الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 992 لسنة 37 قلم يتم التعرف على تاريخ الجلسة

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة والثلاثون – العدد الأول (من أول أكتوبر سنة 1991 إلى آخر فبراير سنة 1992) – صـ 419


جلسة 14 من ديسمبر لسنة 1991

برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ د. عبد المنعم عبد العظيم جيرة – نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة/ رأفت محمد يوسف ومحمد مجدي محمد خليل وأحمد عبد العزيز إبراهيم ومحمد عزت السيد إبراهيم – نواب رئيس مجلس الدولة.

الطعن رقم 992 لسنة 37 القضائية

مجالس تأديب – مجلس تأديب العاملين بالمحاكم – ضمانات التأديب – حيدة عضو مجلس التأديب.
قرارات مجالس التأديب التي لم يخضعها القانون لتصديق من جهات عليا هي أقرب في طبيعتها إلى الأحكام التأديبية منها إلى القرارات الإدارية – من الضمانات الجوهرية في مجال التأديب حيدة الهيئة التي تتولى محاكمة العامل – مؤدى ذلك: أن من سبق له إبداء رأيه في الموضوع يمتنع عليه الاشتراك في نظر الدعوى والحكم فيها – أساس ذلك: ضمان حيدة عضو مجلس التأديب الذي يجلس من المتهم مجلس الحكم بينه وبين سلطة الاتهام حتى يطمئن إلى عدالة قاضيه وتجرده من التأثر بعقيدة سبق أن كونها عن المتهم – هذه القاعدة تجد مصدرها بالمادتين 247 و248 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 146 من قانون المرافعات – لا ينال من ذلك ما جاء بالمادة من القانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية من أنه لا يمنع من الجلوس في هيئة مجلس التأديب سبق الاشتراك في طلب الإحالة إلى المعاش أو رفع الدعوى التأديبية – هذا النص ينطبق في مجال المساءلة التأديبية للقضاة وهو نص خاص لا يجوز تطبيقه في نطاق مجالس تأديب العاملين بالحاكم – تطبيق.


