الطعن رقم 3394 لسنة 33 ق – جلسة 11 /01 /1992
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة والثلاثون – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1991 إلى آخر فبراير سنة
1992) – صـ 558
جلسة 11 من يناير سنة 1992
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ د. عبد المنعم عبد العظيم جيرة – نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة/ رأفت محمد يوسف ومحمد مجدي محمد خليل وأحمد إبراهيم عبد العزيز ومحمد عزت السيد – نواب رئيس مجلس الدولة.
الطعن رقم 3394 لسنة 33 القضائية
( أ ) عاملون مدنيون بالدولة – تأديب – المخالفات التأديبية – خارج
نطاق الوظيفة.
التزام الموظف العام بأن يسلك في حياته مسلكاً يتفق مع ما أسند إليه من وظيفة عامة
يوجب عليه ضرورة المواءمة بين نوع الوظيفة المسندة إليه والتزاماتها وسلوكياته العامة
والخاصة – يوجد تأثير من أيهما على الآخر أساس ذلك: أن الحياة الخاصة بالموظف العام
ليست ملكاً خاصاً له بل يتعين عليه مراعاة ألا يأتي في سلوكه خارج عمله ما يؤثر على
عمله ذاته أو على نظرة الأفراد إليه إذ يمكن أن يترتب على ذلك إخلال بثقة الأفراد في
الوظيفة العامة ومن يقومون على تدبير شئونهم – تطبيق[(1)].
(ب) عاملون مدنيون بالدولة – تأديب – التناسب بين خطورة الذنب الإداري والجزاء.
ولئن كانت للسلطات التأديبية تقدير خطورة الذنب الإداري وما يناسبه من جزاء بغير معقب
عليها في ذلك إلا أن مناط مشروعية هذه السلطة ألا يشوب استعمالها غلو – ومن صور هذا
الغلو عدم الملاءمة الظاهرة بين درجة خطورة الذنب الإداري وبين نوع الجزاء ومقداره
– تطبيق.
إجراءات الطعن
في يوم السبت الموافق 25/ 7/ 1987 أودع الأستاذ/ محمد نبيل متولي
المحامي نائباً عن الأستاذ/ أحمد محمد عزت المحامي بصفته وكيلاً عن…… قلم كتاب
المحكمة الإدارية العليا – تقرير طعن قيد بجدولها تحت رقم 3394 لسنة 33 ق – في القرار
الصادر من محكمة شمال القاهرة الابتدائية في 22/ 6/ 1987 في الدعوى رقم 27 لسنة 1987
تأديب شمال القاهرة المقامة ضد الطاعن والقاضي بمجازاته بخفض وظيفته الحالية إلى وظيفة
في الدرجة الأدنى مباشرة مع خفض أجره إلى القدر الذي كان عليه قبل الترقية إلى درجته
الحالية مع التوصية بإبعاده عن الأعمال المتعلقة بالنيابات والأعمال القضائية ونقله
لعمل كتابي بعيداً عنها.
وطلب الطاعن للأسباب المبينة بتقرير الطعن الحكم بقبوله شكلاً وبصفة مستعجلة بوقف تنفيذ
القرار المطعون فيه وفي الموضوع بإلغائه بكامل أجزائه وببراءته مما نسب إليه مع إلزام
المطعون ضده بصفته المصروفات والأتعاب من جميع درجات التقاضي.
وأعلن تقرير الطعن إلى المطعون ضده بصفته في 13/ 8/ 1987.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً
ورفضه موضوعاً.
وحدد لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 14/ 12/ 1988 وتدوول بالجلسات
على النحو المبين بالمحاضر وبجلسة 13/ 12/ 1989 حكمت الدائرة برفض طلب وقف تنفيذ قرار
مجلس التأديب المطعون فيه وقررت إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا "الدائرة
الرابعة" وحددت لنظره أمامها جلسة 20/ 1/ 1990 – ونظر الطعن أمام هذه المحكمة بتلك
الجلسة وفيها تقرر إصدار الحكم بجلسة 24/ 2/ 1990، وفي هذه الجلسة قررت المحكمة إعادة
الطعن للمرافعة لجلسة 31/ 3/ 1990 وعلى الجهة الإدارية إيداع صورة الحكم الجنائي المستأنف
والحكم الاستئنافي وكذلك كامل أوراق التحقيق الإداري الذي أجري مع الطاعن وكامل أوراق
التحقيق الجنائي المودع جانب منه بملف التحقيق – ثم تدوول الطعن بالجلسات على النحو
المبين بالمحاضر، وبجلسة 14/ 12/ 1991 تقرر إصدار الحكم بجلسة اليوم وفيها صدر وأودعت
مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
ومن حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن وقائع المنازعة المعروضة – حسبما يبين من الأوراق – تتحصل في أنه بتاريخ
10/ 1/ 1987 بناء على الشكوى رقم 4 لسنة 1987 عرائض مكتب النائب العام المساعد المقدمة
من المستشار…….. ضد……. المفتش الإداري بإدارة التفتيش الجنائي بمكتب النائب
العام التي ورد فيها أنه بتاريخ 10/ 9/ 1984 قام المشكو في حقه وأبناؤه بالاعتداء عليه
بالسب ومحاولة اقتحام الشقة التي يسكنها بالعمارة المملوكة للمشكو في حقه وقطع خرطوم
المياه المملوك له (الشاكي) وتحرر عن الواقعة المحضر رقم 2779 لسنة 1985 جنح العجوزة
وقدمت لجلسة 9/ 11/ 1985 وقضت المحكمة ببراءة ابنة المشكو في حقه وبتغريمه مبلغ 200
جنيه عن التهمة الأولى وجنيه عن التهمة الثانية و101 جنيه على سبيل التعويض وبجلسة
16/ 4/ 1986 الاستئنافية قررت المحكمة قبول الاستئناف شكلاً ورفضه موضوعاً وبتغريم
ابنته 200 جنيه عن التهمة الأولى وجنيه عن الثانية وأصبح الحكم نهائياً – وقد
تم التحقيق مع المشكو في حقه (الطاعن) بمعرفة التفتيش الإداري بمكتب النائب العام في
13/ 1/ 1987 – وقد أنكر المذكور ما نسب إليه وقرر بأن سبب الخلاف بينهما يرجع إلى أن
بالعمارة المملوكة له شقة بالدور الخامس يريد المستشار مقدم الشكوى أن يترك الشقة التي
يقيم بها بالدور الأرضي ويسكن الشقة المذكورة وأمام رفضه أخذ يضايقه في استعمال المياه
لأغراض غير مشروعة وأضاف بأن كل ما ورد بالشكوى لم يحدث.
وبناء على ما سبق أصدر مدير النيابات بالنيابة العامة القرار رقم 74 لسنة 1987 في 28/
4/ 1987 ويقضي في بنده الأول بإحالة……. (الطاعن) إلى مجلس تأديب لمحاكمته تأديبياً
على ما ورد بالشكوى رقم 4 لسنة 1987 عرائض مكتب النائب العام المساعد وقضى في بنده
الثاني بأنه على الإدارة العامة للنيابات ونيابة شمال القاهرة تنفيذ هذا القرار – وفي
6/ 6/ 1987 قرر المستشار رئيس محكمة شمال القاهرة تحديد جلسة 16/ 6/ 1987 لنظر مجلس
التأديب الموضوع المعروض والذي قيد بمحكمة شمال القاهرة الابتدائية – المحكمة التأديبية
تحت رقم 27 لسنة 1987 تأديب شمال القاهرة ضد…….. المفتش الجنائي بمكتب النائب العام
(الطاعن) وبتاريخ 22/ 6/ 1987 أصدر مجلس التأديب قراره في هذه الدعوى ويقضي:
أولاً: مجازاة المخالف…… بخفض وظيفته الحالية إلى وظيفة في الدرجة الأدنى مباشرة
مع خفض أجره إلى القدر الذي كان عليه قبل الترقية إلى درجته الحالية.
ثانياً: التوصية بإبعاده عن الأعمال المتعلقة بالنيابات والأعمال القضائية ونقله لعمل
كتابي بعيداً عنها.
وأقام المجلس قضائه على أن الثابت من الأوراق أن المخالف (الطاعن) وبعض من أبناؤه قد
اعتدوا على المستشار الشاكي بألفاظ نابية ولا تليق أن تصدر عنه سواء لأحد السادة أعضاء
الهيئات القضائية على وجه الخصوص أو لعامة الناس على وجه العموم وأضاف أن الثابت من
الأوراق أن المخالف قد خرج على مقتضى السلوك الوظيفي اللائق خروجاً بيناً وانحرف عن
جادة الصواب للموظف الذي يحترم وظيفته، وبعلم قدر رجال القضاء، ومن ثم يتعين أخذه بالشدة
الواجبة.
وحيث إن مبنى الطعن على القرار المطعون فيه بطلان الإحالة لبطلان ورقة الاتهام لخلوها
من أدلة الاتهام وافتقاد قرار الإحالة لسببه ولا يصححه حضور الطاعن جلسة محاكمته إذ
أن إعلانه انصب على إعلانه بالجلسة دون إعلانه بالمخالفات المنسوبة إليه وكذلك بطلان
الحكم التأديبي لانعدام سببه لانتفاء الذنب الإداري في حقه وأخيراً عدم ملاءمة العقوبة
وسوء استعمال السلطة إذ ليس في الأوراق ما يفيد أن الطاعن قد ارتكب المخالفة المنسوبة
إليه بل على العكس ترشح الأوراق قيام الشاكي بإشهار السكين في وجه الطاعن.
وحيث إن الثابت من الأوراق أن النيابة العامة أسندت إلى المتهمين…….. (الطاعن)
و…….. (ابنته) أنهما في يوم 10/ 9/ 1984 بدائرة قسم العجوزة أولاً: المتهمان سبا
المستشار….. بوجه خادش لشرفه واعتباره على النحو المبين بالأوراق.
ثانياً: المتهم الأول أتلف عمداً أموالاً منقولة له (خرطوم مياه) المبين وصفاً وقيمة
بالأوراق والمملوك للمجني عليه وقيد الموضوع تحت رقم 3779 لسنة 1985 جنح العجوزة وبجلسة
9/ 11/ 1985 قضت محكمة أول درجة حضورياً ببراءة المتهمة الثانية وتغريم المتهم الأول
مائتي جنيه عن التهمة الأولى وثلاثمائة جنيه عن الثانية وإلزامه بدفع مبلغ 101 جنيه
على سبيل التعويض والمصروفات الجنائية وخمسة جنيهات أتعاب للمحاماة – وطعن المتهم الأول
(الطاعن) على هذا القضاء بالاستئناف وطعنت النيابة العامة أيضاً بالاستئناف بالنسبة
للمتهمة الثانية…… وفي 16/ 4/ 1986 حكمت المحكمة غيابياً بقبول الاستئناف شكلاً
وفي الموضوع بالنسبة للمتهم الأول برفضه وتأييد الحكم المستأنف والمصروفات الجنائية
وفي الموضوع بالنسبة للمتهمة الثانية وبإجماع الآراء بإلغاء حكم محكمة أول درجة وبتغريمها
300 جنيه وإلزامها بأن تؤدي للمدعي بالحق المدني مبلغ (101ج) على سبيل التعويض المؤقت
ومصروفات الدعوى المدنية عن الدرجتين وعشرة جنيهات مقابل أتعاب المحاماة – الجنحة المستأنفة
رقم 12583 لسنة 85 س الجيزة، وقد عارض الطاعن وفي 25/ 6/ 1986 تأييد الحكم وقد طعن
الطاعن في هذا الحكم بالطعن رقم 2297 لسنة 1989 أمام محكمة النقض ولم تحدد جلسة لنظره
حتى الآن.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق ومن الحكمين المشار إليهما أن المستشار……. كان قد
أبلغ قسم شرطة النجدة عن اقتحام الطاعن مالك العقار الذي يقطن به – مسكنه وإتلافه لمحتويات
الشرفة وإلقاء الأحجار داخل شقته وسبه وشتمه بألفاظ خارجة وذلك بسبب قيام الشاكي بري
قطعة أرض فضاء قام بإصلاحها وزرعها على نفقته الخاصة وأثبتت المعاينة وجود آثار لطوب
وأحجار داخل الشقة وعثر على خرطوم مياه مقطوعاً ومشاهدة آثار عنف بأبواب ونوافذ الشقة،
وقد سئل الطاعن بمحضر جمع الاستدلالات وأنكر ما نسب إليه وعلل بلاغ الشاكي بأنه طلب
منه استبدال مسكنه الواقع بالدور الأرضي بمسكن آخر بالدور الخامس فرفض وأضاف أن المياه
لم تصل لمسكنه وعلم أن الشاكي يروي قطعة أرض فضاء بجوار المنزل فطلب منه عدم استخدام
المياه في ري الأرض الفضاء فرفض وتعدى عليه بالألفاظ النابية وأشهر السكينة عليه وتجمع
الناس وصعد لمسكنه، وقد شهد بعض الأفراد بصحة أقوال الشاكي وشهد أحد الأفراد بأن المستشار
كان يقوم بري قطعة أرض بجواره وأن الطاعن حاول منعه فحدثت مشادة كلامية بينهما وأنه
شاهد المستشار يخرج من شقته ومعه سكينة في يده فأدخله الشقة وحضر أولاد الطاعن وقاموا
بالطرق على بابه للتشاجر معه وأمسكوا بإناء مملوء بالرمال والزلط والجير وألقوا به
في الشرفة الخاصة به وأنهم سبوا المستشار أمامه بألفاظ خارجة.
وحيث إن الثابت مما سبق أن قرار إحالة الطاعن إلى مجلس التأديب قد تضمن المخالفات المنسوبة
إليه وأدلة الاتهام وهي الشكوى المقدمة من المستشار وحيثيات الحكمين الصادرين ضد الطاعن
وابنته بما تضمناه من أقوال شهود واقعة الاعتداء المشار إليها كما أن الطاعن قد تقدم
بمذكرة إلى مجلس التأديب طلب فيها أصلياً الحكم ببراءته مما هو منسوب إليه بقرار الإحالة،
ومتى كان ذلك فإن ما ذهب إليه الطاعن في طعنه الماثل من بطلان قرار الإحالة لخلوه من
أدلة الاتهام وافتقاده لسببه وعدم إعلانه بالمخالفات المنسوبة إليه وأنه لا يصحح ذلك
حضوره محاكمته – لا يستند إلى أساس من القانون مما يتعين طرحها جانباً.
وحيث إنه بالنسبة لما ذهب إليه الطاعن من بطلان الحكم التأديبي لانعدام سببه لانتفاء
الذنب الإداري في حقه فهو قول مردود ولا يستند إلى أساس من القانون فقد استقر الرأي
– كما ذهب القرار المطعون فيه – على أنه وإن كانت الواقعة المنسوبة إلى الطاعن قد حدثت
خارج نطاق عمله الوظيفي فإنه لا يؤثر في قيام مسئوليته الإدارية إذ أن التزام الموظف
العام بأن يسلك في حياته مسلكاً يتفق مع ما أسند إليه من وظيفة عامة يوجب عليه ضرورة
المواءمة بين نوع الوظيفة المسندة إليه والتزاماتها وسلوكياته العامة والخاصة إذ لا
شك أنه يوجد تأثير من أيهما على الآخر ذلك أن الحياة الخاصة بالموظف العام ليست ملكاً
خاصاً له بل يتعين عليه مراعاة ألا يأتي في سلوكه خارج عمله ما يؤثر على عمله ذاته
أو على نظرة الأفراد إليه إذ يمكن أن يترتب على ذلك إخلال بثقة الأفراد في الوظيفة
العامة ومن يقومون على تدبير شئونهم، وحيث إنه متى كان ذلك فإنه لا تثريب على ما انتهى
إليه القرار المطعون فيه مما يستوجب رفض هذا الوجه من أوجه الطعن عليه.
ومن حيث إنه قد استقر قضاء هذه المحكمة على أنه ولئن كان للسلطات التأديبية سلطة تقدير
خطورة الذنب الإداري وما يناسبه من جزاء بغير معقب عليها في ذلك إلا أن مناط مشروعية
هذه السلطة ألا يشوب استعمالها غلو ومن صور هذا الغلو عدم الملاءمة الظاهرة بين درجة
خطورة الذنب الإداري وبين نوع الجزاء ومقداره وعلى هذا الأساس يعتبر استعمال سلطة تقدير
الجزاء في هذه الصورة مشوباً بالغلو فيخرج التقدير من نطاق المشروعية إلى نطاق عدم
المشروعية ومن يخضع لرقابة هذه المحكمة التي رأت في وقائع القرار التأديبي المطعون
فيه ومن ملابسات الطعن الراهن والظروف التي أحاطت بالطاعن ومن حوله من أبنائه إلا أن
درجة خطورة الذنب الإداري الذي لا شك أنه وقع منه – لا يتناسب مع جزاء خفض وظيفته الحالية
إلى وظيفة في الدرجة الأدنى مباشرة ومع خفض أجره إلى القدر الذي كان عليه قبل الترقية
إلى درجته الحالية….. ومن أجل ذلك تكتفي هذه المحكمة بمجازاة الطاعن لما صدر منه
بالخصم من مرتبه لمدة عشرين يوماً.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه وبمجازاة الطاعن…… بالخصم من مرتبه لمدة عشرين يوماً.
[(1)] يراجع حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 181 لسنة 21 ق جلسة 11 يونيه 1988 في مبدأ تناسب الجزاء مع جسامة المخالفة.
