الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 8 لسنة 15 قضائية “دستورية” – جلسة 14 /01 /1995 

المحكمة الدستورية العليا – الجزء السادس
من أول يوليو 1993 حتى آخر يونيو 1995 – صـ 473

جلسة 14 يناير سنة 1995

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر – رئيس المحكمة، وحضور السادة المستشارين: الدكتور محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم والدكتور عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين وعدلي محمود منصور ومحمد عبد القادر عبد الله – أعضاء، وحضور السيد المستشار الدكتور/ حنفي على جبالي – المفوض، وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد – أمين السر.

(القاعدة رقم 33)
القضية رقم 8 لسنة 15 قضائية "دستورية"

1 – تشريع "التأمين الاجتماعي على عمال المقاولات" "التنظيم التشريعي لهذا التأمين".
مؤدى نص المادة الأولى من القرار رقم 255 لسنة 1982 الصادر عن وزير الشئون الاجتماعية بشأن التأمين على عمال المقاولات، أن أحكام هذا القرار تسري على عمال المقاولات الموضحة مهنهم في الجدول رقم المرافق الذين يرتبط عملهم بعمليات المقاولات أياً كانت مدة العمل. وتنظم المادتان الثالثة والرابعة من هذا القرار، الأسس التي يتم على أساسها حساب حصة المقاول في هذا التأمين.
2 – "لوائح تنفيذية" "القرار رقم 255 لسنة 1982".
خولت المادة 125 من قانون التأمين الاجتماعي، وزير الشئون الاجتماعية – ومع عدم الإخلال بالحد الأدنى لأجر الاشتراك الأساسي – أن يحدد بقرار يصدره بناء على اقتراح مجلس إدارة الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي, أجر الاشتراك بالنسبة لبعض فئات المؤمن عليهم، وطريقة حساب هذا الأجر, وتاريخ بدء انتفاعهم بنظام المكافأة. وعملاً بالمادة 125 من قانون التأمين الاجتماعي، صدر القرار رقم 255 لسنة 1982، ليفصل ما ورد إجمالاً بها, باعتباره تنظيماً لائحياً, تم في الحدود التي رسمتها المادة 144 من الدستور في شأن اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين.
3 – دعوى دستورية "المصلحة فيها" "مناطها".
حدد القرار رقم 255 لسنة 1982 – المطعون فيه – الأسس التي يتم على ضوئها حساب حصة المقاول في التأمين على عماله. وهذه الأسس – التي حددتها المادتان الثالثة والرابعة من هذا القرار – هي التي يكفل الطعن عليها المصلحة الشخصية والمباشرة للمدعي، ذلك أن تقرير صحتها أو بطلانها يؤثر في النزاع الموضوعي القائم عن عدم استحقاق الجهة الإدارية للمبالغ التي طلبتها منه, بالتطبيق لأحكام هذا القرار.
4 – دعوى دستورية "إلغاء القرار المطعون فيه بقرار لاحق" "أثره".
لا يحول إلغاء القرار المطعون فيه بقرار لاحق، دون الطعن عليه بعدم الدستورية ممن طبق عليه خلال فترة نفاذه، وترتبت بمقتضاه آثار قانونية بالنسبة إليه. أساس ذلك.
5 – دعوى دستورية "نطاق الطعن فيها".
يتحدد نطاق الطعن بعدم الدستورية, بنطاق الدفع المبدي أمام محكمة الموضوع.
6 – عمال المقاولات "أوضاعهم الاقتصادية" "الأغراض التي توخاها التنظيم التشريعي للتأمين عليهم" "السلطة التقديرية للمشرع".
عمال المقاولات يخضعون غالباً لشروط رب العمل مهما بلغ من حيفها, وهم يقبلونها عادة لضمان قوتهم، والأرجح ألا يقدم المقاولون إلى الهيئة العامة للتأمين القومي بيانات دقيقة عن أجور عمالهم وعددهم، وتاريخ بدء وانتهاء عملهم, تحايلاً على خفض نصيبهم في التأمين الاجتماعي عليهم, مما حمل المشرع على تقرير الأسس الموضوعية التي تتحدد على ضوئها – وبصورة واقعية قدر الإمكان – الحصة التي يلتزم المقاول بتقديمها إلى هذه الهيئة، وهو ما يدخل في نطاق سلطته التقديرية.
7 – عمال المقاولات – "نطاق إسهام المقاولين في شأن أعباء التأمين الاجتماعي للعمال الذين يعملون لديهم" "واقعية الأسس التي تتحدد حصتهم في هذا التأمين".
نظم القرار المطعون فيه, الأسس التي تحدد على ضوئها القيمة الكلية لأجور هؤلاء العمال, وذلك وفقاً لمعيار مرن, فاعتد "بالقيمة الإجمالية" لمجموع العمليات الداخلية في المقاولة، كي يستخلص نسبة منها, تعبر بصورة واقعية عن الحد الأدنى لأجور العمال الذين قاموا بتنفيذ الأعمال التي تطلبتها هذه العمليات، على أن تستبعد من هذه القيمة الإجمالية، قيمة الأعمال التي لا دخل للقوة العاملة في إحداثها أو تكوينها, كقيمة المعدات والتوريدات المصنعة بالكامل, أو سابقة التجهيز، وكذلك تكلفة الخبرة الأجنبية.
8 – عمال المقاولات "تقدير حصص المقاولين في أعباء التأمين الاجتماعي".
هذا التقدير مبناه, قاعدة موضوعية أقامها المشرع على ضوء ما يقع غالباً في الحياة العملية, لينقلب بها ما هو راجح عملاً إلى حقائق ثابتة لا يجوز إطراحها في حالة بذاتها.
9 – عمال المقاولات "خضوعهم للتأمين الاجتماعي عليهم وفقاً لأحكام القرار رقم 255 لسنة 1982 دون غيره".
لا يخضع عمال المقاولات الذين شملهم القرار رقم 255 لسنة 1982 لغير نظام التأمين الاجتماعي المقرر بمقتضى أحكامه, وحتى بفرض خضوعهم لنظامين تأمينين في وقت واحد, فإن التعارض بين أحكامهما لا ينحل إلى مخالفة دستورية, ذلك أن الرقابة على الدستورية، لا شأن لها بالتعارض بين التشريعات ذات المرتبة الواحدة, ولا بالتعارض بين التشريعات الأصلية والفرعية.
10 – دستور "الالتزام الملقي على الدولة في نطاق التأمين الاجتماعي وفقاً لنص المادة 17 من الدستور" "مغزاه".
المزايا التأمينية ضرورة اجتماعية, بقدر ما هي ضرورة اقتصادية، لتؤمن المشمولين بها في مستقبل أيامهم عند تقاعدهم أو عجزهم أو مرضهم، ذلك أن مظلة التأمين الاجتماعي التي يحدد المشرع نطاقها وفقاً لنص المادة 17 من الدستور – هي التي تكفل بمداها واقعاً أفضل, يؤمن المواطن في غده، وينهض بموجبات التضامن الاجتماعي التي يقوم عليها المجتمع وفقاً لنص المادة 7 من الدستور.
11 – عمال المقاولات "حصص المقاولين في التأمين الاجتماعي على عمالهم" "مقابلتها بالمزايا التأمينية التي كفلها المشرع لهؤلاء العمال".
لا تتمحض الحصص التي يقدمها المقاولون إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي, عن مزية لها, بل هي إسهام من قبلهم في أعباء التأمين الاجتماعي, ولتعويض العمال وضمان مكافأتهم، كلما تحقق الخطر منه, سواء أثناء الخدمة أو بعد انتهائها.
12 – عمال المقاولات "حصص المقاولين في التأمين الاجتماعي على عمالهم" "انفصالها عن مفهوم الضريبة العامة أو المحلية".
ترتبط حصص المقاولين في التأمين الاجتماعي. بالمزايا التأمينية التي يحصل عليها عمالهم, وتنفصل قانوناً عن مفهوم الضريبة التي لا يقابل فرضها نفع خاص.
1 – البين من القرار رقم 255 لسنة 1982 بشأن التأمين على عمال المقاولات، أن مادته الأولى تنص على سريان أحكامه على عمال المقاولات الموضحة مهنهم في الجدول رقم المرافق, الذين يرتبط عملهم بالمقاولات أياً كانت مدة العمل.
وتنص مادته الثالثة على أن يكون حساب الأجور التي يتم على أساسها حساب حصة صاحب العمل في اشتراكات التأمين الاجتماعي في عمليات المقاولات التي تسري في شأنها أحكام هذا القرار, على أساس نسبة مئوية تتحدد وفقاً للجدول رقم المرافق من القيمة الإجمالية لمجموع العمليات المختلفة الداخلة في المقاولة، بعد استبعاد قيمة المعدات والتوريدات المصنعة بالكامل, أو سابقة التجهيز, التي تمثل جزءاً من مكونات وأصول المشروع محل المقاولة وتكلفة الخبرة الأجنبية.
وتقضي مادته الرابعة, بأن يعتمد في تحديد القيمة الإجمالية لمجموع العمليات الداخلة في المقاولة, على الترخيص الصادر من الجهات المختصة، أو العقد، أو أمر التشغيل، أو المقايسات المعتمدة بحسب الأحوال، وتراجع هذه القيمة على ختامي الأعمال.
2 – تنص الفقرة الثالثة من المادة 125 من قانون التأمين الاجتماعي، على أنه [مع عدم الإخلال بالحد الأدنى لأجر الاشتراك الأساسي, يكون لوزير التأمينات الاجتماعية بقرار يصدره بناء على اقتراح مجلس الإدارة, أن يحدد أجر الاشتراك بالنسبة لبعض فئات المؤمن عليهم, وطريقة حساب هذا الأجر, وطريقة حساب الاشتراكات, وتاريخ بدء انتفاعهم بنظام المكافأة], وإذ كان القرار رقم 255 لسنة 1982 – المطعون فيه – قد صدر عن الوزير المختص تنفيذاً لأحكام هذه المادة، وذلك بتفصيل ما ورد إجمالاً بها – بما ليس فيه تعديل أو تعطيل لها, أو إعفاء من تنفيذها – فإن هذا القرار يكون تنظيماً لائحياً صدر في الحدود التي رسمتها المادة 144 من الدستور في شأن اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين.
3 – يدل استقراء المادتين الثالثة والرابعة من القرار رقم 255 لسنة 1982 – المطعون فيه – على ارتباطهما ببعض ارتباطاً لا يقبل التجزئة, ذلك أنهما تفصلان القواعد القانونية التي يتحدد على ضوئها أجر العمالة التي تتخذ أساساً لحساب حصة رب العمل في اشتراكات التأمين الاجتماعي, في شأن المقاولات التي أخضعها هذا القرار لأحكامه. إذ كان ذلك, وكان جوهر الطعن الماثل, يتناول هذه القواعد ذاتها ويتوخي هدمها, فإن المصلحة الشخصية المباشرة للمدعي تتوافر من خلال الطعن عليها، ذلك أن تقرير صحتها أو بطلانها يؤثر بالضرورة في النزاع الموضوعي القائم على عدم استحقاق الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لحصة المقاول التي اقتضتها منه جبراً وفقاً لأحكام القرار رقم 255 لسنة 1982 المشار إليه.
4 – إلغاء القرار المطعون فيه, بمقتضى القرار رقم 74 لسنة 1984 في شأن التأمين على عمال المقاولات والمحاجر والملاحات, لا يحول دون الطعن عليه بعدم الدستورية من قبل من طبق عليه خلال فترة نفاذه, وترتبت بمقتضاه آثار قانونية بالنسبة إليه, تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة. ذلك أن الأصل في تطبيق القاعدة القانونية هو سريانها على الوقائع التي تتم خلال الفترة من تاريخ العمل بها وحتى إلغائها, فإذا حلت محلها قاعدة قانونية أخرى، فإن القاعدة الجديدة تسري من الوقت المحدد لنفاذها, ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها. وبذلك يتحدد النطاق الزمني لسريان كل من هاتين القاعدتين, فما نشأ في ظل القاعدة القانونية الملغاة من المراكز القانونية، وجرت آثارها خلال فترة نفاذها, يظل خاضعاً لحكمها وحدها.
5 – يتحدد نطاق الطعن بعدم الدستورية, بنطاق الدفع الذي أبداه المدعي أمام محكمة الموضوع، وإذ كان هذا الدفع قد تعلق بالمادتين الثالثة والرابعة من القرار المطعون فيه, فإن موضوع الدعوى الماثلة يتحدد الفصل في دستوريتهما, دون غيرهما من الأحكام التي انتظمها هذا القرار.
6 – عمال المقاولات يخضعون غالباً لشروط رب العمل مهما ظهر من حيفها, وهم يقبلونها عادة لضمان قوتهم باعتبار أن هذه العلاقات لا تحكمها مساواة اقتصادية تتوازن من خلالها الحقوق بين أطرافها.
ويزداد الأمر دقة, مع وجود فائض في العمالة، يكون فيه عرضها مجاوزاً طلبها, وكذلك في غيبة تنظيم نقابي يناضل من أجل حقوق العمال المنضمين إليه. هذا فضلاً عن أن المقاولين يقدرون – في الأعم من الأحوال – أن مصلحتهم ينافيها أن يقدموا للهيئة التي تقوم على شئون التأمين الاجتماعي, بياناً دقيقاً بتكلفة العمل التي تعد أحد عناصر الإنتاج، باعتبار أن ذلك يزيد من حصتهم التي يؤدونها إليها – وهي تمثل بطبيعتها أعباء مالية يعنيهم تجنبها والتحايل على التخلص منها – سواء من خلال خفضهم لأعداد عمالهم, أو بالهبوط بأجورهم إلى أدنى حد ممكن, أو بإخفاء حقائق بدء وانتهاء عملهم, أو بكل هذه العناصر جميعاً، مما يناقض حقيقة أوضاعهم، ويحول دون انتفاعهم بالخدمات التأمينية التي كان يجب تقديمها إليهم, سواء في أصلها أو نوعها أو كمها. وهو ما يخل بمصالحهم التي سعى القرار المطعون فيه إلى كفالتها.
ولم يكن أمام المشرع, إزاء هذا التجهيل والتحايل, وانتفاء الوسائل العملية التي يتمكن معها من ضبط أوضاع هؤلاء العمال, وتتبعهم وحصر بياناتهم بالدقة اللازمة، إلا أن يتدخل من خلال تقرير بعض الأسس الموضوعية التي تحدد على ضوئها – وبصورة واقعية قدر الإمكان – الحصة التي يلتزم المقاول – بصفته رباً للعمل – بتقديمها إلى الهيئة التي ترعى شئون العمال في مجال التأمين الاجتماعي. ويدخل ذلك بطبيعة الحال في نطاق السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق, باعتبار أن جوهر هذه السلطة، إنما يتمثل في المفاضلة التي يجريها المشرع بين البدائل المختلفة لاختيار ما يقدر أنه أنسبها لمصلحة الجماعة, وأكثرها ملاءمة للوفاء بمتطلباتها في خصوص الموضوع الذي يتناوله بالتنظيم.
7 – البين من القرار المطعون فيه, أن حصص المقاولين التي تمثل نصيبهم في التأمين الاجتماعي – باعتبارهم أرباباً للعمل – إنما تحدد على ضوء القيمة الكلية لأجور عمالهم. وإذ كان من التعذر معرفة هذه القيمة بما لا خفاء فيه, وذلك بالنظر إلى تنصل أغلب المقاولين منها, وحرصهم على طمسها بيانات صورية، أو يخالطها التدليس، توصلاً لإسقاط التزاماتهم القانونية أو خفضها، فقد تعين أن يرد المشرع عليهم سعيهم. ولم يكن أمامه من سبيل إلا أن يلجأ إلى معيار مرن لضبط هذه الأجور، فاعتد بالقيمة الإجمالية لمجموع العمليات المختلفة الداخلة في المقاولة, كي يستخلص جزءاً منها يعبر بصورة واقعية عن الحد الأدنى لأجور العمال الذين قاموا بتنفيذ الأعمال التي تتطلبها المقاولة. وتلك هي النسبة المئوية التي حددها المشرع وفقاً للجدول المرفق بالقرار المطعون فيه, وقرر استقطاعها من القيمة الإجمالية لمجموع العمليات الداخلة في المقاولة، باعتبار أن حصيلتها تعكس الأجور الفعلية للعمالة المتخذة أساساً لحساب حصص أرباب العمل في التأمين الاجتماعي.
وواقعية هذا التقدير للقيمة الإجمالية لأجور العمالة, يثبتها انتفاء الدليل على المغالاة فيها, وتؤكدها ثلاثة أمور:
أولها: أن القيمة الإجمالية لمجموع العمليات الداخلة في المقاولة لا تتحدد جزافاً، بل وفق أسس موضوعية تتمثل في الوثائق الكاشفة عنها, وهي الترخيص الصادر عن الجهات المختصة أو العقد أو أمر التشغيل أو المقايسات المعتمدة، على أن تتم مراجعتها جميعاً على ضوء ختامي الأعمال, كي لا يدخل فيها إلا ما تم تنفيذه فعلاً منها.
ثانيها: أن القيمة الإجمالية لمجموع العمليات الداخلة في المقاولة، لا يعتد بها على إطلاقها في مجال تحديد النسبة المئوية المستقطعة منها كحد أدنى لأجور العمالة, بل تستبعد من هذه القيمة تلك العمليات التي لا دخل للقوة العاملة في إحداثها أو تكوينها, كقيمة المعدات والتوريدات المصنعة بالكامل, أو سابقة التجهيز التي تمثل جزءاً من عناصر وأصول المشروع محل المقاولة, وكذلك تكلفة الخبرة الأجنبية.
ثالثها: أن الفصل في النزاع حول حقيقة العمليات التي يثور بشأنها خلاف بين المقاولين والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي, موكول إلى اللجنة الفنية للمقاولات المنصوص عليها في المادة 20 من القرار المطعون فيه. ومن المفترض أن تمحص هذه اللجنة الأسس التي قام عليها تقدير تلك العمليات, وأن تصدر قرارها في شأنها بعد تجليتها. ولكل مقاول أن يطعن في هذا القرار أمام القضاء سواء من زاوية العناصر الواقعية أو الضوابط القانونية التي استخلصها أو طبقها.
8 – تقدير حصص المقاولين في أعباء التأمين الاجتماعي وفقاً لنص المادتين الثالثة والرابعة من القرار المطعون فيه – وهما مدار الطعن وجوهره – مبناه قاعدة موضوعية أقامها المشرع على ما يقع غالباً في الحياة العملية, لينقلب بها ما هو راجح عملاً إلى حقائق ثابتة لا يجوز إطراحها في حالة بذاتها. ذلك إن المشرع وإن اعتد في صوغ القاعدة الموضوعية بما يكون واقعاً في أكثر الأحوال وأعمها, إلا أن هذه القاعدة تستغرق علتها, فلا تجوز معارضتها بها بعد اندماجها فيها واختفائها، بما مؤداه أن المشرع يتقدم بتلك القاعدة مجردة عن سببها, وليس لها بالتالي أن تعود إلى الظهور, من خلال التدليل على تخلفها في حالة بذاتها.
وبذلك تفارق القواعد الموضوعية, القرائن القانونية التي ينشئها المشرع بمناسبة وقائع بذاتها إعفاء من إثباتها, ذلك أن القرائن القانونية – قاطعة كانت أم غير قاطعة, وإن كان مبناها ما يقع في أكثر الأحوال وأغلبها, مثلما هو الشأن في القواعد الموضوعية, إلا أن القرائن جميعها – حتى ما كان منها قاطعاً – يجوز دحضها بالإقرار واليمين, باعتبار أن علتها تلازمها ولا تفارقها, بل تقوم إلى جوارها. إذ كان ذلك, وكانت المعايير التي اعتنقتها المادتان الثالثة والرابعة من القرار المطعون فيه, لتحديد حصص المقاولين في أعباء التأمين الاجتماعي, لا شأن لها بالقرائن القانونية، بل مرجعها إلى قاعدة موضوعية مستعصية على الجدل، ولا يناقض مضمونها حكماً في الدستور, فإنه هذه المعايير تظل مع مرونتها، مؤكدة لقاعدة ثابتة لا يجوز هدمها, ولو قام الدليل على تخلفها في حالة بذاتها.
9 – القرار المطعون فيه, ليس فيه ما يفيد بأن العمال المشمولين بأحكامه, خاضعون لتأمين من نوع آخر, بل على نقيض ذلك, تؤكد المادة 15 من هذا القرار عدم سريان أحكامه على العمليات الخاصة بالتصنيع والتركيب إذا كانت تتم بالكامل بعمالة دائمة مؤمن عليها. كذلك فإن إدعاء خضوع هؤلاء العمال لنظامين تأمينيين في آن واحد، مؤداه – وبفرض صحته – أن هذين النظامين قد تزاحما على محل واحد, لتعلقهما بعين الأشخاص المؤمن عليه, وهو ما يعني إمكان التعارض بين أحكامهما، دون أن ينحل هذا التعارض إلى مخالفة دستورية. ذلك أن الرقابة القضائية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا على دستورية النصوص القانونية مبناها تناقضها أو اتفاقها مع أحكام الدستور، وليس لها من صلة بالتعارض بين التشريعات الأصلية والفرعية, ولا بالتعارض فيما بين التشريعات ذات المرتبة الواحدة.
10 – إن الدستور, وإن حرص في المادة 17 منه على دعم التأمين الاجتماعي حين ناط بالدولة مد خدماتها في هذا المجال إلى المواطنين في الحدود التي يبينها القانون, وذلك من خلال تقرير ما يعينهم على مواجهة بطالتهم أو عجزهم عن العمل أو شيخوختهم، فذلك لأن مظلة التأمين الاجتماعي – التي يحدد المشرع نطاقها – هي التي تكفل بمداها واقعاً أفضل يؤمن المواطن في غده, وينهض بموجبات التضامن الاجتماعي التي يقوم عليها المجتمع وفقاً لنص المادة 7 من الدستور, بما مؤداه أن المزايا التأمينية ضرورة اجتماعية بقدر ما هي ضرورة اقتصادية، وأن غايتها أن تؤمن المشمولين بها في مستقبل أيامهم عند تقاعدهم، أو عجزهم، أو مرضهم، وأن تكفل الحقوق المتفرقة عنها لأسرهم بعد وفاتهم.
11 – أحكام القرار رقم 255 لسنة 1982 المشار إليه, ليس فيها ما يدل على أن الحصص التي يقدمها المقاولون إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي, لا تقابلها مزايا تأمينية تعود فائدتها على عمالهم. ذلك أن المادتين 8 و11 من القرار المطعون فيه، تلزمان المؤمن عليه, أن يقوم بأداء حصته في التأمين الاجتماعي في الحدود وطبقاً للأوضاع المقررة قانوناً، وأن يقدم كذلك بطاقة التأمين الاجتماعي للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي "لاقتضاء الحقوق المترتبة في ذمتها". إذ كان ذلك. وكان الفصل الثالث من ذلك القرار، قد بين من جهة أخرى إجراءات تحصيل الاشتراكات المستحقة على صاحب العمل, فإن إسهامه مع المؤمن عليه في أعباء التأمين، يوفر لثانيهما الحقوق التأمينية المقررة قانوناً, من خلال تهيئة مصادر تمويلها. ومن ثم لا تتمحض الحصص التي يؤديها المقاولون إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي عن مزية لها, تنفرد بها, وتعود إليها غلتها, بل هي إسهام من قبلهم في أعباء التأمين الاجتماعي بوصفها بديلاً عن التزاماتهم القانونية بتعويض العمال، وضمان مكافآتهم كلما تحقق الخطر المؤمن منه باعتباره مناط الواقعة المنشئة لحقوقهم التأمينية, سواء كان ذلك أثناء الخدمة أو بعد انتهائها, ولئن كان نظام التأمين الاجتماعي ممولاً في أغلب عناصره من العمال وأرباب العمل, إلا أن حق المؤمن عليه في الحصول من الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي على كامل المزايا التأمينية المقررة قانوناً، يظل ثابتاً، ولو نكل أرباب العمل عن الوفاء بالتزاماتهم قبلها, أو تراخوا في التقيد بها.
12 – حصص المقاولين – وقد ثبت من نصوص القرار المطعون فيه، تمويلها لبعض موارد التأمين الاجتماعي, وارتباطها بالتالي بالمزايا التأمينية التي يحصل عمالهم عليها – فإنها تنفصل قانوناً عن مفهوم الضريبة سواء أكانت ضريبة عامة أم ضريبة محلية. ذلك أن الضريبة – التي لا يجوز فرضها إلا بقانون أو في الحدود التي يبينها – قوامها فريضة مالية تقتضيها الدولة جبراً من الملتزمين بأدائها, دون أن يقابلها نفع خاص يعود عليهم من وراء الوفاء بها.
يؤيد ذلك أن الحصص التي تقتضيها الدولة من المقاولين, هي واسطتها لإيفاء الحقوق التأمينية المقررة قانوناً لعمالهم, سواء كان ذلك أثناء خدمتهم كالتعويض عن إصابتهم ورعايتهم طبياً، أم كان بعد انتهائها كتعويض الدفعة الواحدة. ولئن صح القول بأن حصة العامل في التأمين الاجتماعي مردودها إليه، باعتبار أن فائدتها تعود مباشرة عليه, فإن من الصحيح كذلك أن الحصة التي يقدمها رب العمل إسهاما من جهته في هذا التأمين من خلال تمويل بعض أعبائه، لا يقدمها تفضلاً، بل لأن ثمرتها تئول إليه بطريق غير مباشر, باعتبار أن غايتها النهائية هي أن تمتد مظلة التأمين الاجتماعي إلى هؤلاء الذين قدموا خدماتهم إليه من خلال رابطة العمل, بما يدفعهم إلى التفاني فيه, والقيام به على الوجه الأكمل. ومن ثم تمثل هذه الحصة جانباً من وعاء توجهه الدولة – التي تقوم في التأمين الاجتماعي بدور المؤمن – إلى المشمولين بأحكامه, لضمان انتفاعهم بالحقوق التأمينية في الحدود التي يبينها القانون، لتفارق بذلك الضريبة سواء في أساسها أو دوافعها, ولتكون – في مفهومها وغايتها – أدخل إلى النظم التي تقيم التعاون بين المؤمن عليهم على أسس دقيقة, تتوخى مواجهة المخاطر التي يتعرضون لها, واتقاء أضرارها من خلال توزيعها أو تشتيتها. وهي في نطاق الطعن الماثل مخاطر لا يجوز إعفاء المقاول من بعض تبعاتها, بل يكون تحملهم بها قبل عمالهم, لازماً قانوناً باعتباره أكفل لأمنهم وأدعى لاستقرارهم.


الإجراءات

بتاريخ 2 مارس 1993 أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالباً الحكم بعدم دستورية قرار وزير الشئون الاجتماعية رقم 255 لسنة 1982 في شأن التأمين على عمل المقاولات.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى, أودعت هيئة المفوضين تقريراً برأيها.
وقد نظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة, وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.


المحكمة

حيث إن الوقائع – على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – تتحصل في أن المدعي كان قد أقام الدعوى رقم 55 لسنة 1987 مدني كلي أمام محكمة جنوب القاهرة الابتدائية ضد الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي طالباً الحكم برد المبالغ التي كانت قد اقتضتها منه جبراً تنفيذاً لأحكام قرار وزير الشئون الاجتماعية رقم 255 لسنة 1982 في شأن التأمين على عمال المقاولات، ثم دفع أمام هذه المحكمة بعدم دستورية هذا القرار. وإذ قدرت محكمة الموضوع جدية هذا الدفع, فقد أجلت الفصل في الدعوى الموضوعية المقامة أمامها إلى أن يتخذ المدعي إجراءات الطعن بعدم دستورية ذلك القرار، فأقام الدعوى الماثلة.
وحيث إن المدعي ينعي على القرار المشار إليه مخالفته للمادتين 17 و119 من الدستور من وجهين.
أولهما: إن ذلك القرار يعتد بالقيمة الإجمالية لعقد المقاولة في حساب اشتراكات التأمين الاجتماعي التي يؤديها صاحب العمل إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي, بما مؤداه احتسابها بطريقة جزافية لا ترتبط البتة بوجود عماله حقيقية مما يبقيها عائداً خالصاً للهيئة. فلا يتوقف تحصيلها على الخدمات التأمينية التي تقابلها, ولا يعتد في اقتضائها بعدد العمال أو مدد خدمتهم, وما إذا كانوا يستظلون تأمينياً بنظام آخر, وهو ما يناقض نص المادة 17 من الدستور التي يرتبط التأمين الاجتماعي وفقاً لأحكامها بالخدمات الفعلية التي يبسطها على المنتفعين بها.
ثانيهما: أن الاشتراكات التي تقتضيها الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي طبقاً لأحكام ذلك القرار، تقدر بطريقة جزافية، إذ يتحدد وعاؤها في شكل نسبة مئوية من القيمة الإجمالية للعمليات موضوع المقاولة، ولا توجه حصيلتها إلى أداء أية خدمات تأمينية للعمالة المصرية, بل غايتها إنماء موارد الدولة لتغلب عليها خصائص الجباية, ومن ثم تنحل إلى ضريبة فرضها القرار المطعون فيه على عقد المقاولة بالمخالفة لحكم المادة 119 من الدستور, التي تقضي بأن إنشاء الضريبة لا يكون إلا بقانون يبين أساسها, وسعرها، وكيفية التعامل بشأنها.
وحيث إن البين من القرار رقم 255 لسنة 1982 بشأن التأمين على عمال المقاولات، أن مادته الأولى تنص على سريان أحكامه على عمال المقاولات الموضحة مهنهم في الجدول رقم المرافق, الذين يرتبط عملهم بالمقاولات أياً كانت مدة العمل.
وتنص مادته الثالثة على أن يكون حساب الأجور التي يتم على أساسها حساب حصة صاحب العمل في اشتراكات التأمين الاجتماعي في عمليات المقاولات التي تسري في شأنها أحكام هذا القرار, على أساس نسبة مئوية تتحدد وفقاً للجدول رقم المرافق من القيمة الإجمالية لمجموع العمليات المختلفة الداخلة في المقاولة، بعد استبعاد قيمة المعدات والتوريدات المصنعة بالكامل, أو سابقة التجهيز, التي تمثل جزءاً من مكونات وأصول المشروع محل المقاولة وتكلفة الخبرة الأجنبية.
وتقضي مادته الرابعة, بأن يعتمد في تحديد القيمة الإجمالية لمجموع العمليات الداخلة في المقاولة, على الترخيص الصادر من الجهات المختصة، أو العقد، أو أمر التشغيل، أو المقايسات المعتمدة بحسب الأحوال، وتراجع هذه القيمة على ختامي الأعمال.
وعملاً بمادته الثانية عشرة، يتعين على كل مقاول إخطار مكتب الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي الذي يقع في دائرته محل المقاولة عن كل مقاولة يقوم بتنفيذها قبل البدء في التنفيذ، وكذلك عن كل تغيير يطرأ على حجم المقاولة.
كما عقد هذا القرار للجنة الفنية للمقاولات التي شكلتها مادته العشرون, اختصاص الفصل في المسائل التي حددتها مادته الحادية والعشرون، ويندرج تحتها البت في العمليات التي يثور بشأنها خلاف بين الهيئة وأصحاب الشأن.
وحيث إن الفقرة الثالثة من المادة 125 من قانون التأمين الاجتماعي تنص على أنه "مع عدم الإخلال بالحد الأدنى لأجر الاشتراك الأساسي, يكون لوزير التأمينات الاجتماعية بقرار يصدره بناء على اقتراح مجلس الإدارة, أن يحدد أجر الاشتراك بالنسبة لبعض فئات المؤمن عليهم, وطريقة حساب هذا الأجر, وطريقة حساب الاشتراكات, وتاريخ بدء انتفاعهم بنظام المكافأة", وإذ كان القرار رقم 255 لسنة 1982 – المطعون فيه – قد صدر عن الوزير المختص تنفيذاً لأحكام هذه المادة، وذلك بتفصيل ما ورد إجمالاً بها – بما ليس فيه تعديل أو تعطيل لها, أو إعفاء من تنفيذها، فإن هذا القرار يكون تنظيماً لائحياً صدر في الحدود التي رسمتها المادة 144 من الدستور في شأن اللوائح اللازمة لتنفيذ القوانين.
وحيث إن استقراء المادتين الثالثة والرابعة من القرار المطعون فيه – على ارتباطهما ببعض ارتباطاً لا يقبل التجزئة, ذلك أنهما تفصلان القواعد القانونية التي يتحدد على ضوئها أجر العمالة التي تتخذ أساساً لحساب حصة رب العمل في اشتراكات التأمين الاجتماعي, في شأن المقاولات التي أخضعها هذا القرار لأحكامه. إذ كان ذلك, وكان جوهر الطعن الماثل, يتناول هذه القواعد ذاتها ويتوخي هدمها, فإن المصلحة الشخصية المباشرة للمدعي تتوافر من خلال الطعن عليها، ذلك أن تقرير صحتها أو بطلانها يؤثر بالضرورة في النزاع القائم على عدم استحقاق الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لحصة المقاول التي اقتضتها منه جبراً وفقاً لأحكام القرار رقم 255 لسنة 1982 المطعون فيه.
ولا ينال مما تقدم أن يكون هذا القرار قد ألغي بمقتضى القرار رقم 74 لسنة 1984 في شأن التأمين على عمال المقاولات والمحاجر والملاحات, ذلك إن إلغاء النص المطعون عليه – وعلى ما جرى عليه قضاء المحكمة الدستورية العليا – لا يحول دون الطعن عليه بعدم الدستورية من قبل من طبق عليه خلال فترة نفاذه, وترتبت بمقتضاه آثار قانونية بالنسبة إليه, تتحقق بإبطالها مصلحته الشخصية المباشرة. ذلك أن الأصل في تطبيق القاعدة القانونية هو سريانها على الوقائع التي تتم خلال الفترة من تاريخ العمل بها وحتى إلغائها, فإذا حلت محلها قاعدة قانونية أخرى، فإن القاعدة الجديدة تسري من الوقت المحدد لنفاذها, ويقف سريان القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد النطاق الزمني لسريان كل من هاتين القاعدتين, فما نشأ في ظل القاعدة القانونية الملغاة من المراكز القانونية، وجرت آثارها خلال فترة نفاذها, يظل خاضعاً لحكمها وحدها.
وحيث إن نطاق الطعن بعدم الدستورية يتحدد بنطاق الدفع الذي أبداه المدعي أمام محكمة الموضوع، وإذ كان هذا الدفع قد تعلق بالمادتين الثالثة والرابعة من القرار المطعون فيه, فإن موضوع الدعوى الماثلة يتحدد بالفصل في دستوريتهما, دون غيرهما من الأحكام التي انتظمها هذا القرار.
وحيث إن المدعي وإن نعي على المادتين الثالثة والرابعة من القرار المطعون فيه مخالفتهما للمادتين 17 و119 من الدستور, إلا أن هذين الوجهين من نعيه متدخلان, إذ يجمعهما أساس واحد يتحصل في الاشتراكات التي تقتضيها الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي من المقاولين, لا تقدر وفق الأجور الفعلية لعمالهم, بل على أساس نسبة معينة من القيمة الإجمالية لمجموع العمليات الداخلة في المقاولة بعد استبعاد بعض العناصر منها. وليس من وجهة نظر المدعي إلا تقديراً تحكمياً جزافياً لا يقوم على أسس واقعية، وينحل كذلك إلى ضريبة تم فرضها بغير قانون يبين أسسها وأحكامها باعتبار أن النصين المطعون عليهما لا يتوخيان غير مجرد إنماء موارد الدولة، وإن خصائص الجباية هي الغالبة عليهما, ولأن حصيلة الاشتراكات التي تقتضيها الهيئة من المقاولين تعود عليها وحدها، فلا تقابلها خدمات تأمينية تؤديها لمن يعملون لديهم، حال أن التأمين الاجتماعي لا يعدو أن يكون خدمة تلتزم الدولة بكفالتها.
وحيث إن هذا النعي بوجهيه مردود أولاً: بأن عمال المقاولات يخضعون غالباً لشروط رب العمل مهما ظهر من حيفها, وهم يقبلونها عادة لضمان قوتهم باعتبار أن هذه العلاقات لا تحكمها مساواة اقتصادية تتوازن من خلالها الحقوق بين أطرافها.
ويزداد الأمر دقة, مع وجود فائض في العمالة، يكون فيه عرضها مجاوزاً طلبها, وكذلك في غيبة تنظيم نقابي يناضل من أجل حقوق العمال المنضمين إليه. هذا فضلاً عن أن المقاولين يقدرون – في الأعم من الأحوال – أن مصلحتهم ينافيها أن يقدموا للهيئة التي تقوم على شئون التأمين الاجتماعي, بياناً دقيقاً بتكلفة العمل التي تعد أحد عناصر الإنتاج باعتبار أن ذلك يزيد من حصتهم التي يؤدونها إلي هذه الهيئة – وهي تمثل بطبيعتها أعباء مالية يعنيهم تجنبها والتحايل على التخلص منها – سواء من خلال خفضهم لأعداد عمالهم, أو الهبوط بأجورهم إلى أدنى حد ممكن, وإخفاء حقائق بدء وانتهاء عملهم, مما يناقض حقيقة أوضاعهم، ويحول دون انتفاعهم بالخدمات التأمينية التي كان يجب تقديمها إليهم سواء في أصلها أو نوعها أو كمها, وهو ما يخل بمصالحهم التي سعى القرار المطعون فيه إلى كفالتها.
ولم يكن أمام المشرع, إزاء هذا التجهيل والتحايل, وانتفاء الوسائل العملية التي يتمكن معها من ضبط أوضاع هؤلاء العمال, وتتبعهم وحصر بياناتهم بالدقة اللازمة، إلا أن يتدخل من خلال تقرير بعض الأسس الموضوعية التي تحدد على ضوئها – وبصورة واقعية قدر الإمكان – الحصة التي يلتزم المقاول – بصفته رباً للعمل – بتقديمها إلى الهيئة التي ترعى شئون العمال في مجال التأمين الاجتماعي. ويدخل ذلك بطبيعة الحال في نطاق السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق, باعتبار أن جوهر هذه السلطة، إنما يتمثل في المفاضلة التي يجريها المشرع بين البدائل المختلفة لاختيار ما يقدر أنه أنسبها لمصلحة الجماعة, وأكثرها ملائمة للوفاء بمتطلباتها في خصوص الموضوع الذي تناوله بالتنظيم.
يؤيد ذلك أن البين من القرار المطعون فيه, أن حصص المقاولين التي تمثل نصيبهم في التأمين الاجتماعي – باعتبارهم أرباباً للعمل – إنما تتحدد على ضوء القيمة الكلية لأجور عمالهم. وإذ كان من التعذر معرفة هذه القيمة بما لا خفاء فيه, وذلك بالنظر إلى تنصل أغلب المقاولين منها, وحرصهم على طمسها بيانات صورية، أو يخالطها التدليس، توصلاً لإسقاط التزاماتهم القانونية أو خفضها، فقد تعين أن يرد المشرع عليهم سعيهم، ولم يكن أمامه من سبيل إلا أن يلجأ إلى معيار مرن ضبطاً من جهته لهذه الأجور، فاعتد بالقيمة الإجمالية لمجموع العمليات المختلفة الداخلة في المقاولة, كي يستخلص جزءاً منها يعبر بصورة واقعية عن الحد الأدنى لأجور العمال الذين قاموا بتنفيذ الأعمال التي تتطلبها المقاولة. وتلك هي النسبة المئوية التي حددها المشرع وفقاً للجدول المرفق بالقرار المطعون فيه, وقرر استقطاعها من القيمة الإجمالية لمجموع العمليات الداخلة في المقاولة، باعتبار أن حصيلتها تعكس الأجور الفعلية للعمالة المتخذة أساساً لحساب حصص أرباب العمل في التأمين الاجتماعي.
وواقعية هذا التقدير للقيمة الإجمالية لأجور العمالة, يثبتها انتفاء الدليل على المغالاة فيها, وتؤكدها ثلاثة أمور:
أولها: أن القيمة الإجمالية لمجموع العمليات الداخلة في المقاولة لا تحدد اعتباطاً بل وفق أسس موضوعية تتمثل في الوثائق الكاشفة عنها, وهي الترخيص الصادر عن الجهات المختصة أو العقد أو أمر التشغيل أو المقايسات المعتمدة، على أن تتم مراجعتها جميعاً على ضوء ختامي الأعمال, كي لا يدخل فيها إلا ما تم تنفيذه فعلاً منها.
ثانيها: أن القيمة الإجمالية لمجموع العمليات الداخلية في المقاولة، لا يعتد بها على إطلاقها في مجال تحديد النسبة المئوية المستقطعة منها كحد أدنى لأجور العمالة, بل تستبعد من هذه القيمة تلك العمليات التي لا دخل للقوة العاملة في إحداثها أو تكوينها, كقيمة المعدات والتوريدات المصنعة بالكامل, أو سابقة التجهيز التي تمثل جزءاً من عناصر وأصول المشروع محل المقاولة, وكذلك تكلفة الخبرة الأجنبية.
ثالثها: أن الفصل في النزاع حول حقيقة العمليات التي يثور بشأنها خلاف بين المقاولين والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي, موكول إلى اللجنة الفنية للمقاولات المنصوص عليها في المادة 20 من القرار المطعون فيه. ومن المفترض أن تمحص هذه اللجنة الأسس التي قام عليها تقدير تلك العمليات, وأن تصدر قرارها في شأنها بعد تجليتها. ولكل مقاول أن يطعن في هذا القرار أمام القضاء سواء من زاوية العناصر الواقعية أو الضوابط القانونية التي استخلصها أو طبقها.
ومردود ثانياً: تقدير حصص المقاولين في أعباء التأمين الاجتماعي وفقاً لنص المادتين الثالثة والرابعة من القرار المطعون فيه – وهما مدار الطعن وجوهره – مبناه قاعدة موضوعية أقامها المشرع على ما يقع غالباً في الحياة العملية, لينقلب بها ما هو راجح عملاً إلى حقائق ثابتة لا يجوز إطراحها في حالة بذاتها. ذلك أن المشرع وإن اعتد في صوغ القاعدة الموضوعية بما يكون واقعاً في أكثر الأحوال وأعمها, إلا أن هذه القاعدة تستغرق علتها, فلا تجوز معارضتها بها بعد اندماجها فيها واختفائها، بما مؤداه أن المشرع يتقدم بتلك القاعدة مجردة عن سببها, وليس لها بالتالي أن تعود إلى الظهور, من خلال التدليل على تخلفها في حالة بذاتها.
وبذلك تفارق القواعد الموضوعية, القرائن القانونية التي ينشئها المشرع بمناسبة وقائع بذاتها إعفاء من إثباتها, ذلك أن القرائن القانونية – قاطعة كانت أم غير قاطعة – وإن كان مبناها ما يقع في أكثر الأحوال وأغلبها, مثلما هو الشأن في القواعد الموضوعية, إلا أن القرائن جميعها – حتى ما كان منها قاطعاً – يجوز دحضها بالإقرار واليمين, باعتبار أن علتها تلازمها ولا تفارقها, بل تقوم إلى جوارها. إذ كان ذلك, وكانت المعايير التي اعتنقتها المادتان الثالثة والرابعة من القرار المطعون فيه, لتحديد حصص المقاولين في أعباء التأمين الاجتماعي, لا شأن لها بالقرائن القانونية، بل مرجعها إلى قاعدة موضوعية مستعصية على الجدل، ولا يناقض مضمونها حكماً في الدستور, فإنه هذه المعايير تظل مع مرونتها، مؤكدة لقاعدة ثابتة لا يجوز هدمها, ولو قام الدليل على تخلفها في حالة بذاتها.
ومردود ثالثاً: بأن القرار المطعون فيه, ليس فيه ما يفيد بأن العمال المشمولين بأحكامه, خاضعون لتأمين من نوع آخر, بل على نقيض ذلك, تؤكد المادة 15 من هذا القرار عدم سريان أحكامه على العمليات الخاصة بالتصنيع والتركيب إذا كانت تتم بالكامل بعمالة دائمة مؤمن عليها. كذلك فإن إدعاء خضوع هؤلاء العمال لنظامين تأمينيين في آن واحد، مؤداه – وبفرض صحته – أن هذين النظامين قد تزاحما على محل واحد, لتعلقهما بعين الأشخاص المؤمن عليهم, وهو ما يعني إمكان التعارض بين أحكامهما، دون أن ينحل هذا التعارض إلى مخالفة دستورية, ذلك أن الرقابة القضائية التي تباشرها المحكمة الدستورية العليا على دستورية النصوص القانونية مبناها تناقضها أو اتفاقها مع أحكام الدستور، وليس لها من صلة بالتعارض بين التشريعات الأصلية والفرعية, ولا بالتعارض فيما بين التشريعات ذات المرتبة الواحدة.
ومردود رابعاً: بأن الدستور, وإن حرص في المادة 17 منه على دعم التأمين الاجتماعي حين ناط بالدولة مد خدماتها في هذا المجال إلى المواطنين في الحدود التي يبينها القانون, وذلك من خلال تقرير ما يعينهم على مواجهة بطالتهم أو عجزهم عن العمل أو شيخوختهم، فذلك لأن مظلة التأمين الاجتماعي – التي يحدد المشرع نطاقها – هي التي تكفل بمداها واقعاً أفضل يؤمن المواطن فيه غده, وينهض بموجبات التضامن الاجتماعي التي يقوم عليها المجتمع وفقاً لنص المادة 7 من الدستور, بما مؤداه أن المزايا التأمينية ضرورة اجتماعية بقدر ما هي ضرورة اقتصادية، وأن غايتها أن تؤمن المشمولين بها في مستقبل أيامهم عند تقاعدهم، أو عجزهم، أو مرضهم، وأن تكفل الحقوق المتفرعة عنها لأسرهم بعد وفاتهم.
ومردود خامساً: بأن نصوص القرار رقم 255 لسنة 1982 المشار إليه, ليس فيها ما يدل على أن الحصص التي يقدمها المقاولون إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي, لا تقابلها مزايا تأمينية تعود فائدتها على عمالهم، بل على نقيض ذلك تلزم المادة 5 من هذا القرار كل واحد منهم بأن يتقدم إلى مكتب الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي الذي يقع في مجال اختصاصه محل إقامته, بطلب الاشتراك في نظام التأمين المقرر بمقتضى أحكامه. وعلى الهيئة وفقاً للمادة 7 منه أن توفر لكل مؤمن عليه بطاقة تأمين يُعمل بها لمدة سنة ويُعطي عند انتهاء مدتها بطاقة أخرى مماثلة.
وعملاً المادتين 8, 11 من ذلك القرار يتعين على المؤمن عليه أن يقوم بأداء حصته في التأمين الاجتماعي في الحدود وطبقاً للأوضاع المقررة قانوناً، وأن يقدم كذلك بطاقة التأمين الاجتماعي للهيئة القومية للتأمين الاجتماعي لاقتضاء الحقوق المترتبة في ذمتها. إذ كان ذلك, وكان الفصل الثالث من ذلك القرار، قد بين من جهة أخرى إجراءات تحصيل الاشتراكات المستحقة على صاحب العمل, فإن إسهامه مع المؤمن عليه في أعباء التأمين، يوفر لثانيهما الحقوق التأمينية المقررة قانوناً, من خلال تهيئة مصادر تمويلها. ومن ثم لا تتمحض الحصص التي يؤديها المقاولون إلى الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي عن مزية لها, تنفرد بها, وتعود إليها غلتها, بل هي إسهام من قبلهم في أعباء التأمين الاجتماعي بوصفها بديلاً عن التزاماتهم القانونية بتعويض العمال ومكافآتهم كلما تحقق الخطر المؤمن منه باعتباره مناط الواقعة المنشئة لحقوقهم التأمينية, سواء كان ذلك أثناء الخدمة أو بعد انتهائها.
ومردود سادساً: بأن نظام التأمين الاجتماعي، وإن كان ممولاً في أغلب عناصره من العمال وأرباب العمل, إلا أن حق المؤمن عليه في الحصول من الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي على كامل المزايا التأمينية المقررة قانوناً، يظل ثابتاً، ولو نكل أرباب العمل عن الوفاء بالتزاماتهم قبلها, أو تراخوا في التقيد بها.
ومردود سابعاً: بأن حصص المقاولين – وقد ثبت من نصوص القرار المطعون فيه، تمويلها لبعض موارد التأمين الاجتماعي, وارتباطها بالتالي بالمزايا التأمينية التي يحصل عمالهم عليها باعتبار أنها تمثل جانباً منها – فإنها تنفصل قانوناً عن مفهوم الضريبة سواء أكانت ضريبة عامة أم ضريبة محلية. ذلك أن الضريبة – التي لا يجوز فرضها إلا بقانون أو في الحدود التي يبينها – قوامها فريضة مالية تقتضيها الدولة جبراً من الملتزمين بأدائها, دون أن يقابلها نفع خاص يعود عليهم من وراء الوفاء بها.
ولا كذلك الحصص التي تقتضيها الدولة من المقاولين, إذ هي واسطتها لإيفاء الحقوق التأمينية المقررة قانوناً لعمالهم, سواء كان ذلك أثناء خدمتهم كالتعويض عن إصابتهم ورعايتهم طبياً، أم كان بعد انتهائها كتعويض الدفعة الواحدة. ولئن صح القول بأن حصة العامل في التأمين الاجتماعي مردودها إليه، باعتبار أن فائدتها تعود مباشرة عليه, فإن من الصحيح كذلك أن الحصة التي يقدمها رب العمل إسهاماً من جهته في هذا التأمين تمويلاً بعض أعبائه، لا يقدمها تفضلاً منه، بل تؤول ثمرتها إليه بطريق غير مباشر, باعتبار أن غايتها النهائية هي أن تمتد مظلة التأمين الاجتماعي إلى هؤلاء الذين قدموا خدماتهم إليه من خلال رابطة العمل, بما يدفعهم إلى التفاني فيه, والقيام به على الوجه الأكمل.
ومن ثم تمثل هذه الحصة جانباً من وعاء توجهه الدولة – التي تقوم في التأمين الاجتماعي بدور المؤمن – إلى المشمولين بأحكامه, لضمان انتفاعهم بالحقوق التأمينية في الحدود التي يبينها القانون، لتفارق بذلك الضريبة سواء في أساسها أو دوافعها, ولتكون – في مفهومها وغايتها – أدخل إلى النظم التي تقيم التعاون بين المؤمن عليهم على أسس دقيقة, تتوخى مواجهة المخاطر التي يتعرضون لها, واتقاء أضرارها من خلال توزيعها أو تشتيتها. وهي في نطاق الطعن الماثل مخاطر لا يجوز إعفاء المقاول من بعض تبعاتها, بل يكون تحملهم بها قبل عمالهم, لازماً قانوناً باعتباره أكفل لأمنهم وأدعى لاستقرارهم.
وحيث إنه متى كان ذلك, وكان النصان المطعون فيهما لا يتعارضان مع حكم في الدستور من أوجه أخرى.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة برفض الدعوى, وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات