الطعن رقم 1 لسنة 16 قضائية “تفسير” – جلسة 15 /04 /1995
أحكام المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 763
جلسة 15 إبريل سنة 1995
برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وسامي فرج يوسف والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي على جبالي – رئيس هيئة المفوضين، وحضور السيد/ حمدي أنور صابر – أمين السر.
(القاعدة رقم 1)
القضية رقم 1 لسنة 16 قضائية "تفسير"
1 – تفسير تشريعي "مضمونه، والأغراض التي يتوخاها، والجهة التي
بطلبه".
لا يقدم طلب التفسير التشريعي إلي المحكمة الدستورية العليا، ولا يتصل بها، إلا وفقا
للأوضاع وطبقا للإجراءات المنصوص عليها في المادة 33 من قانونها. ويتوخى هذا الطلب،
رد القاعدة القانونية المختلف على تفسيرها, إلى مضمون موحد يتحدد على ضوء ما قصده المشرع
منها عند إقرارها.
2 – تفسير قضائي "مضمونه، والأغراض التي يتوخاها, وذو الشأن فيه".
لكل خصم، وعملاً بنص المادة 192 من قانون المرافعات – أن يتقدم مباشرة إلى المحكمة
الدستورية العليا بدعواه المتعلقة بتفسير قضائها, ودون خروج عما قضى به الحكم المفسر،
وذلك إذا كان الغموض أو الإبهام – سواء في منطوق الحكم أو ما اتصل به من الدعائم التي
لا يقوم بدونها – قد اعتراه فعلاً.
3 – تفسير قضائي "حجيته: امتدادها إلى الأسباب التي ارتبط بها المنطوق".
إذ قضى الحكم الصادر في الدعوى رقم 34 لسنة 13 قضائية "دستورية" بعدم دستورية المادة
الأولى من القانون رقم لسنة 1991 بتعديل المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة
1987 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975,
فإن حجية هذا الحكم تمتد إلى الأسباب التي ارتبط بها ارتباطاً لا يقبل التجزئة.
4 – تفسير قضائي "ليس طريقاً لنقض الحكم المطلوب تفسيره, أو هدم الأسس التي يقوم عليها".
لا يعد طلب التفسير طريقاً من طرق الطعن في الأحكام, ولا يمس حجيتها, ولا يجوز أن يتخذ
ذريعة لتعديلها أو نقضها.
5 – دعوى دستورية "تعلقها بالنصوص القانونية المطعون عليها دون غيرها".
لا تتناول الدعوى الدستورية حقوقاً غير التي جحدها القانون المطعون بعدم دستوريته.
6 – دعوى دستورية "لا يفصل الحكم الصادر فيها في حقوق لم يكن طلبها معروضاً على المحكمة
الدستورية العليا في نطاق الدعوى الدستورية المطروحة عليها".
الزيادة في المعاش التي كفلها المشرع بالقانون رقم 102 لسنة 1987 للمحالين إلى التقاعد
قبل الأول من يوليو 1987، لم يكن طلبها مطروحاً على المحكمة الدستورية العليا في إطار
الدعوى الدستورية رقم 34 لسنة 13 قضائية. ولا يتصور أن يمتد قضاؤها في هذه الدعوى إلى
تلك الزيادة.
1 – لا يقدم طلب التفسير التشريعي – عملاً بنص المادة 33 من قانون المحكمة الدستورية
العليا – إلا من وزير العدل بناء على طلب رئيس مجلس الوزراء، أو رئيس مجلس الشعب, أو
المجلس الأعلى للهيئات القضائية, إذا كان للنص التشريعي المطلوب تفسيره أهمية جوهرية
لا ثانوية, وكان قد ثار عند تطبيقه خلاف حول مضمونه, تتباين معه الآثار القانونية التي
يرتبها فيما بين المخاطبين بأحكامه, بما يخل عملاً بعمومية القاعدة القانونية الصادرة
في شأنهم, والمتماثلة مراكزهم القانونية بالنسبة إليها, ويهدم بالتالي ما تقتضيه المساواة
بينهم في مجال تطبيقها، مما يحتم رد هذه القاعدة إلى مضمون موحد، يتحدد في ضوء ما قصده
المشرع منها عند إقرارها, وذلك حسماً لمدلولها, ولضمان أن يكون تطبيقها متكافئاً فيما
بين المخاطبين بها.
2 – وإذا كان ما تقدم هو الشأن في التفسير التشريعي, فإنه في نطاق التفسير القضائي،
يجوز لكل خصم – وعملاً بنص المادة 192 من قانون المرافعات المدنية والتجارية التي يعتبر
مضمونها مندمجاً في قانون المحكمة الدستورية العليا على تقدير أن تطبيقها على الأحكام
التي تصدرها, لا يتعارض مع طبيعة اختصاصاتها والأوضاع المقررة أمامها – أن يتقدم مباشرة
إليها بدعواه المتعلقة بتفسير قضائها, وقوفاً على حقيقة مرادها منه, واستنهاضاً لولايتها
في مجال تجلية معناه, وتحديداً لمقاصدها التي التبس فهمها حقاً، ودون خروج عما قضى
به الحكم المفسر – بنقض أو زيادة أو تعديل – إذا كان الغموض أو الإبهام – سواء في منطوق
هذا الحكم أو ما اتصل به من الدعائم التي لا يقوم بدونها – قد اعتراه فعلاً – فأصبح
خافياً. ذلك أن الحكم الصادر بالتفسير، يعتبر متمماً من كل الوجوه للحكم المفسر، ولا
يحوز بالتالي أن يتذرع بالتفسير, لتقويض بنيان الحكم المطلوب تفسيره, أو لتنفيذه على
غي مقتضاه. متى كان ذلك, وكان طلب التفسير الماثل, قد قدم مباشرة إلى المحكمة الدستورية
العليا, وفقاً للأوضاع التي نص عليها قانونها, فإنه يكون قد اتصل بها اتصالاً مطابقاً
للقانون.
3 – خلص قضاء المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 34 لسنة 13 قضائية "دستورية"
إلى عدم دستورية نص المادة الأولى من القانون رقم 1 لسنة 1991 بتعديل المادة الأولى
من القانون رقم 107 لسنة 1987 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي, مستنداًَ
في ذلك إلى عدد من الدعائم التي ارتبط هذا المنطوق بها:
أولها: أن نظام التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 يشمل التأمين ضد
مخاطر بذاتها تندرج الشيخوخة والوفاة تحتها, وفي تطبيق أحكام هذا القانون يقصد بكلمة
"المؤمن عليه" العامل الذي تسري عليه أحكام ذلك القانون, ويفيد أن المزايا التأمينية
التي نص عليها عند تحقق الخطر المؤمن منه، سواء أكان من العاملين المدنيين بالدولة
أو هيئاتها أو مؤسساتها العامة أو وحداتها الاقتصادية أو غيرها من وحدات القطاع الاقتصادية,
أم كان من العاملين الخاضعين لأحكام قانون العمل بالشروط التي نص عليها قانون التأمين
الاجتماعي. ذلك أن محل التأمين أو العنصر الجوهري فيه – جماعياً كان هذا التأمين أم
فردياً – هو تحقق الخطر المؤمن منه, بل إن التأمين من هذا الخطر لمواجهة آثاره بعد
وقوعها, هو الدافع إلى التأمين, أياً كانت الجهة التي تنظم عملية توزيع المخاطر وتشتيتها
بين المؤمن عليهم. وما التأمين الاجتماعي, إلا صورة من صور التأمين تقوم الدولة فيها
بدور المؤمن. وقد فصل قانون التأمين الاجتماعي قواعد هذا النظام, ونطاق سريان أحكامه,
وحدد الصناديق التأمينية التي توفر مختلف صور التأمين وما يتصل بها من الحقوق المالية.
فقرر بصريح مادته السابعة عشرة, أن المشمولين بتأمين الشيخوخة مؤمن عليهم, وأن مقابل
التأمين بالنسبة إليهم يتكون من عدة عناصر, من بينها الحصة التي يلتزمون بأدائها من
أجورهم، سواء أكان الأجر أساسياً أم كان أجراً متغيراً, وأبان كذلك بمادته الثامنة
عشرة عن أن المعاش يستحق بانتهاء خدمة "المؤمن عليه" لبلوغه سن التقاعد المنصوص عليه
بنظام التوظف المعامل به.
ثانيها: أن أصل الحق في المعاش عن الأجر المتغير, قد تقرر بمقتضى القانون رقم 47 لسنة
1984 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 امتداداً
للحماية التأمينية, لتشمل أجر المؤمن عليه بمختلف عناصره, وإذ كان ما تغياه المشرع
بذلك هو أن يوفر للمؤمن عليه معاشاً مناسباً مقارباً لما كان يحصل عليه من أجر أثناء
مدة خدمته, يفي باحتياجاته الضرورية بعد بلوغ سن التقاعد التي يتحقق عندها الخطر المؤمن
منه, فإن عبارة "المؤمن عليه" التي تضمنتها المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة
1987 المشار إليه – قبل تعديلها – لا يجوز قصرها على فئة بذاتها من المحالين إلى التقاعد،
هي تلك التي تكون في الخدمة في الأول من يوليو 1987.
ثالثها: أنه في مجال استظهار المقاصد التي رمي المشرع إلى بلوغها من وراء إقراره حكماً
معيناً, فإن العبارة التي صاغ المشرع بها النص التشريعي – في سياقها، ومحددة على ضوء
طبيعة الموضوع محل التنظيم التشريعي, والأغراض التي يتوخاها – هي التي يتعين التعويل
علها ابتداء, ولا يجوز العدول عنها إلى سواها إلا إذا كان التقيد بحرفتيها – يناقض
أهدافاً واضحة مشروعة سعي إليها المشرع. وكان استقراء الشرطين الثاني والثالث اللذين
علق عليهما القانون رقم 107 لسنة 1987 – قبل تعديل مادته الأولى – استحقاق المحالين
إلى التقاعد الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير, يدل على أن مدد الاشتراك عن هذا الأجر
يعتد في حسابها بزمن معين نهايته "واقعة انتهاء الخدمة"، وأن مدد الاشتراك عن الأجر
الأساسي يجب ألا تقل عن فترة زمنية محددة "في تاريخ توافر واقعة استحقاق المعاش"، وكان
ليس ثمة دليل من عبارة النص على أن هاتين الواقعتين كليتهما – واقعة انتهاء الخدمة
وواقعة استحقاق المعاش – متراخيتان إلى الأول من يوليو 1987، فإن قصر الحق في الحد
الأدنى لمعاش الأجر المتغير على هؤلاء الموجودين في الخدمة في هذا التاريخ, لا يعدو
أن يكون حملاً للمادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987 – قبل تعديلها – على شرط
لا تتضمنه, وآية ذلك أن كلمة "المؤمن عليه" في جميع مواضعها من هذه المادة, قد ورد
لفظها عاماً دون تخصيص، مطلقاً دون تقييد، بما مؤداه انصرافها على سبيل الشمول والاستغراق
إلى كل الأفراد الذين يندرجون تحتها, ذلك أن العام لا يخصص إلا بدليل، ولا يقيد المطلق
إلا بقرينة, وبانتفائهما لا يجوز إسباغ معنى آخر على النص التشريعي, وإلا كان ذلك تأويلاً
غير مقبول, والتفافاً حول المصلحة الاجتماعية التي تظاهر النصوص التشريعية جميعها,
وتعتبر هدفاً نهائياً لها, وقوامها في الطعن الماثل, توفير الأمن والطمأنينة لهؤلاء
الذين تحقق خطر الشيخوخة النسبة لهم, وذلك بضمان حد أدنى لمعاشاتهم عن الأجور المتغيرة,
ولا يجوز النزول عنه بحال. ولازم ذلك ومقتضاه أن مفهوم "المؤمن عليه" في تطبيق أحكام
المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987 – قبل تعديلها بالمادة الأولى من القانون
المطعون فيه – ينصرف إلى كل تعرض لخطر الشيخوخة من المؤمن عليهم, سواء كان قد بلغ سن
التقاعد قبل العمل بالقانون رقم 107 لسنة 1987، أم كانت خدمته قد انتهت بعد نفاذه.
رابعا: أنه إذا توافرت في المؤمن عليه – محدداً على هذا النحو – الشروط التي تطلبتها
المادة الأولى من هذا القانون – قبل تعديلها – لاستحقاق الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير,
فإن مركزه القانوني بالنسبة إلى هذا المعاش يكون قد استقر بصفة نهائية، ولا يجوز من
بعد التعديل في العناصر التي قام عليها. ذلك أن التغيير فيها بعد اكتمالها ليس إلا
هدماً لوجوده, وإحداثاً لمركز قانوني جديد يستقل عن المركز السابق الذي نشأ مستوفياً
لشرائطه, بما يخل بالحقوق التي رتبها بإنكار موجباتها. ولئن كان الدستور قد فوض السلطة
التشريعية في مادته الثانية والعشرين بعد المائة في أن تقرر القواعد التي تحدد الحق
في المعاش على ضوئها, إلا أن الشروط التي يفرضها المشرع لقيام حق من الحقوق, تعتبر
من عناصره، بها ينهض سوياً على قدميه, ولا يتصور وجوده بدونها, ولا أن يكتمل كيانه
في غيبتها, ومن ثم لا تنعزل هذه الشروط عن الحق الذي تولد عنها, لأنها من مقوماته.
ولا يتم وجوده إلا مرتبطاً بها, بما مؤداه امتناع التعديل فيها بعد نشوء الحق مستجمعاً
لها, وإلا كان ذلك نقضاً للحق بعد تقريره, وهو ما ينحل إلى مصادرته, على خلاف أحكام
الدستور, التي تبسط حمايتها على الحقوق الشخصية جميعها, باعتبار أن لها قيمة مالية
لا يجوز الانتقاص منها.
خامساً: أن القانون رقم 1 لسنة 1991 المطعون فيه, قد صدر بمقولة: إنه تشريع مفسر لأحكام
المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي
الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، وأن الغرض من إصداره هو قطع كل جدل حول المقصود
بكلمة "المؤمن عليه". متى كان ذلك وكان المقرر أن سلطة تفسير النصوص التشريعية سواء
تولتها السلطة التشريعية، أم باشرتها الجهة التي عهد إليها, بهذا الاختصاص، لا يجوز
أن تكون موطئاً إلى تعديل هذه النصوص ذاتها بما يخرجها عن معناها, أو يجاوز الأغراض
المقصودة منها. وبوجه خاص لا تتناول هذه السلطة تعديل مراكز قانونية توافرت مقوماتها
وفقاً للقانون – محدداً على ضوء الإرادة الحقيقية للمشرع – واكتمل تكوينها بالتالي
قبل صدور قرار التفسير, إذ يعتبر ذلك عدواناً على الحقوق التي ولدتها هذه المراكز،
وتجريداً لأصحابها منها بعد ثبوتها, وهو ما لا يجوز أن ينزلق التفسير التشريعي إليه
أو يخوض فيه, وكان القانون رقم 1 لسنة 1991 بتعديل المادة الأولى من القانون رقم 107
لسنة 1987, لا يتغيا تفسير المقاصد التي توختها المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة
1987، بل رمي إلى تعديلها عن طريق إضافة شرط جديد إلى الشروط التي تطلبتها لاستحقاق
الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير، هادفاً من وراء ذلك إلى تقييد، أو تضييق مجال تطبيقها,
لمواجهة متطلبات تمويل هذا المعاش, فإن الأغراض المالية وحدها تكون هي الغاية النهائية
التي قصد المشرع – بإصدار القانون رقم 1 لسنة 1991 – إلى بلوغها. وهي بعد أغراض تنافي
بطبيعتها حقيقة أبعاد التفسير التشريعي, وليس لها به من صلة.
سادسها: أن موضوع تنظيم الحقوق, وإن كان يدخل في نطاق السلطة التقديرية التي يمارسها
المشرع وفق أسس موضوعية، ولاعتبارات يقتضيها الصالح العام, إلا أن هذا التنظيم يكون
مجانباً أحكام الدستور, منافياً لمقاصده, إذا تعرض للحقوق التي تناولها سواء بإهدارها
أو بالانتقاص منها, متى كان ذلك، وكان القانون المطعون فيه، قد توخي بمادته الأولى
تعديل الشروط التي تطلبتها المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987 لقيام الحق
في الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير, مقيداً بذلك من نطاق تطبيقها, ومخلاً بالتالي
بالمركز القانوني للمؤمن عليهم الذين عناهم هذا القانون, وعلق حقهم في الحد الأدنى
لمعاش الأجر المتغير على استيفاء الشروط التي تطلبها, والتي يعد ذلك القانون مصدراً
مباشراً لها, وكان التعديل في هذا المركز – الذي نشأ مكتملاً مستوفياً لعناصره جميعها
قبل نفاذ القانون المطعون فيه – مؤاده الحتمي حرمان فئة من المؤمن عليهم من المزايا
التأمينية التي كفلها لهم القانون رقم 107 لسنة 1987 قبل تعديله الأولى, ويتمحض بالتالي
عدوناً على حقوقهم الشخصية التي سعي الدستور إلى صونها, فإن القانون المطعون فيه يكون
قد جاوز نطاق السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في موضوع تنظيم الحقوق, وذلك باقتحام
المجال الذي يؤكد جوهرها، ويكفل فعاليتها.
سابعها: أن الدستور وإن فوض السلطة التشريعية في تقرير قواعد منح المعاش, إلا أن من
المقرر, أن في الحق المعاش – إذا توافرت أصل استحقاقه – وقع التزاماً على الجهة التي
تقرر عليها, مترتباً في ذمتها بقوة القانون. يؤيد ذلك، أن الحقوق التي يكفلها نظام
التأمين الاجتماعي بصوره المختلفة, لا يقتصر أثرها على ضمان ما يعين أسرة المؤمن عليه
على مواجهة التزاماتها الحيوية, ولكنها في الوقت ذاته مفترض أولى, وشرط مبدئي، لإسهام
المؤمن عليه في الحياة العامة, والاهتمام بوسائل النهوض بها, ومراقبة كيفية تصريف شئونها,
متحرراً في ذلك من عثرات النهوض بمسئوليته هذه. وهو ما يتحقق بوجه خاص إذا ما نزل المشرع
باحتياجاته عن حدودها الدنيا التي لا يجوز التفريط فيها.
ثامنها: أن الحق في المساواة أمام القانون؛ هو ما رددته الدساتير المصرية المتعاقبة
جميعها باعتباره أساس العدل والحرية والسلام الاجتماعي, وعلى تقدير أن الغاية التي
يتوخاها؛ تتمثل أصلاً في صون حقوق المواطنين وتأمين حرياتهم في مواجهة صور من التمييز
تنال منها, أو تقيد ممارستها. وغدا هذا المبدأ في جوهره وسيلة لتقرير الحماية القانونية
المتكافئة, التي تميز فيها بين المراكز القانونية المتماثلة, والتي لا يقتصر تطبيقها
على الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور, بل يمتد مجال إعمالها كذلك إلى تلك
التي يقررها القانون, ويكون مصدراً لها. وكانت السلطة التقديرية التي يملكها المشرع
في مجال تنظيم الحقوق, لا يجوز بحال أن تؤول إلى التمييز بين المراكز القانونية التي
تحدد وفق شروط موضوعية يتكافأ المواطنون من خلالها أمام القانون, وكان الأصل في الأحكام،
هو استلهام روحها ومقاصدها, وكان لا شبهة في أن القانون المطعون فيه, قصد أن يضيف بمادته
الأولى شرطاً علق عليه الإفادة من الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير، هو أن يكون المؤمن
عليه موجوداً في الخدمة في أول يوليو 1987، وهو شرط لم يكن قائماً أو مقرراً من قبل
بمقتضى المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987، ولا متصلاً بمتطلبات تطبيقها عند
إقرارها من السلطة التشريعية، بل أقحم عليها, وجاء بالتالي مصادماً للأغراض التي توختها,
وهادماً لعلاقات قانونية تتصل بالشخصية المتكاملة للمواطن, وبالحدود التي لا يجوز النزول
عنها للحق في الحياة في إطار من الأمن والطمأنينة، متبنياً كذلك تمييزاً تحكمياً منهياً
عنه بنص المادة الأربعين من الدستور بين فئتين: إحداهما تلك التي أحيل أفرادها إلى
التقاعد اعتباراً من الأول من يوليو 1987 وأخراهما تلك التي بلغ أفرادها سن التقاعد
قبل ذلك دون أن يستند التمييز بين هاتين الفئتين إلى أسس موضوعية وكان يجب ضماناً للتكافؤ
في الحقوق بينهما أن تنتظمهما قواعد موحدة لا تقيم في مجال تطبيقها تمييزاً بين المخاطبين
بها.
متى كان ذلك، وكانت هذه الدعائم "وحدها" وارتكاناً إليها "دون غيرها" هي التي انبنى
عليها قضاء المحكمة الدستورية العليا, فاصلاً في الدعوى رقم 34 لسنة 13 قضائية "دستورية"
فإن منطوق حكمها مع الأسباب التي ارتبط بها ارتباطاً لا يقبل التجزئة, تشكل وحدة لا
تنفصم، وتمتد إليها جميعاً حجيته.
4 – استقراء قضاء المحكمة الدستورية العليا, على أن طلب التفسير لا يعد طريقاً من طرق
الطعن في الأحكام، ولا يمس حجيتها، ولا يجوز أن يتخذ ذريعة إلى تعديلها, أو نقضها,
أو هدم الأسس التي تقوم عليها، بل يتعين أن يقتصر على استجلاء ما يكون قد وقع في قضاء
الحكم من غموض أو إبهام وقوفاً على حقيقة مرماه, وتحديداً للمعنى المقصود منه, دون
زيادة أو نقصان، وكان لا خفاء في منطوق الحكم الصادر في الدعوى رقم 34 لسنة 13 قضائية
"دستورية" ولا في الدعائم التي قام محمولاً عليها, فإن طلب التفسير الماثل يكون غير
مقبول.
5 – إذ كان موضوع الدعوى رقم 34 لسنة 13 قضائية "دستورية"، قد تحدد بالفصل في دستورية
المادة الأولى من القانون رقم 1 لسنة 1991 بتعديل المادة الأولى من القانون رقم 107
لسنة 1987 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975،
وكان نطاقها – محدداً على هذا النحو – لا يتصور أن يتناول غير الفصل في استحقاق المدعي
فيها للحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير, وغايتها إهدار القانون المطعون فيه, باعتباره
عائقاً يحول دون تقرير حق المدعي في الحصول على هذا الحد الأدنى. متى كان ذلك, فإن
الدعوى الدستورية المشار إليها سواء – بالنظر إلى موضوعها أو على ضوء الأغراض المقصودة
منها – لا يمكن أن تتناول حقوقاً غير التي جحدها القانون رقم 1 لسنة 1991 المطعون بعدم
دستوريته, والذي يعكس – النصوص التي تضمنها – المسألة الدستورية التي فصلت المحكمة
الدستورية العليا فيها, ليتعلق قضاؤها الصادر في تلك الدعوى بنصوص هذا القانون دون
غيرها, فلا يمتد لسواها, محمولاً على الدعائم التي قام عليها, التي لا تندرج تحتها
الحيثية محل طلب التفسير, ذلك أن موقعها من الحكم الصادر في تلك الدعوى, لا يتصل بمنطوقه,
ولا بالأسباب التي ارتبط بها هذا المنطوق ارتباطاً لا يقبل التجزئة.
6 – الحيثية المطلوب تفسيرها, كان موضوعها الزيادة في المعاش التي كفلها المشرع بالقانون
رقم 102 لسنة 1987 للمحالين إلى التقاعد قبل الأول من يوليو 1987, والتي قام دفاع الهيئة
القومية للتأمين الاجتماعي على أن تقريرها يدل على انتفاء حق المدعي في الحصول على
الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير. وفي مقام الرد على هذا الدفاع، كان على المحكمة الدستورية
العليا أن تورد حيثيتها تلك – لا لتفصل بمقتضاها في الحقوق التي كفلها القانون رقم
102 لسنة 1987 للمخاطبين بأحكامه, سواء بإثباتها أو نفيها – وهي حقوق لم يكن طلبها
معروضاً عليها في نطاق الدعوى الدستورية رقم 34 لسنة 13 قضائية – وإنما لتؤكد بموجبها
أن الحق في الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير، يقوم بذاته مستقلاً عن الزيادة في المعاش
المنصوص عليها في القانون رقم 102 لسنة 1987.
الإجراءات
بتاريخ 6 أغسطس 1994 أودعت هيئة قضايا الدولة – نيابة عن السيد/
رئيس مجلس الوزراء – صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة, طالبة – عملاً بالمادة 192
من قانون المرافعات – تفسير حيثية وردت في الحكم الصادر من المحكمة الدستورية العليا
في القضية الدستورية رقم 34 لسنة 13 قضائية بجلسة 20 يونيه 1994 نصها الآتي:
إن المؤمن عليه الذي انتهت خدمته بالتقاعد قبل أول يوليو 1987 – وإن كان قد أفاد من
زيادة في المعاش مقدارها 20%، وهي الزيادة التي تقررت بمقتضى المادة الأولى من القانون
رقم 102 لسنة 1987 – إلا أن هذه الزيادة – وأياً كانت القاعدة التي التزمها المشرع
في مجال حسابها – تنسحب إلى المعاش بمختلف صوره. وليس من شأنها أن تنحي قاعدة تستقل
في مضمونها عنها, ويجوز إعمالها إلى جانبها, هي تلك المتعلقة بالحد الأدنى لمعاش الأجر
المتغير".
وقدم المدعي عليه مذكرة طلب فيها أصلياً الحكم بعدم قبول الطلب, واحتياطياً برفضه.
وبعد تحضير الدعوى أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
ونظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة
اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق, والمداولة.
حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق تتحصل في أن المدعي عليه
في الدعوى الماثلة كان قد أقام الدعوى رقم 34 لسنة 13 قضائية "دستورية" أمام المحكمة
الدستورية العليا، طالباً الحكم بعدم الدستورية دستورية القانون رقم 1 لسنة 1991 بتعديل
المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي
الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975, وبجلسة 20 يونيه 1994 حكمت المحكمة بعدم دستورية
المادة الأولى من القانون رقم1 لسنة 1991 المشار إليه، وبسقوط مادته الثانية, وألزمت
الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
وجاء بصحيفة طلب التفسير الماثل أن هذا الحكم خلص إلى استحقاق المحالين إلى التقاعد
قبل الأول من يوليو 1987 للحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير – الذي كان مقرراً لهم بمقتضى
القانون رقم 107 لسنة 1987 – شأنهم في ذلك شأن من خرجوا من الخدمة بعد هذا التاريخ،
مستنداً في ذلك على دعامتين:
أولاهما: أن القانون رقم 1 لسنة 1991 – المطعون فيه – قد أدخل تعديلاً جوهرياً على
المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987 يقيد من مجال تطبيقها, متوخياً بذلك أن
يكون الحق في الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير, منصرفاً إلى فئة بذاتها من المؤمن عليهم
المعاملين بقوانين التأمين الاجتماعي, هي تلك التي أحيل أفرادها إلى التقاعد اعتباراً
من الأول من يوليو 1987. وقد توخى هذا التعديل مواجهة متطلبات تمويل هذا المعاش, وليس
تفسير المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987 بما يزيل غموضها, وبذلك حرم القانون
المطعون فيه, فئة من المؤمن عليهم من المزايا التأمينية التي كفلها لهم القانون رقم
107 لسنة 1987 من خلال تعديل الشروط التي تطلبها لاستحقاقهم الحد الأدنى لمعاش الأجر
المتغير, مجاوزاً بذلك نطاق السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في موضوع تنظيم الحقوق,
باقتحام المجال الذي يؤكد جوهرها, ويكفل فعاليتها.
ثانيتهما: أن التمييز بين المراكز القانونية, إنما يتحدد وفق شروط موضوعية يتكافأ المواطنون
من خلالها أمام القانون. والأصل في الأحكام هو استلهام روحها ومقاصدها. ولا شبهة في
أن القانون المطعون فيه, قصد أن يضيف بمادته الأولى شرطاً علق عليه الإفادة من الحد
الأدنى لمعاش الأجر المتغير, هو أن يكون المؤمن عليه موجوداً في الخدمة في أول يوليو
1987. وهو شرط لم يكن قائماً أو مقرراً من قبل بمقتضى المادة الأولى من القانون رقم
107 لسنة 1987, ولا متصلاً بمتطلبات تقديرها عند إقرارها من السلطة التشريعية، بل أقحم
عليها. وجاء بالتالي مصادماً للأغراض التي توختها، وهادماً لعلاقات قانونية تتصل بالشخصية
المتكاملة للمواطن, وبالحدود التي لا يجوز النزول عنها للحق في الحياة في إطار من الأمن
والطمأنينة, متبنياً كذلك تمييزاً تحكمياً – منهياً عنه بنص المادة الأربعين من الدستور
– بين فئتين إحداهما تلك التي أحيل أفرادها إلى التقاعد اعتباراً من الأول من يوليو
1987 وأخراهما تلك التي بلغ أفرادها سن التقاعد قبل ذلك, دون أن يستند التمييز بين
هاتين الفئتين إلى أسس موضوعية, ذلك أنه اختص الفئة الأولى بحقوق تأمينية حجبها عن
الفئة الثانية, حال أن الخطر المؤمن ضد قائم في شأن أفراد هاتين الفئتين, وجميعهم مؤمن
عليهم.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة تقرر في وضوح – وبعبارة قاطعة – تسليمها بهاتين الدعامتين،
وبالنتيجة التي رتبتها المحكمة الدستورية العليا عليهما, ممثلة في قضائها بعدم دستورية
المادة الأولى من القانون رقم 1 لسنة 1991 بتعديل المادة الأولى من القانون رقم 107
لسنة 1987, وكذلك سقوط مادته الثانية لارتباطهما بمادته الأولى ارتباطاً لا يقبل التجزئة,
وما ينطوي عليه ذلك من معاملة المؤمن عليهم الذين انتهت خدمتهم قبل الأول من يوليو
1987، باعتبارهم في مراكز قانونية يتماثلون فيها مع من أحيلوا إلى التقاعد بعد هذا
التاريخ, إلا أنها تتقدم بطلب التفسير الماثل, لا لتنازع في استحقاق الفئة الأولى للحد
الأدنى لمعاش الأجر المتغير, ولكن لتجلية غموض شاب بعض حيثياتها التي أوردتها في الصفحة
الثالثة عشرة من حكمها, والتي جاء فيها – وفي مقام الرد على دفاع أبدى أمامها بعدم
استحقاق الفئة الأولى من المؤمن عليهم لمعاش الأجر المتغير – ما يلي:
أن المؤمن عليه الذي انتهت خدمته بالتقاعد قبل أول يوليو 1987 – وإن كان قد أفاد من
زيادة في المعاش مقدارها20% وهي الزيادة التي تقررت بمقتضى المادة الأولى من القانون
رقم 102 لسنة 1987 – إلا أن هذه الزيادة – وأياً كانت القاعدة التي التزمها المشرع
في مجال حسابها, تنسحب إلى المعاش بمختلف صوره, وليس من شأنها أن تنحي قاعدة تستقل
في مضمونها عنها, ويجوز إعمالاً إلى جانبها هي تلك المتعلقة بالحد الأدنى لمعاش الأجر
المتغير.
وحيث إن هيئة قضايا الدولة في كشفها عما تقول به من غموض تعلق بتلك الحيثية, تقرر أن
إنفاذ مبدأ المساواة أمام القانون, ينبغي أن يكون منصرفاً إلى كل المراكز القانونية
المتماثلة. وقد توحي الحيثية محل طلب التفسير, أن المؤمن عليهم الذين انتهت خدمتهم
بالتقاعد قبل الأول من يوليو 1987، يفيدون من قاعدتين في مجال المعاش, إحداها تلك التي
كفلها القانون رقم 102 لسنة 1987, وأخراهما تلك التي كشفت عنها المحكمة الدستورية العليا
على ضوء فهمها لأحكام القانون رقم 107 لسنة 1987، ولو كان إعمال هاتين القاعدتين معاً
مؤدياً إلى امتيازهم على نظرائهم الذين أحيلوا إلى التقاعد اعتباراً من الأول من يوليو
1987 والذين يتماثلون معهم في مراكزهم القانونية, وهو ما لا يمكن أن تكون المحكمة الدستورية
العليا قد قصدت إليه. ذلك أن القانون رقم 101 لسنة 1987، وإن قرر بالنسبة إلى المؤمن
عليهم الذين أحيلوا إلى التقاعد اعتباراً من الأول من يوليو 1987, زيادة في أجورهم
مقدارها 20% إلا أن هذه الزيادة لن يقابلها بالضرورة زيادة في معاشاتهم جميعاً بالنسبة
عينها, ويتعين بالتالي أن يكون إعمال مبدأ المساواة أمام القانون "قيداً" على الحقوق
المالية الناشئة عن إعمال القاعدتين المقررتين بمقتضى القانونين رقمي 102, 107 لسنة
1987 بالنسبة إلى نظرائهم الذين أحيلوا إلى التقاعد قبل الأول من يوليو 1987، فذلك
وحده، هو الذي يكفل لهؤلاء وهؤلاء، المزايا المالية عينها، الناشئة عن تطبيق أحكام
القوانين أرقام 101، 102، 107 لسنة 1987.
وحيث إن المدعي عليه دفع بعدم قبول طلب التفسير الماثل من عدة أوجه:
أولها: أن اتصال طلب التفسير الماثل بالمحكمة الدستورية العليا وفقاً للأوضاع التي
نص عليها قانونها, لا يكون إلا من أحد مدخلين, هما: أن تطلب محكمة الموضوع بنفسها من
المحكمة الدستورية العليا أن تزيل غموضاً بقضائها حتى يمكنها إعمال أثره في النزاع
المعروض عليها, أو أن يدعي أحد الخصوم أمامها غموض قضاء المحكمة الدستورية العليا لتجيل
بصرها في هذا الادعاء, فإذا تبين لها جديته، منحته أجلاً، يقيم خلاله دعواه بالتفسير
أمام المحكمة الدستورية العليا, وإذ قدم طلب التفسير الماثل – لا عن طريق محكمة الموضوع
– بل مباشرة إلى المحكمة الدستورية العليا, فإنه لا يكون قد اتصل بها وفقاً للأوضاع
المقررة قانوناً.
ثانيها: الأصل وفقاً للمادة 192 من قانون المرافعات المدنية والتجارية، هو أن يقع ثمة
غموض أو إبهام في منطوق الحكم, أو في أسبابه المرتبطة بالمنطوق ارتباطاً لا يقبل التجزئة.
وإذ كانت هيئة قضايا الدولة لا تنازع في الدعامتين اللتين قام عليهما قضاء المحكمة
الدستورية العليا، ولا في النتيجة المترتبة عليهما, وكان منطوق الحكم قاطعاً جلياً
في معناه, ولا خفاء فيما ارتبط به من الأسباب ارتباطاً لا يقبل التجزئة, فإن طلب التفسير
الماثل, يكون قد جاوز الحدود المقررة قانوناً للتفسير القضائي.
ثالثها: أن طلب التفسير يتوخى تقرير قيود على الحقوق الناشئة عن إعمال القاعدتين المقررتين
بالقانونين رقمي 102, 107 لسنة 1987 في مجال المعاش المستحق للمؤمن عليهم الذين انتهت
خدمتهم قبل أول يوليو 1987، وليس ذلك إلا تعديلاً لقضاء الحكم, وطعناً عليه بالمخالفة
لنص المادة 48 من قانون المحكمة الدستورية العليا.
رابعها: أن طلب التفسير الماثل يتعلق بإعمال أثر الحكم الصادر من المحكمة الدستورية
العليا, وهو ما يدخل في اختصاص محكمة الموضوع.
وحيث إن ما ينعاه المدعي عليه من عدم اتصال طلب التفسير الماثل بالمحكمة الدستورية
العليا وفقاً للأوضاع المنصوص عليها في قانونها, مردود بما استقر عليه قضاؤها من أن
المشرع غاير بين التفسيرين التشريعي والقضائي في شأن نطاق كل منهما, وغاياته, والجهة
التي تتقدم بطلبه, ذلك أن طلب التفسير التشريعي – عملاً بنص المادة 33 من قانون المحكمة
الدستورية العليا – لا يقدم إلا من وزير العدل بناء على طلب رئيس مجلس الوزراء, أو
رئيس مجلس الشعب, أو المجلس الأعلى للهيئات القضائية, إذا كان للنص التشريعي المطلوب
تفسيره أهمية جوهرية لا ثانوية, وكان قد ثار عند تطبيقه خلاف حول مضمونه، تتباين معه
الآثار القانونية التي يرتبها فيما بين المخاطبين بأحكامه بما يخل عملاً بعمومية القاعدة
القانونية الصادرة في شأنهم, والمتماثلة مراكزهم القانونية بالنسبة إليها, ويهدم بالتالي
ما تقتضيه المساواة بينهم في مجال تطبيقها, مما يحتم رد هذه القاعدة إلى مضمون موحد،
يتحدد على ضوء ما قصده المشرع منها عند إقرارها, وذلك حسماً لمدلولها ولضمان أن يكون
تطبيقها متكافئاً فيما بين المخاطبين بها:
وإذا كان ما تقدم هو الشأن في التفسير التشريعي, فإنه في نطاق التفسير القضائي، يجوز
لكل خصم – وعملاً بنص المادة 192 من قانون المرافعات المدنية والتجارية التي يعتبر
مضمونها مندمجاً في قانون المحكمة الدستورية العليا على تقدير أن تطبيقها على الأحكام
التي تصدرها, لا يتعارض مع طبيعة اختصاصاتها والأوضاع المقررة أمامها – أن يتقدم مباشرة
إليها بدعواه المتعلقة بتفسير قضائها, وقوفاً على حقيقة مرادها منه, واستنهاضاً لولايتها
في مجال تجلية معناه, وتحديداً لمقاصدها التي التبس فهمها حقاً، ودون خروج عما قضى
به الحكم المفسر – بنقص أو زيادة أو تعديل – إذا كان الغموض أو الإبهام – سواء في منطوق
هذا الحكم أو ما اتصل به من الدعائم التي لا يقوم بدونها – قد اعتراه فعلاً – فأصبح
خافياً، ذلك أن الحكم الصادر بالتفسير، يعتبر متمماً من كل الوجوه للحكم المفسر، ولا
يجوز بالتالي أن يتذرع بالتفسير, لتقويض بنيانه، أو لتنفيذه على غير مقتضاه. متى كان
ذلك, وكان طلب التفسير الماثل, قد قدم مباشرة إلى المحكمة الدستورية العليا وفقاً للأوضاع
التي نص عليها قانونها, فإنه يكون قد اتصل بها اتصالاً مطابقاً للقانون.
وحيث إن البين من قضاء المحكمة الدستورية العليا في الدعوى رقم 34 لسنة 13 قضائية "دستورية"
أنه أقيم على عدة دعائم:
أولها: أن نظام التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 يشمل التأمين ضد
مخاطر بذاتها تندرج الشيخوخة والعجز والوفاة تحتها. وفي تطبيق أحكام هذا القانون، يقصد
بكلمة "المؤمن عليه" العامل الذي تسري عليه أحكام ذلك القانون, ويفيد أن المزايا التأمينية
التي نص عليها، عند تحقق الخطر المؤمن منه، سواء أكان من العاملين المدنيين بالدولة،
أو هيئاتها، أو مؤسساتها العامة، أو وحداتها الاقتصادية، أو غيرها من وحدات القطاع
الاقتصادية, أم كان من العاملين الخاضعين لأحكام قانون العمل، بالشروط التي نص عليها
قانون التأمين الاجتماعي. ذلك أن محل التأمين، أو العنصر الجوهري فيه – جماعياً كان
هذا التأمين أم فردياً – هو تحقق الخطر المؤمن منه. بل إن التأمين من هذا الخطر لمواجهة
آثاره بعد وقوعها, هو الدافع إلى التأمين أياً كانت الجهة التي تنظم عملية توزيع المخاطر
وتشتيتها بين المؤمن عليهم. وما التأمين الاجتماعي إلا صورة من صور التأمين، تقوم الدولة
فيها بدور المؤمن. وقد فصل قانون التأمين الاجتماعي قواعد هذا النظام ونطاق سريان أحكامه,
وحدد الصناديق التأمينية التي توفر مختلف صور التأمين، وما يتصل بها من الحقوق المالية,
فقرر بصريح مادته السابعة عشرة, أن المشمولين بتأمين الشيخوخة مؤمن عليهم, وأن مقابل
التأمين بالنسبة إليهم يتكون من عدة عناصر, من بينها الحصة التي يلتزمون بأدائها من
أجورهم، سواء أكان الأجر أساسياً أم كان أجراً متغيراً, وأبان كذلك بمادته الثامنة
عشرة عن أن المعاش يستحق بانتهاء خدمة "المؤمن عليه" لبلوغه سن التقاعد المنصوص عليه
بنظام التوظف المعامل به.
ثانيها: أن أصل الحق في المعاش عن الأجر المتغير, قد تقرر بمقتضى القانون رقم 47 لسنة
1984 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975 امتداداً
للحماية التأمينية, لتشمل أجر المؤمن عليه بمختلف عناصره, وإذ كان ما تغياه المشرع
بذلك هو أن يوفر للمؤمن عليه معاشاً مناسباً مقارباً لما كان يحصل عليه من أجر أثناء
مدة خدمته, يفي باحتياجاته الضرورية بعد بلوغ سن التقاعد التي يتحقق عندها الخطر المؤمن
منه, فإن عبارة "المؤمن عليه" التي تضمنتها المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة
1987 المشار إليه – قبل تعديلها – لا يجوز قصرها على فئة بذاتها من المحالين إلى التقاعد،
هي تلك التي تكون في الخدمة في الأول من يوليو 1987.
ثالثها: أنه في مجال استظهار المقاصد التي رمي المشرع إلى بلوغها من وراء إقراره حكماً
معيناً, فإن العبارة التي صاغ المشرع بها النص التشريعي – في سياقها، ومحددة على ضوء
طبيعة الموضوع محل التنظيم التشريعي, والأغراض التي يتوخاها – هي التي يتعين التعويل
عليها ابتداء, ولا يجوز العدول عنها إلى سواها إلا إذا كان التقيد بحرفيتها، يناقض
أهدافاً واضحة مشروعة سعي إليها المشرع. وكان استقراء الشرطين الثاني والثالث اللذين
علق عليهما القانون رقم 107 لسنة 1987 – قبل تعديل مادته الأولى – استحقاق المحالين
إلى التقاعد الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير, يدل على أن مدد الاشتراك عن هذا الأجر،
يعتد في حسابها بزمن معين، نهايته "واقعة انتهاء الخدمة"، وأن مدد الاشتراك عن الأجر
الأساسي يجب ألا تقل عن فترة زمنية محددة "في تاريخ توافر واقعة استحقاق المعاش"، وكان
ليس ثمة دليل من عبارة النص، على أن هاتين الواقعتين كليتهما – واقعة انتهاء الخدمة
وواقعة استحقاق المعاش – متراخيتان إلى الأول من يوليو 1987، فإن قصر الحق في الحد
الأدنى لمعاش الأجر المتغير على هؤلاء الموجودين في الخدمة في هذا التاريخ, لا يعدو
أن يكون حملاً للمادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987 – قبل تعديلها – على شرط
لا تتضمنه. وآية ذلك أن كلمة "المؤمن عليه" في جميع مواضعها من هذه المادة, قد ورد
لفظها عاماً دون تخصيص، مطلقاً دون تقييد، بما مؤداه انصرافها على سبيل الشمول والاستغراق
إلى كل الأفراد الذين يندرجون تحتها. ذلك أن العام لا يخصص إلا بدليل، ولا يقيد المطلق
إلا بقرينة, وبانتفائها لا يجوز إسباغ معنى آخر على النص التشريعي, وإلا كان ذلك تأويلاً
غير مقبول, والتفافاً حول المصلحة الاجتماعية التي تظاهر النصوص التشريعية جميعها,
وتعتبر هدفاً نهائياً لها, وقوامها في الطعن الماثل توفير الأمن والطمأنينة لهؤلاء
الذين تحقق خطر الشيخوخة النسبة إليهم, وذلك بضمان حد أدنى لمعاشاتهم عن الأجور المتغيرة,
ولا يجوز النزول عنه بحال. ولازم ذلك ومقتضاه أن مفهوم "المؤمن عليه" في تطبيق أحكام
المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987 – قبل تعديلها بالمادة الأولى من القانون
المطعون فيه – ينصرف إلى كل تعرض لخطر الشيخوخة من المؤمن عليهم, سواء كان قد بلغ سن
التقاعد قبل العمل بالقانون رقم 107 لسنة 1987، أم كانت خدمته قد انتهت بعد نفاذه.
رابعها: أنه إذا توافرت في المؤمن عليه – محدداً على هذا النحو – الشروط التي تطلبتها
المادة الأولى من هذا القانون – قبل تعديلها – لاستحقاق الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير,
فإن مركزه القانوني بالنسبة إلى هذا المعاش يكون قد استقر بصفة نهائية، ولا يجوز من
بعد التعديل في العناصر التي قام عليها. ذلك أن التغيير فيها بعد اكتمالها ليس إلا
هدماً لوجوده, وإحداثاً لمركز قانوني جديد يستقل عن المركز السابق الذي نشأ مستوفياً
لشرائطه, بما يخل بالحقوق التي رتبها بإنكار موجباتها. ولئن كان الدستور قد فوض السلطة
التشريعية في مادته الثانية والعشرين بعد المائة في أن تقرر القواعد التي تحدد الحق
في المعاش على ضوئها, إلا أن الشروط التي يفرضها المشرع لقيام حق من الحقوق, تعتبر
من عناصره، بها ينهض سوياً على قدميه, ولا يتصور وجوده بدونها, ولا أن يكتمل كيانه
في غيبتها. ومن ثم لا تنعزل هذه الشروط عن الحق الذي تولد عنها, لأنها من مقوماته.
ولا يتم وجوده إلا مرتبطاً بها, بما مؤداه امتناع التعديل فيها بعد نشوء الحق مستجمعاً
لها, وإلا كان ذلك نقضاً للحق بعد تقريره, وهو ما ينحل إلى مصادرته, على خلاف أحكام
الدستور, التي تبسط حمايتها على الحقوق الشخصية جميعها, باعتبار أن لها قيمة مالية
لا يجوز الانتقاص منها.
خامسها: أن القانون رقم 1 لسنة 1991 المطعون فيه, قد صدر بمقولة: أنه تشريع مفسر لأحكام
المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي
الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975، وأن الغرض من إصداره هو قطع كل جدل حول المقصود
بكلمة "المؤمن عليه". متى كان ذلك وكان المقرر أن سلطة تفسير النصوص التشريعية سواء
تولتها السلطة التشريعية، أم باشرتها الجهة التي عهد إليها, بهذا الاختصاص، لا يجوز
أن تكون موطئاً إلى تعديل هذه النصوص ذاتها بما يخرجها عن معناها, أو يجاوز الأغراض
المقصودة منها, وبوجه خاص لا تتناول هذه السلطة تعديل مراكز قانونية توافرت مقوماتها
وفقاً للقانون – مُحَدَّداً على ضوء الإرادة الحقيقية للمشرع – واكتمل تكوينها بالتالي
قبل صدور قرار التفسير, إذ يعتبر ذلك عدواناً على الحقوق التي ولدتها هذه المراكز،
وتجريداً لأصحابها منها بعد ثبوتها, وهو ما لا يجوز أن ينزلق التفسير التشريعي إليه
أو يخوض فيه, وكان القانون رقم 1 لسنة 1991 بتعديل المادة الأولى من القانون رقم 107
لسنة 1987, لا يتغيا تفسير المقاصد التي توختها المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة
1987، بل رمي إلى تعديلها عن طريق إضافة شرط جديد إلى الشروط التي تطلبتها لاستحقاق
الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير، هادفاً من وراء ذلك إلى تقييد، أو تضييق مجال تطبيقها,
لمواجهة متطلبات تمويل هذا المعاش, فإن الأغراض المالية وحدها تكون هي الغاية النهائية
التي قصد المشرع – بإصدار القانون رقم 1 لسنة 1991 – إلى بلوغها. وهي بعد أغراض تنافي
بطبيعتها حقيقة أبعاد التفسير التشريعي, وليس لها به من صلة.
سادسها: أن موضوع تنظيم الحقوق, وإن كان يدخل في نطاق السلطة التقديرية التي يمارسها
المشرع وفق أسس موضوعية، ولاعتبارات يقتضيها الصالح العام, إلا أن هذا التنظيم يكون
مجانباً أحكام الدستور, مافياً لمقاصده, إذا تعرض للحقوق التي تناولها سواء بإهدارها
أو بالانتقاص منها.
متى كان ذلك، وكان القانون المطعون فيه، قد توخي بمادته الأولى تعديل الشروط التي تطلبتها
المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987 لقيام الحق في الحد الأدنى لمعاش الأجر
المتغير, مقيداً بذلك من نطاق تطبيقها, ومخلاً بالتالي بالمركز القانوني للمؤمن عليهم
الذين عناهم هذا القانون, وعلق حقهم في الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير على استيفاء
الشروط التي تطلبها, والتي يعد ذلك القانون مصدراً مباشراً لها, وكان التعديل في هذا
المركز – الذي نشأ مكتملاً مستوفياً لعناصره جميعها قبل نفاذ القانون المطعون فيه –
مؤاده الحتمي حرمان فئة من المؤمن عليهم من المزايا التأمينية التي كفلها لهم القانون
رقم 107 لسنة 1987 قبل تعديل مادته الأولى, ويتمحض بالتالي عدوناً على حقوقهم الشخصية
التي سعي الدستور إلى صونها, فإن القانون المطعون فيه يكون قد جاوز نطاق السلطة التقديرية
التي يملكها المشرع في موضوع تنظيم الحقوق, وذلك باقتحام المجال الذي يؤكد جوهرها،
ويكفل فعاليتها.
سابعها: أن الدستور وإن فوض السلطة التشريعية في تقرير قواعد منح المعاش, إلا أن من
المقرر, أن في الحق المعاش – إذا توافر أصل استحقاقه – وقع التزاماً على الجهة التي
تقرر عليها, مترتباً في ذمتها بقوة القانون. يؤيد ذلك، أن الحقوق التي يكفلها نظام
التأمين الاجتماعي بصوره المختلفة, لا يقتصر أثرها على ضمان ما يعين أسرة المؤمن عليه
على مواجهة التزاماتها الحيوية, ولكنها في الوقت ذاته مفترض أولى, وشرط مبدئي، لإسهام
المؤمن عليه في الحياة العامة, والاهتمام بوسائل النهوض بها, ومراقبة كيفية تصريف شئونها,
متحرراً في ذلك من عثرات النهوض بمسئوليته هذه. وهو ما يتحقق بوجه خاص إذا ما نزل المشرع
باحتياجاته عن حدودها الدنيا التي لا يجوز التفريط فيها.
ثامنها: أن الحق في المساواة أمام القانون, هو ما رددته الدساتير المصرية المتعاقبة
جميعها، باعتباره أساس العدل والحرية والسلام الاجتماعي, وعلى تقدير أن الغاية التي
يتوخاها، تتمثل أصلاً في صون حقوق المواطنين وتأمين حرياتهم في مواجهة صور من التمييز
تنال منها, أو تقيد ممارستها, وغدا هذا المبدأ في جوهره وسيلة لتقرير الحماية القانونية
المتكافئة, التي تميز فيها بين المراكز القانونية المتماثلة, والتي لا يقتصر تطبيقها
على الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور, بل يمتد مجال إعمالها كذلك إلى تلك
التي يقررها القانون, ويكون مصدراً لها. وكانت السلطة التقديرية التي يملكها المشرع
في مجال تنظيم الحقوق, لا يجوز بحال أن تؤول إلى التمييز بين المراكز القانونية، التي
تحدد وفق شروط موضوعية يتكافأ المواطنون من خلالها أمام القانون, وكان الأصل في الأحكام،
هو استلهام روحها ومقاصدها, وكان لا شبهة في أن القانون المطعون فيه, قصد أن يضيف بمادته
الأولى شرطاً علق عليه الإفادة من الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير، هو أن يكون المؤمن
عليه موجوداً في الخدمة في أول يوليو 1987، وهو شرط لم يكن قائماً، أو مقرراً من قبل
بمقتضى المادة الأولى من القانون رقم 107 لسنة 1987، ولا متصلاً بمتطلبات تطبيقها عند
إقرارها من السلطة التشريعية، بل أقحم عليها, وجاء بالتالي مصادماً للأغراض التي توختها,
وهادماً لعلاقات قانونية تتصل بالشخصية المتكاملة للمواطن, وبالحدود التي لا يجوز النزول
عنها للحق في الحياة في إطار من الأمن والطمأنينة، متبنياً كذلك تمييزاً تحكمياً منهياً
عنه بنص المادة الأربعين من الدستور بين فئتين: إحداهما تلك التي أحيل أفرادها إلى
التقاعد اعتباراً من الأول من يوليو 1987 وأخراهما تلك التي بلغ أفرادها سن التقاعد
قبل ذلك دون أن يستند التمييز بين هاتين الفئتين إلى أسس موضوعية وكان يجب ضماناً للتكافؤ
في الحقوق بينهما، أن تنتظمهما قواعد موحدة، لا تقيم في مجال تطبيقها تمييزاً بين المخاطبين
بها.
وحيث إنه على ضوء هذه الدعائم "وحدها" "وارتكانا إليها دون غيرها" صدر قضاء المحكمة
الدستورية العليا, فاصلاً في الدعوى رقم 34 لسنة 13 قضائية "دستورية" مقرراً [عدم دستورية
المادة الأولى من القانون رقم 1 لسنة 1961 بتعديل المادة الأولى من القانون رقم 107
لسنة 1987 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1975،
وبسقوط مادته الثانية..]، وكان قضاء المحكمة الدستورية العليا, قد استقر على أن طلب
التفسير لا يعد طريقاً من طرق الطعن في الأحكام، ولا يمس حجيتها، ولا يجوز أن يتخذ
ذريعة إلى تعديلها, أو نقضها, أو هدم الأسس التي تقوم عليها، بل يتعين أن يقتصر على
استجلاء ما يكون قد وقع في قضاء الحكم من غموض أو إبهام وقوفاً على حقيقة مرماه, وتحديداً
للمعنى المقصود منه, دون زيادة أو نقصان، وكان لا خفاء في منطوق الحكم الصادر في الدعوى
رقم 34 لسنة 13 قضائية "دستورية" ولا في الدعائم التي قام محمولاً عليها, فإن طلب التفسير
الماثل يكون غير مقبول.
وحيث إن ما تقدم يعززه، أن الدعوى رقم 34 لسنة 13 قضائية "دستورية"، قد تحدد بالفصل
في دستورية المادة الأولى من القانون رقم 1 لسنة 1991 بتعديل المادة الأولى من القانون
رقم 107 لسنة 1987 بتعديل بعض أحكام قانون التأمين الاجتماعي الصادر بالقانون رقم 79
لسنة 1975، وكان نطاقها – محدداً على هذا النحو – لا يتصور أن يتناول غير الفصل في
استحقاق المدعي فيها للحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير, وغايتها إهدار القانون المطعون
فيه باعتباره عائقاً يحول دون تقرير حق المدعي في الحصول على هذا الحد الأدنى. متى
كان ذلك, فإن الدعوى الدستورية المشار إليها – سواء بالنظر إلى موضوعها أو على ضوء
الأغراض المقصودة منها – لا يمكن أن تتناول حقوقاً غير التي جحدها القانون رقم 1 لسنة
1991 المطعون بعدم دستوريته, والذي يعكس – بالنصوص التي تضمنها – المسألة الدستورية
التي تتولى المحكمة الدستورية العليا الفصل فيها, ليتعلق قضاؤها الصادر في تلك الدعوى
بنصوص هذا القانون دون غيرها, فلا يمتد لسواها, محمولاً على الدعائم التي قام عليها,
التي لا تندرج تحتها الحيثية محل طلب التفسير, ذلك أن موقعها من الحكم الصادر في تلك
الدعوى, لا يتصل بمنطوقه, ولا بأسبابه المرتبطة بها هذا المنطوق ارتباطاً لا يقبل التجزئة،
فلا تمتد إليها حجيته.
يؤكد ذلك أن تلك الحيثية كان موضوعها الزيادة في المعاش التي كفلها المشرع بالقانون
رقم 102 لسنة 1987 للمحالين إلى التقاعد قبل الأول من يوليو 1987, والتي قام دفاع الهيئة
القومية للتأمين، الاجتماعي، على أن تقريرها يدل على انتفاء حق المدعي في الحصول على
الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير. وفي مقام الرد على هذا الدفاع، كان على المحكمة الدستورية
العليا أن تورد حيثيتها تلك – لا لتفصل بمقتضاها في الحقوق التي كفلها القانون رقم
102 لسنة 1987 للمخاطبين بأحكامه سواء بإثباتها أو نفيها – وهي حقوق لم يكن طلبها معروضاً
عليها في نطاق الدعوى الدستورية رقم 34 لسنة 13 قضائية – وإنما لتؤكد بموجبها أن الحق
في الحد الأدنى لمعاش الأجر المتغير، يقوم بذاته مستقلاً عن الزيادة في المعاش المنصوص
عليها في القانون رقم 102 لسنة 1987.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بعدم قبول الدعوى, وألزمت الحكومة المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
