الطعن رقم 19 لسنة 14 قضائية “دستورية” – جلسة 08 /04 /1995
المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 597
جلسة 8 إبريل سنة 1995
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض وعدلي محمود منصور – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي على جبالي – المفوض، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
(القاعدة رقم 39)
القضية رقم 19 لسنة 14 قضائية "دستورية"
1 – حرب أكتوبر "دور قيادتها وجنودها فيها: سماتهم".
أحاط هؤلاء بنبضهم أمتهم مصر, الرائدة أبداً الباقية خلداً ما زاغ بصرهم عنها وما
تولي, فكانوا معها, وبها إرادة لا تلين.
2 – دعوى دستورية: المصلحة فيها – تشريع "القرار بقانون رقم 35 لسنة 1979 بشأن تكريم
كبار قادة القوات المسلحة خلال حرب أكتوبر".
إدراج اسم المدعي بين المشمولين بهذا القرار بقانون, واقتضائه وفقاً لأحكامه, للحقوق
المالية – محل دعواه الموضوعية – يفترض قيام ذلك القرار بقانون فيما نص عليه بشأنها,
طلب المدعي الحكم بعدم دستورية هذا القرار بقانون في جملة أحكامه, يعني طلبه إزالة
أثاره القانونية كلها, ويهدم الدعوى الموضوعية بالتالي من أساسها, عدم تحقق مصلحة المدعي
من طلبه ذلك.
3 – تشريع القرار بالقانون رقم 35 لسنة 1979 المشار إليه "الأغراض التي توخاها".
توخي هذا القرار بقانون أن يكون تكريم من خططوا لحرب أكتوبر وأدوارها, مقصوراً على
عدد محدود من بينهم "رمزاً لجموعهم" ليعهد إليهم بمهام من طبيعة استشارية.
4 – تشريع "القرار بقانون رقم 35 لسنة 1979 المشار إليه: معياره".
إدراج اسم المدعي بين الذين شملتهم المادة الأولى من القرار بقانون المشار إليه لا
يستقيم إلا وفقاً لأحد معيارين: – الأقدمية أو الجدارة.
5 – تشريع "القرار بقانون رقم 35 لسنة 1979 المشار إليه: معيار الأقدمية".
ما توخاه هذا القرار بقانون, هو أن يكون تعظيم بعض القادة رمزاً لتقدير كل من قام بدور
رائد في هذه الحرب, من غير المتصور أن يكون مناط التقدير عائداً إلى أقدمية الدرجة
الوظيفية منظوراً إليها استقلالاً عن أية عوامل تقترن بها.
6 – تشريع "القرار بقانون رقم 35 لسنة 1979 المشار إليه: موضوعية التقييم".
موضوع التقييم, هي وحدها التي يمكن أن يتحقق بها التكافؤ بين المراكز القانونية المتماثلة.
7 – تشريع "القرار بقانون رقم 35 لسنة 1979 المشار إليه" – المحكمة الدستورية العليا
"إعمال المقاييس الموضوعية".
إعمال هذه المحكمة للمقاييس الموضوعية التي يتحدد وفقاً لضوابطها من هو أهل للتقدير
وفقاً للقرار بقانون المشار إليه ويفترض أمرين:
( أ ) تناول التقييم كل الأعمال ذات الشأن في الحرب في كافة مراحلها وهو ما يخرج عن
المجال الطبيعي لهذا القرار بقانون.
(ب) أن يكون ذلك القرار بقانون مفصلاً للعناصر التي تقوم عليها هذه المقاييس, وأن يكون
بيد هذه المحكمة الوسائل القضائية التي توازن بها بين هذه الأعمال, لتحديد الأجدر بالتكريم.
8 – تشريع "القرار بقانون رقم 35 لسنة 1979 المشار إليه" – المحكمة الدستورية العليا
"اختصاصها".
متى كانت عناصر تقييم أعمال قادة حرب أكتوبر, دائرة ابتداءً وانتهاءً حول مسار العمليات
الحربية, ونتائجها وقدر إسهام كل من القادة فيها, فإن زمام تقديرها يخرج عن اختصاص
هذه المحكمة.
1 – إن المحكمة الدستورية العليا – وقبل تعرضها للمطاعن المثارة في الدعوى الدستورية
الماثلة – يعنيها أن تؤكد أن قادة وجنود هذا النصر العظيم في أكتوبر – وبوجه خاص من
أداروا حربها إعداداً وتطويراً, إقداماً والتحاماً, بذلاً وفداءً, عزماً وتصميماً,
جرأة واقتداراً, اندفاعاً واقتحاماً, عزة وأملاً, نضالاً بالدماء وإرواء بالعرق والدموع.
لا يهنون ولا يتخاذلون ولا يمارون, شرعتهم الحق موئلاً, وعقيدتهم النضال إصراراً. جميعهم
من هذه الأمة العظيمة في أعماق قلبها, أعادوا إليها إشراقها وضياء وجهها. ورفعوا بإيمانهم
هامتها وما تفرقوا. وأقاموا لبأسها دعائم من قوة النيران, أحاطوا بنبضهم أمتهم مصر,
الرائدة أبداً, الباقية خلداً, ما زاغ بصرهم عنها وما تولى, فكانوا معها, وبها, إرادة
لا تلين ولا تقهر, تقتلع من الحياة أعداءها, وترد إليها ينابيعها, لتظل للحرية آفاقها,
ولتعلوا راياتها فوق كل الجباة.
2 – إدراج اسم المدعين بين المشمولين بالتكريم, أو تصدره لهم, وحصوله بالتالي على الحقوق
المالية التي فصلها القرار بقانون المطعون فيه – وهي محل دعواه الموضوعية – يفترض أن
يظل هذا القرار بقانون قائماً فيما نص عليه بشأنها وكان ما قرره وكيل المدعي من أن
مصلحة المدعي كما تحقق على النحو المتقدم, فإنها تتوافر كذلك, إذا ما أبطلت المحكمة
الدستورية العليا هذا القرار بقانون, حتى لا يفيد من النصوص القانونية التي اشتملت
عليها, من كانوا دونه رتبة وجهداً, مردود، بأن ذلك منه, يهدم دعواه الموضوعية من أساسها
ولا يقيم بنيانها, ذلك أن الحكم بعدم دستورية هذا القرار بقانون من مجمل أحكامه, يعني
تجريدها من قوة نفوذها, وزوال الآثار القانونية التي رتبها, لتؤول عدماً. فلا تولد
حقاً لأحد, ولا يقوم بها مركز قانوني لا للمدعي ولا لغيره, ولتفقد الحقوق المالية –
محل دعواه الموضوعية – دعامتها. بل إن اتصال دعواه الموضوعية بالنصوص المطعون عليها,
شرط لقبول دعواه الدستورية على ما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا من أن المصلحة
الشخصية المباشرة في تلك الدعوى مناطها ارتباطها بالمصلحة القائمة في النزاع الموضوعي,
وذلك بأن يكون الحكم في المطاعن الدستورية, مؤثراً في موضوع النزاع المتصل بها والمطروح
على محكمة الموضوع.
3 – البين من أحكام القرار بقانون المطعون فيه, وكذلك ما جاء بصدده بتقرير لجنة الأمن
القومي – والتي تعرض لهما المحكمة الدستورية العليا بالقدر اللازم للفصل في اختصاصها
– أن ما توخاه هذا القرار بقانون, هو أن يكون التكريم مقصوراً على عدد محدد من قادة
حرب أكتوبر, يتولون بنص مادته الثانية تقديم المشورة في الشئون العسكرية ذات الأهمية
الخاصة التي يطلب منهم إبداء الرأي فيها, وذلك طوال حياتهم, ودون أن يكون تكليفهم بذلك
مؤدياً إلى شغلهم لوظائف محددة داخل الهيكل التنظيمي للقوات المسلحة, ليظل الباب مفتوحاً
أمام غيرهم ممن يستحقون الترقي إلى وظائف القيادة بذات القدرة والكفاءة التي توفرت
لمن سبقهم من قادة حرب أكتوبر الباقية في ذاكرة التاريخ أبداً.
وما تقدم يعني, أن عدداً غير قليل ممن خططوا لحرب أكتوبر وأداروها, وكانوا من كبار
قادتها – كقواد الجيوش وقواد الفرق – لم يشملهم القرار بقانون المطعون فيه, وإنما اقتصر
التكريم على عدد من محدود من بينهم, "رمزاً لجموعهم"، ليعهد إليهم دون غيرهم بالمهام
التي حددتها المادة الثانية من القرار المشار إليه, وهي مهام مدارها مشورة يقدمونها
– عند طلبها – في مجال الشئون العسكرية الهامة التي تمرسوا فيها, وكانوا من خبرائها.
ولا يعتبر قصرها عليهم ملقياً بظلال من الريبة من عداهم, أو نافياً لأهليتهم, أو إنكاراً
لجدارتهم أو تميزهم.
4 – إدراج اسم المدعي بين هؤلاء الذين شملتهم المادة الأولى من القرار بقانون المطعون
فيه أو على رأسهم, لا يستقيم إلا من أحد مدخلين أو وفقاً لأحد معيارين, أولهما: أن
يكون هذا القرار بقانون – محدداً نطاقاً على ضوء الأغراض التي سعي إلى تحقيقها – منصرفاً
إلى عدد محدود من القادة, تنتظمهم جميعاً دائرة واحدة, تكون أقدمية الرتبة العسكرية
إطاراً لها. وعندئذ يكون الأقدم هو الأحق بالتقدير, ولو لم يكن هو الأجدر بما أداه
من جلائل الأعمال إبان تلك الحرب, ثانيهما: أن يكون هذا القرار بقانون, مُبجلاً لكل
القادة الذين كانوا دورهم في العمليات الحربية ظاهراً بأن كان بلاؤهم في التخطيط لها,
أو إعدادها, أو تنفيذها مشهوداً. وعندئذ يكون الأجدر هو الأحق بالتقدير, ولو لم يكن
هو الأقدم.
5 – المعيار الأول لا تظاهره أحكام القرار بقانون المطعون فيه, وذلك من جهتين, أولاهما:
أن ما توخاه هذا القرار بقانون حقاً وقصد إليه عملاً, هو أن يكون تعظيم عدد من قادة
تلك الحرب, رمزاً لتقدير كل من قام بدور رائد فيها. بما مؤداه أن انحصار التكريم في
عدد محدود من بينهم, لا يعني أن من عداهم كانوا أقل شأناً أو جهداً, ثانيهما: أن كل
تكريم يفترض تقييماً موضوعياً يدور حول أعمال بذاتها يكون هو محورها. ويتعين بالتالي
أن يكون الأساس فيه مقاييس واقعية قوامها ما أداه نفر من القادة من أعمال تشهد بتميزهم
وتؤكد تفوقهم من دون الآخرين. وهو ما يقتضي وزن أعمالهم, وترتيبهم فيما بينهم على ضوئها,
ولا يتصور – من ثم – أن يكون مناط التقدير عائداً إلى أقدمية الدرجة الوظيفية منظوراً
إليها استقلالاً عن أية عوامل تتداخل معها أو تقترن بها, إذ لا شأن لأقدميتهم تلك بإقدامهم
أو تضحياتهم, وهو ما أكده تقرير لجنة الأمن القومي والتعبئة القومية, حين أبان عن أن
من شملهم التقدير كانوا عوناً لمصر في تحقيق نصرها العظيم من خلال مبادأتهم, وقدرتهم
على إدارة العمليات الحربية الحديثة واتخاذ قراراتها السليمة بكفاءة نادرة مع تحملهم
لكامل مسئولياتها, وفقاً لتطوراتها. ولم يكن معيار التقييم بالتالي شكلياً أو جامداً.
6, 7, 8 – موضوعية التقييم هي وحدها التي يمكن أن يتحقق بها التكافؤ بين المراكز القانونية
المتماثلة. وهي وحدها التي يتصور أن يكفل المشرع من خلالها نوعاً من المساواة القانونية
بين المتمثلين جهداً وعرقاً. غير أن إعمال المحكمة الدستورية العليا للمقاييس الموضوعية
التي يتحدد وفقاً لضوابطها من يكون أهلاً للتقدير – ومن ثم الحصول على الحقوق المالية
التي نص عليها القرار بقانون المطعون عليه – يفترض أمرين, أولهما: أن يتناول التقييم
كل الأعمال التي كان لها شأن هام في العمليات الحربية سواء في مجال الإعداد لها أو
إدارتها أو تنفيذها, وهو ما يخرج عن المجال الطبيعي لذلك القرار بقانون. إذ توخي ألا
يكون التقييم منصرفاً إلى هؤلاء في مجموعهم, ولا محيطاً بغالبيتهم, بل رمزياً منحصراً
في عدد محدود من بينهم. ثانيهما: أن يكون القرار بقانون المطعون فيه, مفصلاً للعناصر
التي تقوم عليها هذه المقاييس الموضوعية, وأن يكون بيد المحكمة الدستورية العليا الوسائل
القضائية التي توازن بها بين هذه الأعمال على ضوء تلك المقاييس لتحدد وفقاً لضوابطها
الأحق والأجدر بالتقدير. ويؤيد ذلك أن التكافؤ في المراكز القانونية – وهو مناط الحماية
التي كفلها مبدأ المساواة أمام القانون – يفترض اتحادها في العناصر التي تكونها, فإذا
كانت تلك العناصر جميعها, دائرةً – ابتداءً وانتهاءً – حول مسار العمليات الحربية,
ونتائجها, وقدر إسهام كل من القادة فيها, فإن زمام تقديرها يخرج عن اختصاص المحكمة
الدستورية العليا.
الإجراءات
بتاريخ الثامن عشر من يونيو سنة 1992 أودع المدعي قلم كتاب المحكمة
صحيفة الدعوى الماثلة طالباً الحكم بعدم دستورية القرار بقانون رقم 35 لسنة 1979 فيما
تضمنه من إسقاط اسمه من تاج قمة جميع مرؤوسيه أبطال حرب أكتوبر المكرمين فيه, وما تضمنه
من حرمانه من جميع حقوقهم وكل مميزاتهم المقررة لهم فيه".
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها أصلياً عدم قبول الدعوى, واحتياطياً رفضها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة.
حيث إن الوقائع – حسبما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي كان
قد أقام أمام محكمة جنوب القاهرة دعواه الموضوعية رقم 12830 لسنة 1983 مختصماً فيها
المدعي عليهما الأول والثالث في الدعوى الراهنة, طالباً الحكم عليهما متضامنين بتقرير
"حقوقه الناشئة عن انتهاء خدمته وإلزامهما بأداء هذه الحقوق إليه" وقال شرحاً لتلك
الدعوى أنه عين في 16 مايو سنة 1971 رئيساً لهيئة أركان حرب القوات المسلحة, وقامت
الهيئة برئاسته بالتخطيط والإعداد لحرب أكتوبر سنة 1973 – ورقى إلى رتبة الفريق في
5 يناير سنة 1972, ونال في 19 فبراير سنة 1974 – وإبان عمله سفيراً لمصر في المملكة
المتحدة – وسام نجمة الشرف اعتباراً من يوم السادس من أكتوبر سنة 1973 تقديراً لما
قام به من إعداد وتخطيط للعمليات الحربية. واستمر يعمل سفيراً بوزارة الخارجية إلى
أن أعفى من منصبه. وبتاريخ 25 يونيو سنة 1978, قامت وزارة الدفاع بتسوية معاشه اعتباراً
من هذا التاريخ, دون أن تخطره ببيانات حقوقه التأمينية, وقامت بتحويل دفعات مالية إلى
حسابه بالبنك الأهلي المصري بمصر الجديدة, ثم أوقفت تحويلاتها اعتباراً من الثامن من
يونيو سنة 1981 لصدور قرار المدعي العام الاشتراكي بالتحفظ على أمواله, رغم أن أمواله
التي حكم قضاء القيم بفرض الحراسة عليها لم تتضمن المعاش المستحق له, وأضاف قائلاً:
إنه, إذ يستحق – فضلاً عن المعاش – كذلك ماهيات ومرتبات ومخصصات رئيس هيئة أركان حرب
القوات المسلحة لمدى حياته واعتباراً من تاريخ انتهاء خدمته في 25 يونيو سنة 1978,
تنفيذاً للقرار بقانون رقم 35 لسنة 1979 الذي صدر تكريماً لقادة حرب أكتوبر, فإنه يقيم
دعواه الموضوعية بالطلبات المشار إليها آنفاً. وأثناء نظر النزاع الموضوعي, دفع بعدم
دستورية القرار بقانون المشار إليه, وإذا قدرت محكمة الموضوع جدية دفعه, وصرحت له بالطعن
بعدم الدستورية, فقد أقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن المدعي ينعى على القرار بقانون رقم 35 لسنة 1979 بشأن تكريم كبار قادة القوات
المسلحة خلال حرب أكتوبر, والاستفادة من الخبرات النادرة للأحياء منهم, مخالفته لنصوص
المواد 2, 8, 9, 12, 13, 40 من الدستور, وذلك فيما تضمنه هذا القرار بقانون من إسقاط
اسمه من قائمة مرؤوسيه قادة حرب أكتوبر الذين تم تكريمهم, رغم حصوله على وسام نجمة
الشرف بعد انتهاء العمليات الحربية, تقديراً لامتيازه في مجالها تخطيطاً وإعداداً وتنفيذاً.
وبذلك يكون ذلك القرار بقانون قد ألبس الحق – وهو اسم الله تعالي – بالباطل, وإذ حرم
ما قاتل ومهد, ودبر, وأعد عدة القتال متقدماً على غيره, ومن الحقوق التي كفلها لسواه
ممن هم أقل منه عملاً. وأخل بذلك بمبدأ المساواة أمام القانون, وبتكافؤ الفرص بينه
وبين جميع مرؤوسيه الذين شملهم التكريم, وإن كان هو الأحق منهم, وليس من الإسلام في
شيء, ولا من العدل, ولا من الشريعة الإسلامية في مبادئها العظيمة, ولا من الأخلاق أو
الوطنية, ولا من حق العمل, ولا من الطابع الأصيل للأسرة المصرية, ولا من قيمها, وتقاليدها,
وأدابها, وتراثها, أن تسقط السلطتان التشريعية والتنفيذية تقديرهما للمدعي, وأن تتغافلا
عن امتيازه في التخطيط للعمليات الحربية وإدارتها وتنفيذها.
وحيث إن المحكمة الدستورية العليا – وقبل تعرضها للمطاعن المثارة في الدعوى الدستورية
الماثلة – يعنيها أن تؤكد أن قادة وجنود هذا النصر العظيم في أكتوبر، وبوجه خاص من
أداروا حربها إعداداً وتطويراً, إقداماً والتحاماً, بذلاً وفداءً, عزماً وتصميماً,
جرأة واقتداراً, اندفاعاً واقتحاماً, عزة وأملاً, نضالاً بالدماء وإرواء بالعرق والدموع.
لا يهنون ولا يتخاذلون ولا يمارون, شريعتهم الحق موئلاً, وعقيدتهم النضال إصراراً.
جميعهم من هذه الأمة العظيمة في أعماق قلبها, أعادوا إليها إشراقها وضياء وجهها. ورفعوا
بإيمانهم هامتها وما تفرقوا, وأقاموا لبأسهم دعائم من قوة النيران. أحاطوا بنبضهم أمتهم
مصر, الرائدة أبداً, الباقية خلداً, ما زاغ بصرهم عنها وما تولى, فكانوا معها, وبها,
إرادة لا تلين ولا تقهر, تقتلع من الحياة أعداءها, وترد إليها ينابيعها, لتظل للحرية
آفاقها, ولتعلوا راياتها فوق كل الجباة.
وحيث إن إدراج اسم المدعي بين المشمولين بالتكريم, أو تصدره لهم, وحصوله بالتالي على
الحقوق المالية التي فصلها القرار بقانون المطعون فيه – وهي محل دعواه الموضوعية –
يفترض أن يظل هذا القرار بقانون قائماً فيما نص عليه بشأنها وكان ما قرره وكيل المدعي
من أن مصلحة المدعي كما تحقق على النحو المتقدم, فإنها تتوافر كذلك, إذا ما أبطلت المحكمة
الدستورية العليا هذا القرار بقانون, حتى لا يفيد من النصوص القانونية التي اشتملت
عليها, من كانوا دونه رتبة وجهداً, مردود، بأن ذلك منه, يهدم دعواه الموضوعية من أساسها،
ولا يقيم بنيانها, ذلك أن الحكم بعدم دستورية هذا القرار بقانون من مجمل أحكامه, يعني
تجريدها من قوة نفوذها, وزوال الآثار القانونية التي رتبتها, لتؤول عدماً. فلا تولد
حقاً لأحد, ولا يقوم بها مركز قانوني، لا للمدعي ولا لغيره, ولتفقد الحقوق المالية
– محل دعواه الموضوعية – دعامتها, بل إن اتصال دعواه الموضوعية بالنصوص المطعون عليها,
شرط لقبول دعواه الدستورية على ما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا من أن المصلحة
الشخصية المباشرة في تلك الدعوى مناطها ارتباطها بالمصلحة القائمة في النزاع الموضوعي,
وذلك بأن يكون الحكم في المطاعن الدستورية مؤثراً في موضوع النزاع المتصل بها والمطروح
على محكمة الموضوع.
وحيث إن البين من أحكام القرار بقانون المطعون فيه, وكذلك ما جاء بصدده بتقرير لجنة
الأمن القومي – والتي تعرض لهما المحكمة الدستورية العليا بالقدر اللازم للفصل في اختصاصها
– أن ما توخاه هذا القرار بقانون, هو أن يكون التكريم مقصوراً على عدد محدود من قادة
حرب أكتوبر, يتولون بنص مادته الثانية تقديم المشورة في الشئون العسكرية ذات الأهمية
الخاصة التي يطلب منهم إبداء الرأي فيها, وذلك طوال حياتهم, ودون أن يكون تكليفهم بذلك
مؤدياً إلى شغلهم لوظائف محددة داخل الهيكل التنظيمي للقوات المسلحة, ليظل الباب مفتوحاً
أمام غيرهم ممن يستحقون الترقي إلى وظائف القيادة بذات القدرة والكفاءة التي توفرت
لمن سبقهم من قادة حرب أكتوبر الباقية في ذاكرة التاريخ أبداً.
وحيث إن ما تقدم يعني, أن عدداً غير قليل ممن خططوا لحرب أكتوبر وأداروها, وكانوا من
كبار قادتها – كقواد الجيوش وقواد الفرق – لم يشملهم القرار بقانون المطعون منه, وإنما
اقتصر التكريم على عدد من محدود من بينهم "رمزاً لجموعهم"، ليعهد إليهم دون غيرهم بالمهام
التي حددتها المادة الثانية من القرار المشار إليه, وهي مهام مدارها مشورة يقدمونها
– عند طلبها – في مجال الشئون العسكرية الهامة التي تمرسوا فيها, وكانوا من خبرائها.
ولا يعتبر قصرها عليهم ملقياً بظلال من الريبة من عداهم, أو نافياً لأهليتهم, أو إنكاراً
لجدارتهم أو تميزهم.
وحيث إن إدراج اسم المدعي بين هؤلاء الذين شملتهم المادة الأولى من القرار بقانون المطعون
فيه أو على رأسهم, لا يستقيم إلا من أحد مدخلين أو وفقاً لأحد معيارين؛ أولهما: أن
يكون هذا القرار بقانون – محدداً نطاقاً على ضوء الأغراض التي سعي إلى تحقيقها – منصرفاً
إلى عدد محدود من القادة تنتظمهم جميعاً دائرة واحدة تكون أقدمية الرتبة العسكرية إطاراً
لها. وعندئذ يكون الأقدم هو الأحق بالتقدير, ولو لم يكن هو الأجدر بما أداه من جلائل
الأعمال إبان تلك الحرب, ثانيهما: أن يكون هذا القرار بقانون, مبجلاً لكل القادة الذين
كانوا دورهم في العمليات الحربية ظاهراً، بأن كان بلاؤهم في التخطيط لها أو إعدادها
أو تنفيذها مشهوداً. وعندئذ يكون الأجدر هو الأحق بالتقدير, ولو لم يكن هو الأقدم.
وحيث إن المعيار الأول لا تظاهره أحكام القرار بقانون المطعون منه, وذلك من جهتين,
أولاهما: أن ما توخاه هذا القرار بقانون حقاً، وقصد إليه عملاً, هو أن يكون تعظيم عدد
من قادة تلك الحرب, رمزاً لتقدير كل من قام بدور رائد فيها. بما مؤداه أن انحصار التكريم
في عدد محدود من بينهم, لا يعني أن من عداهم كانوا أقل شأناً أو جهداً, ثانيهما: أن
كل تكريم يفترض تقييماً موضوعياً يدور حول أعمال بذاتها يكون هو محورها. ويتعين بالتالي
أن يكون الأساس فيه مقاييس واقعية قوامها ما أداه نفر من القادة من أعمال تشهد بتميزهم
وتؤكد تفوقهم من دون الآخرين. وهو ما يقتضي وزن أعمالهم, وترتيبهم فيما بينهم على ضوئها,
ولا يتصور – من ثم – أن يكون مناط التقدير عائداً إلى أقدمية الدرجة الوظيفية منظوراً
إليها استقلالاً عن أية عوامل تتداخل معها أو تقترن بها, إذ لا شأن لأقدميتهم تلك،
بإقدامهم أو تضحياتهم, وهو ما أكده تقرير لجنة الأمن القومي والتعبئة القومية حين أبان
عن أن من شملهم التقدير كانوا عوناً لمصر في تحقيق نصرها العظيم من خلال مبادأتهم وقدرتهم
على إدارة العمليات الحربية الحديثة، واتخاذ قراراتها السليمة، بكفاءة نادرة مع تحملهم
لكامل مسئولياتها, وفقاً لتطوراتها. ولم يكن معيار التقييم بالتالي شكلياً أو جامداً.
وحيث إن موضوعية التقييم، هي وحدها التي يمكن أن يتحقق بها التكافؤ بين المراكز القانونية
المتماثلة. وهي وحدها التي يتصور أن يكفل المشرع من خلالها نوعاً من المساواة القانونية
بين المتماثلين جهداً وعرقاً. غير أن إعمال المحكمة الدستورية العليا للمقاييس الموضوعية
التي يتحدد – وفقاً لضوابطها من يكون أهلاً للتقدير, ومن ثم الحصول على الحقوق المالية
التي نص عليها القرار بقانون المطعون عليه، يفترض أمرين, أولهما: أن يتناول التقييم
كل الأعمال التي كان لها شأن هام في العمليات الحربية سواء في مجال الإعداد لها أو
إدارتها أو تنفيذها, وهو ما يخرج عن المجال الطبيعي لذلك القرار بقانون. إذ توخي ألا
يكون التقييم منصرفاً إلى هؤلاء في مجموعهم, ولا محيطاً بغالبيتهم, بل رمزياً منحصراً
في عدد محدود من بينهم. ثانيهما: أن يكون بقانون المطعون فيه, مفصلاً للعناصر التي
تقوم عليها هذه المقاييس الموضوعية, وأن يكون بيد المحكمة الدستورية العليا الوسائل
القضائية التي توازن بها بين هذه الأعمال على ضوء تلك المقاييس، لتحدد وفقاً لضوابطها
الأحق والأجدر بالتقدير. ويؤيد ذلك أن التكافؤ في المراكز القانونية – وهو مناط الحماية
التي كفلها مبدأ المساواة أمام القانون – يفترض اتحادها في العناصر التي تكونها, فإذا
كانت تلك العناصر جميعها, دائرة – ابتداء وانتهاء – حول مسار العمليات الحربية ونتائجها,
وقدر إسهام كل من القادة فيها, فإن زمام تقديرها يخرج عن اختصاص المحكمة الدستورية
العليا.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى.
