الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 6 لسنة 12 قضائية “منازعة تنفيذ” – جلسة 07 /05 /1994 

المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 822

جلسة 7 مايو سنة 1994

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين ومحمد ولي الدين جلال وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف ومحمد على سيف الدين – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.

(القاعدة رقم 6)
القضية رقم 6 لسنة 12 قضائية "منازعة تنفيذ"

1 – دعوى منازعة تنفيذ "قوامها".
منازعة التنفيذ التي يدخل الفصل فيها في اختصاص المحكمة الدستورية العليا، قوامها أن تعرض تنفيذ قضائها عوائق قانونية تشكل بذاتها محلاً لتلك النازعة. عدم قيام خصومة التنفيذ, إذا لم تكن لهذه العوائق من صلة بقضائها.
2 – دعوى دستورية "نطاق قضاء المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 37 لسنة 9 قضائية – دستورية".
يتعلق قضاء هذه المحكمة بالتنظيم الانتخابي الذي كان مطعوناً عليه في تلك الدعوى, ولا يتصور ولا يجوز أن ينصرف مفهوم عوائق التنفيذ, إلا لتلك التي يكون من شأنها إحياء المجلس النيابي الذي قام على أساس هذا التنظيم.
3 – تشريع – مجلس الشعب – حكم – منازعة تنفيذ.
قرارات رئيس الجمهورية بالقوانين أرقام 201 لسنة 1990 و202 لسنة 1990, 206 لسنة 1990, لا شأن لها بذلك المجلس النيابي الذي أبطلته المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 37 لسنة 9 ق "دستورية". ولا يدخل إسقاطها في إطار منازعة التنفيذ.
4 – المحكمة الدستورية العليا "رقابة قضائية – تفسير – دعوى دستورية إجراءاتها".
أفرد الدستور هذه المحكمة – دون غيرها – بمباشرة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح, كما اختصها بولاية تفسير النصوص التشريعية. لا يجوز الخروج على الطرائق المحددة في قانون هذه المحكمة لاتصال الدعوى الدستورية بها.
5 – دعوى دستورية "الطريق المباشر – عدم جوازه".
البين من نص المادتين 27, 29 من قانون المحكمة الدستورية العليا, أن كلتيهما لا تخولان الأشخاص الاعتبارية, أو الأشخاص الطبيعيين، الطعن في النصوص التشريعية بالطريق المباشر.
6 – دعوى دستورية "طلب وقف تنفيذ النصوص التشريعية".
مجرد الطعن على النصوص التشريعية ليس موقفاً لأحكامها, إبطالها لا يكون إلا بقضاء من المحكمة الدستورية العليا, إذا ثبت لديها مخالفتها للدستور, النصوص التشريعية التي لا تبطلها هذه المحكمة لا يجوز وقف تنفيذها, وجوب سريانها دون انقطاع, وإلا عد ذلك عدواناً على ولاية التشريع التي يباشرها المجلس النيابي.
7 – المحكمة الدستورية العليا "شرط إعمالها لرخصة التصدي".
إعمال رخصة التصدي المقررة للمحكمة الدستورية العليا وفقاً لقانونها, رهن بأن يكون النص الذي يرد عليه التصدي متصلاً بنزاع مطروح عليها.