إجراءات الطعن

في يوم الاثنين الموافق 8/ 2/ 1991 أودع الأستاذ حسني عبد الحميد معوض المحامي بصفته وكيلاً عن السيد/………. قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها تحت رقم 992 لسنة 37 القضائية في الحكم الصادر من مجلس التأديب بمحكمة الجيزة الابتدائية بتاريخ 22/ 1/ 1991 في الدعوى التأديبية رقم 19 لسنة 90 تأديب والقاضي بمجازاته بالفصل من الخدمة اعتباراً من 22/ 1/ 1991.
وطلب الطاعن للأسباب المبينة بتقرير طعنه الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والحكم ببراءة الطاعن مما نسب إليه مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وبعد إعلان تقرير الطعن على النحو المبين بالأوراق قدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً برأيها القانوني رأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغائه فيما قضى به من مجازاة الطاعن بالفصل من الخدمة وبراءته من التهم المنسوبة إليه.
وقد عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون جلسة 14/ 4/ 1991 وبجلسة 15/ 7/ 1991 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الرابعة) وحددت لنظره أمامها جلسة 19/ 10/ 1991 وفيها سمعت المحكمة ما رأت لزوماً لسماعه من إيضاحات ذوي الشأن، وقررت إصدار الحكم بجلسة اليوم، وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
ومن حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر الموضوع تتحصل – حسبما يبين من الأوراق – في أن السيد رئيس محكمة الجيزة الابتدائية أصدر قراراً في 31/ 10/ 1990 بإحالة كل من:
1 – ……………
2 – …………… الموظفين بالمحكمة بالفئة الرابعة إلى المحاكمة التأديبية، لما نسب إلى الأول من أنه:
استغل صفته كموظف بالمحكمة وتواطأ مع المؤجر المدعو – ……… بغية الإضرار بالشاكي…….. وترتب على ذلك طرد الشاكي من مسكنه دون وجه حق، وكان ذلك بأن قام باستلام الإعلانات الموجهة للشاكي تارة بنفسه، وتارة عن طريق زوجته باعتبار أنه تابع وهو ليس كذلك، ولم يتم تسليم تلك الإعلانات للمعلن إليه حتى صدر حكم الطرد ضد الشاكي دون مواجهة قانونية.
كما ثبت من التحقيق أن المذكور قد ارتكب ذات أفعال التواطؤ ضد سكان آخرين ترتب عليها طرد أحد السكان دون مواجهة، ونفذ حكم الطرد ضد ذلك الساكن في غيبته وقد قام المشكو فيه بالاستيلاء على العين واستغلالها له كمسكن وذلك بالاشتراك مع مالك المنزل، وقد ثبت أيضاً من التحقيق أن المذكور استغل صفته كموظف في المحكمة واستولى على شقتين بعد طرد سكانهما، كما امتنع عن تنفيذ الأوامر الصادرة إليه وامتنع عن تنفيذ أمر السيد الأستاذ المستشار رئيس المحكمة بنقله في حركة التنقلات التي تمت بالنسبة للموظفين في المحكمة طبقاً للقرار رقم 96/ 89 في 10/ 11/ 1989 وأثار مشاكل عديدة في هذا الشأن على النحو المفصل في التحقيقات، بالإضافة إلى إهماله في أداء واجبات وظيفته على النحو المبين بتقرير المتابعة في 6/ 12/ 1989 على أعماله كسكرتير جلسة الدائرة الثانية مدني كلي الجيزة.
ولما نسب إلى الثاني من أنه:
ثبت من التحقيق أنه كان يعمل أمين سر الدائرة السابعة طعون وقد استولى بالتزوير على مبلغ 23.850 جنيه من مبلغ الأمانة المحكوم بها في القضية رقم 256 لسنة 88 طعون، وكذلك على مبلغ 48.820 جنيهاً من قيمة الأمانة المحكوم بها في القضية رقم 484 لسنة 88 طعون وذلك بطريق التزوير.
وبجلسة 22/ 1/ 1991 قضى مجلس التأديب بفصل المدعو/……… من الخدمة اعتباراً من تاريخ الحكم 22/ 1/ 1991 وبمجازاة المدعو/……… بخصم شهرين من راتبه، وقد أقام المجلس قراره على أن البادي من التحقيقات أن المحال الأول قد ثبت في جانبه الانحراف عن السلوك السوي للوظيفة العامة، وذلك بتدخله في تسليم وتسلم الإعلانات القضائية دون أن يكون منوطاً بذلك، سيما وأن تلك الوقائع تمت بعيداً عن عمله الوظيفي، كما أنه قد دأب على افتعال الأعذار واللجوء إلى أسلوب الشكاية الدائم من النقل والاعتياد على مقابلة القرارات الإدارية الصادرة بشأنه بأسلوب المراوغة واللجوء إلى إلقاء اللوم والتبعة على الجهة الإدارية مصدرة القرار بأن يتأخر في التنفيذ حتى يصل إلى مأربه بإلغاء القرارات الصادرة دوماً تجاهه بما تعتبره المحكمة سلوكاً إيجابياً يشكل واقعة امتناعه عن تنفيذ الأوامر الصادرة إليه بنقله، كما أن البادي من مطالعة تقريرات المتابعة عن عمل المذكور أنه قد دأب على الإهمال في مراعاة واجبات وظيفته وتأخير إنجاز الأعمال المسندة إليه، وقد تلاحظ للمحكمة من أسلوب رده على ما نسب إليه أنه قد طبع بطابع اللامبالاة وأصبح مثلاً سيئاً للموظف العمومي بما يستوجب إنزال أقصى العقاب الإداري به، وفصله من جهة عمله درءاً لخطره وحتى يكون عبرة لأمثاله.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن قرار الإحالة إلى المحاكمة شابه تجهيل، ذلك أنه من القواعد المسلم بها في المحاكمات بصفة عامة جنائية كانت أو تأديبية أن قرار الإحالة إلى المحاكمة يجب أن يتضمن بياناً مفصلاً بالمخالفات المنسوبة إلى المحال، وقد تضمن قرار الإحالة مخالفات مجهلة، لا يعرف ماهيتها، ومكان وتاريخ وكيفية وقوعها، كما أن المجلس أدان المحال لأسلوب رده أمامه، وصرف النظر عن قرار الإحالة وما ورد فيه من وقائع، ولم يقم مجلس التأديب بتسبيب حكمه، إذ من القواعد المسلم بها في التقاضي وجوب أن يصدر الحكم مسبباً، والحكم المطعون فيه، لم يكن حريصاً على بيان الأفعال المسندة إلى المحال، والأدلة التي استند إليها في تكوين قناعته وعقيدته.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق أنه وردت شكوى ضد الطاعن من السيد/……… العامل بقطاع أمن هيئة ميناء القاهرة الجوي تم إحالتها إلى التحقيق كما تقدم الطاعن بشكوى للسيد الأستاذ رئيس محكمة الجيزة الابتدائية أحالها إلى الأمين العام للمحكمة وقد أعد الأمين العام مذكرة مؤرخة 19/ 6/ 1989 ضمنها أنه صدر قرار رئيس المحكمة بنقل جماعي لموظفي الجلسات وقد رفض السيد/…….. تنفيذ القرار ثم نقل إلى قسم النسخ وظل يعمل به واشتكى منه رئيس القلم بعدم إطاعته الأوامر، وتقدم بطلب بنقله من قسم النسخ إلى أي عمل آخر فنقل في 1/ 4/ 1989 إلى قلم الحسابات، إلا أن السيد مراقب عام الحسابات بالمحكمة أبدى رغبته في عدم إلحاقه بقلم الحسابات لعلمه بعدم تعاونه مع زملائه وعدم إطاعة الرؤساء، وصدر القرار رقم بنقله إلى محكمة الصف بتاريخ 23/ 4/ 1989 ونفذ القرار بتاريخ 30/ 4/ 1989 ثم تقدم مستعطفاً بنقله إلى أي جهة بدائرة الجيزة فنقل إلى محكمة بندر إمبابة اعتباراً من 1/ 6/ 1989 ولم يمض على العمل ببندر إمبابة سوى هذه الأيام المعدودة فتقدم بشكواه وانتهى أمين عام المحكمة إلى طلب إحالة الشكوى إلى التحقيق فيما نسبه إلى بعض الموظفين فيها.
ومن حيث إن مجلس التأديب قد أدان الطاعن عن الواقعة الواردة بقرار الاتهام والخاصة بامتناعه عن تنفيذ الأوامر الصادرة إليه، وامتناعه عن تنفيذ أمر السيد الأستاذ المستشار رئيس المحكمة بنقله في حركة التنقلات طبقاً للقرار رقم 96 لسنة 89 في 10/ 11/ 1989 وأثار مشاكل عديدة في هذا الشأن على النحو الثابت بالتحقيقات.
ولما كانت المشاكل التي أثارها الشاكي والتي أدانه فيها مجلس التأديب على أساس أنه دأب على افتعال الأعذار واللجوء إلى أسلوب الشكاية الدائم من النقل، حرر أمين عام المحكمة وعضو المجلس مذكرة بشأنها مؤرخة 19/ 6/ 1989 ضمنها ما اقتنع به من أن الطاعن قد رفض تنفيذ قرار النقل، وأفصح عن عقيدته حول تهرب المحال من تنفيذ قرارات النقل وافتعاله الأعذار والالتجاء إلى أسلوب الشكاية والاستعطاف لإلغاء قرارات النقل.
ومن حيث إن قضاء هذه المحكمة قد استقر على أن ثمة قدراً من الضمانات الجوهرية يجب أن تتوافر كحد أدني في كل محاكمة تأديبية، وهذا القرار تمليه العدالة المجردة وضمير الإنصاف والأصول العامة في المحاكمات وإن لم يرد عليه نص ويستلهم من المبادئ الأولية المقررة في القوانين الخاصة بالإجراءات سواء في المحاكمات الجنائية أو التأديبية، ذلك أن القرار التأديبي هو في الواقع من الأمر قضاء عقابي في خصوص الذنب الإداري، كما انتهت الدائرة المشكلة طبقاً للمادة 54 مكرراً من القانون رقم 47 لسنة 1972 معدلاً بالقانون رقم 136 لسنة 1984 في الطعن رقم 28 لسنة 29 ق بجلسة 15/ 12/ 1985 إلى أن قرارات مجلس التأديب التي لم يخضعها القانون لتصديق من جهات عليا أقرب في طبيعتها إلى الأحكام التأديبية منها إلى القرارات الإدارية، ومن الضمانات الجوهرية حيدة الهيئة التي تتولى محاكمة العامل، ومن مقتضى هذا الأصل في المحاكمات الجنائية والتأديبية أن من يبدي رأيه يمتنع عليه الاشتراك في نظر الدعوى والحكم فيها وذلك ضماناً لحيدة القاضي أو عضو مجلس التأديب الذي يجلس من المتهم مجلس الحكم بينه وبين سلطة الاتهام حتى يطمئن إلى عدالة قاضيه وتجرده من التأثر بعقيدة سبق أن كونها عن المتهم موضوع المحاكمة، وقد رددت هذا الأصل المادتين 247 و248 من قانون الإجراءات الجنائية، كما بينت المادة 146 من قانون المرافعات الأحوال التي يكون فيها القاضي غير صالح لنظر الدعوى ممنوعاً من سماعها، ولو لم يرده أحد الخصوم ومن بين هذه الأحوال سبق الإفتاء أو الكتابة في الدعوى أو إبداء الرأي فيها، ورتبت المادة 147 من ذات القانون جزاء البطلان على عمل القاضي أو قضائه في الأحوال المتقدمة.
ولا ينال مما سبق ما تقضي به الفقرة الأخيرة من المادة 98 من القانون رقم 46 لسنة 1972 بشأن السلطة القضائية من أنه لا يمنع من الجلوس في هيئة التأديب سبق الاشتراك في طلب الإحالة إلى المعاش أو رفع الدعوى التأديبية ذلك أن هذا النص ورد في مجال مساءلة القضاة تأديبياً المنصوص عليها في الفصل التاسع من الباب الثاني من القانون المذكور، بينما انتظمت المواد من 164 حتى المادة 169 منه تأديب العاملين بالحاكم وقد خلت هذه القواعد من نص مماثل لنص المادة 98 سالف الذكر أو من نص يحيل إليها، وهذا النص الأخير هو نص استثنائي فلا يجوز القياس عليه أو التمسك به في غير النطاق الذي ورد في شأنه ويتعين الالتجاء إلى الأصل العام السابق بيانه والذي يقضي بامتناع من سبق أن أبدى رأياً في شأن الأمر المحال بسببه العامل إلى التأديب من الاشتراك في نظر الدعوى والحكم فيها ويكون القرار الذي يصدر على خلاف هذا الأصل معيباً بعيب جوهري ينحدر به إلى البطلان.
ومن حيث إن الثابت من مذكرة أمين عام المحكمة سالف الإشارة إليها أن له رأياً مسبقاً في الدعوى التأديبية موضوع النزاع، ومن ثم وفي ضوء ما سبق يكون السيد الأستاذ/……… أمين عام محكمة الجيزة الابتدائية غير صالح للجلوس في مجلس التأديب، ويكون القرار الصادر من مجلس تأديب العاملين بمحكمة الجيزة الابتدائية والذي اشترك المذكور في عضويته قد شابه البطلان ويتعين الحكم بإلغائه وذلك دون ما حاجة لبحث أوجه البطلان الأخرى المنسوبة للقرار.
ومن حيث إن بطلان القرار لعيب يتعلق بإجراءات المحاكمة لا يحول بين جهة الإدارة وبين مساءلة الطاعن تأديبياً عما هو منسوب إليه وإعادة محاكمته أمام هيئة أخرى وبمراعاة الإجراءات والضمانات المقررة قانوناً للمحاكمات التأديبية.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء القرار المطعون فيه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات