الطعن رقم 8 لسنة 15 قضائية “تنازع” – جلسة 04 /06 /1994
المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 856
جلسة 4 يونيو سنة 1994
برئاسة السيد المستشار الدكتور عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولي الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض – أعضاء، وحضور السيد المستشار رجب عبد الحكيم سليم – المفوض، وحضور السيد رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.
(القاعدة رقم 10)
القضية رقم 8 لسنة 15 قضائية "تنازع"
1 – دعوى تنازع الاختصاص "جهات التنازع" "التعريف بها".
الجهات أو الهيئات التي تتنازع الاختصاص فيما بينها – إيجابياً كان هذا التنازع أم
سلبياً – هي تلك التي منحها المشرع ولاية القضاء في نزاع معين, وتتوافر لقراراتها القضائية
في شأن هذا النزاع خصائص الأحكام ومقوماتها.
2 – المحكمة الدستورية العليا "إعمالها لقواعد الاختصاص الولائي لفض التنازع على الاختصاص".
مباشرة المحكمة الدستورية العليا لولايتها في مجال فض التنازع بين تلك الجهات أو الهيئات,
يقتضيها إعمال القواعد الآمرة التي حدد بها المشرع – بتفويض من المادة 167 من الدستور
– ولاية كل منها, الارتكان إلى هذه القواعد لإسناد الخصومة القضائية إلى أحق هذه الجهات
والهيئات بالفصل فيها.
3 – الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة "ليست جهة قضاء".
ما يصدر عن هذه الجمعية في المنازعات التي اختصها البند (د) من المادة 66 من قانون
مجلس الدولة بنظرها, لا يعدو أن يكون رأياً في مجال الإفتاء، لا تنعقد به خصومة بين
طرفين، ولا يلزم للفصل في المنازعة التي يتعلق بها هذا الرأي، مراعاة حد أدنى من إجراءات
التقاضي, أو ضماناته الرئيسية, لا ينال من ذلك الصفة الإلزامية لآرائها في تلك المنازعات.
4 – حيازة "قرار النيابة العامة في منازعتها": "ليس حداً للتنازع: أساس ذلك".
قرار النيابة في منازعات الحيازة – طبقاً للمادة 373 مكرراً من قانون العقوبات المضافة
بالقانون رقم 29 لسنة 1982، المادة 44 مكرراً من قانون المرافعات المضافة بالقانون
رقم 23 لسنة 1992 – يظل إجراءً أولياً مؤقتاً كاشفاً عن طبيعته التحفظية, متوخياً حماية
الحيازة المادية للعقار، قلقاً لا يستقر إلا بتأييده بعد التظلم منه, في المواعيد ووفق
الإجراءات المحددة، وأمام الجهة القضائية التي عينها القانون: اعتبار قرار هذه الجهة
– في ذلك التظلم دون غيره, عملاً قضائياً في تطبيق أحكام البند ثانياً من المادة 25
من قانون المحكمة الدستورية العليا.
1, 2 – جهة القضاء أو الهيئة ذات الاختصاص القضائي, هي تلك التي تستمد ولايتها من قانون
محدد لاختصاصها، يكون مبيناً لإجراءات نظر الخصومة أمامها, مفصلاً لضماناتها القضائية,
ومُقَيداً أحكامها بأن تصدر على أساس قاعدة قانونية محددة سلفاً, لتكون عنواناً للحقيقة,
متى حازت قوة الأمر المقضي – بما مؤداه أن الجهات والهيئات التي تتنازع الاختصاص فيما
بينها – إيجابياً كان هذا التنازع أم سلبياً – هي تلك التي منحها المشرع ولاية القضاء
في نزاع معين, وتتوافر لقراراتها القضائية في شأن هذا النزاع, خصائص الأحكام ومقوماتها,
وترقى بالتالي إلى مرتبتها، باعتبارها من جنسها, وكان نهوض المحكمة الدستورية العليا
لفض التنازع بين هذه الجهات والهيئات, أو بين بعضها البعض, يقتضيها إعمال القواعد الآمرة
التي حدد به المشرع – بتفويض من المادة 167 من الدستور – ولاية كل منها، باعتبار أن
ما يدخل في اختصاص كل جهة أو هيئة من بينها, يعتبر محجوزاً لها وموقوفاً عليها, فقد
وجب الارتكان إلى هذه القواعد لإسناد الخصومة القضائية التي وقع التنازع على الاختصاص
بصددها, إلى أحق هذه الجهات أو الهيئات بالفصل فيها.
3 – الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة, تستمد اختصاصها من المادة
66 من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972، التي تنص على أن
تختص هذه الجمعية العمومية بإبداء الرأي مسبباً في المسائل والموضوعات الآتية:
[ أ ]…… [ب]….. [جـ]….. [د] المنازعات التي تنشأ بين الوزارات, أو بين المصالح
العامة، أو بين الهيئات العامة, أو بين المؤسسات العامة, أو بين الهيئات المحلية, أو
بين هذه الجهات وبعضها البعض؛ وكان من المقرر أن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع,
لا تعتبر في ممارستها لهذا الاختصاص، جهة قضاء أو هيئة ذات اختصاص قضائي, ذلك أن ما
يصدر عنها في المسائل التي اختصها البند [د] من المادة 66 من قانون مجلس الدولة بنظرها,
لا يعدو أن يكون رأياً في مجال الإفتاء، لا تنعقد به خصومة بين طرفين، ولا يلزم للفصل
في المنازعة التي يتعلق هذا الرأي بها, مراعاة حد أدنى من إجراءات التقاضي أو ضماناته
الرئيسية. وآية ذلك أن قانون مجلس الدولة, قد فَصَلَ فصلاً كاملاً بين الوظيفة القضائية
التي تتولاها محاكم مجلس الدولة دون غيرها, وبين مهام الإفتاء، ومراجعة النصوص القانونية
التي عهد بها إلى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع في الأحوال التي عينها, وكان
الفصل بين هاتين الوظيفتين, مؤداه أنهما لا تتداخلان مع بعضهما, ولا تحل إحداهما محل
الأخرى, أو تقوم مقامها, وكان لا ينال مما تقدم ما قرره قانون مجلس الدولة من أن الآراء
التي تبديها الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع في المنازعات التي نص عليها البند
[د] من المادة 66 من هذا القانون, إنما تقيد الجهات والهيئات الإدارية المعتبرة طرفاً
فيها, ذلك أن الصفة الإلزامية لآرائها في تلك المنازعات, تعني إنفاذها جبراً على الجهات
والهيئات التي وقع الخلف بينها, وحَمْلِها على النزول على مقتضاها، وغايتها ألا ينقلب
النزاع إلى خصومة مستعرة تتعقد إجراءاتها, ويطول أمدها, ويتبدد معها الجهد والمال في
غير طائل, ولأن الجهات والهيئات التي عناها البند [د] من المادة 66 من ذلك القانون,
جميعها من أفرع السلطة التنفيذية أو من أدوات النهوض بالمرافق العامة وتسييرها، وليس
لأيها أن تتحلل من التزامها بالخضوع للقانون, محدداً على ضوء الآراء المحايدة التي
تصدر عن الجمعية العمومية المشار إليها، ولو لم تكن لها خصائص الأحكام ومقوماتها، بسبب
عدم تعلقها بالوظيفة القضائية.
4 – اختصاص النيابة العامة بنظر منازعات الحيازة, مَرَّ من الناحية التشريعية بمرحلتين:
أولاهما تلك التي صدر فيها القانون رقم 29 لسنة 1982 بشأن تعديل بعض أحكام قانون العقوبات
الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937, متضمناً إضافة المادة 373 مكرراً إلى المواد الخاصة
"بجرائم انتهاك حرمة ملك الغير" الواردة في الباب الرابع عشر من الكتاب الثالث من قانون
العقوبات؛ ليجري نصها كالآتي: "يجوز للنيابة العامة متى قامت دلائل كافية على جدية
الاتهام في الجرائم المنصوص عليها في المواد السابقة من هذا الباب, أن تأمر باتخاذ
إجراء تحفظي لحماية الحيازة, على أن يعرض هذا الأمر خلال ثلاثة أيام على القاضي الجزئي
المختص, لإصدار قرار مسبب خلال ثلاثة أيام على الأكثر بتأييده, أو بتعديله أو بإلغائه.
ويجب رفع الدعوى الجنائية خلال ستين يوماً من تاريخ صدور هذا القرار. وعلى المحكمة
– عند نظر الدعوى الجنائية – أن تفصل في النزاع بناء على طلب النيابة العامة أو المدعي
بالحقوق المدنية أو المتهم بحسب الأحوال, وبعد سماع أقوال ذوي الشأن بتأييد القرار.
أو بإلغائه، وذلك كله دون مساس بأصل الحق. ويعتبر الأمر, أو القرار الصادر كأن لم يكن
عند مخالفة المواعيد المشار إليها، وكذلك إذا صدر أمر بالتحفظ، أو بأن لا وجه لإقامة
الدعوى". ثانيتهما تلك المرحلة التي قرر المشرع فيها تزايد منازعات الحيازة التي ضاعف
من أهميتها, حدة أزمة الإسكان وأدت إلى تفاقمها، وأنها قد تبلغ درجة الجريمة في بعض
الأحيان. وقد تتوقف في بعض أطوارها عند حدود النزاع المدني, وأن كثيراً من هذه المنازعات
– وإن بدأت مدنية بحتة – إلا أنها قد تشتعل فيما بين أطرافها, إلى حد يوشك أن ينتقل
بها إلى نطاق الجريمة إذا تركت دون حل وقتي عاجل. ومن ثم وضع المشرع تنظيماً جديداً
لمنازعات الحيازة, يدخلها في إطار قانون المرافعات المدنية والتجارية، فأصدر القانون
رقم 23 لسنة 1992، الذي أضاف إلى هذا القانون المادة 44 مكرراً التي يجري نصها كالآتي:
"يجب على النيابة العامة متى عرضت عليها منازعة من منازعات الحيازة – مدنية كانت أو
جنائية – أن تصدر فيها قراراً وقتياً مسبباً واجب التنفيذ فوراً بعد سماع أقوال أطراف
النزاع وإجراء التحقيقات اللازمة. ويصدر القرار المشار إليه من عضو نيابة بدرجة رئيس
نيابة على الأقل. وعلى النيابة العامة إعلان هذا القرار لذوي الشأن خلال ثلاثة أيام
من تاريخ صدوره. وفي جميع الأحوال يكون التظلم من هذا القرار لكل ذي شأن أمام القاضي
المختص بالأمور المستعجلة, بدعوى ترفع بالإجراءات المعتادة في ميعاد خمسة عشر يوماً
من يوم إعلانه بالقرار. ويحكم القاضي في التظلم بحكم وقتي بتأييد القرار أو بتعديله
أو بإلغائه. وله بناء على طلب المتظلم أن يوقف تنفيذ القرار المتظلم منه, إلى أن يفصل
في التظلم".
متى كان ما تقدم, وكان قرار النيابة العامة – على امتداد هاتين المرحلتين التشريعيتين
– ظل إجراء أولياً مؤقتاً كاشفاً عن طبيعته التحفظية, متوخياً حماية الحيازة المادية
للعقار, وكان هذا القرار قلقاً لا يستقر إلا بتأييده, بعد التظلم منه, في المواعيد
التي حددها القانون, ووفق القواعد الإجرائية التي بينها, وأمام الجهة القضائية التي
عينها, فإن قرار هذه الجهة دون غيره, هو الذي يعتبر – في تطبيق أحكام البند ثانياً
من المادة 25 من قانون المحكمة الدستورية العليا – عملاً قضائياً صادراً عنها في حدود
ما أسنده إليها المشرع من ولاية قضائية، في مجال رقابتها لأوامر النيابة العامة الصادرة
في منازعات الحيازة.
الإجراءات
بتاريخ 21 سبتمبر سنة 1993 أودعت الهيئة المدعية صحيفة هذه الدعوى
قلم كتاب المحكمة طالبة تعيين الجهة القضائية المختصة بنظر دعوى استرداد الحيازة المرفوعة
منها ضد المدعي عليهم – وذلك بعد أن تخلت كل من جهة القضاء العادي والجمعية العمومية
لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة والنيابة العامة عن نظرها.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت في أصلياً بعدم قبول الدعوى واحتياطياً باختصاص
جهة القضاء العادي بالفصل فيها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل فيما قررته الهيئة
العامة لبنك ناصر الاجتماعي من أنه إعمالاً للقانون رقم 71 لسنة 1962 في شأن التركات
الشاغرة التي تتخلف عن المتوفين من غير وارث ظاهر, آلت إليها ملكية قطعة الأرض الفضاء
الكائنة برقم 111 شارع أبطال التحرير ببندر أسوان, إلا أن مديرية التربية والتعليم
ومديرية الإسكان بأسوان اغتصبتا جزءاً منها لضمه إلى المدرسة الثانوية المجاورة لها,
مما حملها على أن تقيم الدعوى رقم 94 لسنة 1985 مدني أمام محكمة أسوان الجزئية بطلب
الحكم بإلزامهما رد القطعة التي اغتصبتاها من ذلك العقار, وبجلسة 13 نوفمبر سنة 1985
حكمت المحكمة المذكورة في هذه الدعوى بعد اختصاصها ولائيا بنظرها, وأمرت بإحالتها بحالتها
إلى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة، وذلك تأسيساً على أن الاختصاص
بنظر هذه المنازعة – وأطرافها من الهيئات العامة والجهات الحكومية والوحدات المحلية
– منعقد لهذه الجمعية طبقاً للمادة 66 من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون
رقم 47 لسنة 1972. وبعد إحالة الدعوى إلى الجمعية المشار إليها انتهت بجلستها المعقودة
بتاريخ 25 يونيو سنة 1986 إلى عدم اختصاصها بنظر النزاع, وذلك على سند من أن المشرع
قد عقد الاختصاص بنظر منازعات الحيازة – بمقتضي المادة 373 مكرر من قانون العقوبات
– للنيابة العامة, وناط بها الأمر باتخاذ أجراء تحفظي لحماية الحيازة. ويتعين الاعتداد
بهذا النص الخاص وحده وإعمال مقتضاه بصددها, ولو كان أطراف المنازعة على الحيازة من
الجهات الواردة في المادة 66 (د) من قانون مجلس الدولة المشار إليه. بيد أن النيابة
العامة بدورها انتهت كذلك إلى عدم اختصاصها بنظر المنازعة بمقولة أن فضها لا يكون إلا
عن طريق التحكيم. وإذا ارتأت المدعية أن ثمة تنازعاً سلبياً على الاختصاص بنظر دعواها
بين جهات قضائية، فقد أقامت الدعوى الماثلة لتعيين الجهة القضائية المختصة من بينها.
وحيث إن قضاء الحكمة الدستورية العليا قد جرى على أن مناط قبول الفصل في تنازع الاختصاص
السلبي وفقاً للبند ثانياً من المادة 25 من قانونها الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979،
وهو أن تطرح الدعوى عن موضوع واحد أمام جهتين من جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص
القضائي, وأن تتخلى كلتاهما عن نظرها, وكان من المقرر في تطبيق أحكام هذا البند – وعلى
ما جري به قضاء المحكمة الدستورية العليا – أن جهة القضاء أو الهيئة ذات الاختصاص القضائي,
هي تلك التي تستمد ولايتها من قانون محدد لاختصاصها مبنياً لإجراءات نظر الخصومة أمامها,
مفصل لضماناتها القضائية, ومقيداً أحكامها على أساس قاعدة قانونية محددة سلفاً, لتكون
عنواناً للحقيقة, فيما تخلص إليه متى حازت قوة الأمر المقضي، بما مؤداه أن الجهات والهيئات
التي تتنازع الاختصاص فيما بينها – إيجابياً كان هذا التنازع أم سلبياً – هي تلك التي
منحها المشرع ولاية الفصل في موضوع معين, وتتوافر لقراراتها القضائية بالنسبة إليه،
خصائص الأحكام ومقوماتها, وترقى بالتالي إلى مرتبتها، باعتبارها من جنسها, وكان نهوض
المحكمة الدستورية العليا لفض التنازع بين هذه الجهات والهيئات, أو بين بعضها البعض,
يقتضيها إعمال القواعد الآمرة التي حدد به المشرع – بتفويض من المادة 167 من الدستور
– ولاية كل منها، باعتبار أن ما يدخل في اختصاص كل جهة أو هيئة من بينها, يعتبر محجوزاً
لها وموقوفاً عليها, فقد وجب الارتكان إلى هذه القواعد لإسناد الخصومة القضائية التي
وقع التنازع على الاختصاص بصددها, إلى أحق هذه الجهات أو الهيئات بالفصل فيها.
وحيث إن قضاء محكمة أسوان الجزئية في الدعوى رقم 94 لسنة 1985 – والتي تحدد موضوعها
في طلب استرداد حيازة قطعة أرض مساحتها 335 متراً مربعاً، قيل بأن مديرتي التربية والتعليم
والإسكان بأسوان قد اغتصبتاها من الهيئة العامة لبنك ناصر الاجتماعي – بعدم اختصاصها
ولائياً بنظر هذه الدعوى وإحالتها إلى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس
الدولة, والتي انتهت كذلك إلى عدم اختصاصها بنظر موضوعها – لا يدل على قيام تنازع سلبي
على الاختصاص بين هاتين الجهتين, ذلك أن الجمعية العمومية تستمد اختصاصها من المادة
66 من قانون مجلس الدولة الصادر بالقرار بقانون رقم 47 لسنة 1972، التي تنص هذه الجمعية
العمومية بإبداء الرأي مسبباً في المسائل والموضوعات الآتية: ( أ )….. (ب)…. (جـ)….
(د) المنازعات التي تنشأ بين الوزارات, أو بين المصالح العامة أو بين الهيئات العامة
أو بين المؤسسات العامة أو بين الهيئات المحلية أو بين هذه الجهات وبعضها البعض؛ وكان
من المقرر أن الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع, لا تعتبر في ممارستها لهذا الاختصاص،
جهة قضاء أن هيئة ذات اختصاص قضائي, ذلك أن ما يصدر عنها في المسائل التي اختصها البند
(د) من المادة 66 من قانون مجلس الدولة بنظرها, لا يعدو أن يكون رأياً في مجال الإفتاء
لا تنعقد به خصومة بين طرفين، ولا يلزم للفصل في المنازعة التي يتعلق هذا الرأي بها,
مراعاة حد أدنى من إجراءات التقاضي، أو ضماناته الرئيسية. وآية ذلك أن قانون مجلس الدولة
قد فَصَلَ فصلاً كاملاً بين وظيفته القضائية التي تتولاها محاكم مجلس الدولة دون غيرها,
وبين مهامه في مجال الإفتاء، ومراجعة النصوص القانونية التي عهد بها إلى الجمعية العمومية
لقسمي الفتوى والتشريع في الأحوال التي عينها, وكان الفصل بين هاتين الوظيفتين, مؤداه
أنهما لا تتداخلان مع بعضهما, ولا تحل إحداهما محل الأخرى, أو تقوم مقامها, وكان لا
ينال مما تقدم ما قرره قانون مجلس الدولة، من أن الآراء التي تبديها الجمعية العمومية
لقسمي الفتوى والتشريع في المنازعات التي نص عليها البند (د) من المادة 66 من هذا القانون,
إنما تقيد الجهات والهيئات الإدارية المعتبرة طرفاً فيها, ذلك أن الصفة الإلزامية لآرائها
في تلك المنازعات, تعني إنفاذها جبراً على الجهات والهيئات التي وقع الخلف بينها, وحملها
على النزول على مقتضاها، وغايتها ألا ينقلب النزاع إلى خصومة مستعرة تتعقد إجراءاتها,
ويطول أمدها, ويتبدد معها الجهد والمال في غير طائل, ولأن الجهات والهيئات التي عناها
البند (د) من المادة 66 من قانون مجلس الدولة جميعها من أفرع السلطة التنفيذية، أو
أدواتها في النهوض بالمرافق العامة، وليس لها أن تتحلل من التزامها بالخضوع للقانون
محدداً على ضوء الآراء المحايدة التي تصدر عن الجمعية العمومية المشار إليها، ولو لم
تكن لها خصائص الأحكام ومقوماتها، بسبب عدم تعلقها بالوظيفة القضائية.
وحيث إن ما ذهبت إليه المدعية من قيام تنازع سلبي على الاختصاص بين قضاء محكمة أسوان
الجزئية وقررا النيابة العامة – في موضوع رد الحيازة – بعدم اختصاصها بنظره, مردود
بأن اختصاص النيابة العامة بنظر منازعات الحيازة مَرَّ من الناحية التشريعية بمرحلتين:
أولاهما تلك التي صدر فيها القانون رقم 29 لسنة 1982 بشأن تعديل بعض أحكام قانون العقوبات
الصادر بالقانون رقم 58 لسنة 1937 متضمناً إضافة المادة 373 مكرراً إلى المواد الخاصة
"بجرائم انتهاك حرمة ملك الغير" الواردة في الباب الرابع عشر، من الكتاب الثالث من
قانون العقوبات ليجري نصها كالآتي: "يجوز للنيابة العامة متى قامت دلائل كافية على
جدية الاتهام في الجرائم المنصوص عليها في المواد السابقة من هذا الباب, أن تأمر باتخاذ
إجراء تحفظي لحماية الحيازة, على أن يعرض هذا الأمر خلال ثلاثة أيام على القاضي الجزئي
المختص, لإصدار قرار مسبب خلال ثلاثة أيام على الأكثر بتأييده, أو بتعديله أو بإلغائه,
ويجب رفع الدعوى الجنائية خلال ستين يوماً من تاريخ صدور هذا القرار, وعلى المحكمة
– عند نظر الدعوى الجنائية – أن تفصل في النزاع بناء على طلب النيابة العامة أو المدعي
بالحقوق المدنية أو المتهم بحسب الأحوال, وبعد سماع أقوال ذوي الشأن بتأييد القرار.
أو بإلغائه، وذلك كله دون مساس بأصل الحق. ويعتبر الأمر, أو القرار الصادر كأن لم يكن
عند مخالفة المواعيد المشار إليها، وكذلك إذا صدر أمر بالحفظ، أو بأن لا وجه لإقامة
الدعوى". ثانيتهما تلك المرحلة التي قرر المشرع فيها تزايد منازعات الحيازة التي ضاعف
من أهميتها, حدة أزمة الإسكان فضلاً عن تفاقمها، وأنها قد تبلغ درجة الجريمة في بعض
الأحيان. وقد تتوقف في بعض أطوارها عند حدود النزاع المدني, وأن كثيراً من هذه المنازعات
– وإن بدأت مدنية بحتة – إلا أنها قد تشتعل فيما بين أطرافها, إلى حد يوشك أن ينتقل
بها إلى نطاق الجريمة إذا تركت دون حل وقتي عاجل. ومن ثم وضع المشرع تنظيماً جديداً
لمنازعات الحيازة, يدخلها في إطار قانون المرافعات المدنية والتجارية، فأصدر القانون
رقم 23 لسنة 1992، الذي أضاف إلى هذا القانون المادة 44 مكرراً التي يجري نصها كالآتي:
"يجب على النيابة العامة متى عرضت عليها منازعة من منازعات الحيازة – مدنية كانت أو
جنائية – أن تصدر فيها قراراً وقتياً مسبباً واجب التنفيذ فوراً بعد سماع أقوال أطراف
النزاع وإجراء التحقيقات اللازمة. ويصدر القرار المشار إليه من عضو نيابة بدرجة رئيس
نيابة على الأقل. وعلى النيابة العامة إعلان هذا القرار لذوي الشأن خلال ثلاثة أيام
من تاريخ صدوره. وفي جميع الأحوال يكون التظلم من هذا القرار لكل ذي شأن أمام القاضي
المختص بالأمور المستعجلة بدعوى ترفع بالإجراءات المعتادة في ميعاد خمسة عشر يوماً
من يوم إعلانه بالقرار. ويحكم القاضي في التظلم بحكم وقتي بتأييد القرار أو بتعديله
أو بإلغائه. وله بناء على طلب المتظلم، أن يوقف تنفيذ القرار المتظلم منه, إلى أن يفصل
في التظلم".
وحيث إن قرار النيابة العامة – على امتداد هاتين المرحلتين التشريعيتين – ظل إجراء
أولياً مؤقتاً كاشفاً عن طبيعته التحفظية, متوخياً حماية الحيازة المادية للعقار, وكان
هذا القرار قلقاً لا يستقر إلا بتأييده بعد التظلم منه, في المواعيد التي حددها القانون,
ووفق القواعد الإجرائية التي بينها, وأمام الجهة القضائية التي عينها, فإن قرار هذه
الجهة دون غيره, هو الذي يعتبر – في تطبيق أحكام البند ثانياً من المادة 25 من قانون
المحكمة الدستورية العليا – عملاً قضائياً صادراً عنها في حدود ما أسنده إليها المشرع
من ولاية قضائية، في مجال رقابتها لأوامر النيابة العامة الصادرة في منازعات الحيازة.
وحيث إنه متى كان ما تقدم, وكانت الدعوى الماثلة لا تعكس إلا حكماً قضائياً واحداً
هو ذلك الذي أصدرته محكمة أسوان الجزئية بعدم اختصاصها بنظر النزاع المطروح عليها,
وكان التنازع على الاختصاص لا يقوم إلا بين حدين صادرين عن جهتين أو هيئتين قضائيتين
مختلفتين, فقد تعين الحكم بعدم قبول هذه الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى.