1 – قوام منازعة التنفيذ التي يدخل الفصل فيها في اختصاص المحكمة الدستورية العليا وفقاً لنص المادة 50 من قانونها, أن تعترض هذا التنفيذ عوائق تحول قانوناً – بمضمونها أو أبعادها – دون اكتمال مداه, وتعطل بالتالي, أو تقيد، اتصال حلقاته، وتضاممها، بما يعرقل جريان آثاره بتمامها دون نقصان. ومن ثم تكون عوائق التنفيذ هذه, هي ذاتها موضوع منازعة التنفيذ أو محلها. وغايتها النهائية، إنهاء الآثار القانونية الناشئة عن هذه العوائق أو الملازمة لها, أو المترتبة عليها, ولا يكون ذلك إلا بإسقاط مسبباتها, وإعدام وجودها, لضمان العودة بالتنفيذ إلى حالته السابقة على نشوئها. وكلما كان التنفيذ متعلقاً بحكم صدر عن المحكمة الدستورية العليا, فإن حقيقة مضمونه، ونطاق القواعد القانونية التي يضمها، والآثار المتولدة عنها في سياقها, وعلى ضوء الصلة الحتمية التي تقوم بينها, هي التي تحدد جميعها شكل التنفيذ وصورته الإجمالية, وما يكون لازماً لضمان فعاليته.
بيد أن تدخل المحكمة الدستورية العليا لهدم عوائق التنفيذ التي تعترض أحكامها, وتنال من جريان آثارها, في مواجهة الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين جميعهم – ودون تمييز, يفترض أمرين: أولهما, أن تكون هذه العوائق – سواء بطبيعتها، أو النظر إلى نتائجها – حائلة دون تنفيذ أحكامها أو مُقيدة لنطاقها. ثانيهما أن يكون إسنادها إلى تلك الأحكام, وربطها منطقياً بها, ممكناً فإذا لم تكن لها بها من صلة، فإن خصومة التنفيذ لا تقوم بتلك العوائق، بل تعتبر غريبة عنها, ومنافية لحقيقتها وموضوعها.
2 – البين من مدونات الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 37 لسنة 9 قضائية "دستورية" توكيدها أن حقي الانتخاب والترشيح حقان متكاملان لا تقوم الحياة النيابية بدون أيهما, ولا تتحقق للسيادة الشعبية أبعادها الكاملة إذا هما أفرغا من المضمون الذي يكفل ممارستهما بصورة جدية وفعالة, وأنهما بوصفهما هذا لازمان لزوماً حتمياً لأعمال الديمقراطية في محتواها المقرر دستورياً, ولضمان أن تكون المجالس النيابية كاشفة في حقيقتها عن الإرادة الشعبية, ومعبرة عنها تعبيراً صادقاً.
وانطلاقاً من الأبعاد التي حددتها المحكمة الدستورية العليا لهذين الحقين، خلص قضاؤها في الدعوى المشار إليها – بعد استعراضها للنظام الانتخابي الذي تضمنته المادة الخامسة مكرراً من القانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب, المعدل بالقانون رقم 188 لسنة 1986 – إلى إخلال هذا النظام الانتخابي بحق المستقلين في الترشيح على قدم المساواة, وعلى أساس من تكافؤ الفرص، مع باقي المرشحين من المنتمين إلى الأحزاب السياسية إخلالاً أدى إلى التمييز بين هاتين الفئتين في المعاملة القانونية وفي الفرص المتاحة للفوز بالعضوية، وآل بالتالي إلى بطلان تكوين مجلس الشعب – المطعون عليه في تلك الدعوى – منذ انتخابه.
متى كان ما تقدم, وكانت المحكمة الدستورية العليا قد رتبت على حكمها بعدم دستورية نص المادة الخامسة مكرر – المشار إليها – انعدام هذا النص وإبطال العمل به فيما قرره من أن "يكون لكل دائرة انتخابية عضواً واحد عن طريق الانتخاب الفردي, ويكون انتخاب باقي أعضاء الممثلين للدائرة عن طريق الانتخاب بالقوائم الحزبية" فإنه حكمها هذا يكون مرتبطاً بالتنظيم الانتخابي الذي كان مطعوناً عليه في تلك الدعوى, محدداً في هذا الإطار. ولا يتصور أن ترد عوائق التنفيذ على غير هذا المحل، بما مؤداه أن أية منازعة متعلقة بتنفيذ ذلك الحكم, يجب أن تنحصر في تلك العوائق, التي يكون من شأنها إحياء المجلس النابي الذي قرر الحكم المشار إليه بطلان تكوينه, منذ انتخابه، ترتيباً على بطلان التنظيم الانتخابي الذي قام عليه. فإذا كان الأمر منصرفاً إلى تنظيم انتخابي جديد انبنى عليه مجلس نيابي آخر غير المجلس المدموغ بالبطلان, فإن قضاء المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 37 لسنة 9 قضائية "دستورية" لا يمتد إليه, ولا تعتبر عقبة في تنفيذه, تلك القوانين التي رسم بها المشرع حدود هذا التنظيم الانتخابي الجديد, بل تظل قائمة ونافذة ما لم تقض المحكمة الدستورية العليا بمخالفتها للدستور, إذا ما طعن فيها أمامها وفقاً للأوضاع المقررة قانوناً.
