الطعن رقم 4 لسنة 15 قضائية “تنازع” – جلسة 03 /12 /1994
المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 896
جلسة 3 ديسمبر سنة 1994
برئاسة السيد المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف ومحمد على سيف الدين وعدلي محمود منصور – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور حنفي على جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.
(القاعدة رقم 17)
القضية رقم 4 لسنة 15 قضائية "تنازع"
1 – دعوى تنازع تنفيذ الأحكام المتناقضة "شرط وحدة المحل".
التناقض الذي يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه, هو ذلك الذي يقوم بين
حكمين نهائيين صادرين من جهتين قضائيتين مختلفتين, إذا كانا متعامدين على محل واحد,
وتعذر تنفيذهما معاً، فإذا كانا غير متحدين محلاً، أو مختلفين نطاقاً، فلا تناقض.
2 – دعوى تنازع تنفيذ الأحكام المتناقضة, "شرط تعذر التنفيذ".
يعكس تعذر التنفيذ، جوهر الشروط التي يتطلبها قانون المحكمة الدستورية العليا، لفض
التناقض المدعي به بين الحكمين النهائيين. وتثبيتها من هذه الشروط، سابق بالضرورة على
فصلها فيمن هو أحق وأجدر بالتنفيذ من بينهما.
3 – دعوى تنازع تنفيذ الأحكام المتناقضة "تفرق الآثار التي رتبها المشرع على بيع ملك
الغير فيما بين الحكمين المدعي تناقضهما: أثره".
إذا كان الحكمان المدعي تناقضهما, قد قضى أولهما بصحة التعاقد على بيع منشأة سيسل الفندقية،
وثانيهما بعدم سريان هذا العقد في شأن مالكها الحقيقي, فإن هذين الحكمين لا يكونان
متصادمين, لأنهما يجمعان معاً الآثار التي رتبها القانون المدني على بيع ملك الغير.
4 – بيع ملك الغير "تكييفه القانوني".
ليس هذا العقد موقوفاً، ولا باطلاً مطلقاً، بل هو عقد قابل للإبطال لمصلحة المشتري.
5 – بيع ملك الغير "الخروج فيه على جانب من القواعد العامة التي تحكم العقد القابل
للإبطال".
الأصل في إجازة هذا العقد, أن تكون من حق المشتري الذي تقرر البطلان لمصلحته, غير أن
القانون المدني أجاز كذلك – في بيع ملك الغير – أن تصدر هذه الإجازة ممن يملك العين.
ومن جهة أخرى, لا تعود قابلية بيع ملك الغير للإبطال لنقص في أهلية أحد المتعاقدين
أو لعيب في التراضي كغلط أو إكراه أو تدليس، بل يقوم الحق في إبطال بيع ملك الغير مستقلاً
تماماً عن هذه العوارض.
6 – بيع ملك الغير "لا ينقلب صحيحاً في حق المالك الحقيقي للعين إلا بإقراره".
لئن كان الأصل وفقاً للقواعد العامة, أن يزول حق إبطال العقد بالإجازة – صريحة كانت
أم ضمنية – إلا أن بيع ملك الغير يظل – مع هذه الإجازة الصادرة ممن يملكها – غير نافذ
في حق المالك الحقيقي للعين, ذلك أن بطلان العقد وإن كان يزول بالإجازة،إلا أن الآثار
التي تتولد عن عدم سريان هذا العقد في حق مالكها, لا يزيلها إلا إقراره إعمال ذلك العقد،
إنفاذاً لمحتواه.
7 – بيع ملك الغير "أثر كل من إجازة العقد وإقراره".
إقرار مالك العين لهذا البيع, أبعد أثراً من الإجازة, إذ ينقلب البيع بهذا الإقرار
صحيحاً في حق من قام بشراء العين، ونافذاً في حق مالكها, على خلاف الإجازة التي يقتصر
أثرها على مجرد تصحيح العقد فيما بين المتعاقدين.
8 – دعوى تنازع تنفيذ الأحكام المتناقضة "انتفاء تعذر التنفيذ – أثره".
إذا كان أحد الحكمين المدعي تناقضهما، قد اقتصر على مجرد تقرير صحة عقد بيع ملك الغير,
وكشف ثانيهما عن عدم نفاذه في مواجهة مالكه الحقيقي باعتباره أجنبياً عنه, فإن آثار
هذين الحكمين – على تفرقها – لا تناقض فيما بينها – ولكنها تتكامل بتضاممها. ويكون
تنفيذهما معاً بالتالي ممكناً.
1 – البين من نص المادة 167 من الدستور، أنها تفوض السلطة التشريعية في أن تقر القواعد
القانونية التي ترتئيها محققة للصالح العام في مجال توزيع الاختصاص الولائي بين الجهات
القضائية على اختلافها. وإذ كان إعمال المحكمة الدستورية العليا لهذه القواعد, لتحدد
على ضوئها الجهة القضائية التي اختصها المشرع دون غيرها بولاية الفصل في النزاع، يفترض
بالضرورة أن يكون الحكمان النهائيان الصادران عن جهتين قضائيتين مختلفتين, قد تناقضا
فيما بينهما بما يحول دون تنفيذهما معاً، وكان تعذر التنفيذ – على هذا النحو – يعكس
جوهر الشروط التي يتطلبها قانون المحكمة الدستورية العليا لفض التناقض بين هذين الحكمين,
فإن تثبتها من توافرها، يكون سابقاً لزوماً على فصلها فيمن هو أحق وأجدر بالتنفيذ من
بينهما، ذلك أن تلك الشروط، هي مناط اختصاصها المنصوص عليه في البند ثالثاً من المادة
25 من قانونها, بل هي علة مزاولتها لهذا الاختصاص, ومعها يدور وجوداً وعدماً.
2 – إن التناقض الذي يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه وفقاً للبند
ثالثاً من المادة 25 من قانونها, هو ذلك الذي يقوم بين حكمين نهائيين صادرين من جهتين
قضائيتين مختلفتين إذا كانا متعامدين على محل واحد, وتعذر تنفيذهما معاً. فإذا كانا
غير متحدين محلاً أو مختلفين نطاقاً، فلا تناقض. وكذلك الأمر كلما كان التعارض بينهما
ظاهرياً لا يتعمق الحقائق القانونية, أو كان مما تزول الشبهة فيه من خلال التوفيق بين
دلالة ما رميا إليه. ويظهر ذلك بوجه خاص كلما كان الحكمان المدعي تناقضهما وامتناع
تنفيذهما معاً، كاشفين – بقضائهما – عن مجموع الآثار القانونية التي رتبها المشرع على
أحد العقود التي نظمها, سواء في نطاق العلاقة فيما بين المتعاقدين، أو في مواجهة الغير.
ذلك أن تفرق هذه الآثار بين حكمين نهائيين, لا يخل بوحدتها أو ينال من تكاملها. باعتبار
أن هذين الحكمين حلقتان متصلتان لا تنفصلان عن بعضهما البعض.
3 – إن وحدة الموضوع التي تعلق بها الحكمان النهائيان المدعي تناقضهما، تتحصل في انصبابهما
على محل واحد, ممثلاً في منشأة سيسل الفندقية التي كان البائع لا يملكها حين قام ببيعها
إلى المدعية. وإذ قضى أحد هذين الحكمين – وهو الحكم الصادر عن هيئة التحكيم – بصحة
التعاقد على بيعها، وكان ثانيهما قد صدر عن محكمة استئنافية منتهياً إلى عدم سريان
هذا العقد في حق مالكها الحقيقي, فإن الفصل فيما إذا كان هذان الحكمان يطرحان تناقضاً
في التنفيذ, مما تختص به المحكمة الدستورية العليا وفقا لقانونها, يقتضي بالضرورة الرجوع
إلى الأحكام التي اختص بها القانون المدني هذا النوع من البيوع, لتقرير ما إذا كان
هذان الحكمان – فيما خلصا إليه – يتواءمان معها – فلا يتصادمان، أم كانا متناقضين،
ويتهادمان، ليكون اجتماع تنفيذها معاً متعذراً.
4 – إذ تنص الفقرة الأولى من المادة 466 من القانون المدني, على أنه إذا باع شخص شيئاً
معيناً بالذات وهو لا يملكه، جاز لمن قام بشراء هذا الشيء أن يطلب إبطال البيع. ويكون
الأمر كذلك ولو وقع البيع على عقار سجل العقد أو لم يسجل. وكانت فقرتها الثانية تقضى
بأن هذا البيع لا يكون سارياً – في كل حال – في حق المالك للعين المبيعة ولو أجاز مشتريها
العقد, وكانت الفقرة الأولى من المادة 467 من هذا القانون، تقضي بأنه إذا أقر المالك
البيع سرى العقد في حقه وانقلب صحيحاً في حق المشتري, كما تقضي فقرتها الثانية بأن
البيع ينقلب كذلك صحيحاً في حق المشتري، إذا آلت ملكية المبيع إلى البائع بعد صدور
العقد؛ وكانت الأحكام السابق بيانها, التي نظم بها القانون المدني بيع مالك الغير,
تدل في مجموعها على أن البيع يكون كذلك، كلما باع شخص عيناً معينة بذاتها لا يملكها
حين العقد, إذا قصد بالبيع نقل ملكيتها في الحال وإذ كان من المقرر أن بيع العين على
هذا النحو, لا يعتبر موقوفاً على إجازة مالكها أو إقراره، وإلا كانت آثاره جميعها متوقفاً
سريانها على هذه الإجازة، ومتراخية – حتى فيما بين المتعاقدين – إلى حين تمامها, حال
أن بيع ملك الغير وفقاً لقواعد القانون المدني، لا يعتبر كذلك, إذ ينتج هذا العقد أثره
في الحال, كالشأن في كل عقد قابل للإبطال.
كذلك لا يعتبر هذا العقد باطلاً مطلقاً, إذ لو كان كذلك, لكان عقداً منعدماً وجوداً
انعداماً كاملاً، فلا يولد أثراً فيما بين المتعاقدين, ولا يقبل إجازة، إذ العدم لا
يصير وجوداً أجيز, ولا يتقادم الدفع ببطلانه مهما طال عليه الأمد. إنما يظل البطلان
المطلق جزاءً قانونياً مترتباً على عدم استجماع العقد لكامل أركانه مستوفية لشروطها.
وهو بعد بطلان تمليه طبائع الأشياء، ولا يتصور أن يزول بالنزول عنه. ذلك أن القانون
لا يقرره رعاية لمصلحة أحد المتعاقدين، بل لمواجهة مصلحة عامة لها اعتبارها. ومن ثم
جاز لكل ذي شأن أن يتمسك بهذا النوع من البطلان. وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها.
وعلى خلاف ذلك بيع ملك الغير, إذ يعتبر هذا العقد قابلاً للإبطال لمصلحة متعاقد بذاته,
هو من ابتاع العين من غير مالكها, ولعلة بذاتها مرجعها منافاة هذا البيع للأصل فيه,
باعتباره عقداً ناقلاً للملكية. بما مؤداه أن بطلان بيع ملك الغير لا يقع بقوة القانون,
بل يعتبر هذا البيع – وإلى أن يحكم ببطلانه – مكتملاً وجوداً من الناحية القانونية,
شأن بيع ملك الغير في ذلك شأن كل عقد تكاملت أركانه مستوفية لشروطها – ولو حمل سبباً
لبطلانه – ليكون بيع ملك الغير بذلك – وإلى أن يبطل -منتجاً لكل آثار البيع, عدا تلك
التي يحول دون قيامها عدم ملكية البائع للمبيع.
5 – جاوز المشرع في بيع ملك الغير جانباً من القواعد العامة التي اختص بها العقد القابل
للإبطال, وذلك من جهتين على الأخص: أولاهما أن القانون المدني وإن خول من ابتاع العين
من غير مالكها, الحق في إجازة عقد بيعها، باعتبار أن البطلان تقرر أصلاً لمصلحته, إلا
أن هذا القانون أجاز كذلك أن تصدر الإجازة من مالكها الحقيقي, مع أنه لا يملك التمسك
بالبطلان, كما يزول هذا البطلان، وينقلب العقد صحيحاً في حق من قام بشراء العين, وإذا
آل المبيع إلى البائع بعد صدور العقد, إذا لم يعد للبطلان في هاتين الصورتين من محل,
بعد أن زال العائق الذي كان يحول دون انتقال الملكية. ثانيتهما: أن العقد القابل للإبطال
لا يفترض انعدام الإرادة أو فقدان التمييز، بل يجوز وفقا للقواعد العامة إبطال العقد
لنقض في أهلية المتعاقد، أو لأن عيباً داخل رضاءه كغلط أو إكراه أو تدليس أو استغلال.
بيد أن هذين العارضين لا شأن لهما بإبطال بيع ملك الغير, بل يقوم الحق في هذا الإبطال
– ولو وقع البيع على عقار, سجل العقد أم لم يسجل – مستقلاً تماماً عنهما. ذلك أن ما
يتغياه المشرع بتقرير هذا الحق, هو أن يمكن من قام بشراء العين من اتقاء دعوى الاستحقاق
التي قد يقيمها عليه مالكها الحقيقي ومن التخلص من الالتزامات التي يرتبها عقد البيع
القائم في ذمته, وأن يرد عنه أيضاً غير ذلك من الأضرار، كالرجوع على البائع بما يكون
قد أداه إليه من الثمن مع التعويض, ولو كان البائع حسن النية.
6 – من المقرر وفقاً لنص المادة 139 من القانون المدني – وحكمها قاعدة عامة في شأن
العقد القابل للإبطال – أن حق إبطال العقد يزول بالإجازة صريحة كانت أم ضمنية. وتستند
الإجازة دوماً إلى التاريخ الذي تم فيه العقد دون إخلال بحقوق الغير. وإذ كان من المقرر
أن الإجازة الصادرة ممن يملكها تصح, ولو لم يقترن قبول بها, إذ تعد تصرفاً قانونياً
منفرداً صادراً من قبل من تقرر البطلان لمصلحته. ولا يجوز الرجوع فيها بالتالي بادعاء
أن هذا القبول لم يصدر بعد. وبها يستقر وجود العقد بصورة نهائية بعد أن كان مهدداً
بالزوال. وهي تلحق العقد القابل للإبطال لأن وجوده قانوناً لا شبهة فيه ما دام بطلانه
لم يتقرر بعد. ويدل عليه كل عمل يفيد معناها، ويكون كاشفاً عن دلالتها، إذا صدر ممن
يملكها في شأن عقد قائم، وكان عالما بما داخل هذا العقد من عيوب قاصدا التجاوز عنها.
بما مؤداه أن دعواه بإبطال العقد, تكون مفتقرة إلى أساسها منافية لمقاصدها, إذا أتى
عملاً يدل صراحة أو ضمناً على أنه أجازه، ذلك أن هذه الإجازة هي التي تزيل قابليته
للإبطال, وهي التي ينقلب بها العقد صحيحاً على الدوام بعد أن كان وجوده قلقاً، وإن
كان ذلك لا يخل بالحقوق التي كفلها القانون للغير. ذلك أن العقد يظل – حتى مع هذه الإجازة
– وعلى ما تقضي به الفقرة الثانية من المادة 466 من القانون المدني – غير نافذ في حق
المالك الحقيقي للعين, باعتبار أن بطلان العقد وإن كان يزول بالإجازة، إلا أن الآثار
التي تتولد عن عدم سريان هذا العقد في حق مالكها, لا يزيلها إلا إقراره إعمال ذلك العقد
إنفاذاً لمحتواه.
7 – البين من الأوراق, أن المدعية لم تعد على الإطلاق إلى إبطال عقد البيع الابتدائي
الصادر لصالحها في شأن فندق سيسل – رغم علمها بأن مالكها من الغير – وكان موقفها هذا
حتى وإن دل على اتجاه إرادتها إلى تنفيذه, وانصرافها إلى إجازة أحكامه لضمان استقرار
وجوده قانوناً فيما بين المتعاقدين، إلا أن قضاء المحكمة الاستئنافية عدم سريان هذا
العقد ذاته في حق مالكها, لا يعدو أن يكون إعمالاً من جانبها للفقرة الثانية من المادة
466 من القانون المدني, وتسليماً من جهتها بأن هذا العقد – حتى ولو كان قد أجيز في
شأن عين النزاع ممن تقرر البطلان لمصلحته – إلا أن ذلك العقد يظل قاصراً على أن ينقل
ملكيتها إلى مشتريها بعد أن بذل من أجلها الثمن. ولا يجوز بالتالي أن يضار مالكها بهذا
العقد من خلال الاحتجاج بآثاره في مواجهته، إذ هو أجنبي عنه, ولأن إجازة المشتري للعقد
القابل للإبطال، لا تعني أكثر من استبقاء هذا العقد بالعناصر التي اشتمل عليها دون
تعديل لمضمونها, ومن بينها – في واقعة النزاع الموضوعي – أن محل البيع ليس مملوكاً
للبائع, ولا يتصور أن تنتقل ملكيته إلى من سعي إلى كسبها، إلا بإقرار صاحبها لهذا العقد.
وتلك قاعدة لا استثناء منها, ولا قيد عليها من أحكام القانون المدني. ذلك أن هذا الإقرار
لا يعدو أن يكون تصرفاً قانونياً متضمناً إسقاطاً لحق. وهو يصدر عن المقر، باعتباره
من الغير في خصوص ذلك العقد, ليزول بصدوره ما كان يحول دون انتقال الملكية برضاه. بما
مؤداه أن الإقرار أبعد من الإجازة أثراً، ذلك أن بيع ملك الغير ينقلب بذلك الإقرار
– وعلى ما تنص عليه الفقرة الثانية من المادة 467 من القانون المدني – صحيحاً في حق
من قام بشراء العين, ونافذاً كذلك في حق مالكها, على خلاف الإجازة التي يقتصر أثرها
على مجرد تصحيح العقد فيما بين المتعاقدين.
8 – متى كان ما تقدم, وكان الحكمان المدعي تعارضهما – في نطاق النزاع الراهن – يجمعان
معاً الآثار التي رتبها المشرع على بيع ملك الغير, إذ يقتصر أولهما على مجرد تقرير
صحته, وكان ثانيهما كاشفاًً عن عدم سريانه في مواجهة مالكه الحقيقي باعتباره أجنبياً
عنه, وكانت هذه الآثار على تفرقها لا تتصادم فيما بينها، ولكنها تتكامل بتضاممها، فإن
تنفيذ هذه الحكمين معاً يكون ممكناً، وتكون قالة التناقض بينهما مفتقرة إلى شروط قبولها,
وهو ما يتعين الحكم به.
الإجراءات
بتاريخ 9 أغسطس 1993 أودعت الشركة المدعية صحيفة هذه الدعوى قلم
كتاب المحكمة الدستورية العليا, طلبت في ختامها الاعتداد بالحكم الصادر من هيئة التحكيم
بجلسة 2/ 3/ 1980 في طلب التحكيم رقم 280 لسنة 1979 – فيما قضى به من صحة ونفاذ عقد
البيع المؤرخ 10/ 6/ 1963 – دون الحكم الصادر من محكمة استئناف الإسكندرية بجلسة 15/
6/ 1993 في الاستئنافات أرقام 1332, 1337, 1339 لسنة 47 قضائية.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن السيد رئيس
الجمهورية كان قد أصدر القرار رقم 226 لسنة 1963 بفرض الحراسة على منشأة سيسل الفندقية
الكائن مقرها بالعقار رقم 8 تنظيم العطارين بميدان سعد زغلول بالإسكندرية – والتي كان
يملكها آنئذ البرت ميتزجر. وإعمالاً لأحكام قرار رئيس المجلس التنفيذي رقم 27 لسنة
1963، الذي خول الحارس العام على أموال الخاضعين لأحكام قانون الطوارئ سلطة بيع المنشآت
التجارية التي يملكونها, فقد باع الحارس العام – بتاريخ 10/ 3/ 1963 – كامل أرض وبناء
هذا الفندق ولقاء ثمن محدد – إلى شركة فنادق الوجه القبلي التي حلت محلها المدعية في
النزاع الراهن. بيد أن الحراسة العامة, ومن بعدها جهاز تصفية الحراسات، لم توقع من
جانبها على العقد النهائي, مما حمل المدعية على أن تقيم الدعوى رقم 1717 لسنة 1971
مدني محكمة جنوب القاهرة الابتدائية, بغية الحكم لها بصحة عقد البيع الابتدائي ونفاذه.
وإذ كانت محكمة جنوب القاهرة الابتدائية قد أحالت هذه الدعوى إلى هيئة التحكيم تأسيساً
على أن موضوع النزاع يدخل في ولايتها المنفردة وفقاً لأحكام قانون المؤسسات العامة
وشركات القطاع العام الصادر بالقانون رقم 60 لسنة 1979, وكان قضاء هذه الهيئة في طلب
التحكيم المقيد أمامها تحت رقم 128 لسنة 1979، قد خلص إلى صحة التعاقد [عقد البيع الابتدائي]
المؤرخ 10/ 3/ 1963 باعتبار أن هذا العقد أبرم فيما بين الحارس العام وشركة فنادق وجه
قبلي, وتم مستجمعاً كامل أركانه, مستوفياً لشروطها. وصحيحاً بالتالي، وكان البيع المحكوم
بصحته على النحو المتقدم, يتصل بعقار ومنشأة تجارية آلا إلى السيدة جين جوفاني ميراثاً
على زوجها, فقد سعت هذه إلى أن تتخذ من التدابير ما يكون كفيلاً ببقاء الفندق في حوزتها،
واقتضاها ذلك أن تقيم أمام محكمة الإسكندرية الابتدائية ضد المدعية وآخرين دعويين هما
على التوالي – الدعوى رقم 5273 لسنة 1977 والدعوى رقم 5186 لسنة 1977 مدني كلي, وذلك
بطلب الحكم في أولاهما بتثبيت ملكيتها للعقار الذي يقع الفندق فيه, وفي ثانيتهما بعدم
سريان عقد بيع الفندق في حقها وتسليمه لها. وقد أجابت محكمة الإسكندرية الابتدائية
السيدة جين جيوفاني إلى طلبيها في هاتين الدعويين, إلا أن حكمها هذا لم يلق قبولاً،
لا من المدعية, ولا من وزير المالية بصفته ممثلاً لجهاز تصفية الحراسات, فاستأنفاه
بالاستئنافين رقمي 1337, 1339 لسنة 47 قضائية، ناعيين على الحكم المطعون فيه مخالفته
للقانون, وانتهيا أصلياً إلى طلب الحكم بإلغائه، وإحالة موضوع النزاع إلى محكمة القيم
لاختصاصها ولائياً دون غيرها بالفصل فيه, واحتياطياً إلى طلب الحكم بعدم جواز نظر الدعويين
محل الحكم المطعون فيه, لسابقة الفصل في الخصومة المثارة فيهما من قبل هيئة التحكيم
في الطلب رقم 280 لسنة 1973 آنف البيان. وقد قضت المحكمة الاستئنافية بتاريخ 15 يونيو
1993، بقبول الاستئنافين شكلاً، وفي الموضوع برفضهما, وتأييد الحكم الابتدائي المطعون
فيه، حملاً على أمرين: أولهما أن النزاع الراهن يدخل في ولاية جهة القضاء العادي التي
خولها المشرع سلطة نظر المنازعات جميعها عدا ما استثني منها بنص خاص, وأن محكمة القيم
ليس لها من ولاية في شأن نزاع يتصل بمنشأة تجارية كالفندق محل النزاع, بل تقتصر ولايتها
على الفصل فيما ينشأ عن الحراسات المفروضة على الأشخاص الطبيعيين, وذلك إعمالاً لأحكام
القانون رقم 141 لسنة 1981 بتصفية الأوضاع الناشئة عن فرض الحراسة. ثانيهما أن السيدة
جين جوفاني لم تكن طرفاً في التحكيم, ولا يجوز بالتالي أن تحاج بالحكم الصادر فيه.
وحيث إن المدعية – وعلى ما جاء بصحيفة دعواها الراهنة – قد بدا لها أن الحكم الصادر
من المحكمة الاستئنافية, يناقض الحكم الصادر من هيئة التحكيم باعتبار أن الحكم بعدم
سريان عقد البيع الابتدائي في حق المالك الحقيقي للفندق، يحول دون تنفيذ الحكم بصحة
هذا العقد ونفاذه, ومن ثم فقد رفعت دعواها الماثلة لفض التناقض بين هذين الحكمين.
وحيث إن البين من نص المادة 167 من الدستور، أنها تفوض السلطة التشريعية في أن تقر
القواعد القانونية التي ترتئيها محققة للصالح العام في مجال توزيع الاختصاص الولائي
بين الجهات القضائية على اختلافها. وإذ كان إعمال المحكمة الدستورية العليا لهذه القواعد,
لتحدد على ضوئها الجهة القضائية التي اختصها المشرع دون غيرها بولاية الفصل في النزاع،
يفترض بالضرورة أن يكون الحكمان النهائيان الصادران عن جهتين قضائيتين مختلفتين, قد
تناقضا فيما بينهما بما يحول دون تنفيذهما معاً، وكان تعذر التنفيذ – على هذا النحو
– يعكس جوهر الشروط التي يتطلبها قانون المحكمة الدستورية العليا لفض التناقض بين هذين
الحكمين, فإن تثبتها من توافرها، يكون سابقاً لزوماً على فصلها فيمن هو أحق وأجدر بالتنفيذ
من بينهما، ذلك أن تلك الشروط، هي مناط اختصاصها المنصوص عليه في البند ثالثاً من المادة
25 من قانونها, بل هي علة مزاولتها لهذا الاختصاص, ومعها يدور وجوداً وعدماً.
وحيث إن التناقض الذي يستنهض ولاية المحكمة الدستورية العليا للفصل فيه وفقاً للبند
ثالثاً من المادة 25 من قانونها, هو ذلك الذي يقوم بين حكمين نهائيين صادرين من جهتين
قضائيتين مختلفتين إذا كانا متعامدين على محل واحد, وتعذر تنفيذهما معاً. فإذا كانا
غير متحدين محلاً أو مختلفين نطاقاً، فلا تناقض. وكذلك الأمر كلما كان التعارض بينهما
ظاهرياً لا يتعمق الحقائق القانونية, أو كان مما تزول الشبهة فيه من خلال التوفيق بين
دلالة ما رميا إليه, ويظهر ذلك بوجه خاص كلما كان الحكمان المدعي تناقضهما وامتناع
تنفيذهما معاً، كاشفين – بقضائهما – عن مجموع الآثار القانونية التي رتبها المشرع على
أحد العقود التي نظمها, سواء في نطاق العلاقة فيما بين المتعاقدين، أو في مواجهة الغير.
ذلك أن تفرق هذه الآثار بين حكمين نهائيين, لا يخل بوحدتها أو ينال من تكاملها. باعتبار
أن هذين الحكمين حلقتان متصلتان لا تنفصلان عن بعضهما البعض.
وحيث إن وحدة الموضوع التي تعلق بها الحكمان النهائيان المدعي تناقضهما، تتحصل في انصبابها
على محل واحد, ممثلاً في منشأة سيسل الفندقية التي كان البائع لا يملكها حين قام ببيعها
إلى المدعية. وإذ قضى أحد هذين الحكمين – وهو الحكم الصادر عن هيئة التحكيم – بصحة
التعاقد على بيعها، وكان ثانيهما قد صدر عن محكمة استئنافية منتهياً إلى عدم سريان
هذا العقد في حق مالكها الحقيقي, فإن الفصل فيما إذا كان هذان الحكمان يطرحان تناقضاً
في التنفيذ, مما تختص به المحكمة الدستورية العليا وفقا لقانونها, يقتضي بالضرورة الرجوع
إلى الأحكام التي اختص بها القانون المدني هذا النوع من البيوع, لتقرير ما إذا كان
هذان الحكمان – فيما خلصا إليه – يتواءمان معها – فلا يتصادمان، أم كانا متناقضين،
ويتهادمان، ليكون اجتماع تنفيذها معاً متعذراً.
وحيث إن الفقرة الأولى من المادة 466 من القانون المدني تنص على أنه إذا باع شخص شيئاً
معيناً بالذات وهو لا يملكه، جاز لمن قام بشراء هذا الشيء أن يطلب إبطال البيع. ويكون
الأمر كذلك ولو وقع البيع على عقار سجل العقد أو لم يسجل. كما تنص فقرتها الثانية على
أن هذا البيع لا يكون سارياً – في كل حال – في حق المالك للعين المبيعة، ولو أجاز مشتريها
العقد. كذلك تنص الفقرة الأولى من المادة 467 منه على أنه إذا أقر المالك البيع سرى
العقد في حقه وانقلب صحيحاً في حق المشتري, كما تقضي فقرتها الثانية بأن البيع ينقلب
كذلك صحيحا في حق المشتري، إذا آلت ملكية المبيع إلى البائع بعد صدور العقد.
وحيث إن الأحكام السابق بيانها, التي نظم بها القانون المدني بيع ملك الغير, تدل في
مجموعها على أن البيع يكون كذلك كلما باع شخص عيناً معينة بذاتها لا يملكها حين العقد,
إذا قصد بالبيع نقل ملكيتها في الحال. وإذ كان من المقرر أن بيع العين على هذا النحو,
لا يعتبر موقوفاً على إجازة مالكها، أو إقراره، وإلا كانت آثاره جميعها متوقفاً سريانها
على هذه الإجازة، ومتراخية – حتى فيما بين المتعاقدين – إلى حين تمامها, حال أن بيع
ملك الغير وفقاً لقواعد القانون المدني، لا يعتبر كذلك, إذ ينتج هذا العقد أثره في
الحال كالشأن في كل عقد قابل للإبطال.
كذلك لا يعتبر هذا العقد باطلاً مطلقاً, إذ لو كان كذلك, لكان عقداً منعدماً وجوداً
انعداماً كاملاً، فلا يولد أثراً فيما بين المتعاقدين, ولا يقبل إجازة إذ العدم لا
يصير وجوداً ولو أجيز, ولا يتقادم الدفع ببطلانه مهما طال عليه الأمد. إنما يظل البطلان
المطلق جزاءً قانونياً مترتباً على عدم استجماع العقد لكامل أركانه مستوفية لشروطها.
وهو بعد بطلان تمليه طبائع الأشياء، ولا يتصور أن يزول بالنزول عنه. ذلك أن القانون
لا يقرره رعاية لمصلحة أحد المتعاقدين، بل لمواجهة مصلحة عامة لها اعتبارها. ومن ثم
جاز لكل ذي شأن أن يتمسك بهذا النوع من البطلان. وللمحكمة أن تقضي به من تلقاء نفسها.
وعلى خلاف ذلك بيع ملك الغير, إذ يعتبر هذا العقد قابلاً للإبطال لمصلحة متعاقد بذاته,
هو من ابتاع العين من غير مالكها, ولعلة بذاتها مرجعها منافاة هذا البيع للأصل فيه,
باعتباره عقداً ناقلاً للملكية. بما مؤداه أن بطلان بيع ملك الغير لا يقع بقوة القانون,
بل يعتبر هذا البيع – وإلى أن يحكم ببطلانه – مكتملاً وجوداً من الناحية القانونية,
شأن بيع ملك الغير في ذلك شأن كل عقد تكاملت أركانه مستوفية لشروطها – ولو حمل سبباً
لبطلانه – ليكون بيع ملك الغير بذلك – وإلى أن يبطل – منتجاً لكل آثار البيع, عدا تلك
التي يحول دون قيامها عدم ملكية البائع للمبيع.
وحيث إن المشرع جاوز في بيع ملك الغير جانباً من القواعد العامة التي اختص بها العقد
القابل للإبطال, وذلك من جهتين على الأخص: أولاهما أن القانون المدني وإن خول من ابتاع
العين من غير مالكها, الحق في إجازة عقد بيعها باعتبار أن البطلان تقرر أصلاً لمصلحته,
إلا أن هذا القانون أجاز كذلك أن تصدر الإجازة من مالكها الحقيقي, مع أنه لا يملك التمسك
بالبطلان. كما يزول هذا البطلان، وينقلب العقد صحيحاً في حق من قام بشراء العين, إذا
آل المبيع إلى البائع بعد صدور العقد, إذا لم يعد للبطلان في هاتين الصورتين من محل,
بعد أن زال العائق الذي كان يحول دون انتقال الملكية. ثانيتهما: أن العقد القابل للإبطال
لا يفترض انعدام الإرادة أو فقدان التمييز، بل يجوز وفقا للقواعد العامة، إبطال العقد
لنقص في أهلية المتعاقد، أو لأن عيباً داخل رضاءه كغلط أو إكراه أو تدليس أو استغلال.
بيد أن هذين العارضين لا شأن لهما بإبطال بيع ملك الغير, بل يقوم الحق في هذا الإبطال
– ولو وقع البيع على عقار سجل العقد أم لم يسجل – مستقلاً تماماً عنهما. ذلك أن ما
يتغياه المشرع بتقرير هذا الحق, هو أن يُمَكِّن من قام بشراء العين من اتقاء دعوى الاستحقاق
التي قد يقيمها عليه مالكها الحقيقي ومن التخلص من الالتزامات التي يرتبها عقد البيع
القائم في ذمته, وأن يرد عنه أيضاً غير ذلك من الأضرار، كالرجوع على البائع بما يكون
قد أداه إليه من الثمن مع التعويض, ولو كان البائع حسن النية.
وحيث إن من المقرر, وفقاً لنص المادة 139 من القانون المدني – وحكمها قاعدة عامة في
شأن العقد القابل للإبطال – أن حق إبطال العقد يزول بالإجازة صريحة كانت أم ضمنية.
وتستند الإجازة دوماً إلى التاريخ الذي تم فيه العقد، دون إخلال بحقوق الغير. وإذ كان
من المقرر أن الإجازة الصادرة ممن يملكها تصح, ولو لم يقترن قبول بها, إذ تعد تصرفاً
قانونياً منفرداً صادراً من قبل من تقرر البطلان لمصلحته. ولا يجوز الرجوع فيها بالتالي
بادعاء أن هذا القبول لم يصدر بعد. وبها يستقر وجود العقد بصورة نهائية بعد أن كان
مهدداً بالزوال. وهي تلحق العقد القابل للإبطال لأن وجوده قانوناً لا شبهة فيه، ما
دام بطلانه لم يتقرر بعد. ويدل عليها كل عمل يفيد معناها، ويكون كاشفاً عن دلالتها،
إذا صدر ممن يملكها في شأن عقد قائم، وكان عالما بما داخل هذا العقد من عيوب قاصدا
التجاوز عنها. بما مؤداه أن دعواه بإبطال العقد, تكون مفتقرة إلى أساسها منافية لمقاصدها,
إذا أتى عملاً يدل صراحة أو ضمناً على أنه أجازه، ذلك أن هذه الإجازة هي التي تزيل
قابليته للإبطال, وهي التي ينقلب بها العقد صحيحاً على الدوام، بعد أن كان وجوده قلقاً،
وإن كان ذلك لا يخل بالحقوق التي كفلها القانون للغير. ذلك أن العقد يظل – حتى مع هذه
الإجازة – وعلى ما تقضي به الفقرة الثانية من المادة 466 من القانون المدني – غير نافذ
في حق المالك الحقيقي للعين, باعتبار أن بطلان العقد، وإن كان يزول بالإجازة، إلا أن
الآثار التي تتولد عن عدم سريان هذا العقد في حق مالكها, لا يزيلها إلا أقراره إعمال
ذلك العقد إنفاذاً لمحتواه.
وحيث إن البين من الأوراق, أن المدعية لم تعمد على الإطلاق إلى إبطال عقد البيع الابتدائي
الصادر لصالحها في شأن فندق سيسل – رغم علمها بأن مالكها من الغير – وكان موقفها هذا
– حتى وإن دل على اتجاه إرادتها إلى تنفيذه, وانصرافها إلى إجازة أحكامه – لضمان استقرار
وجوده قانوناً فيما بين المتعاقدين، إلا أن قضاء المحكمة الاستئنافية عدم سريان هذا
العقد ذاته في حق مالكها, لا يعدو أن يكون إعمالاً من جانبها للفقرة الثانية من المادة
466 من القانون المدني, وتسليماً من جهتها بأن هذا العقد – حتى ولو كان قد أجيز في
شأن عين النزاع ممن تقرر البطلان لمصلحته – إلا أن ذلك العقد يظل قاصراً على أن ينقل
ملكيتها إلى مشتريها بعد أن بذل من أجلها الثمن, ولا يجوز بالتالي أن يضار مالكها بهذا
العقد من خلال الاحتجاج بآثاره في مواجهته، إذ هو أجنبي عنه, ولأن إجازة المشتري للعقد
القابل للإبطال، لا تعني أكثر من استبقاء هذا العقد بالعناصر التي اشتمل عليها دون
تعديل لمضمونها, ومن بينها – في واقعة النزاع الموضوعي – أن محل البيع ليس مملوكاً
للبائع, ولا يتصور أن تنتقل ملكيته إلى من سعي إلى كسبها، إلا بإقرار صاحبها لهذا العقد.
وتلك قاعدة لا استثناء منها, ولا قيد عليها من أحكام القانون المدني. ذلك أن هذا الإقرار،
لا يعدو أن يكون تصرفاً قانونياً متضمناً إسقاطاً لحق. وهو يصدر عن المقر، باعتباره
من الغير في خصوص ذلك العقد, ليزول بصدوره، ما كان يحول دون انتقال الملكية برضاه,
بما مؤداه أن الإقرار أبعد من الإجازة أثراً، ذلك أن بيع ملك الغير ينقلب بذلك الإقرار
– وعلى ما تنص عليه الفقرة الثانية من المادة 467 من القانون المدني – صحيحاً في حق
من قام بشراء العين, ونافذاً كذلك في حق مالكها, على خلاف الإجازة التي يقتصر أثرها
على مجرد تصحيح العقد فيما بين المتعاقدين.
وحيث إنه متى كان ما تقدم, وكان الحكمان المدعي تعارضهما – في نطاق النزاع الراهن –
يجمعان معا الآثار التي رتبها المشرع على بيع ملك الغير, إذ يقتصر أولهما على مجرد
تقرير صحته, وكان ثانيهما كاشفاًً عن عدم سريانه في مواجهة مالكه الحقيقي باعتباره
أجنبياً عنه, وكانت هذه الآثار على تفرقها لا تتصادم فيما بينها، ولكنها تتكامل بتضاممها،
فإن تنفيذ هذه الحكمين معاً يكون ممكناً، وتكون قالة التناقض بينهما مفتقرة إلى شروط
قبولها, وهو ما يتعين الحكم به.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى.
