الطعن رقم 5 لسنة 14 قضائية “منازعة تنفيذ” – جلسة 01 /01 /1994
المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 791
جلسة أول يناير سنة 1994
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين فاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين – أعضاء، وحضور السيد المستشار/ نجيب جمال الدين علما – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.
(القاعدة رقم 2)
القضية رقم 5 لسنة 14 قضائية "منازعة تنفيذ"
1 – دعوى إغفال الفصل في بعض الطلبات الموضوعية "المادة 193 مرافعات:
مناطها".
مناط تطبيق المادة 193 من قانون المرافعات, هو أن تكون المحكمة قد أغفلت عن سهو أو
غلط الفصل في طلب موضوعي بما يجعل الطلب باقياً معلقاً أمامها. مرد إغفال الفصل في
طلب موضوعي، هو ألا يصدر عن المحكمة قضاء من شأنه, ولو كان ضمنياً.
2 – المحكمة الدستورية العليا "الرقابة على الدستورية"
المسائل الدستورية – دون غيرها – هي جوهر الرقابة التي تباشرها هذه المحكمة على دستورية
القوانين واللوائح.
3 – دعوى دستورية "المصلحة فيها: العلاقة بين الدعويين الدستورية والموضوعية" – "انتحال
الاختصاص".
يتعين دائماً لقبول الدعوى الدستورية، أن يكون الفصل في المسألة الدستورية محلها, لازماً
للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها. العلاقة بين الدعويين الدستورية والموضوعية
ينبغي دائماً أن تظل في حدودها المنطقية, عدم تجاوزها إلى حد انتحال اختصاص مقرر لمحكمة
الموضوع, وإثباته للمحكمة الدستورية العليا.
4 – دعوى دستورية "مسائل الواقع" – "إغفال".
لا يجوز أن تعرض المحكمة الدستورية العليا لمسائل الواقع التي يدخل بحثها في اختصاص
محكمة الموضوع. يجب أن يكون الإعفاء منحصراً في المسألة الدستورية المطروحة على المحكمة
الدستورية العليا، لا يتعداه إلى غيره.
5 – دعوى دستورية "التحقق من شروطها" – "إغفال".
وجوب التمييز بين إغفال الفصل في بعض جوانب المسألة الدستورية من ناحية, وبين شروطها
وأوضاع اتصال الدعوى الدستورية بالمحكمة الدستورية العليا من ناحية أخرى. ضرورة التحقق
من توافر هذه الشروط والأوضاع قبل النظر في المسألة الدستورية.
6 – دعوى دستورية "الدفع بعدم قبولها: رفضه ضمنياً" – "إغفال".
عدم الرد استقلالاً على الدفع بعدم قبول الدعوى الدستورية, لا يفيد إغفال المحكمة الدستورية
العليا الفصل في بعض المسألة المطروحة عليها بموجب هذه الدعوى. التفاتها عن الرد على
هذا الدفع، بمثابة قضاء ضمني برفضه.
7 – طلبات المدعي في الدعوى الدستورية "الاختصاص بتكييفها".
إذ كان ادعاء إغفال الفصل في بعض الطلبات التي عرضها المدعي في دعواه الدستورية, منطوياً
في – التكييف القانوني الصحيح – على تجريح لقضاء سابق صادر عن المحكمة الدستورية العليا,
وجب الحكم بعدم قبول دعوى الإغفال.
1 – تنص المادة 193 من قانون المرافعات, على أنه إذا أغفلت المحكمة الحكم في بعض الطلبات
الموضوعية, جاز لصاحب الشأن أن يعلن خصمه بصحيفة للحضور أمامها, لنظر هذا الطلب, والحكم
فيه وقد جرى قضاء المحكمة الدستورية العليا, على أن مناط تطبيقها, أن يكون الطلب الذي
أغفلت المحكمة الفصل فيه – سهواً أو غلطاً من جانبها – منطوياً على عنصر من عناصر المنازعة
الموضوعية، بما يجعل هذا الطلب باقياً معلقاً أمامها. ومن ثم لا يتناول الإغفال أوجه
الدفاع المقدمة إليها تأييداً لطلب موضوعي. ولا يمتد كذلك إلى الأعمال الإجرائية للخصومة،
ولا إلى الدفوع التي لا تنحل في جوهرها إلى منازعة من طبيعة موضوعية. ويتعين دائماً
أن يكون مرد الأمر في مجال إغفال الفصل في طلب موضوعي, ألا يصدر عن المحكمة التي قدم
إليها, قضاء بصدده, ولو كان ضمنياً.
2 – تنحصر ولاية المحكمة الدستورية العليا في مجال الرقابة القضائية التي تباشرها على
دستورية القوانين واللوائح, في إنزال حكم الدستور على النصوص القانونية التي تطرح عليها,
وتثور شبهة قوية في شأن مخالفتها لقواعده، سواء أحيلت إليها هذه النصوص مباشرة من محكمة
الموضوع, أو عَرَضَها عليها أحد الخصوم بعد تقدير محكمة الموضوع لجدية دفعه بعد دستوريتها.
بما مؤداه أن المسائل الدستورية دون غيرها هي جوهر رقابتها, وهي التي تجيل بصرها فيها
بعد إحاطتها بأبعادها. ومن ثم لا يمتد بحثها لسواها ولا تخوض في غيرها. وهو ما أضفى
على الدعوى الدستورية طبيعتها العينية, باعتبار أن قوامها مقابلة النصوص التشريعية
المدعي مخالفتها للدستور, بالقيود التي فرضها لضمان النزول عليها. ومن ثم تكون هذه
النصوص ذاتها, هي موضوع الدعوى الدستورية، أو هي بالأحرى محلها. وإهدارها بقدر تعارضها
مع أحكام الدستور, هي الغاية التي تبتغيها هذه الخصومة. وقضاء المحكمة الدستورية العليا
في شأن هذه النصوص, هو القاعدة الكاشفة عن صحتها أو بطلانها. ولا يجوز بالتالي أن تتناول
هذه المحكمة في مجال تطبيقها للشرعية الدستورية, غير المسائل التي تدور حولها الخصومة
في الدعوى الدستورية، إلا بالقدر الذي يكفل اتصال الفصل فيها, بالفصل في الطلبات الموضوعية
المرتبطة بها، والمطروحة أمام محكمة الموضوع.
3 – ينبغي دائماً أن تظل العلاقة بين الدعويين الدستورية والموضوعية في حدودها المنطقية,
فلا تجاوزها المحكمة الدستورية العليا, بأن تنتحل لنفسها اختصاصا مكفولاً لمحكمة الموضوع،
فليس ذلك دورها, ولا يدخل في إطار مهمتها في مجال الرقابة القضائية على الدستورية،
ذلك أن جوهر رقابتها يتمثل في مواجهة المسائل الدستورية التي يكون الفصل فيها مؤثراً
في الخصومة الموضوعية, سواء في كافة جوانبها أو في شق منها, وذلك من خلال تقرير القاعدة
التي تحكمها. وبإرساء هذه القاعدة تبلغ الدعوى الدستورية نهاية مطافها, وتستنفد المحكمة
الدستورية العليا ولايتها. وهي بعد ولاية تحددها – ابتداء وانتهاء – طبيعة الدعوى الدستورية،
والغرض المقصود منها, مبلوراً في مقابلة النصوص التشريعية المطعون عليها بأحكام الدستور,
تحرياً لتطابقها معها, وتقريراً لجزاء مخالفتها.
4 – متى كان الفصل في المسائل الدستورية دون غيرها، هو موضوع الخصومة في الدعوى الدستورية,
وكان لا محل لأن تعرض المحكمة الدستورية العليا لمسائل الواقع التي يدخل بحثها في اختصاص
محكمة الموضوع – ولو كان القانون يخالطها – كذلك المتعلقة بالحقوق الشخصية والعينية
جميعها, وتحديداً من جانبها لمن يتمتعون بها وفقاً للقانون, وكان من المتصور حين تعرض
المحكمة الدستورية العليا لحقيقة المسألة الدستورية المطروحة عليها, أن تغفل الفصل
"في بعض جوانبها"، وجب أن يكون الإغفال – محدداً على ضوء طبيعة اختصاص المحكمة الدستورية
العليا في شأن الدعاوى الدستورية – منحصراً في هذا النطاق لا يتعداه إلى غيره.
5 – يجب التمييز بقدر كبير من العناية، بين إغفال الفصل في بعض جوانب المسائل الدستورية
من ناحية, وبين الشروط والأوضاع التي يجب الاستيثاق من توافرها لضمان اتصال الدعوى
الدستورية بالمحكمة الدستورية العليا وفقاً لقانونها من ناحية أخرى. ذلك أن التحقق
من توافر هذه الشروط والأوضاع, يعتبر أمراً سابقاً بالضرورة على خوض المحكمة الدستورية
العليا في المسائل الدستورية ومضيها في نظرها. بما مؤداه أن فصلها فيها يعتبر قاطعاً
في الدلالة على أن الشروط والأوضاع التي تطلبها قانون هذه المحكمة لاتصال الدعوى الدستورية
بها, مستوفاة بتمامها. إذ كان ذلك, وكانت المسألة الدستورية التي تدور حولها الخصومة
في الدعوى الدستورية رقم 25 لسنة 11 قضائية, هي ما إذا كان جائزاً من الناحية الدستورية
أن ينزل المحامي أو أحد ورثته, عن حق إيجار مكتب المحاماة لمن يباشر مهنة حرة أو حرفة
غير مقلقة للراحة, أو مضرة بالصحة، إذا كان هذا التنازل قد تم دون مقابل يؤديه مستأجر
هذه العين إلى مالكها, فإن المسألة الدستورية – محددة على هذا النحو – لا يتصل بحثها
بمن يكون مالكاً لعين بذاتها وفقاً للقانون.
6 – متى كان الدفع بعدم قبول الدعوى الدستورية, الذي أثاره المدعي عليه فيها, قوامه
انتفاء صفة رافعها، بمقولة: أنه يعد أجنبياً ممنوعاً من تملك العقارات المبينة قانوناً،
وكان هذا الدفع لا يتناول المسألة الدستورية في ذاتها, ولا يعتبر متعلقاً بها, بل مرماه
إخراج الدعوى الدستورية من حوزة المحكمة الدستورية العليا، ومنعها من نظرها, وهو ما
لا يستقيم إلا بافتراض أن الشروط والأوضاع اللازمة لقبولها متخلفة, وكان عدم الرد استقلالاً
على الدفع بعدم قبول الدعوى الدستورية, لا يفيد إغفال المحكمة الدستورية العليا الفصل
في بعض جوانب المسألة الدستورية التي طرحتها هذه الدعوى عليها, بل يعد أوثق اتصالاً
بشروط قبولها وفقاً لقانونها, فإن التفاتها عن الرد على هذا الدفع, يعد قضاء ضمنياً
برفضه.
7 – إذا كان ما توخاه المدعي حقيقة في الدعوى الماثلة، لا يعدو إعادة طرح الدعوى رقم
25 لسنة 11 قضائية "دستورية" توصلاً إلى الحكم فيها مجدداً بعدم قبولها, بمقولة انتفاء
صفة مدعيها, تقويضاً لما صدر عن هذه المحكمة من قضاء فيها, صريحاً كان أم ضمنياً، فإن
ذلك منه, ينحل إلى منازعة من جانبه في الدعائم القانونية التي قام عليها هذا القضاء،
ويؤول إلى طعن فيها بالمخالفة للمادة 48 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر
بالقانون رقم 48 لسنة 1979، التي تقضي بأن أحكام المحكمة وقراراتها نهائية, وغير قابلة
للطعن.
الإجراءات
بتاريخ 30 من يوليو سنة 1992 أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم
كتاب المحكمة طالباً الحكم في الدفع بعدما القبول الذي طرحه كمدعي عليه – في الدعوى
رقم 25 لسنة 11 ق "دستورية" بقالة إن قضاء هذه المحكمة في تلك الدعوى الصادر بجلسة
27 من مايو سنة 1992 أغفل الفصل فيه.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة بدفاعها طلبت في ختامها الحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى،
واحتياطياً برفضها.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي
عليه الأول, كان قد أقام الدعوى رقم 25 لسنة 11 قضائية "دستورية" طالباً الحكم بعدم
دستورية نص المادة 55 من قانون المحاماة الصادر بالقانون رقم 17 لسنة 1983, فيما قررته
من أنه يجوز للمحامي أو لورثته – استثناء من حكم المادة 20 من القانون رقم 136 لسنة
1981 – التنازل عن حق إيجار مكتب المحاماة لمزاولة مهنة حرة, أو حرفة غير مقلقة للراحة,
أو مضرة بالصحة. وفي فترة حجز الدعوى للحكم, قد المدعي – بصفته وكيلاً عن المدعي عليه
الأول فيها – مذكرة قصرها على دفع بعدم قبول الدعوى لانعدام صفة مدعيها باعتباره أجنبياً
لا يجوز أن يمتلك العقار محل التداعي, وانتفاء مصلحته القانونية في منازعته الدستورية
بالتالي. وكان قضاء هذه المحكمة قد صدر في الدعوى رقم 25 لسنة 11 قضائية دستورية المشار
إليها, بعدم دستورية الفقرة الثانية من المادة 55 من قانون المحاماة الصادر بالقانون
رقم 17 لسنة 1983, وذلك فيما قررته من جواز نزول المحامي أو ورثته, عن إيجار مكتبه,
لمزاولة غير المحاماة من المهن الحرة, أو لمباشرة حرفة غير مقلقة للراحة, أو مضرة بالصحة،
وما يرتبه هذا النص من آثار قانونية على التنازل المشار إليه, وأقام المدعي الدعوى
الراهنة ناعياً فيها على الحكم الصادر في الدعوى رقم 25 لسنة 11 ق "دستورية" المشار
إليها, إغفاله الفصل في دفعه بعدم قبولها, ومرتكناً في الأساس الذي يقوم عليه على نصوص
تشريعية قال بتعلقها بالنظام العام, تستظهرها المحاكم من تلقاء نفسها، وتقضي فيها دون
طلب من الخصوم.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة دفعت بعدم قبول الدعوى, استناداً إلى أنها بمثابة طعن على
ما صدر من هذه المحكمة من قضاء في الدعوى رقم 25 لسنة 11 قضائية "دستورية" المشار إليها.
وحيث إن المدعي في الدعوى الماثلة, ينعي على المحكمة الدستورية العليا فصلها في الدعوى
الدستورية رقم 25 لسنة 11 ق دون أن تعرض لدفعه بعدم قبولها, وهو ما يعد في رأيه إغفالاً
في تطبيق أحكام المادة 193 من قانون المرافعات المدنية والتجارية, يتعين تصويبه بالرجوع
إلى هذه المحكمة, ودعوتها للفصل فيما أغفلته.
وحيث إن المادة 193 من قانون المرافعات, تنص على أنه إذا أغفلت المحكمة الحكم في بعض
الطلبات الموضوعية, جاز لصاحب الشأن أن يعلن خصمه بصحيفة للحضور أمامها, لنظر هذا الطلب,
والحكم فيه.
وحيث إن مناط تطبيق المادة 193 المشار إليها, أن يكون الطلب الذي أغفلت المحكمة الفصل
فيه سهواً، أو غلطاً من جانبها، منطوياً على عنصر من عناصر المنازعة الموضوعية، بما
يجعل هذا الطلب باقياً معلقاً أمامها. ومن ثم لا يتناول الإغفال أوجه الدفاع المقدمة
إليها تأييداً لطلب موضوعي, ولا يمتد كذلك إلى الأعمال الإجرائية للخصومة، ولا إلى
الدفوع التي لا تنحل في جوهرها إلى منازعة من طبيعة موضوعية. ويتعين دائماً أن يكون
مرد الأمر في مجال إغفال الفصل في طلب موضوعي, ألا يصدر عن المحكمة التي قدم إليها,
قضاء بصدده, ولو كان ضمنياً.
وحيث إن ولاية المحكمة الدستورية العليا في مجال الرقابة القضائية التي تباشرها على
دستورية القوانين واللوائح, في إنزال حكم الدستور على النصوص القانونية التي تطرح عليها,
وتثور شبهة قوية في شأن مخالفتها لقواعده، سواء أحيلت إليها هذه النصوص مباشرة من محكمة
الموضوع, أو عَرَضَها عليها أحد الخصوم خلال الأجل الذي ضربته له محكمة الموضوع، بعد
تقديرها لجدية دفعه بعد دستوريتها, بما مؤداه أن المسائل الدستورية دون غيرها هي جوهر
رقابتها, وهي التي تجيل بصرها فيها بعد إحاطتها بأبعادها, ومن ثم لا يمتد بحثها لسواها
ولا تخوض في غيرها, وهو ما أضفى على الدعوى الدستورية طبيعتها العينية, باعتبار أن
قوامها مقابلة النصوص التشريعية المدعي مخالفتها للدستور, بالقيود التي فرضها لضمان
النزول عليها, ومن ثم تكون هذه النصوص ذاتها, هي موضوع الدعوى الدستورية، أو هي بالأحرى
محلها, وإهدارها بقدر تعارضها مع أحكام الدستور, هي الغاية التي تبتغيها هذه الخصومة.
وقضاء المحكمة الدستورية العليا في شأن هذه النصوص, هو القاعدة الكاشفة عن صحتها أو
بطلانها. ولا يجوز بالتالي أن تتناول هذه المحكمة في مجال تطبيقها للشرعية الدستورية,
غير المسائل التي تدور حولها الخصومة في الدعوى الدستورية، إلا بالقدر الذي يكفل اتصال
الفصل فيها, بالفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها، والمطروحة أمام محكمة الموضوع.
وتلك هي الصلة الحتمية بين المصلحة في الدعوى الدستورية والمصلحة الموضوعية، إذ يتعين
دائماً لقبول الدعوى الدستورية, أن يكون الفصل في المسألة الدستورية محلها, لازماً
للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها. غير أن العلاقة بين الدعويين الدستورية والموضوعية
ينبغي دائماً أن تظل في حدودها المنطقية, فلا تجاوزها إلى حد انتحال اختصاص مقرر لمحكمة
الموضوع وإثباته للمحكمة الدستورية العليا، فليس ذلك دورها, ولا يدخل في إطار مهمتها
في مجال الرقابة القضائية على الدستورية، ذلك أن جوهر رقابتها يتمثل في مواجهة المسائل
الدستورية التي يكون الفصل فيها مؤثراً في الخصومة الموضوعية, سواء في كافة جوانبها
أو في شق منها, وذلك من خلال تقرير القاعدة التي تحكمها. وبإرساء هذه القاعدة تبلغ
الدعوى الدستورية نهاية مطافها وتستنفد المحكمة الدستورية العليا ولايتها, وهي بعد
ولاية تحددها ابتداء وانتهاء، طبيعة الدعوى الدستورية، والغرض المقصود منها, مبلوراً
في مقابلة النصوص التشريعية المطعون عليها بأحكام الدستور, تحرياً لتطابقها معها, وتقريراً
لجزاء مخالفتها.
وحيث إنه متى كان ذلك, وكان الفصل في المسائل الدستورية دون غيرها، هو الموضوع الذي
تدور حوله الخصومة في الدعوى الدستورية, وكان لا محل لأن تعرض المحكمة الدستورية العليا
لمسائل الواقع التي يدخل بحثها في اختصاص محكمة الموضوع – ولو كان القانون يخالطها
– كتلك المتعلقة بالحقوق الشخصية والعينية جميعها تحديداً من جانبها لمن يتمتعون بها
وفقاً للقانون, وكان من المتصور حين تعرض المحكمة الدستورية العليا لحقيقة المسألة
الدستورية المطروحة عليها, أن تغفل الفصل في بعض جوانبها، وجب أن يكون الإغفال – محدداً
على ضوء طبيعة اختصاص المحكمة الدستورية العليا في شأن الدعاوى الدستورية – منحصراً
في هذا النطاق لا يتعداه إلى غيره.
وحيث إنه بالإضافة إلى ما تقدم, يجب التمييز بقدر كبير من العناية، بين إغفال الفصل
في بعض جوانب المسائل الدستورية من ناحية, وبين الشروط والأوضاع التي يجب الاستيثاق
من توافرها لضمان اتصال الدعوى الدستورية بالمحكمة الدستورية العليا وفقاً لقانونها
من ناحية أخرى, ذلك أن التحقق من توافر هذه الشروط والأوضاع, يعتبر أمراً سابقاً بالضرورة
على خوض المحكمة الدستورية العليا في المسائل الدستورية ومضيها في نظرها, بما مؤداه
أن فصلها فيها يعتبر قاطعاً في الدلالة على أن الشروط والأوضاع التي تطلبها قانون هذه
المحكمة لاتصال الدعوى الدستورية بها, مستوفاة بتمامها. إذ كان ذلك, وكانت المسألة
الدستورية التي تدور حولها الخصومة في الدعوى الدستورية رقم 25 لسنة 11 قضائية, هي
ما إذا كان جائزاً من الناحية الدستورية أن ينزل المحامي أو أحد ورثته, عن حق إيجار
مكتب المحاماة لمن يباشر مهنة حرة أو حرفة غير مقلقة للراحة, أو مضرة بالصحة، إذا كان
هذا التنازل قد تم دون مقابل يؤديه مستأجر هذه العين إلى مالكها, وكانت المسألة الدستورية
محددة على هذا النحو، لا يتصل بحثها بمن يكون مالكاً لعين بذاتها وفقا للقانون، وكان
الدفع بعدم قبول الدعوى الدستورية, الذي أثاره المدعي عليها فيها قوامه انتفاء صفة
رافعها، بمقولة: أنه يعد أجنبياً ممنوعاً من تملك العقارات المبينة قانوناً، وكان هذا
الدفع لا يتناول المسألة الدستورية في ذاتها, ولا يعتبر متعلقاً بها, بل مرماه إخراج
الدعوى الدستورية من حوزة المحكمة الدستورية العليا، ومنعها من نظرها, وهو ما لا يستقيم
إلا بافتراض أن الشروط والأوضاع اللازمة لقبولها متخلفة, وكان عدم الرد استقلالاً على
الدفع بعدم قبول الدعوى الدستورية, لا يفيد إغفال المحكمة الدستورية العليا الفصل في
بعض جوانب المسألة الدستورية التي طرحتها هذه الدعوى عليها, بل يعد أوثق اتصالاً بشروط
قبولها وفقاً لقانون هذه المحكمة, فإن التفاتها عن الرد على هذا الدفع, يعد قضاء ضمنياً
برفضه.
وحيث إن ما يتوخاه المدعي حقيقة في الدعوى الماثلة، لا يعدو إعادة طرح الدعوى رقم 25
لسنة 11 قضائية "دستورية" توصلاً إلى الحكم فيها مجدداً بعدم قبولها, بمقولة انتفاء
صفة مدعيها, تقويضاً لما صدر عن هذه المحكمة من قضاء فيها, صريحاً كان أم ضمنياً، وليس
ذلك إلا منازعة من جانبه في الدعائم القانونية التي قام عليها هذا القضاء، وهو ما ينحل
إلى طعن فيها بالمخالفة للمادة 48 من قانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون
رقم 48 لسنة 1979، التي تقرر أن أحكام المحكمة وقراراتها نهائية, وغير قابلة للطعن,
ومن ثم فقد غدا متعيناً الحكم بعدم قبول الدعوى الراهنة.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى, وألزمت المدعي المصروفات, ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