3 – متى كان قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 201 لسنة 1990 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب, وكذلك قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 202 لسنة 1990 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 73 لسنة 1956 بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية، وقرار ورئيس الجمهورية بالقانون رقم 206 لسنة 1990 في شأن تحديد الدوائر الانتخابية لمجلس الشعب, لا شأن لها جميعاً بذلك المجلس النيابي الذي أبطلته المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 37 لسنة 9 قضائية "دستورية" المشار إليها, ولا تعوق بالتالي تنفيذ ذلك الحكم في خصوص ما قضى به, ولا تحول من ثم دون جريان آثاره, فإن ولاية المحكمة الدستورية العليا المخولة لها وفقاً لنص المادة 50 من قانونها, لا تتناول تلك التشريعات, ولا يدخل إسقاطها – بالتالي – في إطار منازعة التنفيذ في تنتظمها هذه المادة.
4 – أفرد الدستور المحكمة الدستورية العليا بتنظيم خاص, حدد قواعده في الفصل الخامس من الباب الخامس المتعلق بنظام الحكم, فناط بها دون غيرها – في المادة 175 – مباشرة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح. كما اختصها بولاية تفسير النصوص التشريعية, وذلك كله على الوجه المبين في القانون. وإعمالاً لهذا التفويض الذي يستمد أصله من الدستور, حدد المشرع – في قانون المحكمة الدستورية العليا – القواعد الموضوعية والإجرائية التي تباشر هذه المحكمة – من خلالها وعلى ضوئها – الرقابة القضائية على الشرعية الدستورية, فرسم لاتصال الدعوى الدستورية بها, طرائق بذواتها حددتها تفصيلاً، وبينتهما حصراً المادتان 27, 29 من ذلك القانون، باعتبار أن ولوجها من الأشكال الإجرائية الجوهرية التي لا تجوز مخالفتها, كي ينتظم التداعي في المسائل الدستورية في إطارها، ووفقاً لأحكامها.
5 – البين من نص المادتان 27, 29 المشار إليهما, أن كلتيهما لا تخولان الأشخاص الاعتبارية أو الأشخاص الطبيعيين, الطعن في النصوص التشريعية بالطريق المباشر, ذلك أو أولاهما تنظم الولاية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا, حين يعرض لها – بمناسبة ممارستها لاختصاصها – نص في قانون أو لائحة يتصل بالنزاع المعروض عليها, وتخولها الحكم بعدم دستوريته, بعد اتخاذ الإجراءات المقررة لتحضير الدعاوى الدستورية, وعملاً بثانيتهما يجوز لمحكمة الموضوع أن تحيل من تلقاء نفسها إلى المحكمة الدستورية العليا أي نص تشريعي لازم للفصل في النزاع الموضوعي المعروض عليها, إذا تراءى لها مخالفته للدستور. ولها كذلك أن تصرح لخصم دفع أمامها بعدم دستورية نص تشريعي لازم للفصل في النزاع المطروح عليها – وقدرت جدية هذا الدفع – بإقامة دعواه الدستورية خلال أجل لا يتجاوز ثلاثة أشهر.
وبذلك يكون قانون المحكمة الدستورية العليا, قد استبعد – بدلالة هاتين المادتين – الطعون المباشرة التي تقدم إليها من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين عن طريق الدعوى الأصلية, التي لا تتصل المسألة الدستورية التي تطرحها بأية منازعة موضوعية, بل تستقل تماما عنها, هادفة من وراء ذلك إلى إبطال النصوص التشريعية المطعون عليه إبطالاً مجرداً تُوَجِّهه مصلحة نظرية صرفة, وهي مصلحة لا يجوز الارتكان إليها لقبول الدعوى الدستورية, التي يجب أن تتمثل محصلتها النهائية في اجتناء منفعة يقرها القانون. متى كان ذلك, وكانت القرارات بقوانين أرقام 201 لسنة 1990، 202 لسنة 1990، 206 لسنة 1990 المشار إليها، وكذلك قرارات وزير الداخلية الصادرة تنفيذاً لها, فضلاً عن القانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ – لا تندرج جميعها تحت عوائق التنفيذ التي تعترض إنفاذ قضاء المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 37 لسنة 9 قضائية دستورية – على التفصيل السالف إيراده – فإن النعي عليها مخالفتها للدستور, يؤول إلى طعن عليها عن طريق الدعوى الأصلية، التي لا يجوز قبولها أمام المحكمة الدستورية العليا.
6 – طلب المدعي وقف تنفيذ كل من القرار بقانون 202 لسنة 1990، والقرار بقانون رقم 206 لسنة 1990, وقرارات وزير الداخلية الصادرة تنفيذاً لهما, مردود بأن الأصل في النصوص التشريعية، هو حملها على قرينة الدستورية بافتراض مطابقتها للدستور. ومن ثم لا يجوز أن يكون سريانها متراخياً، بل يكون إنفاذها – اعتباراً من تاريخ العمل بها – لازماً. ولا يجوز بالتالي أن يكون مجرد الطعن عليها, موقفاً لأحكامها, أو مانعاً من فرضها على المخاطبين بها, ذلك أن إبطالها لا يكون إلا بقضاء من المحكمة الدستورية العليا, إذا ما قام الدليل لديها على مخالفتها للدستور. فإن هي انتهت إلى براءتها من العيوب الشكلية والموضوعية، كان ذلك استصحاباً لأصل صحتها, لتزول الشبهة التي كانت عالقة بها.
ولازم ذلك أن النصوص التشريعية التي لا تبطلها المحكمة الدستورية العليا, لا يجوز بحال وقف تنفيذها, بل يجب إعمال آثارها بتمامها دون انقطاع يوقف سريانها, وإلا عد ذلك عدواناً على الولاية التي أثبتها الدستور للسلطة التشريعية, وإسباغاً لاختصاص منتحل على المحكمة الدستورية العليا التي لم يخولها الدستور سلطة التقدير والتقرير "عينها" التي يباشرها المجلس النيابيUn pouvoir géneral d'a ppréciation et de decision identique à celui du parlement، بل قصر مهمتها على الفصل في مطابقة النصوص التشريعية للدستور.
La conformité a La constitution des textes Legislatifs.
7 – طلب المدعي إبطال التشريعات التي عينها, من خلال استنهاض رخصة التصدي التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا وفقاً للمادة 27 من قانونها, مردود, بأن إعمال الرخصة المقررة لها وفقاً للمادة المذكورة – التي تخولها الحكم بعدم دستورية نص تشريعي يعرض لها بمناسبة ممارستها لاختصاصها، ويتصل بالنزاع المعروض عليها, وذلك بعد إتباع الإجراءات المقررة لتحضير الدعاوى الدستورية – رهن بأن يكون النص الذي يرد عليه التصدي متصلاً بنزاع مطروح عليها. فإذا انتفى قيام النزاع أمامها – كما هو الحال في الدعوى الراهنة – فلا يكون لرخصة التصدي من سند يسوغ إعمالها.


الإجراءات

بتاريخ 20 من أكتوبر سنة 1990 أودع المدعي قلم كتاب المحكمة صحيفة هذه الدعوى طالباً الحكم بالاستمرار في تنفيذ الحكم الصادر في الدعوى رقم 37 لسنة 9 قضائية "دستورية" مع ما يترتب على ذلك من آثار دستورية, يندرج تحتها بطلان القرارين بقانونين 202, 206 لسنة 1990 وقرارات وزير الداخلية المنفذة لهما, كما قدم مذكرتين طلب فيهما الحكم بعدم دستورية القرارات بقوانين أرقام 201, 202, 206 لسنة 1990 والقانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ, وقرار رئيس الجمهورية رقم 116 لسنة 1988 بمد حالة الطوارئ، وبوقف تنفيذ القرارين بقانونين رقمي 202, 206 لسنة 1990، وقرارات وزير الداخلية المنفذة لهما.
قدمت هيئة قضايا الدولة عدة مذكرات صممت فيها على طلب الحكم بعدم قبول الدعوى، بكافة أشطارها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – في أن المدعي كان قد اعتزم ترشيح نفسه لانتخابات مجلس الشعب عن دائرة قسم الخليفة. بيد أن قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 206 لسنة 1990 في شأن تحديد الدوائر الانتخابية لمجلس الشعب, استبعد من مكوناتها شياخة الحلمية الجديدة وهي موطن ميلاده ومقره الانتخابي، وضمها على قسم الدرب الأحمر دون مسوغ. كما أن قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 202 لسنة 1990 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 73 لسنة 1956 بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية, لم يُخضع عملية الاقتراع لإشراف القضاء. وإذ كان هذان القانونان, وكذلك القانون رقم 201 لسنة 1990 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب، والقانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ، والقرار الجمهوري رقم 116 لسنة 1988 بعد حالة الطوارئ, وقرارات وزير الداخلية المنفذة لها, تمثل جميعها عقبات مادية في سبيل تنفيذ المبادئ الدستورية التي اعتنقها الحكم الصادر من هذه المحكمة في القضية رقم 37 لسنة 9 قضائية دستورية, فقد أقام منازعة التنفيذ الماثلة بطلب الاستمرار في تنفيذ ذلك الحكم تنفيذاً شاملاً – مع ما يترتب على ذلك من آثار – من بينها الحكم بوقف تنفيذ تلك القوانين والقرارات ثم إبطالها.
وحيث إن المدعي أقام المنازعة الماثلة, بوصفها منازعة تنفيذ تندرج تحت المنازعات التي عنتها المادة 50 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979, التي تنص على اختصاص هذه المحكمة دون غيرها بالفصل في كافة المنازعات المتعلقة بتنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة منها.
وحيث إن من المقرر أن منازعة التنفيذ التي يدخل الفصل فيها في اختصاص المحكمة الدستورية العليا وفقاً لنص المادة 50 من قانونها, قوامها أن التنفيذ لم يتم وفقاً لطبيعته, وعلى ضوء الأصل فيه، بل اعترضته عوائق تحول قانوناً – بمضمونها أو أبعادها – دون اكتمال مداه, وتعطل بالتالي, أو تقيد اتصال حلقاته، وتضاممها، بما يعرقل جريان آثاره كاملة دون نقصان. ومن ثم تكون عوائق التنفيذ القانونية, هي ذاتها موضوع منازعة التنفيذ، أو محلها, تلك الخصومة التي تتوخى في غاياتها النهائية إنهاء الآثار القانونية الملازمة لتلك العوائق، أو الناشئة عنها, أو المترتبة عليها, ولا يكون ذلك إلا بإسقاط مسبباتها, وإعدام وجودها, لضمان العودة بالتنفيذ إلى حالته السابقة على نشوئها. وكلما كان التنفيذ متعلقاً بحكم صدر عن المحكمة الدستورية العليا, فإن حقيقة مضمونه، ونطاق القواعد القانونية التي يضمها، والآثار المتولدة عنها في سياقها, وعلى ضوء الصلة الحتمية التي تقوم بينها, هي التي تحدد جميعها شكل التنفيذ وصورته الإجمالية, وما يكون لازماً لضمان فعاليته. بيد أن تدخل المحكمة الدستورية العليا لهدم عوائق التنفيذ التي تعترض أحكامها, وتنال من جريان آثارها في مواجهة الأشخاص الطبيعيين والاعتباريين جميعهم، ودون تمييز, يفترض أمرين: أولهما, أن تكون هذه العوائق – سواء بطبيعتها، أو بالنظر إلى نتائجها – حائلة دون تنفيذ أحكامها أو مُقيدة لنطاقها. ثانيهما أن يكون إسنادها إلى تلك الأحكام وربطها منطقياً بها, ممكناً. فإذا لم تكن لها بها من صلة، فإن خصومة التنفيذ لا تقوم بتلك العوائق، بل تعتبر غريبة عنها, ومنافية لحقيقتها وموضوعها.
وحيث إنه متى كان ما تقدم, وكان البين من مدونات الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 37 لسنة 9 قضائية "دستورية" توكيدها أن حقي الانتخاب والترشيح حقان متكاملان لا تقوم الحياة النيابية بدون أيهما, ولا تتحقق للسيادة الشعبية أبعادها الكاملة إذا هما أفرغا من المضمون الذي يكفل ممارستهما بصورة جدية وفعالة, وأنهما بوصفهما هذا لازمان لزوماً حتمياً لإعمال الديمقراطية في محتواها المقرر دستورياً, ولضمان أن تكون المجالس النيابية كاشفة في حقيقتها عن الإرادة الشعبية, ومعبرة عنها تعبيراً صادقاً. وانطلاقاً من الأبعاد التي حددتها المحكمة الدستورية العليا، لهذين الحقين خلص قضاؤها في الدعوى المشار إليها – بعد استعراضها للنظام الانتخابي الذي تضمنته المادة الخامسة مكرراً من القانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب, المعدل بالقانون رقم 188 لسنة 1986 – إلى إخلال هذا النظام الانتخابي بحق المستقلين في الترشيح على قدم المساواة, وعلى أساس من تكافؤ الفرص، مع باقي المرشحين من المنتمين إلى الأحزاب السياسية إخلالاً أدى إلى التمييز بين هاتين الفئتين في المعاملة القانونية وفي الفرص المتاحة للفوز بالعضوية، وآل بالتالي إلى بطلان تكوين مجلس الشعب – المطعون عليه في تلك الدعوى – منذ انتخابه. متى كان ما تقدم, وكانت المحكمة الدستورية العليا قد رتبت على حكمها بعدم دستورية نص المادة الخامسة مكرراً – المشار إليها – انعدام هذا النص وإبطال العمل به فيما قرره من أن "يكون لكل دائرة انتخابية عضواً واحد عن طريق الانتخاب الفردي, ويكون انتخاب باقي أعضاء الممثلين للدائرة عن طريق الانتخاب بالقوائم الحزبية" فإن حكمها هذا يكون مرتبطاً بالتنظيم الانتخابي الذي كان مطعوناً عليه في تلك الدعوى, محدداً في هذا الإطار, ولا يتصور أن تَرِد عوائق التنفيذ على غير هذا المحل، بما مؤداه أن أية منازعة متعلقة بتنفيذ ذلك الحكم, يجب أن تنحصر في تلك العوائق, التي يكون من شأنها إحياء المجلس النيابي، الذي قرر الحكم المشار إليه بطلان تكوينه منذ انتخابه، ترتيباً على بطلان التنظيم الانتخابي الذي قام عليه. فإذا كان الأمر منصرفاً إلى تنظيم انتخابي جديد، انبنى عليه مجلس نيابي آخر، غير المجلس المدموغ بالبطلان, فإن قضاء المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 37 لسنة 9 قضائية "دستورية" لا يمتد إليه, ولا تُعتبر عقبة في تنفيذه, تلك القوانين التي رسم بها المشرع حدود هذا التنظيم الانتخابي الجديد, بل تظل قائمة ونافذة ما لم تقض المحكمة الدستورية العليا بمخالفتها للدستور, إذا ما طعن فيها أمامها وفقاً للأوضاع المقررة قانوناً.
وحيث إنه متى كان ذلك, وكان قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 201 لسنة 1990 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 38 لسنة 1972 في شأن مجلس الشعب, وكذلك قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 202 لسنة 1990 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 73 لسنة 1956 بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية، وقرار ورئيس الجمهورية بالقانون رقم 206 لسنة 1990 في شأن تحديد الدوائر الانتخابية لمجلس الشعب, لا شأن لها جميعاً بذلك المجلس النيابي الذي أبطلته المحكمة الدستورية العليا في القضية رقم 37 لسنة 9 قضائية "دستورية" المشار إليها, ولا تعوق بالتالي تنفيذ ذلك الحكم في خصوص ما قضى به, ولا تحول من ثم، دون جريان آثاره, فإن ولاية المحكمة الدستورية العليا المخولة لها وفقاً لنص المادة 50 من قانونها, لا تتناول تلك التشريعات, ولا يدخل إسقاطها – بالتالي – في إطار منازعة التنفيذ في تنظيمها هذه المادة.
وحيث إن الدستور أفرد المحكمة الدستورية العليا بتنظيم خاص, حدد قواعده في الفصل الخامس من الباب الخامس المتعلق بنظام الحكم, فناط بها دون غيرها – في المادة 175 – مباشرة الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح, كما اختصها بولاية تفسير النصوص التشريعية, وذلك كله على الوجه المبين في القانون. وإعمالاً لهذا التفويض الذي يستمد أصله من الدستور, حدد المشرع – في قانون المحكمة الدستورية العليا – القواعد الموضوعية والإجرائية التي تباشر هذه المحكمة – من خلالها وعلى ضوئها – الرقابة القضائية على الدستورية, فرسم لاتصال الدعوى الدستورية بهذه المحكمة, طرائق بذاتها، حددتها تفصيلاً، وبينتها المادتان 27, 29 من ذلك القانون، باعتبار أن ولوجها من الأشكال الإجرائية الجوهرية التي لا تجوز مخالفتها, كي ينتظم التداعي في المسائل الدستورية في إطارها، ووفقاً لأحكامها.
وحيث إن البين من نص المادتان 27, 29 المشار إليهما, أن كلتيهما لا تخولان الأشخاص الاعتبارية أو الأشخاص الطبيعيين, الطعن في النصوص التشريعية بالطريق المباشر, ذلك أن أولاهما تنظم الولاية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا حين يعرض لها – بمناسبة ممارستها لاختصاصها – نص في قانون أو لائحة يتصل بالنزاع المعروض عليها, وتخولها الحكم بعدم دستوريته, بعد اتخاذ الإجراءات المقررة لتحضير الدعاوى الدستورية. وعملاً بثانيتهما يجوز لمحكمة الموضوع أن تحيل من تلقاء نفسها إلى المحكمة الدستورية العليا أي نص تشريعي لازم للفصل في النزاع الموضوعي المعروض عليها, إذا تراءى لها مخالفته للدستور, ولها كذلك أن تصرح لخصم دفع أمامها بعدم دستورية نص تشريعي لازم للفصل في النزاع المطروح عليها – وقدرت جدية دفعه – بإقامة دعواه الدستورية خلال أجل لا يجاوز ثلاثة أشهر. وبذلك يكون قانون المحكمة الدستورية العليا قد استبعد بدلالة هاتين المادتين الطعون المباشرة التي تقدم إليها من الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين عن طريق الدعوى الأصلية, التي لا تتصل المسألة الدستورية التي تطرحها بأية منازعة موضوعية, بل تستقل تماماً عنها, هادفة من وراء ذلك إلى إبطال النصوص التشريعية المطعون عليه إبطالاً مجرداً، توجهه مصلحة نظرية صرفة, وهي مصلحة لا يجوز الارتكان إليها لقبول الدعوى الدستورية, التي يجب أن تتمثل محصلتها النهائية في اجتناء منفعة يقرها القانون.
وحيث إنه متى كان ذلك, وكانت القرارات بقوانين أرقام 201 لسنة 1990، 202 لسنة 1990، 206 لسنة 1990 المشار إليها – وكذا قرارات وزير الداخلية الصادرة تنفيذاً لها, فضلاً عن القانون رقم 162 لسنة 1958 بشأن حالة الطوارئ – لا تندرج جميعها تحت عوائق التنفيذ التي تعترض إنفاذ قضاء المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 37 لسنة 9 قضائية "دستورية" – على التفصيل السالف إيراده – فإن النعي عليها مخالفتها للدستور, يؤول إلى طعن عليها عن طريق الدعوى الأصلية، التي لا يجوز قبولها أمام المحكمة الدستورية العليا.
وحيث إن طلب المدعي وقف تنفيذ كل من القرار بقانون 202 لسنة 1990. والقرار بقانون رقم 206 لسنة 1990, وقرارات وزير الداخلية الصادرة تنفيذاً لهما, مردود بأن الأصل في النصوص التشريعية هو حملها على قرينة الدستورية بافتراض مطابقتها للدستور. ومن ثم لا يجوز أن يكون سريانها متراخياً، بل يكون إنفاذها – اعتباراً من تاريخ العمل بها – لازماً. ولا يجوز بالتالي أن يكون مجرد الطعن عليها, موقفاً لأحكامها, أو مانعاً من فرضها على المخاطبين بها, ذلك أن إبطالها لا يكون إلا بقرار من المحكمة الدستورية العليا, إذا ما قام الدليل لديها على مخالفتها للدستور, فإن هي انتهت إلى براءتها من العيوب الشكلية والموضوعية، كان ذلك استصحاباً لأصل صحتها, لتزول الشبهة التي كانت عالقة بها. ولازم ذلك أن النصوص التشريعية التي لا تبطلها المحكمة الدستورية العليا, لا يجوز بحال وقف تنفيذها, بل يجب إعمال آثارها كاملة دون انقطاع يوقف سريانها, وإلا عد ذلك عدواناً على الولاية التي أثبتها الدستور للسلطة التشريعية, وإسباغاً لاختصاص منتحل على المحكمة الدستورية العليا، التي لم يخولها الدستور عَيْنُ الولاية العامة التي يباشرها المجلس النيابي في مجال سلطة التقدير والتقريرUn pouvoir géneral d'appréciation et de decision identique à celui du parlement، بل قصر مهمتها على الفصل في مطابقة النصوص التشريعية للدستور.
La conformité à La constitution des textes Legislatifs.
وحيث إن طلب المدعي إبطال التشريعات التي عينها, من خلال استنهاض رخصة التصدي التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا وفقاً للمادة 27 من قانونها, مردود, بأن إعمال الرخصة المقررة لها وفقاً للمادة المذكورة – التي تخولها الحكم بعدم دستورية نص تشريعي يعرض لها بمناسبة ممارستها لاختصاصها، ويتصل بالنزاع المعروض، عليها وذلك بعد إتباع الإجراءات المقررة لتحضير الدعاوى الدستورية – رهن بأن يكون النص الذي يرد عليه التصدي متصلاً بنزاع مطروح عليها, فإذا انتفى قيام النزاع أمامها – كما هو الحال في الدعوى الراهنة – فلا يكون لرخصة التصدي من سند يسوغ إعمالها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى, وبمصادرة الكفالة, وألزمت المدعي المصروفات ومائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات