكييفها
القانوني, إلى مقوماتها، وبوجه خاص إلى ما إذا كانت شروطها تدل على انتهاجها لوسائل
القانون الخاص, أو العام، وكان من المسلم كذلك أن هذه العقود لا تنتظمها مرحلة واحدة
تبرم بعد انتهائها، بل تتداخل في مجال تكوينها مراحل متعددة, يمهد كل منها لما يليه,
ليكون خاتمتها العقد في صورته الكاملة. ذلك أن الإدارة لا تتمتع – في مجال إبرامها
لعقودها – بالحرية ذاتها التي يملكها أشخاص القانون الخاص في نطاق العقود التي يدخلون
فيها, بل عليها أن تلتزم طرقاً بعينها توصلاً إلى اختيار المتعاقد معها, وكثيراً ما
تكون قراراتها الإدارية متضمنة إنهاء علاقة تعاقدية بعد نشوئها، أو ممهدة لعلاقة قانونية
جديدة لا تزال في طور تكوينها. وسواء آل أمر هذه العلاقة الجديدة، إلى إبرام الإدارة
لعقد من عقود القانون الخاص, أو لأحد العقود الإدارية، فإن قراراتها التي تتصل بالعقد
– سواء من ناحية الإذن به, أو إبرامه، أو اعتماده – تنفصل عنه, ويجوز الطعن فيها بالتالي
استقلالاً عن العلاقة التعاقدية في ذاتها. متى كان ذلك وكان قرار محافظ المنوفية بطرح
عملية استغلال برج المنوفية في مزايدة عامة يعد منهياً لعقد قائم, وسابقاً على إبرام
العقد الجديد, وكان هذا القرار قد صدر عن تلك المحافظة، إعمالاً للسلطة المخولة لها
بمقتضى القوانين واللوائح, وتعبيراً عن إرادتها المنفردة, وإحداثاً من جانبها لمركز
قانوني معين, يكون ممكناً، وجائزاً قانوناً، ابتغاء مصلحة عامة ترمي إلى بلوغها، فإن
هذا القرار يكون إدارياً، ويدخل الفصل في مشروعيته في اختصاص محاكم مجلس الدولة دون
غيرها, عملا بنص البند خامساً من المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون
رقم 47 لسنة 1972.
الإجراءات
بتاريخ 21/ 2/ 1993 أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة،
طالباً تعيين جهة القضاء الإداري, جهة مختصة بالفصل في النزاع مثار التنازع.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن الشركة
المدعي عليها, كانت تقوم باستغلال برج المنوفية بمدينة قويسنا منذ إنشائه عام 1962،
وذلك بموجب عقود قابلة للتجديد كان آخرها العقد الذي أبرم معها بتاريخ 15/ 8/ 1978
لمدة خمس سنوات نهايتها 14/ 8/ 1983 يجوز تجديدها لمدة مماثلة بذات القيمة الإيجارية.
وبتاريخ 10/ 2/ 1983 أخطرت المحافظة الشركة المدعي عليها، بعزمها إنهاء العقد المبرم
معها, وطرح عملية استغلال البرج في مزايدة علنية. وإذ أعلنت المحافظة عن هذه المزايدة,
فقد أقامت المدعي عليها ضد المدعي وآخرين, دعواها رقم 1489 لسنة 1983 مدني كلي شبين
الكوم، بطلب الحكم لها بصفة مستعجلة بوقف إجراء تلك المزايدة، وبأحقيتها في الاستمرار
في استغلال هذا البرج بعد 14/ 8/ 1983 إلى أن تستهلك المبالغ التي كانت قد أنفقتها
في شأن الإنشاءات والترميمات التي أحدثتها فيه, ولم تقنع المدعي عليها بدعواها هذه,
ولكنها أتبعتها بالدعوى رقم 5289 لسنة 37 قضائية التي أقامتها أمام محكمة القضاء الإداري
ضد المدعي وآخرين، طالبة في صحيفتها الحكم بوقف تنفيذ القرار الصادر عن المحافظة بإنهاء
عقد الإيجار المبرم معها, وفي الموضوع الحكم بانعدام هذا القرار. وإذ كانت محكمة شبين
الكوم الابتدائية, قد أجابت المدعي عليها إلى طلباتها, وكانت المحكمة الاستئنافية بطنطا
التي استؤنف أمامها هذا الحكم – بالاستئنافين رقمي 227 و230 لسنة 16 قضائية – وقد انتهت
على عدم اختصاص محكمة أول درجة بالفصل في النزاع الذي كان معروضاً عليها, وبإحالتها
إلى محكمة القضاء الإداري للاختصاص, فقد قررت هذه المحكمة ضم الدعوى المحالة إليها
– والمقيدة أمامها برقم 1248 لسنة 38 قضائية – إلى الدعوى رقم 5289 لسنة 37 قضائية،
ليصدر فيهما حكم واحد. وإذ كانت محافظة المنوفية قد أصدرت كذلك القرار رقم 45 لسنة
1984، متضمناً تشكيل اللجنة المنصوص عليها فيه, والتي عهدت إليها باستلام هذا البرج
من المدعي عليها, فقد اختصمتها المدعي عليها بدعواها الثالثة – المقيدة برقم 3143 لسنة
38 قضائية – والتي أقامتها أمام محكمة القضاء الإداري, بطلب وقف تنفيذ هذا القرار,
مع تعويضها عن الأضرار المترتبة عليه. وقد أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها في الدعوى
رقم 3143 لسنة 38 قضائية, بقبولها شكلاً ورفضها موضوعاً، وفي الدعويين المضمومتين –
وهما الدعويان رقما 5289 لسنة 37 قضائية و1248 لسنة 38 قضائية – حكمها بعدم جواز نظرهما
لسبق الفصل في موضوعهما. ولم ترتض المدعي عليها هذين الحكمين، فطعنت عليهما – وعلى
التوالي – بالطعنين رقمي 253 لسنة 31 قضائية و865 لسنة 31 قضائية، أمام المحكمة الإدارية
العليا، التي انتهت إلى قبولهما شكلا وفي الموضوع برفض الطعن رقم 253 لسنة 31 قضائية،
وبإلغاء الحكم محل الطعن رقم 865 لسنة 31 قضائية، وبقبول الدعويين المضمومتين رقيم
5289 لسنة 37 قضائية و1248 لسنة 38 قضائية – شكلاً ورفضهما موضوعاً. وقد طعنت المدعي
عليها في هذا الحكم بالبطلان, أمام المحكمة الإدارية العليا بالطعن رقم 139 لسنة 33
قضائية, حيث قضت هذه بقبول الطعن شكلاً وببطلان الحكم المطعون فيه. وإذ كانت المدعي
عليها من جهة أخرى, وقد طعنت أمام محكمة النقض في قضاء المحكمة الاستئنافية بطنطا الصادر
في الاستئنافين رقيم 227 و230 لسنة 16 قضائية, وكانت محكمة النقض قد خلصت إلى نقض الحكم
المطعون فيه, وبإحالة النزاع إلى محكمة استئناف طنطا "مأمورية شبين الكوم" التي انتهت
بجلسة 23 مايو سنة 1990 إلى الحكم برفض الاستئنافين وتأييد الحكم المستأنف، فقد طعن
المدعي على هذا الحكم أمام محكمة النقض بالطعن رقم 3434 لسنة 60 قضائية، ولا زال هذا
الطعن منظوراً أمامها.
وإذا ارتأى المدعي بصفته، أن ثمة تنازعاً إيجابياً على الاختصاص بين جهتي القضاء العادي
والإداري, فقد أقام دعواه الماثلة منتهياً إلى طلب الحكم بتعيين جهة القضاء الإداري
جهة مختصة بنظر النزاع مثار التنازع.
ومن حيث إن مناط قبول دعوى الفصل في تنازع الاختصاص الإيجابي وفقاً للبند (ثانياً)
من المادة 25 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979،
هو أن تطرح الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتين من جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص
القضائي, ولا تتخلي إحداهما عن نظرها.
وحيث إن هذه إن هذه المحكمة بما لها من هيمنه على الدعوى, هي التي تعطيها وصفها الحق,
وتكييفها القانوني الصحيح, مستظهرة في سبيل ذلك حقيقة ما قصد إليه أطرافها, وما رموا
إليه من وراء ادعاءاتهم, غير مقيدة ببنيان ألفاظهم، بل وقوفاً عند معانيها، وكان البين
من الأوراق أن النزاع القائم بين كل من المدعي والمدعي عليها في شأن الطبيعة القانونية
لعقد الانتفاع ببرج المنوفية, ليس مردداً بين جهتين قضائيتين حتى تتدخل المحكمة الدستورية
العليا، لتحدد أولاهما بالفصل فيه، ذلك إنه وإن كان قضاء المحكمة الإدارية العليا قد
خلص في الطعنين رقمي 253 و865 لسنة 31 قضائية, إلى أن العقد يعتبر إدارياً، إلا أن
إبطال المحكمة الإدارية العليا ذاتها للحكم الصادر عنها في هذا الشأن, مؤداه زوال وجوده
قانوناً، فلا يبقي من بعد – محدداً لطبيعة هذا العقد – سوى الأحكام التي أصدرتها جهة
القضاء العادي, والتي انتهت فيها إلى تقرير طبيعته المدنية, وصولاً منها إلى البت في
اختصاصها بنظر المنازعات الناشئة عنه, أو المترتبة عليه.
وحيث إنه متى كان ما تقدم, وكان النزاع – في الحدود التي تضمنتها الوقائع التي تتصل
به – قد أضحى منحصراً في القرار الصادر بطرح عملية استغلال برج المنوفية في مزايدة
عامة, ذلك أن قضاء المحكمة الاستئنافية بتأييد الحكم المطعون فيه أمامها, يفيد تسليمها
بأن الفصل في مشروعية هذا القرار مما يدخل في اختصاصها. متى كان ذلك, وكان القرار الصادر
عن محافظة المنوفية بطرح عملية استغلال برج المنوفية في مزايدة عامة, يدل على اتجاه
إرادتها وانصرافها، إلى إنهاء العقد الذي كان قائماًً بينها وبين المتعهد, والتمهيد
لعقد جديد، يحل محل العقد الأول ويقوم مقامه, وكان تنفيذ هذا القرار قد اقتضى من محافظة
المنوفية أن تسترد العين ممن يقومن باستغلالها، لتعدها لمن يرسو عليه العطاء في المزايدة
الجديدة, مما حملها على أن تشكل لجنة لتسلمها، فإن الطعن على قرار تشكيل هذه اللجنة
أمام محكمة القضاء الإداري من قبل الشركة المدعي عليها, وقضاءها بقبول هذا الطعن شكلاً
ورفضه موضوعاً، يدل لزوماً على إقرارها مشروعية القرار الصادر بطرح العين في مزايدة
عامة, وهو ما يفيد اختصاصها بالفصل فيه.
وحيث إن من المقرر قانوناً، أن العقود التي تكون الإدارة طرفاً فيها، لا تعتبر جميعها
من العقود الإدارية, ولا هي من العقود المدنية بالضرورة، وإنما مرد الأمر في تكييفها
القانوني, إلى مقوماتها، وبوجه خاص إلى ما إذا كانت شروطها تدل على انتهاجها لوسائل
القانون الخاص, أو العام، وكان من المسلم كذلك أن هذه العقود لا تنتظمها مرحلة واحدة
تبرم بعد انتهائها، بل تتداخل في مجال تكوينها مراحل متعددة, يمهد كل منها لما يليه,
ليكون خاتمتها العقد في صورته الكاملة. ذلك أن الإدارة لا تتمتع – في مجال إبرامها
لعقودها – بالحرية ذاتها التي يملكها أشخاص القانون الخاص في نطاق العقود التي يدخلون
فيها, بل عليها أن تلتزم طرقاً بعينها توصلاً إلى اختيار المتعاقد معها, وكثيراً ما
تكون قراراتها الإدارية متضمنة إنهاء علاقة تعاقدية بعد نشوئها، أو ممهدة لعلاقة قانونية
جديدة لا تزال في طور تكوينها. وسواء آل أمر هذه العلاقة الجديدة، إلى إبرام الإدارة
لعقد من عقود القانون الخاص, أو لأحد العقود الإدارية، فإن قراراتها التي تتصل بالعقد،
سواء من ناحية الإذن به, أو إبرامه، أو اعتماده – تنفصل عنه, ويجوز الطعن فيها بالتالي،
استقلالاً عن العلاقة التعاقدية في ذاتها. متى كان ذلك وكان قرار محافظ المنوفية بطرح
عملية استغلال برج المنوفية في مزايدة عامة يعد منهياً لعقد قائم, وسابقاً على إبرام
العقد الجديد, وكان هذا القرار قد صدر عن تلك المحافظة، إعمالاً للسلطة المخولة لها
بمقتضى القوانين واللوائح, وتعبيراً عن إرادتها المنفردة, إحداثاً من جانبها لمركز
قانوني معين, يكون ممكناً، وجائزاً قانوناً، ابتغاء مصلحة عامة ترمي إلى بلوغها، فإن
هذا القرار يكون إدارياً، ويدخل الفصل في مشروعيته في اختصاص محاكم مجلس الدولة دون
غيرها, عملاً بنص البند خامساً من المادة العاشرة من قانون مجلس الدولة الصادر بالقانون
رقم 47 لسنة 1972.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بتعيين جهة القضاء الإداري جهة مختصة بالفصل في النزاع حول مشروعية قرار طرح عملية استغلال برج المنوفية في مزايدة عامة.
